Showing posts with label هجرات وهوية وإندماج. Show all posts
Showing posts with label هجرات وهوية وإندماج. Show all posts

Monday, March 08, 2010

الموجة الجديدة لجماعات الكراهية الأميركية
مقال بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره

www.alaabayoumi.com

نص المقال

هناك مؤشرات وتقارير أميركية حديثة ومقلقة تتحدث عن موجة جديدة من موجات صعود جماعات الكراهية الأميركية خلال السنوات الأخيرة

ناقوس الخطر

نذكر منها - على سبيل المثال - تقرير "لمركز قانون الفقر الجنوبي" صدر مطلع الشهر الحالي يقول أن جماعات الكراهية الأميركية ذات الخلفيات القومية (المتطرفة) نمت خال العام الماضي وحده بنسبة 250% ليبلغ عددها أكثر من 500 جماعة

والمعروف أن "مركز قانون الفقر الجنوبي" - ومقره ولاية ألباما - هو أبرز جماعات الحقوق المدنية الأميركية المعنية بتتبع جماعات الكراهية بالولايات المتحدة

ويصدر المركز تقارير دورية وسنوية عن تلك الجماعات تقول أن جماعات الكراهية الأميركية نمت خلال الفترة من 2001 إلى 2008 بنسبة 50% ليتضاعف عددها من 602 إلى 923، ولم يصدر المركز تقريره النهائي عن عام 2009، ولكنه تحدث مؤخرا عن نمو غير مسبوق في جماعات الكراهية ذات الخلفيات الوطنية أو القومية المتطرفة

هناك أيضا تقرير صدر في أبريل الماضي (2009) - عن وزارة الأمن الداخلي الأميركية - يتحدث عن مخاوف من انتشار جماعات الكراهية وسط الجنود الأميركيين المتقاعدين، وعن مساعي تلك الجماعات للتوغل داخل الجيش الأميركية وتجنيد المتقاعدين من أبنائه بهدف امتلاك الخبرة العسكرية التي يمتلكها الجنود والاستفادة من الظروف الصعبة التي تمر بها أميركا في الوقت الراهن – وعلى رأسها الأزمة الاقتصادية – لتجنيد مزيد من الأعضاء

هذا إضافة إلى حديث بعض الأقليات كاليهود والمسلمين واللاتينيين الأميركيين من تعرض أبناء جلدتهم لموجات جديدة ومقلقة من جرائم الكراهية خلال السنوات الأخيرة

كما برزت على السطح خلال عام 2009 عدد من الحوادث العنيفة التي ارتكبها أتباع تلك الجماعات، ووجدت ردود فعل مختلفة من قبل المؤسسات الإعلامية والسياسية بأميركا

ففي أبريل الماضي قتل ثلاثة من ضباط الشرطة في مدينة بتسبرج بولاية بنسلفانيا الأميركية، وقتل طبيب يمارس الإجهاض في كنيسته بولاية تكساس في شهر مايو، وقتل حارس أفريقي أميركي يحرس متحف الهولوكوست بواشنطن في شهر يونيو

وقد جذبت الحوادث السابقة - والتي وقعت على أيدي أبناء جماعات كراهية ذات إيديولوجيات مختلفة (معادية للحكومة، دينية، وعنصري) - اهتماما إعلاميا متزايدا

وفي شهر فبراير الماضي هاجم أميركي مبنى للضرائب بولاية تكساس ملحقا ضرار كبيرا بالمبنى الحكومي، وتاركا وراءه رسالة انتحار عبر فيها عن مشاعر سخط وكراهية عميقة للحكومة الفيدرالية ومؤسساتها التي تفرض على الأميركيين دفع الضرائب لها

رفض اليمين

التقارير السابقة لاقت استهجانا من بعض قوى اليمين الأميركي، حيث رأى بعضهم أن حوادث العنف السابقة متفرقة، وأن منظمات الحقوق المدنية الأميركية - "كمركز قانون الفقر الجنوبي" - هي مراكز ذات أجندة ليبرالية، وتقاريرها غير دقيقة مكتوبة من منطلق أيدلوجي يخدم مصالحها، ويزيد من مخاوف مناصريها وتبرعاتهم لها - والتي تقدر بعشرات الملايين من الدولارات الأميركية

كما هاجم كثيرون تقرير وزارة الأمن الداخلي ورأوا فيها تشكيك في صورة الجيش والجنود وخاصة المتقاعدين منهم وتحليلا أيدلوجيا تطغى عليه السياسة والرغبة في مهاجمة اليمين الأميركي

كما رأي بعض اليمينيين أن التقارير السابقة تشتت انتباه أميركا عن عدوها "الحقيقي والرئيسي" في الفترة الحالية وهو الخطر القادم من بعض "الجماعات الإسلامية المتطرفة" كالقاعدة والتي تعمل على هدم أميركا وتقويضها

خصائص أساسية

في المقابل تحدثت التقارير السابقة والعشرات من المقالات الصحفية المعنية والمنشورة في أكبر الصحف الأميركية والغربية عن ظاهرة "جماعات الكراهية الأميركية" وعن موجة جديدة ومقلقة في صعود تلك الجماعات ترتبط بالعوامل التالية

أولا: رأت التقارير المعنية أن جماعات الكراهية الأميركية تراجعت بوضوح في أواخر التسعينيات وخاصة بعد حادثة الهجوم على المبنى الفيدرالي بولاية أوكلاهوما في عام 1995 من قبل أميركي يميني متطرف، والتي تركت أكثر من 160 قتيلا، وترتب على حادثة أوكلاهوما حملة حكومية وشعبية كبيرة ضد تلك الجماعات أدت إلى تراجعها

ثانيا: من المعروف أن حوادث 11-9 قادت إلى موجة غضب شعبي كبير وقفزة في حوادث الكراهية – 9730 حادثة كراهية وفقا لإحصاءات مكتب التحقيقات الفيدرالي، وذلك مقارنة بـ 8063 حادثة في عام 2000

ثالثا: يبدو أن أحداث 11-9 زادت من حوادث الكراهية، ولكن التقارير الحالية تتحدث عن ظاهرة مختلفة، وهي ظاهرة نمو جماعات الكراهية ذاتها منذ 2001 بشكل غير مسبوق منذ الثمانينيات ومنتصف التسعينيات بشكل ينذر بالخطر ويتطلب الحذر

حيث رأى تقرير "مركز قانون الفقر الجنوبي" – السابق الإشارة إليه – إلى أن أعداد تلك الجماعات زادت بنسبة 50% منذ عام 2001 لتصل إلى أكثر من 900 جماعة في عام 2008، وذكر المركز نفسه أن أعداد جماعات الكراهية "القومية" زادت بنسبة 250% خلال العام الماضي وحده لتصل إلى أكثر من 500 جماعة

لذا استنتج البعض أن جماعات الكراهية الأميركية باتت تتكاثر بالعشرات خلال الأعوام الأخيرة، وهذا يعني أننا أمام ظاهرة جديدة وخطيرة تستحق الاهتمام

أسباب النمو

رابعا: تجمع المصادر السابقة على عدد من الأسباب أو العوامل التي تغذي نمو وتكاثر تلك الجماعات

حيث يرى هؤلاء أن اليمين الأميركي طغت عليه مؤخرا نبرة أيدلوجية متشددة تدفعه إلى اليمين أكثر فأكثر بسبب رموزه الإعلامية والسياسية المتشددة، والتي باتت تتحدث بحرية عن أجندات معادية للمهاجرين والحكومة والنظام الدولي والمؤسسات الدولية

وتقول تلك المصادر أن البيئة السابقة غذت - أو على الأقل شجعت - جماعات جديدة أكثر تطرفا باتت ترفض الحزب الجمهوري ذاته ورموزه السياسية المختلفة، فنحن هنا أمام جماعات متطرفة راديكالية منعزلة تتدرب على السلاح والعنف، وتحمل أفكار متطرفة تؤمن بكثير من نظريات المؤامرة وأفكار أخرى تبرر العنف

فهي ترى أن انتخاب باراك أوباما رئيسا لأميركا هو مؤامرة ضد الولايات المتحدة، وأن المهاجرين وتزايدهم في أميركا هم مؤامرة، وأن أوباما يعد معسكرات اعتقال سرية لتحويل الأميركيين إلى ليبراليين، وأن النظام العالمي الجديد مؤامرة، وأن المنظمات الدولية الكبرى كالأمم المتحدة ضالعة في مؤامرة دولية كبرى ضد أميركا، وأن الكثير من مشاكل أميركا الراهنة يتحمل مسئوليتها الآخرون الكارهون لأميركا

الجماعات السابقة استفادت من الإنترنت في نشر أفكارها والتواصل، وسعى بعض أعضائها إلى الانضمام إلى الجيش الأميركي للحصول على التدريب على استخدام السلاح، واستفادوا كثيرا من الأزمة الاقتصادية - والتي نشرت مشاعر الإحباط وسط الأميركيين – في اجتذاب أعضاء جدد

ولما فاز باراك أوباما بالرئاسة الأميركية بات عامل تجنيد جديد لتلك الجماعات، حيث رأوا أن فوز "أسود" بالرئاسة الأميركية هو جزء من مؤامرة يدريها الآخرون ضدهم

ويقول البعض أن حوالي 200 جندي أميركي سابق انضموا إلى تلك الجماعات منذ عام 2001، وهذا من بين أكثر من 20 ألف جندي أميركي تقاعدوا خلال الفترة ذاتها

الجماعات الوطنية المتطرفة

خامسا: تقول المصادر السابقة أن جماعات الكراهية الجديدة تحمل صفات جديدة وعلى رأسها تلك النزعة الوطنية المتطرفة، فهي بمثابة تطور للجماعات العنصرية، ولكن في صورة وطنية قومية تمزج العنصرية بالوطنية، أو تستخدم القومية لتبرير عنصريتها

