Thursday, June 23, 2011


بالأرقام: ثقة المصريين ضعيفة في مختلف الأحزاب القائمة، وهذه هي الأسباب


مقال بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره www.alaabayoumi.com

نص المقال:

تشير استطلاعات حديثة لأراء المصريين السياسية إلى مأزق تواجهه مختلف الأحزاب السياسية المصرية الموجودة على الساحة حاليا يتمثل في ضعف معرفة المواطن المصري بتلك الأحزاب، وقلة ثقته في قدرتها على قيادة الحكومة المقبلة بشكل عام، وتردده في منح أي منها صوته في الانتخابات البرلمانية المقبلة.

كما تشير الاستطلاعات إلى عدة أسباب رئيسية لضعف ثقة المصريين في أحزابهم السياسية، يأتي على رأسها ضعف معرفة المصريين بمختلف الأحزاب القائمة، وقلة ثقتهم في الأحزاب مقارنة بالحركات الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المصري الأخرى، وكون المشاكل الاقتصادية لا الأيدلوجية هي التي تحتل قمة أولويات المواطن المصري، هذا إضافة إلى نفور المصريين من الاستقطاب الأيدلوجي.

إذا يشير استطلاع جديد لأراء المصريين السياسية أصدره مؤخرا مركز أبحاث أميركي يسمى "معهد السلام الدولي" ومقره نيويورك، إلى أن أكثر الأحزاب المصرية شعبية حاليا - وهما حزبي الوفد وحزب الحرية والعدالة - لن يحصل أي منهما على أكثر من 12% من أصوات الناخبين المصريين إذا أجريت الانتخابات البرلمانية في الوقت الراهن، في حين ستحصل أحزاب أخرى على نسب ضئيلة جدا من أصوات الناخبين، كحصول الحزب الناصري على 4% وأحزاب التجمع والغد والعدالة على 1% لكل منها.

ويقول الاستطلاع الذي أجري في أواخر شهر مايو الماضي - وأعلنت نتائجه في منتصف الشهر الجاري - أن 49% من المصريين لم يحددوا بعد الحزب الذي سيمنحونه أصواتهم في الانتخابات المقبلة، وتبقى أصوات غالبية المصريين (51%) مقسمة بشدة بين أكثر من 15 حزب سياسي موجود على الساحة الآن.

عدم ثقة سياسية

المثير هنا أن أزمة عدم ثقة المصريين في أحزابهم تبدو سياسية بامتياز، فالاستطلاعات تشير إلى أن المصريين أكثر ثقة في مؤسسات مختلفة بالمجتمع المصري كالجيش والقضاء والمؤسسات الدينية مقارنة بالأحزاب وقدرتها على الحكم، كما أنهم أكثر ثقة في الحركات السياسية المختلفة مثل حركة 6 أبريل والأخوان المصريين، ولكن هذه الثقة لا تنسحب بالضرورة على الأحزاب السياسية المعبرة عن تلك الحركات.

فعلى سبيل المثال – وكما سنشرح تباعا بالتفاصيل – تنظر نسبة كبيرة من المصريين نظرة إيجابية لحركة الإخوان المسلمين، ولكن أقلية منهم ترغب في منح أصواتها لحزب الحرية والعدالة المنبثق عن الحركة.

ثقة في مؤسسات المجتمع

استطلاع مؤسسة جالوب الأميركية للأبحاث الصادر في أوائل شهر يونيو يقول أن 94% من المصريين يثقون في الجيش، و80% منهم يثقون في القضاء، و66% يثقون في الحكومة الانتقالية، ويلاحظ هنا أن التقرير أجرى في أواخر شهر مارس الماضي، وربما تغيرت هذه النسب حاليا.

ويقول استطلاع أخر أجرته مؤسسة بيو الأميركية لاستطلاعات الرأي – أجري أيضا في نهاية شهر مارس – أن 88% من المصريين ينظرون إيجابيا للجيش، و81% ينظرون إيجابيا لدور المؤسسات الدينية، و67% ينظرون إيجابيا لدور القضاء.

ويلاحظ هنا أن الاستطلاعين السابقين أجريا في أواخر شهر مارس الماضي - وهي فترة عبر خلالها المصريون عن شعورهم بالتفاؤل بخصوص مستقبل مصر بعد الثورة بنسب كبيرة تتراوح بين 60-80%، ويلاحظ أيضا أن نظرة المصريين لمؤسسات المجتمع ودورها الحالي تتفاوت من استطلاع لأخر، ولكنها تبقى مرتفعة وتعبر عن رضا غالبية المصريين.

ويقول استطلاع معهد السلام الدولي والذي أجري في أواخر شهر مايو الماضي أو بعد شهرين من الاستطلاعين السابقين أن نظرة المصريين للجيش والقضاء مازالت إيجابية بنسبتي 94% و76% على التوالي، ويقول الاستطلاع إلى أن نظرة المصريين الإيجابية للجيش تعود إلى شعور 35% منهم بأن الجيش دعم الثورة، وشعور 31% بأن الجيش حافظ على الأمن والاستقرار، ولتقدير 15% من المصريين لدور الجيش حاليا في حكم البلاد.

وهذا يعني أن تقدير المصريين للجيش يعود بالأساس لدوره كمؤسسة وطنية دعمت الثورة وحافظت على الأمن والاستقرار بالأساس، ويبدو أن تقدير المصريين للجيش يقل كلما اقترب الأمر من السياسة والحياة السياسية ودور الجيش في حكم البلاد.

وتتضح الفكرة أكثر إذا تناولنا نظرة المصريين لقادة الجيش، حيث يقول استطلاع المعهد العالمي للسلام أن 64% من المصريين ينظرون إيجابيا للمشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري الحاكم في مصر، ولكن لما سئل الاستطلاع المصريين عن إمكانية منح أصواتهم للمشير طنطاوي في الانتخابات الرئاسية المقبلة، قال 8% منهم فقط أن طنطاوي هو اختيارهم الأول، وقال 12% أن طنطاوي هو اختيارهم الثاني.

وهذا يعني أن المصريين يميزون بشدة بين مؤسسات المجتمع من ناحية، ودور تلك المؤسسات في الحكم وفي الحياة السياسية من ناحية أخرى، وقادة تلك المؤسسات من ناحية ثالثة، وأن الخلط بين تأييد المصريين لهؤلاء جميعا أمر خاطئ وغير دقيق.

ثقة في الحركات الاجتماعية لا أحزابها

ثقة المصريين في بعض مؤسسات دولتهم الرئيسية كالجيش والقضاء والمؤسسات الدينية تنسحب أيضا على بعض الحركات السياسية والاجتماعية الكبرى.

حيث يشير استطلاع مركز بيو إلى أن 70% من المصريين ينظرون نظرة إيجابية إلى حركة 6 أبريل، وأن 75% ينظرون إيجابيا إلى الإخوان، وهي نسبة أقل قليلا من نظرتهم الإيجابية نحو الجيش (88%) ونحو المؤسسات الدينية (81%)، وأكثر من نظرتهم الإيجابية نحو مؤسسة القضاء (67%)، ونحو دور الإعلام (69%) وفقا للاستطلاع نفسه، والذي يقول أن نسبة المصريين الذين ينظرون نظرة إيجابية نحو مؤسسة الشرطة تبلغ 34% فقط.

ولما سئل الاستطلاع نفسه المصريين عن الحزب الذي سيمنحونه أصواتهم في الانتخابات البرلمانية المقبلة، قال 20% أنهم سيصوتون للوفد، وحصل الإخوان على 17%، والغد على 16%، والتجمع على 11%، و10 % لبقايا الوطني.

أما استطلاع جالوب فيقول أن 15% من المصريين سيصوتون للإخوان، و9% للوفد، و10 % لبقايا الحزب الوطني، و5% لحزب الوسط.

وهذا يعني أن المصريين يفرقون بين حركة كفاية والأحزاب التي قد تعبر عن الجماعات المشكلة للحركة، ويفرقون بين حركة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة المعبر عنها، وذلك كما يظهر في البون الشاسع بين نظرة المصريين الإيجابية للحركات الاجتماعية والسياسية الأم واستعدادهم لمنح أصواتهم للأحزاب المعبرة عن تلك الحركات.

أكثر من ذلك يفرق المصريون بين نظرتهم للحزب واستعدادهم لمنحه أصواتهم في الانتخابات.

حيث يشير استطلاع المعهد الدولي للسلام إلى أن 40% من المصريين ينظرون إيجابيا لحزب الوفد، و31% لحزب الحرية والعدالة، و24% للحزب الناصري، و18% للغد، و16% للتجمع، ومع ذلك عبرت نسب أقل بكثير من المصريين عن استعدادها منح تلك الأحزاب أصواتها في الانتخابات المقبلة، وهي كالتالي 12% للوفد، و12% للحرية والعدالة، و4% للناصري، و1% للغد، و1% للتجمع.

ويلاحظ أيضا أن الاستطلاعين السابقين أجريا في أواخر شهر مارس، وأن النسب تتفاوت بين استطلاع وأخر، ولكنها تجمع على عجز أي حزب مصري على الفوز بأكثر من خمس أصوات الناخبين لو أجريت الانتخابات فورا.

ولما سئل استطلاع معهد السلام الدولي المصريين عن وجهة أصواتهم في أواخر شهر مايو الماضي، لم يحصل أي حزب على أكثر من 12% من أصوات المصريين والتي حصل عليها حزبي الوفد والحرية والعدالة، أما بقية الأحزاب فقد حصلت على نسب ضئيلة للغاية تقل عن 6%.

ويقول الاستطلاع أن الأحزاب الليبرالية ستحصد مجتمعة 20% من أصوات الناخبين، والإسلامية ستحصد 19% من أصواتهم، واليسارية ستفوز بنسبة 5% فقط من الأصوات، وتبقى أصوات 49% من الناخبين المصريين معلقة بلا وجهة حتى الآن.

أسباب عدم الثقة

قراءة نتائج الاستطلاعات الثلاثة تكشف عن عدة أسباب رئيسية لتردد المصريين في منح أصواتهم لأي حزب من الأحزاب السياسية القائمة، ويأتي على رأي هذه الأسباب ما يلي:

أولا: ضعف معرفة المصريين بمختلف الأحزاب القائمة، حيث يشير استطلاع معهد السلام الدولي إلى أن أشهر الأحزاب المصرية هو حزب الحرية والعدالة والذي يعرفه 60% من المصريين (بما في ذلك من ينظرون سلبيا للحزب ونسبتهم 29% من المصريين كما يقول الاستطلاع).

ويأتي بعد الحرية والعدالة حزب الوفد بنسبة معرفة تبلغ 59%، ثم الناصري بنسبة 41%، والنور بنسبة 42%، والتجمع بنسبة 37%، ثم حزب الوسط بنسبة 30%، والنسب السابقة هي نسبة من يعرفون الحزب بما في ذلك مؤيديه ومعارضة.

أما بقية الأحزاب المصرية القائمة فلا يعرف عنها أكثر من 30% من المصريين، وهذا يعني وبصيغة أخرى أن خمسة أحزاب مصرية فقط معروفة لأكثر من 30% من المصريين، وأن غالبية الأحزاب المصرية القائمة غير معروفة لأكثر من 70% من المصريين.

ثانيا: الشهرة وحدها لا تكفي، فالمواطن المصري يفرق بين الحزب والجماعة التي يعبر عنها والأشخاص الذين يمثلونه واستعداده لمنح صوته لأي الحزب في الانتخابات، وهي النقطة التي حاولنا التدليل عليها في الجزء الأكبر من هذا المقال.

فعلي سبيل المثال تقول الاستطلاعات المختلفة أن 75% من المصريين ينظرون نظرة إيجابية لجماعة الإخوان المسلمين، في حين ينظر 31% فقط من المصريين نظرة إيجابية لحزب الحرية والعدالة المكون من قبل الحركة، ولا يبدي أكثر من 15% من المصريين استعدادهم للتصويت لحزب الحرية والعدالة إذا أجريت الانتخابات الآن، وينطبق الأمر نفسه على بقية الأحزاب المصرية، فالمصريون ينظرون إيجابيا لتلك الأحزاب أكثر من استعدادهم منح أصواتهم لها.

ثالثا: يظهر من الاستطلاعات أن المصريين مهتمون حاليا بالأساس بقضايا كالاقتصاد وإعادة الأمن والاستقرار للبلاد أكثر من اهتمامهم بقضايا السياسة المجردة كالصراعات الأيدلوجية حول قضايا الديمقراطية والعلاقة بين الدين والسياسة، ويبدو من الاستطلاعات أيضا أن المصريين رافضين للاستقطاب الأيدلوجي وقد يعاقبون سياسيا من يؤججه.