ولكنها تتحدث في النهاية كجماعات قومية مدفوعة في تصرفاتها بالخوف على أميركا من الآخرين وخاصة المؤسسات الدولية الكبرى كالأمم المتحدة، والمهاجرين كاللاتينيين، والجماعات الليبرالية الأميركية، ومن المؤسسات الحكومية الأميركية ذاتها بعدما بات يسيطر عليها الليبراليون ورئيس أفريقي أميركي هو باراك أوباما

وعلى غرار نظيرتها في أوربا تعلمت الجماعات القومية الأميركية المتطرفة أن تدافع عن نفسها مستخدمة الحجج الليبرالية، فهي تحتمي وراء شعارات ومبادئ كالديمقراطية وحرية الرأي

وتستفيد تلك الجماعات كما ذكرنا سابقا من خطاب وسائل الإعلام اليمين وبعض أعضاء الكونجرس والسياسيين الجمهوريين حيث يتفوه بعضهم بعبارات لا تصدق من حيث درجة سطحيتها وتطرفها في آن واحد دون أن يتعرضوا لنقد سياسي أو إعلامي يستحق الذكر في الوقت الراهن

إحصاءات التحقيقات الفيدرالي

سادسا: توضح إحصاءات مكتب التحقيق الفيدرالي عن جرائم الكراهية في أميركا أن تلك الجماعات لم تتحول إلى العنف بعد ولم تحاول تطبيق نظرياتها الراديكالية على مستوى عنيف وواسع، فهي تنشر الكراهية وتهاجم الأقليات وتنشر مشاعر الرعب والخوف في أوساطهم، وتميز ضدهم بأشكال كثيرة من الصعب رصدها (كرفض توظيفهم)، ولكنها لم تلجأ إلى العنف على نطاق واسع حتى الآن

حيث تشير إحصاءات مكتب التحقيقات الفيدرالية إلى أن عام 2000 وهو العام السابق لأحداث 11-9 شهد 8063 حادثة كراهية، وهو نفس عدد الحوادث التي شهدها عام 1997 تقريبا

وفي عام 2001 قفزت حوادث الكراهية إلى 9730 حادثة لتعود وتنخفض إلى 7462 في العام التالي (2002)، وتستمر في التراجع حتى تصل إلى 7163 حادثة في عام 2005، وهو أقل معدل لحوادث الكراهية منذ عام 1997 وحتى عام 2008، وهو أخر الأعوام التي تتوافر عنها إحصاءات رسمية عن جرائم الكراهية في أميركا

وعادت تلك الأعداد في الارتفاع حتى وصلت إلى 7783 حادثة في عام 2008، وهي أعداد تقل عن أعداد ما قبل 2001، ولم يصدر مكتب التحقيقات الفيدرالي إحصاءاته عن جرائم الكراهية الواقعة في عام 2009 بعد

هذا يعني أن حوادث الكراهية حافظت على معدلاتها السابقة لأحداث 11-9 وأواخر التسعينات، وأنه يصعب الحديث في الوقت الراهن عن ارتفاع في جرائم الكراهية التي ترتكبها جماعات اليمين الراديكالي الأميركية، خاصة وأن الإحصاءات التي يرصدها مكتب التحقيقات الفيدرالي تضم جرائم يرتكبها أفراد وجماعات ينتمون لأيدلوجيات مختلفة تتعدى جماعات الكراهية اليمينية

حقيقة الظاهرة

وهذا يعني – في الختام – أننا أمام ظاهرة سياسية وثقافية بالأساس ولكنها مقلقة للغاية، فهي لم تتحول إلى ظاهرة إجرامية وعنيفة واسعة النطاق بعد، ولكن جماعات الكراهية الأميركية في تزايد، وهي تتغذى على الأزمة الاقتصادية ومشاكل أميركا المختلفة وتيقظ النعرات العنصرية الدفينة

جماعات الكراهية الأميركية تستفيد من خطاب الإعلاميين والسياسيين اليمينيين الأميركيين، والذي بات خطابا تعبويا سطحيا ومتشددا في أحيانا كثيرة

خطورة تلك الجماعات تكمن في راديكاليتها، وفي فكرها التآمري، وفي كونها خطرا على اليمين الأميركي ذاته، وعلى المجتمع الأميركي بصفة عامة، خطر قد يتحول في أي لحظة إلى كارثة لو استمرت تلك الجماعات في النمو والانتشار وقررت يوما تطبيق أفكارها عمليا واللجوء إلى العنف

Wednesday, December 12, 2007

مسلمو وعرب أميركا .. وقفة مع نقد الذات
بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 12 ديسمبر 2007

نص المقال

النقد الذاتي عادة من علامات النضج والثقة في النفس يجب تشجيعها لدي أي جماعة أو كيان بشري ما دامت تتم بنية حسنة، وبهدف التجميع لا التفريق، والنصح لا الذم، والتشجيع لا تثبيط الهمة

كما أن مسلمي وعرب أميركا أقلية هامة تفخر بكونها حلقة صلة بين كيانين هائلين – أميركا من ناحية والعالمين العربي والإسلامي من ناحية أخرى، كما تفخر بسعيها للجمع بين أفضل ما يمثله الكيانين من قيم مستفيدة بما تمتلكه موارد بشرية تتميز بالشباب وبالتعليم وبالتعددية وبجذورها العربية والإسلامية الراسخة وبالعيش داخل مجتمع غربي متقدم، وهي ظروف يصعب توافرها في لدى عدد كبير من الجماعات المسلمة أو العربية أو الأميركية الأقل حظا

من هذا المنطلق رأينا أن ننظر في مقالنا هذا داخل المجتمع المسلم والعربي الأميركي ذاته للوقوف على عدد من القضايا المحورية التي تمثل تحديات ضخمة نابغة من داخل مسلمي وعرب أميركا أنفسهم، والتي يجب التوقف أمامها لدورها في التأثير سلبا أو إيجابا مستقبل مسلمي وعرب أميركا كأقلية ذات رسالة هامة كما يؤمن أبناءها

المثير في التحديات التي نود التحديث عنها في مقالنا هذا – كما سنرى تباعا – أنها تمثل ثنائيات ضخمة وتوازنات صعبة أمام المجتمعات المسلمة والعربية بشكل عام عبر العالم، تنعكس على الأقلية المسلمة والعربية الأميركية بشكل واضح، وتحتاج لسنوات وربما لعقود لعلاجها

وقد رأينا هنا أن نسلط الضوء عليها إيمانا بأن الشعور بالمشكلة وتوصيفها توصيفا دقيقا هما أول خطوات علاجها

العلماني في مقابل الديني

الثنائية الأولى هو ثنائية العلمانية في مقابل التدين، فالواضح أن الأقلية المسلمة والعربية في أميركا مرت بمرحلة تدين منذ سبعينات القرن الماضي قادت إلى صعود ما يسمى بالمنظمات والتجمعات المسلمة الأميركية والتي باتت تشكل نسبة لا يستهان بها من مؤسسات وكيانات المسلمين والعرب في أميركا، وذلك على حساب المنظمات الثقافية والعرقية واللغوية التي كانت تمثل تلك الأقليات والتي تراجعت نسبيا خلال الفترة ذاتها

ويعود ذلك لأسباب مختلفة ليس هنا محل الاستفاضة فيها، فهي لا تختلف كثيرا عن أسباب صعود الدين والتدين في العالمين العربي والإسلامي بل وفي العالم الغربي ذاته خلال نفس الفترة، فالتيارات الدينية تعيش مرحلة صعود منذ أربعة عقود عبر العالم، والأقلية المسلمة والعربية الأميركية لا تمثل استثناءا في ذلك

ما هو استثنائي هو أن الخطاب السائد في أوساط المسلمين والعرب الأميركيين خطاب يدعو للوحدة في ظل الضغوط الراهنة، كما يدعو للتعالي عن المشاكل التي قسمت العالمين العربي والإسلامي وعلى رأسها الصراع العلماني - الديني، وللاستفادة من خبرة التعايش الأميركي في هذا المجال، فجزء كبير من التيار الليبرالي السائد في أميركا تيار علماني بالأساس ولكن الكثير من أبنائه تخطو ثنائية العلمانية في مقابل الدين، وباتوا من مناصري حرية العقيدة بغض النظر عن طبيعتها، والتسامح بغض النظر عن الطرف الضعيف، وذلك في مقابل التيارات الأميركية المتشددة والتي تنظر للأخر نظرة سلبية مغلقة بغض النظر عن خلفيتها ولأسباب مختلفة بعضها ديني والأخر علماني وكثير منها عنصري رافض للأخر المختلف بشكل عام

هذا يعني أن بعض الجماعات الأميركية الليبرالية تمثل نموذجا يجب الاستفادة منه في التعايش بين الديني والعلماني، وتوفر دروسا يجب تعلمها من قبل بعض القيادات المسلمة والعربية المتشددة في هذا المجال، فالمعايش لمسلمي وعرب أميركا وهمومهم يصعب عليه آلا يمر يوما من الأيام بعربي أو مسلم علماني ينظر نظرة دونية لأخيه المتدين على أساس أن تدينه يمثل الرجعية والانعزال، وذلك بغض النظر عن الخلفية التعليمية والوظيفية للشخص المتدين ودرجة نشاطه السياسي والمدني

في المقابل ينظر بعض المسلمين والعرب المتدينين المتشددين إلى أخيهم العلماني على أنه الأخر الذي لا ينتمي لملتهم والداعي للانحلال والتفريط، وذلك بغض النظر عن قناعاته الشخصية ومدى نشاطه في دعم حقوق وقضايا مسلمي وعرب أميركا

وينسى الطرفان الظروف والهموم المشتركة التي يمر بها المسلمون والعرب في أميركا، والنموذج الذي تقدمه بعض الجماعات الأميركية الليبرالية في التعايش، وبأن هدف الأيدلوجيات السليمة المختلفة - الديني منها أو العلماني - هو توحيد البشر لا تفريقهم، وتقويتهم لا إضعافهم، وتشجيعهم على الانفتاح والتعايش لا الانغلاق والتحارب