استطلاع معهد السلام الدولي يقول أن أكبر أولوية للمصريين حاليا هي الاقتصاد بنسبة 54%، يليها الخوف من تأثير المظاهرات على الأوضاع بالبلاد بنسبة 15%، ثم إعادة الأمن بنسبة 13%، ومكافحة الفساد بنسبة 6%.

وتعكس الأرقام السابقة حقيقة أظهرتها مختلف الاستطلاعات التي أجريت لأراء المصريين السياسية، وهي أنهم مشغولون كثيرا بالأوضاع الاقتصادية والأمنية للبلاد بعد الثورة، إذا يقول استطلاع جالوب (أجري في أواخر مارس) أن 53% من المصريين يشعرون بتراجع الاقتصاد، وأن 39% يشعرون بتراجع الأمن.

ويقول استطلاع بيو أن تحسين الأوضاع الاقتصادية يحتل قمة أولويات المصريين بالنسبة للمستقبل بشكل عام بنسبة 82%، يليه بناء قضاء عادل (79%)، ثم حرية التعبير (63%)، وفرض القانون (63%)، وحرية الانتخابات (55%)، والسماح للأحزاب الدينية بالمشاركة في الحكم (50%)، والمساواة بين الرجال والنساء في الحقوق (39%)، وحريات الأقليات الدينية (36%).

وهذا يعني أن إصلاح الاقتصاد وبسط سلطة القانون يتقدمان على قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان ومشاركة الأحزاب الدينية والقضايا الحقوقية.

ولما طلب استطلاع بيو من المصريين التفضيل بين الديمقراطية والاستقرار اختار 54% منهم الديمقراطية مقابل 32% اختاروا الاستقرار، ولما طلب منهم المفاضلة بين اقتصاد قوي والديمقراطية فضل 49% منهم بناء اقتصاد قوي على الديمقراطية (47%).

وبالطبع تأتي قضايا كمشاركة الأحزاب الدينية والحريات والأقليات في مرتبة أقل، وهذا يعني أن التركيز على هذه القضايا وتجاهل القضايا الأهم - وهي الاقتصاد والأمن - من شأنه أن يعمق أزمة الأحزاب السياسية التي تعاني أصلا من عدم الثقة المواطنين فيها وقلة معرفتهم لها.

رابعا: يظهر أيضا أن المصريين لا يفضلون الأحزاب التي ترتبط بالاستقطاب الأيدلوجي، ويظهر هذا جليا في حالة حزب النور الذي يعبر عن التيار السلفي، وهو حزب حديث للغاية يقع أيدلوجيا على يمين السياسة المصرية وعلى يمين أحزاب ذات خلفيات إسلامية أخرى كحزب الحرية والعدالة المعبر عن تيار الإخوان.

حيث يشير استطلاع معهد السلام العالمي إلى أن 42% من المصريين يعرفون بالحزب حديث العهد، وأن نسبة من ينظرون سلبيا للحزب (30%) تمثل أضعاف من ينظرون إليه إيجابيا (12%)، وقد يعود هذه إلى الضجة الإعلامية التي أثيرت حول تصريحات بعض قيادات التيار السلفي.

وتعاني أحزاب كالجبهة الديمقراطية والغد والتجمع من استقطاب مماثل، ولكنه أقل من حالة حزب النور، فحزب الجبهة يؤيده 7% ويعارضه 13% وهي نسبة تصل للضعف تقريبا، أما الغد فيفضله 18% ولا يفضله 24%، وبالنسبة لحزب التجمع فيقبله 16% ويرفضه 21%.

خامسا: من الواضح من الاستطلاعات السابقة أن تفاؤل المصريين بالنسبة للمستقبل بعد الثورة في تراجع، خاصة وأن الثورة زادت من توقعاتهم الإيجابية لمستقبل مصر لأول مرة منذ فترة طويلة، وقد تؤدي ثورة التوقعات هذه وشعور المصريين بمشاكل كالاقتصاد والأمن - وقلة اهتمام الأحزاب بتلك القضايا وانشغالهم بصراعات أيدلوجية أخرى - إلى قنوط المصريين من تلك الأحزاب ونفاذ صبرهم عليها.

وهي رسالة هامة تفرض على جميع الأحزاب المصرية القائمة التواضع وإدراك أن الطريق أمامها طويل للغاية قبل أن يعرف كل المصريين بأي منها هذا ناهيك عن حصول أي منها على أغلبية أصوات المصريين وثقتهم السياسية، وقد يكون أقصر طريق لشعبية تلك الأحزاب هو الاهتمام بقضايا المصريين الرئيسية، وعلى رأسها الاقتصاد والتمنية والبعد عن الاستقطاب الأيدلوجي الذي ينفر المصريين لا يجذبهم.

أخيرا، قد يقول البعض أن الاستطلاعات التي اعتمدنا عليها في المقال الحالي هي استطلاعات أميركية مغرضة لا يعول عليها خاصة وأن غالبية المصريين لا يثقون في أميركا وما يأتي منها كما تؤكد الاستطلاعات التي استخدمناها في التقرير نفسها، وفي الرد أقول أن لا أحد سيقف على حقيقة توجهات المصريين السياسية كاملة إلا يوم الانتخابات، وأن الاستطلاعات السابقة صادرة على مؤسسات بحثية أميركية معروفة، وأن تواترها قد يفيد في التحقق من نتائجها، وأننا نقرأها في ضوء قراءتنا لمصادر أخرى مصرية عديدة تعبر عن الواقع ذاته، ونأمل أن يجد القارئ فيها بعض المساعدة على فهم ما يجري في مصر حاليا، والله أعلم.

Sunday, June 12, 2011

بالأرقام: سببان رئيسيان للصراع الديني العلماني في مصر


مقال بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره www.alaabayoumi.com

نص المقال:

أحدث استطلاعات الرأي العام المصري تشير إلى سببين رئيسيين يقفان خلف الجدل المحتدم حليا في مصر بين التيارين العلماني والمتدين، أولهما وجود أقلية علمانية صغيرة للغاية تمتلك نفوذ سياسي وإعلامي ولا تتورع عن إثارة مشاعر الغالبية العظمى المتدينة في مصر، وثانيهما تنامي مشاعر التشدد الديني بين أقلية من المصريين قد تصل إلى الثلث.

ومن الملاحظ أولا أن الصراع الديني العلماني في مصر قديم، وأنه حدته ضعفت في الأسابيع القليلة التالية لثورة 25 يناير حيث طغت مشاعر الوحدة الوطنية والنظرة الإيجابية نحو المستقبل على مواقف المصريين السياسية، ولكن حدة الصراع عادت للظهور تدريجيا منذ منتصف شهر مارس الماضي حيث أجري استفتاء حول بعض التعديلات الدستورية رأى البعض أن التيارات الإسلامية حشدت مسانديها للتصويت على التعديلات بنعم من منطلق ديني.

وقد تنامي التوتر الديني العلماني في مصر تباعا حتى وصل لمستويات - يرى كثيرون حاليا - أنها باتت تهدد التوافق السياسي بين قوى المعارضة في مصر وتهدد منجزات ثورة يناير.

وعادة يدور الجدل - حول القضية الهامة - اعتمادا على تحليلات سياسية وتاريخية مختلفة، في ظل غياب استطلاعات دورية للرأي العام المصري، لذا وجدنا في إصدار استطلاعين للرأي العام المصري عن اثنين من أكبر معاهد استطلاع الرأي العام الأميركية (مركز بيو في أبريل الماضي، ومركز جالوب في يونيو الحالي) فرصة للوقوف بالأرقام على نظرة المصريين لهذه القضية الهامة.

وفيما يلي عرضا بأهم النتائج التي توصلنا إليها من قراءة الاستطلاعين.

أغلبية متدينة

أولا: الغالبية العظمى من الشعب المصري متدينة بشكل واضح، وهذا يعني أن الصراع العلماني الديني في مصر ليس صراعا دينيا بالأساس.

فاستطلاعات الرأي تقول أن الدين مهم لـ 96% من المصريين، وأن 92% منهم يثقون في المؤسسات الدينية، و81% مهم يشعرون بأن دور القيادات الدينية إيجابي، و89% منهم يريدون دورا لتعاليم الإسلام في التشريعات السياسية.

هذا يعني أن غالبية الشعب المصرية متدينة، وأن محاولة تصوير الصراع بين التيارات السياسية العلمانية والدينية في مصر على أنه صراع ديني هي أمر خاطئ، فهو صراع سياسي أو مسيس بشكل واضح خاصة وأن المصريين مجمعون على أن الدين مهم في حياتهم ويريدونه أن يلعب دورا في حياتهم السياسية والدينية على حد سواء.

أقلية علمانية مهيمنة

ثانيا: هذا لا يمنع أن هناك أقلية صغيرة جدا في المجتمع المصري غير متدينة أو ذات أجندة سياسية رافضة على الإطلاق لأي دور للدين في السياسة.

حيث تشير الاستطلاعات إلى أن 4% من المصريين يرون أن الدين لا يلعب دورا مهما في حياتهم، وأن 9% منهم يرفضون أي سلطة لرجال الدين على العملية السياسية، في حين أن أغلبية الشعب المصري 69% تريد فقط أن يكون لرجل الدين دور في نصح السياسي.

وهذا يعني أن الشعب المصري المتدين لا يريد بناء دولة لاهوتية يتحكم فيها رجال الدين في السياسة، ولكنهم كشعب متدين يريدون دورا للدين ورجال الدين الذين يحترمونهم في السياسة من خلال نصح وإرشاد السياسيين، ومع ذلك توجد أقلية صغيرة ترفض على الإطلاق أي دور لرجال الدين في السياسة.

ويعد هذا التفسير الأول لأسباب الصراع الديني العلماني الدائر في مصر حاليا، وهو وجود أقلية صغيرة من العلمانيين المتشددين الذين يسيرون ضد التيار العام المصري، وقد يكون وجود هذه الأقلية ليس مشكلة في حد ذاته لسببين، أولهما حجمها، فهي تبدو أقلية صغيرة للغاية (أقل من 10% في جميع الأحوال)، أما السبب الثاني فهو أن صعب تصور مجتمع بلا اختلافات سياسية ودينية.

ولكن يتبادر إلى الذهن هنا شكاوى بعض أبناء التيارات الدينية في مصر من هيمنة التيار العلماني سياسيا وإعلامي، وهي هيمنة يمكن تصورها لسببين، أولهما أن النظام المصري السابق كان نظام علماني يستخدم الدين أسوأ استغلال ولا يتواني عن تأجيج مشاعر التوتر الديني بين التيارات الدينية المختلفة داخل المجتمع المصري من خلال استخدام "فزاعة" الإسلاميين، ومن خلال إضعاف مختلف مؤسسات المجتمع المدني المصري، وعدم إيجاد حلول حقيقية لمشاكل ذات طبيعة دينية مثل المطالب المتعلقة بالحقوق الدينية والسياسية للأقلية المسيحية في مصر.

كما يرى أصحاب هذا التفسير أن نخبة نظام مبارك سيطرت على الإعلام الحكومي التابع للنظام بشكل مؤسف في عهد مبارك، وسيطرت أيضا على الإعلام الخاص التابع لبعض رجال السياسة والمال الذين صعود سياسيا وماليا في عهد الرئيس السابق.

أقلية متدينة متشددة

ثالثا: استطلاعات الرأي تكشف عن نظرية أخرى لا تقل أهمية عن نظرية الأقلية العلمانية المهيمنة سياسيا وإعلاميا، حيث تشير تلك الاستطلاعات إلى تعاطف قطاعات أكبر نسبيا من الشعب المصري مع أجندة سياسية دينية متشددة تتعارض من توجه أغلبية المصريين.

فالاستطلاعات نفسها تقول أن 1% من المصريين يريدون بناء دولة دينية سياسية في مصر على صورة النظام الإيراني، وأن 14% منهم يريدون سلطة كاملة لرجال الدين على التشريعات السياسية، وأن 13% منهم يشعرون أن مجتمعاتهم المحلية (مدنهم أو قراهم) باتت غير متسامحة تجاه الأقليات الدينية، وأن 31% منهم يتعاطفون مع التيارات الأصولية في مصر.

ولعل هذا ما دفع 62% من المصريين إلى التعبير عن رغبتهم في أن يؤكد الدستور الجديد على الحريات الدينية ويحميها.

بمعنى أن الأغلبية المصرية المتدينة والتي تريد أن يستشير الساسة رجال الدين (69%)، وتشعر بالتسامح والاندماج بين التيارات الدينية في مصر (78%)، وترحب بالعيش بجوار جار من ديانة أخرى (67%) باتت تشعر بأن هناك أقلية كبيرة نسبيا تمتلك أجندات متشددة تهدد التسامح الديني والعلاقة بين الجماعات الدينية المختلفة في مصر.