الأبناء في مقابل الآباء

الكل يعلم أن مستقبل المسلمين والعرب في أميركا كأقلية مستقرة مندمجة قوية يتوقف على قدرة الجيل الراهن من قادتهم على الدفع بالجيل الثاني الشاب لمواقع القيادة على مختلف المستويات، وذلك لدرجة أن نجاح المنظمات المسلمة والعربية الأميركية ينظر إليه أحيانا بمعيار قدرة تلك المنظمات على اجتذاب الشباب إليها وتوليتهم مواقع قيادية فيها بأكبر قدر ممكن وفي أقصر فترة زمنية ممكنة، وذلك ضمن معايير أخرى لا تقل أهمية

وكثير ما تسمع الآباء المسلمين والعرب في أميركا يقولون أن السبب الرئيسي لبقائهم في الولايات المتحدة وتحملهم آلام الغربة ومشاكلها وقسوة الحياة بالمجتمع الأميركي الرأسمالي هو حرصهم على ضمان مستقبل أفضل لأبنائهم، وأن يبنوا في أبنائهم ما عجزوا عن تحقيقه، وأن يترجموا ذلك على المستوي الجماعي بمستقبل أفضل للمسلمين والعرب في أميركا وعبر العالم

في المقابل تجد وللأسف أن بعض شباب المسلمين والعرب في أميركا يمتلكون أفكار خرافية إن لم تكن عنصرية عن ماضيهم العربي والمسلم، وعن المهاجرين الجدد والجيل الأول (آبائهم) من مسلمي وعرب أميركا الذي كان سببا رئيسيا في وجدوهم من الأصل

ويعود ذلك لأسباب مختلفة تعود بشكل كبير لعقدة الشعور بالنقص التي يعاني من بعض المسلمين والعرب تجاه كل ما هو أميركي أو غربي وهي عقدة تعود بشكل كبير للماضي الاستعماري وتغذيها التيارات الأميركية والغربية العنصرية التي تحارب الأقليات والمهاجرين والمسلمين والعرب، وهي جماعات تنظر نظرية دونية للأخر وتطالبه بالانصهار لا بالاندماج، وتستخدم أدوات جماهيرية ضخمة ومؤثرة كالإعلام لترويج أفكارها على نطاق واسع وزرعها في عقول وقلوب المقيمين بأميركا بما في ذلك المهاجرين منهم

لذلك تجد أن بعض الآباء المسلمين والعرب لا يتوقفون عن نقد خلفيتهم وأبناء عشيرتهم أمام أبنائهم وبخلع كافة الصفات السلبية عليهم، وبتغذية مشاعر الاستعلاء لدي أبنائهم تجاه كل ما هو مسلم وعربي وأشعارهم بأنهم قادرين على قيادة القطيع المسلم والعربي بأقل جهد وهم مازالوا في مهدمهم، ثم يعود هؤلاء الآباء للتعجب من أن أبنائهم الأميركيين الذي أنفقوا حياتهم في رعايتهم باتوا نقمة عليهم لا نعمة، وباتوا تجسيدا لمشاعر الاستعلاء التي زرعوها فيهم منذ الصغر

ولعل علاج تلك المشكلة يتطلب حلا جماعيا يبدأ من الأسرة، ويقوم على تزويد الجيل الثاني بروافد ثقافية مستمرة تربطه بماضيه المسلم والعربي بشكل متوازن عقلاني لا تبريري ولا استعلائي، روافد تضمن زرع خصال القيادة الجماعية الرحيمة والمتوازنة في أبناء الجيل الثاني من مسلمي وعرب أميركا بشكل يضمن حماية مصالح الجيلين الأول والثاني على حد سواء والأجيال القادمة كذلك

الجماهير في مقابل السلطة

الثنائية الثالثة والأخيرة – التي نود الحديث عنها في مقالنا هذا - تتعلق بقيادات المسلمين والعرب في أميركا وبعلاقة تلك القيادات بالجماهير التي ينبغي عليهم تمثيلها وبقدرتهم على ذلك التمثيل، فقدرة القيادات المسلمة والعربية على القيادة خاصة على المستوي السياسي تتوقف على قدرتها على العمل من داخل المؤسسات الأميركية السياسية الكبرى وعلى أن تتحول بمرور الوقف لجزء لا يتجزأ من تلك المؤسسات، فلا يمكن بناء لوبي مسلم وعربي أميركا قوي اعتمادا على قيادات تربت وترعرعت خارج الولايات المتحدة أو بعيدا على مؤسسات المجتمع المدني الأميركي، فلو أردت أن تبني عيادة طبية ناجحة فعليك أن تحضر العاملين بها من كليات الطب ومعاهد التمريض، وكذلك لو أردت أن تبني لوبي مسلم وعربي أميركي قوي فعليك أن تحضر قياداته من البيت الأبيض والوزارات الأميركية والكونجرس

ولكن بشرط أساسي وهو أن تعبر تلك القيادات عن القواعد الجماهيرية المسلمة والعربية الأميركية وأن تنتمي إليها وتتواضع لها وأن تبحث عنها وعن قضاياها وتمثلها وآلا تستعلي عليها وتتقوي عليها بخلفياتها وخبراتها

والواضح هنا أن الأقلية المسلمة والعربية الأميركية مستهدفة وأن بعض الأقليات الأميركية المتشددة مصرة على تفرقة صفها وشق وحدتها من الداخل من خلال التدخل بموارد إعلامية ومالية وسياسية ضخمة لدعم طرف مسلم أو عربي على أخر، وهي حقيقة لا تخفيها تلك الجماعات والتي تتحدث بشكل متكرر عن رغبها في دعم جماعات مسلمة وعربية أميركية معينة ضد جماعات ومنظمات أخرى انطلاقا من أجندة تلك الجماعات الأميركية المتشددة، والتي تريد أن تصيغ الأقلية المسلمة والعربية الأميركية على شاكلتها بحيث تحولها من خلال قادتها إلى مسخ لا يدعم إلا ما تريده تلك الجماعات، والتي لا تناصر مسلمي وعرب أميركا إلا قليلا، والتي قد تدعم مصالح جماعات ونخب ودول مناهضة لهم في كثير من الأحيان

وبذلك يجد مسلمو وعرب أميركا أنفسهم أمام معادلة صعبة تخيرهم بين الاعتماد على قيادات نجحت في التوغل في المؤسسات الأميركية على حساب بيع نفسها وقضاياها وأبناء جلدتها، وبين الاعتماد على قيادات تعبر عنها وعن قضاياها ولكنها تفتقر للخبرة الكافية التي تؤهلها للدفاع عن تلك القضايا والمصالح بشكل فعال وناجح

حل سهل ممتنع

في نهاية هذا المقال يجب التأكيد على حقيقة هامة تعرضنا لها في بداية هذا المقال وعبر فقراته المختلفة، وهي أن التحديات السابقة لا تقتصر على مسلمي وعرب أميركا وحدهم فهي تحديات تشاركهم فيها أقليات أمريكية أخرى مرت بظروفهم ومعاناتهم بشكل متطابق تقريبا، بل وتشاركهم فيها المجتمعات المسلمة والعربية بدرجة كبيرة، والتي لم تتمكن بعضها من إيجاد حلولا شافية للتحديات الكبرى الثلاثة السابقة

وهذا يعني أن علاج تلك التحديات سيطول، فهي ثنائيات يستحيل حلها بين عشية وضحاها، وقد يعيش مسلمو وعرب أميركا بها لسنوات وربما لعقود، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن علاج مشكلة فرد ما تحتاج لسنوات، فما بالك بعلاج مشكلة جماعة متنامية جديدة متغيرة تحيى ظروف صعبة ومتقلبة كالأقلية المسلمة والعربية في أميركا

كما أن تلك التحديات ليست بغريبة عن مسلمي وعرب أميركا وقادتهم، فهم واعون بها بكل تأكيد، وإنما أردنا من مقالنا هذا المساعدة في التوصيف وتشجيع البحث عن حلول، والحل سهل ممتنع يحتاج إلى تشخيص دقيق حاولنا بدايته في مقالنا هذا، فهو حل يلخص الخبرة المسلمة والعربية الأميركية القائمة على الجمع بين الماضي والحاضر، بين العربي والإسلامي من ناحية والأميركي من ناحية أخرى، بين القدرة على التعلم من التراث العربي والإسلامي والاستفادة من خبرة التعايش الأميركي وعدم الوقوع في فخي التشدد أو التفريط

مقالات ذات صلة

الخطاب المسلم الأمريكي السائد

مسلمو وعرب أميركا بين تبعات 11/9 والثورة اليمينية المضادة

صعود الإسلاموفوبيا بالمجتمعات الغربية: قراءة في أهم المظاهر والأسباب

إسلاموفوبيا أحزاب اليمين الراديكالي الأوربية الجديدة

النخب الغربية وإعاقة اندماج مسلمي الغرب

لماذا رفضت وسائل الإعلام الأمريكية إعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول؟

Wednesday, June 20, 2007

هل فشل مسلمو وعرب أميركا في الإندماج؟

بقلم: علاء بيومي

الناشر:
جريدة البديل المصرية، 11 يونيو 2006

نص المقال

هناك من ينادي بفشل مسلمي وعرب أميركا في الإندماج بالمجتمع الأميركي لأسباب مختلفة، حيث يرى البعض بأن الحديث عن الإندماج في المجتمع الأميركي هو حديث غير مقبول من أساسه، إذ يؤمن هؤلاء لأسباب إيدلوجية دينية أو علمانية متباينة أن أميركا لن تقبل لعربي أو مسلم بالإندماج فيها بشكل يحفظ له هويته ويضمن له الدفاع بحرية عن قضايا أمته العادلة

في المقابل يرى بعض العلمانيين العرب المتشددين أن الحديث عن إندماج الأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية بشكل يحفظ لهم هوياتهم وحقوقهم الدينية هو درب من التطرف أو التخلف أو كليهما معا، والذي يحمل المجتمعات الغربية فوق طاقتها، ويرى هؤلاء أن بقاء المسلمين والعرب في أميركا يحتم عليها الإنصهار لا الإندماج ثقافيا وسياسيا، وأن المطالبة بغير ذلك هو تطرف لن يقود سوى إلى الفشل