وهذا يعني أن الأغلبية المصرية المتسامحة تعاني من تيارين، أولهما تيار علماني صغير الحجم (10% أو أقل) يمتلك النفوذ السياسي والإعلامي، وثانيهما تيار ديني يمثل أقلية أكبر حجما (قد يصل إلى الثلث) يمتلك أجندات ورؤى دينية متشددة.

توصيات

وبناء على ما سبق ننصح بما يلي:

أولا: محاولة تصوير الصراع الديني العلماني في مصر على أنه صراع ديني أو القول بأن التدين والدين في مصر محل خطر هو أمر خاطئ، فالصراع الديني العلماني في مصر صراع سياسي بالأساس في ظل تدين غالبية الشعب المصري وتمسكهم بمؤسساتهم الدينية.

ثانيا: على التيارات السياسية المختلفة تجنب اللغة السياسية التي تثير مشاعر الغالبية العظمى المتدينة في مصر، فالشعب المصري متسامح ولكنه يحترم الدين والمؤسسات الدينية ورجال الدين بوضوح.

لذا ينبغي على التيارات السياسية المختلفة تنقية خطابها من الأفكار والمفاهيم التي قد يساء فهمها، فبدلا من الحديث عن العلمانية – وهي مصطلح أجنبي له تعريفات مختلفة قد لا يتفق عليها المصريون أو أي شعب من شعوب العالم – يجب التركيز على المفاهيم السياسية الدينية التي يؤمن بها غالبية المصريين كالتسامح واحترام حقوق الأقليات ورفض الدولة اللاهوتية والدور الإيجابي لرجال الدين وجميع طوائف الشعب المصري في السياسة إذا فهم كل فرد دوره وأتقنه.

ثالثا: النفوذ الإعلامي والسياسي للتيارات العلمانية في مصر في حاجة لمزيد من الدراسة والسبل العلمية والعملية لمواجهته، فهناك حاجة لمنظمات مدنية تراقب الإعلام وتوجهه وتحمي حقوق التيارات الدينية المختلفة، هناك أيضا حاجة لمؤسسات سياسية أكثر تمثيلا للشعب المصري، ومؤسسات إعلامية أكثر تنوعا، وهي مؤسسات نأمل ونتصور نموها في القريب العاجل في مصر.

رابعا: هناك تيارات دينية متشددة يجب دراستها والتعامل معها بعقلانية وبأسلوب علمي وسياسي ناجح، فأحدى المشاكل القائمة في مصر تتعلق بطبيعة التدين الذي يدين به المصريون، ويجب هنا أن نوضح مرة أخرى أن الشعب المصري متدين، وأن نقد بعض التيارات الدينية ليس هجوما على الدين أو التدين في مصر، ولكنه نقدا لطبيعة هذا التدين.

فالاستطلاعات السابقة تشير مثلا أن 83% من المصريين دعموا الثورة والمظاهرات التي قادت إليها، ولكنها تشير أيضا إلى أن 11% فقط شاركوا في تلك المظاهرات، وهذا يعني أن في مجتمع متدين بشكل كبير كالمجتمع المصري (96%) كنا نتصور أن تشارك نسبة أكبر من المصريين في الثورة المصرية، وعدم حدوث ذلك يعني أن تدين المصريين الحالي أو فهمهم للتدين لم يسعف 88% منهم للمشاركة في الثورة التي دعموها وغيرت نظرتهم لبلدهم وحياتهم ولمستقبلهم بشكل إيجابي كما تؤكد الاستطلاعات.

وهي أرقام تؤكد حاجة المصريين لفتح حوار صريح حول طبيعة التدين المصري وفهم التيارات الدينية المختلفة للتدين ولعلاقة السياسة بالدين بدون إثارة أو مبالغة.

خامسا: نتمنى أن تساهم المشاركة الديمقراطية التي ينتظرها المصريون بشوق في تقليل التوتر السياسي الديني، وذلك من خلال إشراك التيارات السياسية المختلفة في مؤسسات المجتمع المصري السياسية والمدنية على كافة المستويات بشكل يزيد من التعارف والفهم ويقلل من الشكوك والمخاوف والأفكار النمطية المسبقة.

Wednesday, June 08, 2011

دعوة لخصخصة الإعلام الحكومي في مصر


بقلم: علاء بيومي

أتمنى أن تعرف مصر الثورة عددا أقل من وسائل الإعلام المملوكة للدولة، وأن تتخلص الحكومة المصرية في أسرع فرصة مناسبة من هذا الكم الهائل من الصحف والمجلات والإذاعات وقنوات التلفزيون التي يعجز عن إحصائها غالبية المصريين.

كما أتمنى آلا تبقى مصر الثورة على أكثر من صحيفة واحدة وإذاعة وقناة تلفزيون تحت ملكية الدولة على الأكثر، وهذا إذا كانت مضطرة إلى ذلك وهناك سياسة واضحة لإدارة تلك الوسائل الإعلامية، أما بقية وسائل الإعلام المملوكة للدولة المصرية حاليا فيتم تخصيصها في أقرب فرصة بشكل يضمن حقوق العاملين فيها حتى لا تتكرر مشاكل الخصخصة التي يمقتها المصريون.

ولدي أسباب عديدة:

أولا: مصر تريد أن تدخل عهد الدولة الديمقراطية القوية، والتي تعرف مجتمع قوي من خلال منظماته المدنية وإعلامه الحر وأحزابه، وحكومة تمتع بالكفاءة ولكنها صغيرة الحجم، وهذا يعني أن الاحتفاظ بجيش هائل من وسائل الإعلام الحكومية يديرها موظفون حكوميون تعينهم الدولة هو دعوة صريحة لبقاء الحال على ما هي عليه، ولتركيز السلطات والموارد والأمر والنهي في يد الحكومة، وهو أمر يجب أن يتوقف فورا.

الحكومات حول العالم لا تحتاج ولا يجب أن تمتلك صحف أو مجلات أو إذاعات تعبر عنها، فهي مؤسسة كمؤسسات المجتمع، وإذا كان لديها معلومات فلتعلن عنها، وبحكم أنها مؤسسة كبيرة ومهمة للغاية، فسوف يهتم بأخبارها الإعلام بطبيعة الأمور لأنها "مصدر هام الأخبار"، ولو تخلصنا من هرم وسائل الإعلام الحكومية الموجودة حاليا فسوف ندفع الحكومة لمزيد من التواصل مع الإعلام والصراحة والشفافية.

ثانيا: نريد توفير النفقات والإعلام مهنة مكلفة، ولا نعرف لماذا يتحمل دافع الضرائب المصري الفقير تكاليف إنتاج برامج ومسلسلات وأفلام وعدد هائل من الصحف والمجلات، فمن الأولى توجيه هذه النفقات إلى خدمات مباشرة يستفيد منها المواطن كالتعليم ومحو الأمية والصحة والمواصلات، أما أن تذهب أموال دافع الضرائب المصري الفقير لإطلاق قنوات تلفزيونية وتمويل عدد هائل من وسائل الإعلام التي لا يعجز المثقف المتخصص عن تتبعها أو فهم سبب تواجدها أصلا، فهو أمر غير لائق.

ثالثا: العمل الإعلامي ليس من وظائف الحكومة أو أنشطتها، فالحكومة فهو سلطة مستقلة يجب أن تستقل عن سيطرة الدولة لتبقى حرة، وهذا لا يعني انتفاء دور الحكومة في المجال الثقافي، فالحكومة يمكنها أن تلعب دورا هاما من خلال نشر التعليم ومحو الأمية وفتح المكتبات والمتاحف، وهي أنشطة نتمنى أن يقوم بها القطاع الخاص بغالبيتها إذا أمكن، ولكن بعضها بطبيعته يعود للملكية العامة، فلا يمكن أن نتصور مثلا خصخصة الآثار المصرية والمتاحف، أما بالنسبة للصحف ووسائل الإعلام فخصخصتها باتت الأصل حول العالم وليس الاستثناء.

وقد يقول البعض أن من واجبات الحكومة المصرية تقديم نموذج إعلامي مميز يضمن للمواطن المصري حد أدني من العمل الإعلامي الحرفي الذي ينشر المعلومة الصحيحة، وفي هذه الحالة أعتقد إننا لا نحتاج أكثر من صحيفة واحدة وإذاعة وقناة تلفزيون فقط لا غير، على أن تدار تلك المؤسسات من خلال هيئات عامة مستقلة لا تخضع لرقابة السلطة التنفيذية وحدها، وأن تتمتع بأكبر قدر من الكفاءة والحرفية بشكل يوفر النفقات لأقصى حد ويضمن تقديم أفضل خدمة إعلامية للمواطن المصري.

رابعا: للأسف فشلت وسائل الإعلام المملوكة للدولة في الاختبار على مدى عقود، وقد يقول البعض أن هناك آلاف الشرفاء يعملون بتلك الوسائل، وأرد قائلا بأن هذا محتمل، ولكن الفكرة نفسها خاطئة وما أسس على باطل فهو باطل.

وسائل الإعلام الحكومية في مصر تحولت على مدى عقود لأبواق للسلطة، وسرعان ما انصرف عنها المصريون عندما توفرت لهم وسائل إعلام محلية ودولية بديلة، وحتى بعد الثورة وبعد مرور أكثر من ثلاثة شهور عليها أعتقد أن غالبية المصريين لا يتابعون وسائل الإعلام الحكومية خاصة وأن وسائل الإعلام الخاصة اجتذبت أفضل الإعلاميين المصريين وتقدم خدمات أفضل في كثير من الأحيان، فلماذا يعود المواطنون للوسائل الإعلام الحكومية أصلا!؟

خامسا: أعلم أن هذه الدعوة قد تكون صادمة ومخيفة لآلاف من الإعلاميين والموظفين المصريين العاملين بتلك المؤسسات، خاصة وأن عمليات الخصخصة في مصر قادت إلى نتائج سلبية عديدة خلال العقدين الماضيين، ولكن الصحفي شخصي قيادي بطبيعته يسعى للبحث عن الحقيقة وقيادة مجتمعه إلى الأفضل، وأعتقد أن القطاع الخاص هو الأقدر على إدارة الجزء الأكبر من حياتنا الثقافية حتى لا نقع جديد أسرى للاستبداد السياسي والحكومي، وإذا كان المجتمع المصري قد تحرك منذ زمن بعيد نحو الحرية والتخلص من سيطرة الحكومة، فقد حان الوقت أن يلحق بهم الصحفيون المصريون من خلال خصخصة الغالبية العظمي من الإعلام الحكومي المملوك للدولة.

Tuesday, June 07, 2011

مشروع نجم سياسي مصري شاب



بقلم: علاء بيومي

د. معتز عبد الفتاح – المستشار السياسي لرئيس وزراء مصر الحالي عصام شرف – يمتلك قدرات سياسية واضحة تؤهله للعب دور هام في الفترة المقبلة لو أحسن توظيف قدراته وطورها في الاتجاه الصحيح، ولدي أسبابي:

أولا: د. عبد الفتاح أستاذ علوم سياسية وكاتب رأي يكتب بأسلوب سهل ممتنع لا يخلو من العمق والدقة، فالرجل يجيد بمهارة أستاذ الجامعة تحويل الأفكار السياسية الصعبة إلى مادة سهلة تنشر في مقال صغير للغاية ويفهمها القارئ العادي.

ثانيا: وهو الأهم، عبد الفتاح ينتمي إلى تيار سياسي مصري مفصلي في الفترة القادمة، وهو ما يجعلني أنتظر منه الكثير، فهو ينتمي ليمين وسط السياسة المصرية، وهو الحلقة الأهم والمفقودة بين التيارات السياسية الحالية، فالرجل يكتب بلغة لا تسيء لأحد، وأعتقد أنها تلقى قبولا لدى الكثيرين، فمقالاته تتضمن الكثير من الأفكار والقيم الدينية، ولكنه يتحدث بسلاسة عن القيم الليبرالية والغربية التي تفيد واقعنا العربي.

بمعنى أخر سياسيين يتحدثون بلغة عبد الفتاح يمكنهم تجميع المصريين لا تفريقهم، ومخاطبة الأطراف المختلفة من التيارات السياسية المصرية وشدهم نحو وسط السياسة المصرية لا أطرافها، فهو يستطيع أن يخاطب الإسلامي والعلماني والليبرالي واليساري – في نفس الوقت وبنجاح – كما أتصور.

الرجل نشأ في مصر وتخرج من أحدى جامعاتها، ودرس في أميركا وعمل بإحدى جامعاتها، وتستفيد من مقالاته عندما يتحدث عن الإسلام أو الأفكار السياسية الغربية، وهو شيء نادر وسط الكتاب السياسيين المصريين حاليا، خاصة وأن مقالاته تتميز بالعمق والدقة في أغلب الأحيان.