ولا تختلف الرؤى السابقة كثيرا عن رؤى بعض الجماعات الأميركية التي ترفض إندماج المسلمين والعرب في أميركا حيث ترى الجماعات العنصرية وبعض الجماعات المتشددة في مساندة إسرائيل أن سعي المسلمين والعرب للإندماج الإيجابي في المجتمع الأميركي هو مؤامرة سياسية تهدف إلى السيطرة على المجتمع الأميركي وفرض أجندات المسلمين والعرب على أميركا وسياستها، لذا يرى هؤلاء أن التحديات الطبيعية التي تواجه إندماج المسلمين والعرب في أميركا هي براهين حتمية على عدم قدرتهم على الإندماج في مجتمع غربي متقدم كالمجتمع الأميركي

ولو قلنا أن الرؤى السابقة متطرفة لا تعكس واقع مسلمي وعرب أميركا ومسيرة إندماجهم في المجتمع الأميركي، لكان ينبغي علينا البحث عن رؤى بديلة، وللعثور على تلك الرؤى رأينا أن نتفق مع القارئ أولا على بعض المسلمات المنطقية التي ينبغي أن تحكم نظرتنا نحو التجمعات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة

أول هذه المسلمات أن الهجرة حالة لا تقتصر على المهاجر وحده ولكنها ظاهرة بشرية واسعة الإنتشار يتعرض لها كل إنسان والذي لابد وأن يشعر في وقت من الأوقات بالغربة أو الإغتراب عما يدور حوله لأسباب مختلفة سياسية أو ثقافية أو إقتصادية ... ألخ، فمن منا لم يعاني الغربة وهو جالس وسط أهله أحيانا؟ ومن في العالم العربي اليوم وسماواته مليئة بالفضائيات لا يتعرض لثقافات وأفكار أجنبية أو جديدة بشكل يومي، هذا يعني ان الهجرة تكاد تكون ظاهرة عامة يعيشها بشكل مستمر أبناء عصر العولمة بدرجات مختلفة

المسلمة الثانية أن الغربة تفرض التغير، والتغيير قد يكون للأفضل أو للأسوأ، وأن الأنسان العاقل لابد وأن يبحث عن الأفضل لنفسه، ويكون ذلك بإنتقاء ما هو إيجابي من ماضيه وحاضره ومستقبله، وتجنب ما هو سلبي، خاصة وأن الطبيعة البشرية لا تعترف بالكمال، وأن لكل مجتمع مزاياه وعيوبه

بناء على ذلك يفترض على مسلمي وعرب أميركا بناء توليفة جديدة من القيم والأفكار التي تجمع بين ما هو إيجابي في ماضيهم العربي وحاضرهم الأميركي، وتتجنب ما هو سلبي، وهذا هو تقريبا تعريف الإندماج والذي يختلف عن الإنصهار، حيث يرى دعاة الإنصهار في المجتمع الأميركي أنه يتحتم على المهاجرين الجدد التخلي عن كل ما يربطهم بماضيهم من أجل أن يذوبوا بشكل كامل في حاضرهم الأميركي، في حين يشجع دعاة الإندماج المهاجرين الجدد على الإنتقاء بحرية بين ماضيهم وحاضرهم بحثا عن الأفضل

لذا يلاقي دعاة الإنصهار الأميركيين معارضة واسعة من قبل فئات أميركية مختلفة والتي عادة ما تذكرهم بأن أميركا مجتمع من المهاجرين إزدهر بالخبرات والكفاءات التي أحضرها المهاجرون إليه من مجتمعاتهم القديمة، وأن التقدم الذي تعيشه أميركا اليوم مدينا لعشرات الآلاف من أصحاب الكفاءات الذين تستقدمهم أميركا كل عام لسد حاجات سوق عملها المتنامي، وأن توقف تدفق هؤلاء المهاجرين الأكفاء هو بداية تراجع أميركا

المسلمة الثالثة هي أن الإندماج ذو شقين، أولهما قائم على سعي المهاجر للإندماج، وثانيهما قائم على موقف مجتمع المهجر ونخبه الحاكمة من ذلك الإندماج، فالهجرة والإندماج هما حالتان تفاعليتنان قد تصيران إلى الأفضل أو إلى الأسوأ، لذا يتحتم علينا أن نسأل أنفسنا سؤالا هاما، وهو: كيف نعد المهاجر العربي والمسلم لإندماج أفضل في المجتمع الأميركي بشكل يحفظ له هويته ويجعله عنصرا فاعلا مفيدا في مجتمعه الجديد وسفيرا لقضايا أمته العربية والمسلمة العادلة، ويقودنا هذا الحديث إلى السؤال عن مقومات الإندماج الرئيسية لمسلمي وعرب أميركا والتي نقسمها لثلاثة مقومات رئيسية، أولها مقومات نابعة من الوطن الأم، وثانيها مقومات نابعة من طبيعة الأقلية المسلمة والعربية ذاتها، وثالثها تتعلق بموقف المجتمع الأميركي وخاصة نخبه الحاكمة من الأقليات المسلمة والعربية الأميركية

دور الوطن العربي

المجتمعات العربية تنفق على أبناءها الكثير من تعليم ورعاية صحية وتنشئة قبل تقديمهم كمهاجرين أكفاء للولايات المتحدة، كما تزرع ظروف الحياة الصعبة في بعض المجتمعات العربية قيم العمل والكفاح الجاد لدى المهاجر العربي، هذا إضافة إلى تشجيع بعض المجتمعات العربية لأبناءها على السفر والمغامرة لأسباب مختلفة كالمجتمعات الساحلية، كما ترسل الدول العربية أبنائها للدراسة في أميركا، حيث يعد هؤلاء الطلاب رافدا هاما لتجديد دماء الأقليات المسلمة والعربية بشكل مستمر، ناهيك عن أن غالبية المنظمات المسلمة والعربية القائمة حاليا في الولايات المتحدة قامت على أكتاف الحركات الطلابية

على الجانب الأخر تعاني بعض المجتمعات العربية من مخاطر الهويات المنغلقة لأسباب دينية أو علمانية متباينة، وهي هويات تزرع في المؤمنين بها مشاعر إستعلاء وإنغلاق ورفض للأخر لا مبرر لها، كما تعاني المجتمعات العربية من ضعف معرفتها بالمجتمع الأميركي كمجتمع بشكل عام وندرة مصادر المعرفة الصحيحة عن هذا المجتمع هذا إضافة إلى إهمال قضية إعداد المهاجر وبناء قنوات إتصال بينه وبين وطنه خلال وجوده في مهجره، فمازالت غالبية الدول العربية تعتمد نوع من الدبلوماسية النخوبية والتي تقصر عمل المؤسسات الدبلوماسية العربية في أميركا على التواصل مع المؤسسات الأميركية الرسمية وعدم الإكتراث بتعبئة الأقليات المسلمة والعربية في المهجر أو التواصل معها

ولا يخفى على أحد القول أن حالة الإحتقان والتوتر السياسي التي تسيطر على علاقة الولايات المتحدة بالعالمين العربي والإسلامي منذ عقود تلقي بظلال سلبية عميقه على علاقة المهاجر المسلم أو العربي بمجتمعه الجديد

دور الأقليات المسلمة والعربية الأميركية

تتميز الأقليات المسلمة والعربية الأميركية في الوقت الراهن بتوحدها حول عدد من القضايا الهامة كالحقوق المدنية وتوضيح الصورة وتحسين سياسة أميركا الخارجية تجاه العالمين العربي والإسلامي، وهي قضايا دخلت في السنوات الأخيرة بيت كل مسلم وعربي بأميركا، ساعد على ذلك نمو المنظمات المسلمة والعربية الأميركية المستمر، هذا إضافة إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر الطاحنة التي كان لها الفضل في إضعاف التوجهات الإنعزالية في أوساط مسلمي وعرب أميركا، حيث أقنعت تبعات تلك الأحداث القاسية المسلمين والعرب المقيمين في أميركا بأن الإندماج النشط هو السبيل الوحيد للبقاء في ذلك المجتمع

هذا إضافة إلى طبيعة الأقلية المسلمة والعربية الأميركية ذاتها والتي تتميز بإرتفاع المستوى التعليمي والمادي نسبيا، فنسبة لا يستهان بها من مسلمي اميركا هم من أصحاب الكفاءات العلمية والمهنية الذين استعانت بهم أميركا لسد احتياجات سوق عملها

على الجانب الأخر مازالت الأقليات المسلمة والعربية تعاني من ندرة القيادات السياسية والإعلامية القادرة على تمثيل مصالحها لدى مؤسسات المجتمع الأميركي الكبرى والتي تمتلك في نفس الوقت حسا عاليا بقضايا ومصالح تلك الأقليات وتمتلك الشجاعة الكافية للدفاع عن تلك القضايا في دوائر السياسية والإعلام الأميركية، ساعد على ذلك الضعف النسبي للمؤسسات المسلمة والعربية النابع من قلة هذه المؤسسات وإفتقارها للموارد، وقد يعود ذلك إلى أن المهاجرين المسلمين والعرب قادمين أساسا من مجتمعات لا تشجع التنظيم السياسي، لذا تعاني أعداد كبيرة من المهاجرين المسلمين والعرب من ضعف مستويات نشاطهم السياسي ومن ثم مهاراتهم السياسية

دور المجتمع الأميركي

أميركا - كمجتمع قائم على المهاجرين ومر بثورة حقوق مدنية قوية - ترحب بالمهاجرين إلى حد كبير، فالتوجهات الليبرالية بالمجتمع الأميركي قوية وهي تشجع الهجرة وترحب بالمهاجرين، هذا إضافة إلى أن المدن الأميركية الكبيرة عالية التعديدة العرقية والإثنية بشكل يشعر المهاجر الجديد بأنه ليس غريبا بتلك المدن خاصة وأن المواطن الأميركي بشوش اجتماعي