ومصر في حاجة لسياسيين مثله قادرين على التحدث للمواطن البسيط والمثقف والإسلامي والعلماني وللعالم الخارجي بمقدرة وفهم ووعين، فمصر الصورة تحتاج لسياسيين قادرين على الحديث لمصر وللعالم، وليس لفئة محدودة من المصريين فقط.

ثالثا: عبد الفتاح ينتمي لجيل الشباب، بما يعنيه ذلك من طاقة ونشاط وإجادة لأدوات التواصل الحديثة وقدرة على التواصل بين الأجيال العمرية والسياسية المختلفة، وقد تحدث عبد الفتاح في بعض مقالاته عن انتمائه لجيل وسط (الثمانينيات والتسعينيات) وعن رغبته في أن يلعب جيله دور الوسيط بين الأجيال الأكبر عمرا وشباب مصر صانع ثورتها.

رابعا: عمل عبد الفتاح كمستشار سياسي لعصام شرف لابد وأن يصقل مهاراته السياسية ويمنحه خبرة في فهم المجال التنفيذي من السياسة، وربما يؤهله بعد ذلك للعب دورا سياسيا أكبر في المستقبل.

خامسا: رأيت الرجل وسمعته يتحدث في بعض الأحيان في برامج تلفزيونية وفي مواد تعليمية مسجلة على شبكة الانترنت، وأعجبني حديثه كسياسي لأنه يتحدث بقدر كبير من الحكمة والدبلوماسية والحرص، وإن كنت لم أشاهده يتحدث أمام جماهير غفيرة، وكنت أتمنى ذلك لأبني فكرة عن قدرته على تحريك الجماهير، وهو أمر ضروري لكل سياسي ناجح.

على الجانب الأخر يعاني مستقبل د. عبد الفتاح السياسي من بعض التحديات، أولها خلفيته الأكاديمية والتي أتمنى آلا تطغى عليه وتحرمه من العمل وسط الجماهير وعدم الاكتفاء فقط بتقديم النصح السياسي، فالعمل الجماهيري ضروري لأي سياسي ناجح قادر على تطوير السياسة المصرية، فالمصريون ملوا – كما أعتقد – من السياسيين الهابطين عليهم من السماء بلا شعبية أو تاريخ سياسي.

وهذا يقودنا إلى التحدي الثاني أمام د. عبد الفتاح، وهو أنه لا يمتلك تاريخ من العمل السياسي في مصر، فالرجل – رغم أنه عاش وتربي في مصر وتخرج من جامعاتها، إلا أنه أقام لفترة في الولايات المتحدة وعاد مؤخرا إلى القاهرة، وقد لا يعرفه الكثيرون آلا بعض من تابعوا كتاباته أو مشاركاته الإعلامية.

وقد يفسر هذا بعض الانتقادات التي وجهت لتعيينه مستشارا لشرف، فالبعض رأى أنه أميركي الهوى، وآخرون انتقدوه بصفات ليست فيه – كما أتصور وأعتقد، والسبب في ذلك – من وجهة نظري – هو أن عبد الفتاح لا يمتلك تاريخ سياسي كافي في مصر، وأعتقد أنه عليه أن يسعى لبناء مثل هذا التاريخ في أقرب فرصة.

التحدي الثالث: هو عدم انتماء عبد الفتاح لحركة أو تيار سياسي بعينه، وقد يعود ذلك لتصوره لأخلاق السياسة العامة، فالرجل ينطلق من فهم "إسلامي" لأخلاق السياسي، يرى أن السياسي عمله كله لله، وأنه ليس طالب سلطة أو شعبية، أو حتى دور سياسي.

وهي أفكار ممتازة وتختلف عن الأخلاق السياسية الأميركية الأكثر شيوعا في عالمنا المعاصر، والتي تتميز بالتأكيد على التنافس والصراع والحروب الإعلامية والدعاية والإعلان واغتيال الشخصيات المنافسة إعلاميا وسياسيا إذا أمكن.

معتز عبد الفتاح يقول لك: لا أنا زاهد في كل هذا، ولا أريده، وحقيقة هذا منطق رائع يستحق التشجيع، ولكنه يعيبه شيء أساسي، وهو أن عبد الفتاح كمعلم للسياسة ابتغاء لوجهة الله وكرجل يريد مساعده بلده في تخصصه، لن يتمكن من ذلك لو استمر على هذا النهج.

ففاقد الشيء لا يعطيه، ومعلم السياسية لن يفهمها لو استمر يقرأ عنها ولا يمارسها، وأنا ألوم بعض أستاذة العلوم السياسية المصريين الذي ركزوا على الجامعة والكتب وتركوا الشارع والجماهير.

ثانيا: أن مساعدة مصر لن تكون من خلال الكتابة في الصحف والمجلات فقط، فالسياسة تعترف بالحركات الكبرى والتي تمتلك المؤسسات والمنظمات والأموال والأصوات ووسائل الإعلام، ولو قلنا إن فلان زاهد ولا يريد كل هذا، فهو كمن يقول: أنا أحب العمل منفردا ... سأترككم وأكتفي بالمراقبة.

لهذا أعتقد أن كتاب وسياسيين بقدرات د. عبد الفتاح ينبغي عليهم – لو أرادوا خدمة مصر – أن يدخلوا الساحة السياسة المصرية من أبوابها الطبيعية والأساسية، فمصر في حاجة إلى حركات جماهيرية ومؤسسات سياسية راسخة وذات تقاليد، وذلك قدر حاجتها لأمثال د. عبد الفتاح.

وأنا شخصيا أتمنى أن يتوقف معتز عبد الفتاح عن الكتابة في الصحف لفترة أو يقلل منها، وأن ينفق وقت أكبر في العمل الجماهيري والسياسي الصرف، كما أتمنى أيضا أن يخطط لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة ولبناء مؤسسة سياسية تفيد العمل السياسي في مصر.

وهذا ليس محاولة منا لمديح شخص أو ذمه، ولكن محاولة للمساعدة والتركيز على القضايا والشخصيات المصرية التي نتوسم فيهم القدرة على مساعدة مصر والمصريين في الفترة الهامة الراهنة، والله أعلم.

Sunday, June 05, 2011

المصريون والدين وفقا لجالوب

بقلم: علاء بيومي

وفقا لاستطلاع لمؤسسة جالوب الأميركية أجرته في أواخر شهر مارس الماضي، وأعلن عنه اليوم، الدين مهم لـ 96% من المصريين.

وهذا لا يعني سعي المصريين بناء دولة ثيوقراطية، فأغلبية المصريين عبروا عن رفضهم بناء مصر على النموذج الإيراني (لا يوافق على ذلك سوى اقل من 1 % من المصريين).

في المقابل يعتقد 69% من المصريين بأن على رجال الدين نصيحة السياسيين، ويرى 14% أنه يجب إعطاء رجال الدين سلطة مطلقة على السياسيين، في حين يرفض 9% من المصريين إعطاء رجال الدين أي سلطة على السياسيين.

وفيما يتعلق بالإخوان أبدى 75% من المصريين أراء "إيجابية" أو "إيجابية إلى حد ما" تجاه الإخوان، وفقا لاستطلاع أجراء معهد بيو الأميركي هذا العام.

وهذا لا يعني بالضرورة دعم المصريين لحزب الإخوان السياسي، حيث يقول الاستطلاع الحالي أن 15 % فقط من المصريين أعربوا عن تأييدهم لحزب سياسي يمثل الإخوان (وهي أكبر نسبة تأييد) بين الأحزاب السياسية الحالية، ويؤيد حزب الوسط 5% ممن شملهم الاستطلاع.

وهذا يعني باختصار أن المصريين شعب متدين، وأن من يريد مخاطبتهم بخصوص قضايا الدين يجب عليه العثور على الطريقة الصحيحة لذلك، وذلك من خلال الحديث عن قيم التسامح والعدالة والديمقراطية التي يؤمن وينشدها غالبية المصريين بدلا من التركيز على القضايا التي تثير حفيظتهم الدينية.

Wednesday, June 01, 2011

أحدث حزب سياسي في مصر "اللعبة الحلوة" يدعم البرادعي والإخوان والليبراليين ويرفض التحكيم الأجنبي








أعضاء الحزب الجديد مستمعون كثيرا بمتابعة أخبار السياسة في مصر وما يدور بين المعارضة المصرية حاليا من صراعات ويتمنون أن تزيد، بل ويشجعون كثير من الجماعات المعارضة المختلفة في نفس الوقت.

فبعد تفكير عميق والغوص في أعماق أنفسهم وجد أعضاء الحزب الجديد – تحت التأسيس- أنهم يشعرون بإعجاب كبير بجماعات سياسية متعارضة، وبكل لعبة سياسية حلوة في مصر، وكل هدف تسجله أي جماعة سياسية، مادام ملعوبا، وأنهم يتمنون أن تشتعل المنافسة أكثر وتصير كمباريات الأهلي والزمالك حتى تزيد نسبة المشاهدة والمتعة والإعلانات.

وكأحد أعضاء الحزب الجديد، أعترف بأني أشجع البرادعي – بقامته السياسية الهائلة - لمطالبته بتعديل الدستور، وأشجع السلفيين لتأكيدهم على الديمقراطية وإرادة الجماهير ولسعيهم لتشكيل أحزاب والدخول في عالم السياسة، كما أشجع شباب مصر بسبب صوتهم العالي وتحديهم أكبر السلطات في مصر بشجاعة غير مسبوقة، وأحترم كثيرا مخاوف لوبي الإستقرار في مصر على الرغم من أنه يشعرني في أحيان كثيرة بالأحباط، ولكن هذا حال الدنيا والسياسة والديمقراطية.

أشجع الليبراليين لمطالبتهم بدولة مدنية وبأغلبية تطالب تحترم حقوق الأقلية، وأشجع الإخوان بقدراتهم التنظيمية ومؤسساتهم الخيرية ونضالهم السياسي، كما أشجع الأقباط لمطالبتهم بمزيد من الحقوق وبالمساواة الكاملة مع مسلمي مصر، وأشجع الإسلاميين بقيمهم المحافظة وبمطالبتهم بمزيد من الإعتراف والاحترام والتقدير من قبل العلمانيين.

أنا في الحقيقة أكاد أشجع الشيء ونقيضة، فأنا أشجع حركة "الدستور أولا" لأني أعتقد أنها سوف تدفع مختلف الجماعات السياسية في مصرللحوار ولوضع ضمانات تطمئن الجميع بخصوص الدستور الجديد، وأدعم مليونية ترفض تعديل الدستور لأنها تؤكد على احترام أصوات المصريين وقواعد اللعبة الديمقراطية.

كما أجد صعوبة أحيانا في دعم طرف على أخر، لأني في الحقيقة أرى عن قناعة أن الطرفين يمكن أن يفيدا مصر لو تحركا بنشاط وبهمة وبإحترام وتواضع لدعم وجهتي نظريهما المتناقضين.

لدى أصدقاء شخصيين في كل طرف، وأحب القراءة عن الليبرالية والإشتراكية والفكر السياسي الإسلامي، وأجد متعة بالغة في قراءة كتب التيارات الثلاثة المختلفة، وأبحث حاليا عن كتب عن حقوق الأقباط وتاريخهم وثقافتهم في مصر، وأنا واثق من أني سأستمتع بقرائها.

لا أعرف كيف صرت هكذا، ربما لأني نشأت في مصر أصغر وأكثر هدواء وتسامحا، أو لأني أني عشت في دول أكثر ليبرالية وديمقراطية وتنافسية وتسامحا، أو لأني قراءت في اتجاهات سياسية مختلفة، وفهمت بعض مقولاتها وأدركت أن لكل تيار مزاياه وعيوبه، وأن لأن اليمقراطية تعلم الصبر ولأنها قد تشعرك بالإحباط أحيانا ولكن تبقى في جوهرها ممتعة.

حقيقة لا أعرف السبب بالضبط، ولكني لا أجد أبدا سبب للتشنج ولا للغضب مادمنا نتحدث عن المعارضة المصرية التي عرفناها جميعا قبل 25 يناير، نفس المعارضة بكل نواقصها وجماعاتها وعيوبها ومتحدثيها وصراعاتها، أشعر بالقلق والغضب أحيانا كلما قراءت أو سمعت خبرا عن الثورة المضادة وبقايا رموز مبارك والمتواطئين معهم وعن البطء في محاسبتهم، ولكن لدى شعور بأن القدر يقف بجانب مصر والمصريين.

لذا أتابع مستمتعا ما يدور بين طوائف المعارضة المصرية الحقيقية (التي استضعفت وظلمت خلال عهد مبارك) من صراعات وخلافات ومشاكل، وأتمنى أن تزداد وتشتعل المنافسة، حتى أستمتع ويستمع معي ملايين المصريين بمباراة سياسية ممتعة، وبأكثر من هدف.

هذا اعتراف مني بذلك ودعوة للإنضمام إلى حزب اللعبة الحلوة في مصر.

بقلم: علاء بيومي