على الجانب الأخر تعاني أميركا خلال السنوات الأخيرة من أوبئة خطيرة تهديد ميراثها كمجتمع يرحب بالمهاجرين وعلى رأس تلك الأوبئة إرتفاع صوت الجماعات اليمينية المعارضة للهجرة وللمهاجرين، وزيادة الفجوة بين الفقراء والأغنياء والتي تعصر الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي ينتمي إليها المهاجرون، هذا إضافة إلى موقف بعض النخب المسيطرة كالنخب اليمينية المتشددة واللوبي الموالي لإسرائيل تجاه الهجرات والأقليات المسلمة والعربية بشكل خاص وتجاه العالمين العربي والإسلامي بشكل عام

أضف إلى ذلك الهجمة الشرسة خلال السنوات الأخيرة على حقوق وحريات المسلمين والعرب في أميركا وعلى صورتهم في وسائل الإعلام الأميركية، والتضييق عليهم في الوظائف وفي إستخراج تصاريح الهجرة والتجنيس، وهي هجمة دفعت أعداد ليست بقليلة إلى ترك الولايات المتحدة والعودة إلى أوطانهم بعد أن أقنعتهم بأن أميركا لم تعد مجتمع الفرصة المفتوح كما كانت في الماضي

وفي الخاتمة يجب أن نؤكد على أن قدرة المهاجر المسلم والعربي على الإندماج الإيجابي في المجتمع الأميركي هي مسئولية مشتركة يتحملها المهاجر والمجتمعات العربية والمسلمة والمجتمع الأميركي والذي أغلقت بعض نخبه الحاكمة عقولها وقلوبها مؤخرا أمام المسلمين والعرب

Friday, October 06, 2006

النخب الغربية وإعاقة اندماج مسلمي الغرب


مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
جريدة الحياة، 7 أكتوبر 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

ملف اندماج الأقليات المسلمة بالمجتمعات الغربية ملف مفتوح ذو أهمية متزايدة في الحياة السياسية والعامة بالبلدان الغربية لأسباب مختلفة على رأسها طبيعة السياسات الدولية الراهنة والتركيز المتزايد على الصراع بين دول غربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وبعض الجماعات التي ترفع شعارات إسلامية

هناك أيضا عوامل ترتبط بالنمو المتزايد للأقليات المسلمة بالدول الغربية خلال العقود الأربعة الأخيرة والتي شهدت تصاعدا متزايدا لنفوذ جماعات يمينية علمانية وأخرى دينية بأوربا والولايات المتحدة، وهي جماعات تعادي التراث الليبرالي الذي انتشر بالغرب منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ووصل لمداه وقمة نفوذه في ستينات القرن العشرين

هذه العوامل المختلفة دفعت البعض لمحاولة تسييس قضية اندماج مسلمي الغرب والنظر لها من منظور أمنى سياسي باعتبارها تهديدا لأمن الغرب ولمصالح بعض الأقليات السياسية كالأقليات الموالية لإسرائيل، وباعتبارها تهديدا للنسيج الثقافي والحضاري بالدول الغربية كما تراه أحزاب اليمين الغربي متزايدة النفوذ

وفي ظل هذا التسييس بات من الصعب أن نقف على دراسات موضوعية تحاول أن تدرس الأسباب الحقيقية التي تشجع أو تعيق اندماج مسلمي الغرب

فالمنطقي أن عملية اندماج أي أقلية بمجتمع ما تخضع لظروف مختلفة بعضها نابع من داخل الأقلية ذاتها وبعضها نابع من داخل المجتمع الجديد المستقبل لها

وبسبب الندرة النسبية للدراسات المعنية بخصائص الأقليات المسلمة بالبلدان الغربية وبسبب التسييس المتزايد لهذه القضية في السنوات الخمس الأخيرة على أقل تقدير، والضعف النسبي لأصوات المسلمين الغربيين القادرة على توضيح صورتهم الحقيقية، تحاول أعداد متزايدة من الدراسات الغربية اليمينية تصوير معوقات اندماج الأقليات المسلمة بالمجتمعات الغربية على أساس أنها معوقات قادمة من داخل تلك الأقليات وتعود إلى خصائص الأقليات المسلمة العقائدية والاجتماعية والسياسية

وبالطبع لا ينبغي لأحد إنكار أن الخصائص الداخلية لمسلمي الغرب تؤثر على استعدادهم للاندماج، ولكن في نفس الوقت يجب إدراك حقيقة بديهية تبدو غائبة أحيانا وهي أن الاندماج عملية تعتمد على طرفين وليس طرف واحد، وهما الأقلية الجديدة الساعية للاندماج، والمجتمعات المستقبلة المرحبة بهذا الاندماج

ومن هذا المنطلق ينبغي تخصيص عدد متوازي من الدراسات للوقوف على موقف المجتمعات الغربية من الأقليات المسلمة القادمة، وخاصة موقف النخب السياسية الحاكمة في تلك المجتمعات، فنفوذ هذه النخب يسمح لها بالتأثير على قدرة الأقليات المسلمة على الاندماج بمجتمعاتها الغربية لأسباب عديدة هامة

فالنخب الغربية لديها القدرة على التأثير على موقف المجتمعات الغربية والرأي العام الغربي من الأقليات المسلمة القادمة ومن الإسلام، كما تمتلك القدرة على صياغة السياسات التي من شأنها التعجيل من هذا الاندماج أو إعاقته

ولو أخذنا الحالة الأمريكية كمثال لوجدنا أن مراكز أبحاث العاصمة الأمريكية واشنطن نادرا ما تركز على دور النخب الحاكمة بأمريكا في تشجيع أو إعاقة اندماج مسلمي أمريكا، وقد يعود ذلك لأسباب مختلفة من بينها أن الثقافة السياسية الأمريكية ترفض بشكل عام تقسيم المجتمع إلى نخب أو طبقات وتنظر لهذه المفاهيم على أنها مفاهيم اشتراكية تتناقض مع الثقافة الرأسمالية الليبرالية والتي تنادي بالمساواة في الفرص أمام الجميع

هذا إضافة إلى أن مراكز الأبحاث الأعلى صوتا بواشنطن واقعة تحت تأثير واضح لليمين الأمريكي، فمركز هريتاج فاويندايشين والذي يعد أحد أعرق مراكز الأبحاث اليمينية بواشنطن والولايات المتحدة عادة ما يروج لندوات ومواضيع شديدة الانغلاق من حيث فهمها للإسلام والمسلمين والأقليات المسلمة، على غرار "صراع مع الغرب: المحفزات الدينية وإستراتيجيات الجهاد"، و"ميراث الجهاد: الحرب المقدسة الإسلامية ومصير غير المسلمين"، و"الفاشية والإسلامية والعداء للسامية"، و"الإستراتيجيات الجهادية في الحرب على الإرهاب"

في المقابل هناك أقلية من الدراسات المنصفة التي حاولت الوقوف على حقيقة موقف النخب الغربية من الأقليات المسلمة، ونشير هنا - على سبيل المثال - إلى دراسة صدرت مؤخرا عن مجلة فورين أفاريز "شئون دولية" في عدد سبتمبر/ أكتوبر 2006 من المجلة تحت عنوان "فرنسا ومسلموها"، وهي من تأليف إحدى محررات المجلة، وتدعى ستيفاني جيري

وتركز الدراسة على فرنسا نظرا للعمق التاريخي لوجود الهجرات المسلمة بها وحجم هذه الهجرات والتحديات التي تواجهها، حيث تذكر المؤلفة في بداية الدراسة أن "علماء الاجتماع الفرنسيين يعتقدون أن اندماج المسلمين في المجتمع الفرنسي تقدم بشكل جيد"، وأن غالبية المسلمين الفرنسيين "يتبنون المعايير الثقافية الأوربية ويدعمون القيم الجمهورية الفرنسية"

ولكنها تعود وتأكد أن اندماج المسلمين في فرنسا يواجه تحديات كبيرة على رأسها "عدم الثقة العميقة في الإسلام" من قبل النخب الفكرية الفرنسية، وكون "الركود الاقتصادي (بفرنسا) ضاعف مشكلات" الأقليات والمهاجرين، كما تؤكد المؤلفة أن "المشكلة الأكبر هي أن الجدل حول كيفية تخفيف الصعوبات التي تواجه اندماج مسلمي فرنسا أصبح جدلا متشددا أيدلوجيا بعد أن تم إختطافة من قبل مفكرين وسياسيين منعزلين عن الواقع"، كما تقول أن "العداء للإسلام في فرنسا ... هو ظاهرة فكرية تدفعها النخب وتنبع من أيدلوجيات عنصرية أكثر من (دواعي) عدم الأمن

وبعد سرد هذه الحجج تبدأ المؤلفة في التعامل معها كل على حدى، حيث تذكر أن النخب الفرنسية تعاني من تحيز تاريخي قديم ضد الإسلام، وأن نسبة البطالة في أوساط المهاجرين المسلمين وصلت خلال العقود الثلاثة الأخيرة إلى 30% مقارنة بنسبة 10% في أوساط الشعب الفرنسي، وأن الكساد الاقتصادي أوقف الحراك الاقتصادي والاجتماعي بفرنسا لذا وجد المهاجرون أنفسهم محاصرون في نفس المدن الفقيرة التي عاش فيها العمال الفقراء في الستينات لأن الأوضاع الاقتصادية الراكدة منعتهم من الحراك إلى مدن أفضل

لذا ترى المؤلفة أن موقف المهاجرين المسلمين نحو الاندماج في المجتمع الفرنسي أكثر تأثرا بالظروف الاقتصادية والاجتماعية مقارنة بالعوامل الأيدلوجية الدينية

أما المشكلة الأكبر التي تواجه المهاجرين المسلمين في فرنسا - بعد ما يتعرضون له من تمييز اقتصادي واجتماعي - فهي انغلاق الطبقة السياسية الحاكمة أمامهم وعدم سعيها لدمجهم في الحياة السياسية الفرنسية

حيث تشير ستيفاني جيري إلى أن البرلمان الفرنسي الذي يبلغ عدد مقاعده 908 مقعدا لا يضم سوى نائبين مسلمين فقط انضما إليه في عام 2004، كما أن نسبة المسلمين بين القيادات المحلية المنتخبة بفرنسا لا تتعدى 2.4 %، لذا يؤمن نصف الفرنسيين - وفقا لاستطلاعات حديثة - أن "الطبقة السياسية الفرنسية ليست متنوعة بشكل كافي، وأن هناك حاجة لضم مسلمين إلى البرلمان"

وتقول المؤلفة أن الحكومة الفرنسية لم تقدم "عروضا محددة" لعلاج المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المهاجرون المسلمون، كما تشير إلى أن فشل الأحزاب الكبيرة في التعامل مع قضية دمج المسلمين ترك الساحة خالية للجماعات الفرنسية اليمينية المتشددة، لذا تعبر المؤلفة عن خشيتها من أن استمرار التمييز وصمت النخب السياسية وصعود اليمين المتشدد قد تمثل معا عوامل ضغط تدفع المسلمين الفرنسيين للوقوع فريسة الأيدلوجيات المتطرفة

حديث ستيفاني جيري عن موقف النخب الفرنسية من اندماج مسلمي فرنسا قد يدفعنا لمقارنته مقارنة سريعة بحالة أخرى وهي موقف النخب الأميركية من اندماج مسلمي الولايات المتحدة، وذلك على سبيل المقارنة وإثراء البحث، وهنا يجب الإشارة إلى الملاحظات التالية

أولا: بعض النخب الأميركية باتت تلعب دورا متزايدا في إعاقة اندماج المسلمين بالولايات المتحدة، وعلى رأس هذه النخب بعض قيادات التيار الإنجليكي المتدين النشطة سياسيا، حيث أشارت تقارير صحفية ودراسات مختلفة إلى أن قيادات هذه النخب رفضت وصف الرئيس الأميركي للإسلام بعد أحداث 11/9 بأنه "دين سلام" إلى درجة أن بعض هذه القيادات تطوعت للإساءة للإسلام كدين في أكبر وسائل الإعلام الأميركية لضمان عدم النظر إليه إيجابيا من قبل الشعب الأميركي

ثانيا: هناك خط متواصل من التقارير الصحفية والكتابات التي تحدثت عن دور لوبي إسرائيل في تشويه صورة مسلمي أميركا ومؤسساته وقياداته لدى دوائر صنع القرار والرأي العام بالولايات المتحدة

ثالثا: النخب السياسية الأميركية لم تقم حتى الآن بدورها المنتظر في مواجهة موجة العداء للإسلام المتزايدة بالولايات المتحدة، بل أن بعض هذه النخب تنساق أحيانا وراء دعاوى التمييز ضد المسلمين والعرب لتحقيق أهداف سياسية مختلفة كما حدث في حادثة "شركة موانئ دبي" في أوائل العام الحالي

في المقابل يجب الإشارة إلى وجود نقاط ومساحات إيجابية في مواقف النخب الأميركية تجاه دمج الإسلام والمسلمين كما يظهر في موقف فئات متزايدة من النخب الليبرالية الفكرية والأكاديمية المنصفة، وهو أمر نتمنى أن ينسحب على فئات أوسع بالمجتمع الأميركي والمجتمعات الغربية، وقد يتحقق ذلك نسبيا من خلال المطالبة بمزيد من الدراسات الموضوعية المنصفة التي تحاول دراسة موقف المجتمعات الغربية والأقليات المسلمة من قضية الاندماج على قدم المساواة

----

مقالات ذات صلة

صورة الإسلام في أمريكا بعد خمس سنوات على 11/9

مسلمو وعرب أمريكا بين تبعات 11/9 والثورة اليمينية المضادة

الخطاب المسلم الأمريكي السائد

العرب وتحديات الهوية الوطنية بعد 11/9

سبل مكافحة الإسلاموفوبيا في البيئة الأمريكية

Monday, August 14, 2006

امنعوهم: لماذا تستمر أميركا في عدم فهم الهجرة
عرض بقلم: علاء بيومي

الناشر: الجزيرة نت، 14 أغسطس 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص العرض

هذا الكتاب سهل الأسلوب خطير المضمون موجه بالأساس للشعب الأميركي ولكنه في ذات الوقت يحتوي على أفكار ومعلومات عديدة وهامة تتعلق بالمهاجرين المسلمين والعرب بأميركا وموقف الأميركيين منهم

الكتاب من تأليف ميشيل واكر وهي باحثة وصحفية أمريكية متعاطفة مع المهاجرين وهو صادر عن مطابع بابليك أفاريز وهي مطبعة أميركية مقرها نيويورك تتميز بنشر كتب جادة سهلة الأسلوب تمس أهم القضايا المثارة لدى الرأي العام الأميركي من منظور متوازن بين اليسار واليمين مما يجعل ما تنشره المطبعة من كتب يستحق المتابعة خاصة وأن المطبعة لا تصدر سوى عدد محدود من الكتب الجديدة كل عام مقارنة بالمطابع الأمريكية الكبرى

أسطورة الخلفيات الأوربية

خطورة مضمون الكتاب تكمن في أنه يثبت عبر صفحاته أن كثير من الأفكار الرئيسية المنتشرة لدى الأميركيين - بما في ذلك المثقفين منهم - عن الهجرة هي أساطير كبرى خطيرة، وعلى رأس هذه الأساطير الأسطورة القائلة بأن موجات الهجرة الأوربية إلى أميركا في أواخر القرن التاسع عسر وأوائل القرن العشرين كانت أكثر قابلية للاندماج في المجتمع الأميركي مقارنة بالهجرات الحالية بحكم الخلفية الأوربية لمهاجري أوائل القرن العشرين

إذ تذكر مؤلفة الكتاب - في فصله الثاني - أن 63% من الإيطاليين الذين هاجروا لأمريكا في الفترة ما بين عامي 1902 و1923 عادوا لبلادهم، هذا إضافة إلى نسبة 46.5% من النمساويين، ونسبة 48% من الفرنسيين، ونسبة 46% من اليونانيين

وتتحدث المؤلفة بإسهاب في الفصول من الأول وحتى الثالث من الكتاب عن حياة المهاجرين الأوربيين لأميركا في أوائل القرن العشرين وكيف أنها لم تكن حياة سهلة بأي مقياس من المقاييس وكيف تعرض هؤلاء المهاجرين لتمييز مستمر بحكم أنه قادمين من بلاد جنوب وشرق ووسط أوربا والتي كان ينظر إليها في أميركا من قبل الطبقات الأمريكية الإنجليزية والألمانية المسيطرة على أنها شعوب أقل ذكاء وكفاءة، وهي نظرة عبر عنها كبار القادة الأمريكيين بما في ذلك رؤساء أميركا أنفسهم كويدرو ويلسون الذي ذكر في أحد المناسبات أن "المهاجرين من جنوب إيطاليا والنمسا وبولندا هم أقل الطبقات البشرية بما يفتقروا إليه من ذكاء ومبادرة

إضافة للتمييز عانى هؤلاء المهاجرون من البعد عن بلادهم والشوق لشعوبهم وأوطانهم في ظل بعد المسافة وبطء وسائل الاتصال والمواصلات، لذا عاد 36% من المهاجرين الذين هاجروا إلى أميركا بين عامي 1901 و1920 إلى أوطانهم، كما عمدت أعداد كبيرة من المهاجرين إلى البقاء في أمريكا فترة قصيرة لجمع الثروة لكي يرسلوها لأوطانهم الأم، ففي الفترة من 1900 إلى 1906 أرسل المهاجرون حوالات بريدية تقدر بحوالي 12.3 مليون دولار من نيويورك إلى أوطانهم الأم، وهي كمية هائلة من الأموال في ذلك الوقت

في المقابل توضح المؤلفة - في الفصل الثالث من الكتاب - أن نسبة المهاجرين الذين عادوا إلى أوطانهم من بين المهاجرين الذين دخلوا أميركا بين عامي 1971 و1990 لم تتعدى 23% وهي نسبة أقل بـ 13% من مهاجري أوائل القرن العشرين، أضف إلى ذلك أن مهاجري الفترة الحالية أعلى من حيث المستوى التعليمي وأكثر رغبة على الاندماج والتأقلم بالحياة الأميركية بحكم قدرتهم على تعلم اللغة الإنجليزية وبحكم قدرتهم على التواصل مع شعوبهم الأهم من خلال وسائل الاتصال والمواصلات الحديثة مما يقلل شعورهم بالغربة

معاناة الأميركيين الألمان

الأسطورة الثانية التي يتحداها الكتاب هي الأسطورة القائلة بأن الثقافة الأمريكية هي في جذورها ثقافة أنجلوساكسونية، وهنا تقول المؤلفة ميشيل واكر أن الأميركيين نسوا ما حدث خلال الحرب العالمية الأولي، فأميركا تتذكر حاليا معاناة الأجانب كاليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية ولكنهم نسوا معاناة الألمان خلال الحرب العالمية الأولى

حيث تذكر المؤلفة في مقدمة الكتاب أن المطابع الألمانية في أمريكا كانت أكثر عددا من نظيرتها الإنجليزية حتى الحرب العالمية الأولى، وتقول في الفصل الثاني أن سبب تردد أميركا في دخول الحرب العالمية الأولى هو مواطنيها الألمان الذين فضلوا الحياد حتى لا تحارب أمريكا بلدهم الأم في مقابل الأميركان الإنجليز الذي طالبوا دخول الحرب مساندة لبريطانيا

وعندما مالت الكافة لصالح الأميركان الإنجليز كان ذلك نتاجا لدخول أميركا لمرحلة عرقية وإثنية جديدة شهدت تضييقا شديدا على حقوق أصحاب الأصول الألمانية – من مواطنين وأجانب – داخل أميركا، إذ انتشرت جرائم الكراهية التي يشنها الغوغاء والمتحيزين ضد الألمان ومنعت بعض الولايات الأميركية الألمان من التجمع ومن الحديث بلغة غير الإنجليزية، كما انتشرت الشائعات عن الألمان – بدعم من الحكومة الأميركية أحيانا لمواجهة الدعاية الألمانية – والتي ادعى بعضها أن الألمان يحولون الجثث إلى صابون ويقتلون الأطفال الرضع، حتى وصل الأمر إلى صدور قوانين تحد من حركة وحريات البالغين الألمان وتفرض تسجيل المئات منهم لدى السلطات الأمريكية، وانتهى الأمر باعتقال أكثر من ستة آلاف ألماني بمعسكرات اعتقال تتفشى فيها الأوبئة والأمراض حتى نهاية الحرب العالمية الأولى

وهنا تظهر أحد أهم مزايا الكتاب الراهن، إذ تستخدم المؤلفة منهج المقارنة التاريخية لكشف معاناة المهاجرين لأميركا خلال الفترة الحالية من خلال مقارنتها بمعاناة المهاجرين في أوائل القرن العشرين، وتوضح المؤلفة في أكثر من موضع بالكتاب التشابه في المرحلتين خاصة على مستوى الظروف العالمية، ففي أوائل القرن العشرين – كما هو الحال حاليا – مر العالم بدرجة غير مسبوقة من درجات العولمة تمثلت في تغير أدوات الإنتاج وانتشار التصنيع في أميركا وهجرة ملايين المهاجرين إليها للعمل في اقتصادها العملاق في وقت مرت فيه أمريكا بتغيرات اقتصادية واجتماعية ضخمة بسبب تغير نمط الإنتاج، ولما طغت الدعاوى الثقافية على الحقائق الاقتصادية ورفض الأميركيون التعامل مع الحقائق والتحديات الاقتصادية والإنتاجية التي تواجههم مفضلين الانخراط في دعاوى الفروق الثقافية والعرقية والتمييز ضد الأجانب، كان ذلك إيذانا بدخول أمريكا والعالم مرحلة كساد ضخمة ومدمرة، فلما أغلق الأميركيون أبوابهم تجاه العمال والبضائع الأجنبية عاملتهم دول العالم بالمثل مما قاد تدريجيا إلى الكساد الكبير الذي ضرب الاقتصاد الأميركي بشدة في أواخر العشرينات من القرن العشرين، كما ساعدت العزلة الأمريكية الدولية على صعود النازية والفاشية والتحضير تدريجيا للحرب العالمية الثانية

من هو الأميركي

تتحدث المؤلفة باستفاضة في الفصل الرابع عن ثقافة العداء للمهاجرين التي انتشرت في أميركا خلال النصف الأول من القرن العشرين والتي قادت إلى اعتقال أكثر من ستة آلاف ألماني خلال الحرب العالمية الأولى وإلى اعتقال أكثر من مائة ألف ياباني خلال الحرب العالمية الثانية وإلى غلق أبواب أميركا أمام المهاجرين للعمل واللاجئين هربا من الاضطهاد على حد سواء

وتقول المؤلفة أن هذه الثقافة ناقضت المعني الحقيقي لأمريكا كفكرة، فأمريكا كفكرة تقوم على مبدأ قدرة المجتمع الأميركي كمجتمع جديد من تمكين المهاجرين المشكلين له – وجميع الأميركيين فيما عدا الهنود الحمر مهاجرون – من العيش في مجتمع يحترم خصوصياتهم ويمكنهم من تحقيق ذاتهم واستغلال أفضل طاقاتهم في مجتمع حر

وهنا تذكر المؤلفة عبارة محورية تكررها على مدى الكتاب في مواضع عديدة وهي أن الأميركيين يجيدون الحديث عن قيمهم وفعل عكسها، فالأميركيون يحرصون على النظر لأنفسهم على أنهم شعب مفتوح متسامح مرحب بالآخرين ويحترم الخصوصيات، ولكنهم في نفس الوقت – وخاصة في أوقات الأزمات – تتناقض تصرفاتهم من تلك القيم تناقضا واضحا صريحا دون الانتباه لذلك

وتقول ميشيل واكر أن معاناة المهاجرين في فترة ما بين الحربين العالمتين وقبلهما كانت تجسيدا لذلك التناقض، إذ هاجم الأميركيين الفكرة الأميركية ذاتها عندما سعوا لأمركة المهاجرين وفرض الانصهار عليهم من خلال حركات ثقافية معادية للمهاجرين بشكل واضح وقوانين تأثرت بتلك الحركات، إذ هاجمت تلك الحركات المنظمات العرقية والإثنية التي أنشئها المهاجرون لكي تساعدهم على تسريع الاندماج في المجتمع الأمريكي بشكل يحمي خلفياتهم الثقافية، وكان المفترض أن هذه المنظمات هي تجسيد للفكرة الأميركية ذاتها ولكن الحركات المعادية للمهاجرين هاجمتها

كما تم إغلاق الباب أمام الهجرة من خلال وضع سقف سنوي عليها، كما رفع شعار "الوحدة الوطنية" كمبدأ للاندماج بدلا من شعار "التسامح" الذي تقوم عليه الفكرة الأميركية، كما تم التضييق على حقوق وحريات المهاجرين، وترك الحبل على الغارب للسلطات الحكومية للتجسس على المهاجرين وإحصائهم واعتقالهم

طغيان الثقافة على الاقتصاد والسياسة

الأسطورة الثالثة التي تتحداها ميشيل واكر تتكون من عدد كبير من الأفكار النمطية السلبية المنتشرة عن المهاجرين داخل المجتمع الأميركي والمتعلقة بشكل أساسي بدورهم الاقتصادي داخل المجتمع، حيث ترى المؤلفة أن كثير من الأفكار الشائعة عن المهاجرين بأميركا حاليا ليست مبنية على حقائق علمية ولكنها مبنية على انطباعات قائمة على دوافع ثقافية وموقف معادي من المهاجرين أكثر من اعتمادها على دراسات علمية رصينة ترصد أثر الهجرة على الاقتصاد والمجتمع الأميركيين

ولإثبات كذب تلك النظريات تفرد المؤلفة مساحات واسعة من الفصول من الخامس وحتى الحادي عشر من كتابها تذكر فيها - على سبيل المثال لا الحصر - أن الأفكار الشائعة عن المهاجرين بأميركا تتجاهل أن 50% من العاملين في مجالات البحث العلمي والتطوير في أميركا هم من المهاجرين وأن ربع الأطباء والممرضين هم من المهاجرين، وأن 60% من أرباح صناعة تكنولوجيا المعلومات الأميركية هي من التجارة مع دول خارجية، وأن أميركا تجني أرباح من اندماج الاقتصاد العالمي يقدرها البعض بحوالي ترليون دولار سنويا، هذا إضافة إلى القوة الشرائية للمهاجرين بالسوق الأميركي وإلى إن وجود المهاجرين بأمريكا يساعد الاقتصاد الأمريكي على النمو ويوفر الكفاءات المطلوبة حتى لا يتم تصدير الوظائف خارج أمريكا

في المقابل ترى المؤلفة أن المهاجرين في أميركا يتعرضون اليوم لمثلث تحديات يعيد للذاكرة أزمة المهاجرين في أوائل القرن العشرين، الضلع الأول لهذا المثلث هو بيروقراطية إدارة الهجرة الأميركية العقيمة التي تعاقب المهاجرين بأساليب مختلفة وتحمي رجال الأعمال، والضلع الثالث هو قوى العولمة التي تمثل تحدي للمواطن الأميركي وتهدد وظيفته إذا ما لم يطور نفسه وترسل 1.2 مليون مهاجر لأميركا سنويا، أما الضلع الثالث فهو أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي أحيت مشاعر التمييز ضد المهاجرين بأميركا بصفة عامة وضد المهاجرين المسلمين والعرب بصفة خاصة

خاتمة

في مقابل ما سبق تنصح الكاتبة الأميركيين بالعودة إلى النقاش العقلاني حول قضية الهجرة، وتنادي بإصلاح سياسات الهجرة بشكل يحد قليلا من مستويات الهجرة - خاصة غير الشرعية منها - ويحترم الثقافة الأنجلوساكسونية كجوهر للهوية الأميركية مع تجديد الثقة في العقيدة المدنية الأميركية التي تؤكد على الحرية وعلى احترام حقوق وخصوصيات الجماعات المكونة لأميركا

------

مقالات ذات صلة

العرب وتحديات الهوية الوطنية الأمريكية بعد 11/9

أمريكي 50%: الهجرة والهوية الوطنية في عصر الإرهاب

الأمريكي المتوسط: البحث غير العادي عن أكثر مواطن عادي بالأمة

دور الإسلام في تشكيل الهوية الأمريكية من وجهة نظر صموئيل هنتينجتون

حاضر الهوية المسلمة الأمريكية

Tuesday, June 13, 2006

العرب وتحديات الهوية الوطنية الأمريكية بعد 11/9
ندوة بمركز الحوار العربي
تقرير عن الندوة من إعداد مركز الحوار العربي، منشور في 13 يونيو 2006

نص التقرير

عقد "مركز الحوار العربي" في واشنطن في التاسع من يونيو/حزيران الحالي ندوة بعنوان "الهجرة وتحديات الهوية الوطنية الأمريكية بعد 11/9" تحدث فيها الباحث السياسي علاء بيومي مدير الشؤون العربية بمجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) وشارك فيها نخبة من المثقفين العرب بواشنطن

أفتتح الندوة صبحي غندور مدير مركز الحوار الذي أشار لأهمية توقيت الندوة بحكم أن الكونجرس الأمريكي ينظر خلال الفترة الحالية في تشريعات تتعلق بتنظيم الهجرة وهي تشريعات تشغل الرأي العام الأمريكي هذا إضافة إلى أن المجتمع الأمريكي بطبيعته يتميز بقدرة عالية على استيعاب الهجرات وبتطوير نموذج فريد في ذلك يستحق الدراسة والتحليل

وفي بداية حديثه، أكد علاء بيومي على أن موضوع الندوة يرتبط بعدد من القضايا الكبرى التي تشغل الرأي العام الأمريكي وعلى رأسها قضية الهوية الأمريكية وتأثرها بأحداث الحادي عشر من سبتمبر وبموقف الأمريكيين من الأخر ومن الأقليات والمهاجرين، كما أن الموضوع يهم المسلمين والعرب في أميركا بشكل كبير بحكم أنهم أصبحوا جزءا لا يتجزأ من الجدل الدائر في المجتمع الأمريكي

موقع المسلمين والعرب من تحديات الهويات الغربية

أشار بيومي في مدخل موضوعه إلى أحدث كتب صموئيل هنتينجتون – الأكاديمي الأمريكي صاحب الشهرة العالمية – والذي صدر في عام 2004 بعنوان "من نحن؟ تحديات الهوية الوطنية الأمريكية"، وقال بيومي أن هنتينجتون في تحليله لتحديات الهوية الأمريكية لم ير المسلمين أو العرب كتحدي حقيقي يواجه الهوية الأمريكية بحكم أن معظم هذه التحديات تأتي من وجهة نظر هنتينجتون من ثلاثة مصادر أساسية أولهما النخب اليسارية التي تنادي بالتعددية الثقافية، وثانيها النخب الثرية والتي تنادي بهوية أمريكية دولية تتخطى الهوية الوطنية الأمريكية، أما التحدي الثالث فهو تحدي الهجرات اللاتينية (القادمة من دول أمريكا اللاتينية) بكثافة

ومع ذلك رأى هنتبنجتون أن العداء لما أسماهم بالإسلاميين المسلحين قد يمثل مصدرا لتقوية الهوية الأمريكية في المستقبل، حيث عبر هنتينجتون عن اعتقاده بأن أحد عوامل توحد الأمريكيين عبر التاريخ تمثل في توحدهم ضد عدو خارجي مثل الإتحاد السوفيتي خلال الحرب البادرة، وهنا رأي هنتينجتون أن "الإسلاميين المسلحيين" يمثلون بديلا جديدا يساعد على تقوية الهوية الأمريكية بتوحيد الأمريكيين ضده" في الوقت الذي عرف هنتينجتون "الإسلاميين المسلحيين" بأسلوب عام غير محدد قد يؤدي إلى اختلاط الأمر على المواطن الأمريكي العادي

وبعد ذلك انتقل علاء بيومي لتحليل بعض الاطروحات النظرية التي أدلى بها مؤخرا فرانسيس فوكوياما - عالم العلاقات الدولية الأمريكي المعروف – ضمن كتابه الأخير الصادر بعنوان "أمريكا على مفترق الطرق" والذي أعلن فيه فوكوياما تبرأه من أفكار وممارسات الجيل الراهن من المحافظين الجدد

وأشار بيومي إلى أن فوكوياما يتضمن في كتابه نظريه هامة عن أمن المجتمعات الغربية بعد 11/9 حيث يرى فوكوياما أن من قاموا بهجمات الحادي عشر من سبتمبر لم يكونوا مسلمين يعيشون بمجتمعات مسلمة تقليدية ولكنهم كانوا مسلمين يعيشون بالمجتمعات الغربية ومصابين بأزمة هوية ناتجة عن صدامهم مع الحداثة

وبهذا يضع فوكوياما المهاجرين المسلمين والعرب بالمجتمعات الغربية في قلب الجدل الدائر حول الهوية الوطنية بتلك الدول، حيث يرى فوكوياما أن أوربا هي الساحة الحقيقية للحرب على الإرهاب، وأن القضاء على الإرهاب لن يحدث إلا إذا قامت الدول الأوربية بحل مشاكل الهوية التي تعاني منها التجمعات المسلمة والعربية التي تعيش بتلك المجتمعات وتعاني التمييز

وينصح فوكوياما الدول الأوربية بحل تلك المشكلة بتبني النموذج الأمريكي في دمج الأقليات والقائم على الفصل الكامل بين الدين والدولة، وعلى الحد من المساعدات التي تقدمها الدولة للمهاجرين الجدد بشكل يدفعهم إلى الاعتماد على أنفسهم والانخراط في سوق العمل بما يقلل من شعورهم بالعزلة، وتبني هويات وطنية مفتوحة وفتح الحوار داخل المجتمع الأمريكي عن الهوية والقومية الأمريكية في مقابل الدول الأوربية التي تكبت هذا الحوار ثقافيا واجتماعيا منذ الحرب العالمية الثانية

وهنا أكد بيومي على أن عرضه لأفكار فوكوياما وهنتينجتون لا يعني اتفاقه معهما، ولكنه يأتي كدليل على الوضع الذي وضع به المسلمين والعرب – من قبل بعض قادة الفكر والرأي العام الأمريكي – في قلب الجدل الدائر حول الهوية الوطنية بأمريكا والمجتمعات الغربية

تحديات الهوية الوطنية الأمريكية

وبعد ذلك استعرض بيومي عدداً من الكتب والدراسات الحديثة التي تكشف عن أبعاد مختلفة للجدل الأمريكي حول الهوية الوطنية بعد 11/9 مؤكدا على أن هذا الجدل قديم وأن جذوره تعود للتطورات التي مرت بها المجتمعات الغربية في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية، وهي تطورات تمت بشكل تدريجي لم تخلو من صراع بين الفئات المختلفة المكونة للمجتمعات الغربية، وأن أحداث الحادي عشر من سبتمبر أخرجت هذه الصراعات إلى السطح بشكل غير مسبوق ولكنها لم توجدها من عدم

فعلى سبيل المثال، أشار بيومي إلى كتاب صدر مؤخرا عن مطابع جامعة جورج تاون الأمريكية لكاتب يدعى ستانلي رينشون وذلك تحت عنوان "أمريكي 50%: الهجرة والهوية الوطنية في عصر الإرهاب"، حيث رأى المؤلف أن أمريكا تعيش منذ منتصف ستينات القرن العشرين في حرب مدنية ثانية في إشارة إلى الخلافات الثقافية العديدة بين اليمين واليسار الأمريكيين وتأثير هذه الخلافات من موقف الأمريكيين تجاه هويتهم

ويرى رينشون أن هذه الخلافات صعدت على السطح أكثر في الفترة التالية لإحداث الحادي عشر من سبتمبر خاصة، كما إنها ارتبطت بالأقليات والمهاجرين الجدد الذين زاد عددهم بشكل كبير خلال العقود الثلاثة الأخيرة (يستقر في أمريكا حوالي 1.2 مليون مهاجر سنويا)، كما اقترنت أيضا بعجز الحكومة الأمريكية عن صياغة برامج وسياسات جديدة تساعد على الترحيب بالمهاجرين الجدد والمساعدة على دمجهم السريع في المجتمع

وعلى الصعيد نفسه أشار بيومي إلى كتاب أخر لمؤلف بريطاني يدعى أناتول ليفين صدر في عام 2005 بعنوان "تشريح الوطنية الأمريكية" حيث يرى ليفين أن الوطنية الأمريكية تقوم على مجموعتين أساسيتين من الأفكار، أولهما مجموعة إيجابية تؤمن بوجود واجب أمريكي تجاه العالم، والمجموعة الثانية سلبية تتأثر ببعض الخبرات السلبية التي مرت بها جماعات رئيسة داخل المجتمع الأمريكي، مثل خبرات الجنوب الأمريكي الذي عاني باستمرار من العنصرية والثقافة الخشنة ونظرة الأمريكيين السلبية تجاه أهل الجنوب

وهنا يرى ليفين أن الصراع بين الوجه السلبي والوجه الإيجابي للقومية الأمريكية صراع دائم، وأن الفترة الأخيرة شهدت صعودا للوجه السلبي على الإيجابي بسبب أحداث الحادي عشر من سبتمبر وصعود الجماعات اليمينية الدينية بنظرتها الحدية تجاه الأخر والكساد الاقتصادي

كما ضرب بيومي مثالا ثالثا بكتاب صدر حديثا بعنوان "أمريكا وتحديات التنوع الديني" لروبرت وثوناو وهو أستاذ اجتماع بجامعة برينستون الأمريكية، وهو كتاب يؤكد على أن الأمريكيين ما زالوا يبحثون عن أساليب أفضل للتعامل مع التنوع الديني المتزايد داخل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يرى وثوناو أن الأمريكيين معنيين بهويتهم الدينية وأن هويتهم الدينية جزء من هويتهم القومية، وأن الأمريكيين تعاملوا على مدى فترات تاريخية طويلة مع قضية التنوع الديني من خلال منهج أساسي قائم على مبدأ تجنب التعامل مع قضية التنوع الديني برمتها

ورأي بيومي أن الكتاب الأخير وغيره من الكتب الصادر عن تحديات الهوية الوطنية الأمريكية تؤكد على أن التاريخ لم ينته، وعلى أن أمريكا والمجتمعات الغربية المختلفة تمر بمرحلة بحث عن الهوية في ظل توجهات فكرية متصاعدة ومتصارعة في كثير من الأحيان

ما العمل؟

وفي نهاية حديثه أشار بيومي إلى بعض التقارير المحايدة التي نشرت مؤخرا والتي قدم بعضها للكونجرس الأمريكي والتي تشير إلى أن الجدل السائد بالولايات المتحدة حول قضية المهاجرين والهوية يتضمن بعض الأفكار النمطية السلبية الشائعة والخطيرة

فعلى سبيل المثال يركز البعض على تواجد المهاجرين في الوظائف الفقيرة التي يرفض الأمريكيين القيام بها، مع أن هناك تقارير تشير إلى أن ربع العاملين في مجال الأطباء والممرضين في أمريكا هم من المهاجرين، كما يدعي البعض أن المهاجرين يضرون بسوق العمل الأمريكية وبفرص الأمريكيين في الحصول على وظائف مناسبة برواتب وشروط ترضيهم، في الوقت نفسه يهمل هؤلاء دور المهاجرين في جلب الخبرات لأمريكا والحفاظ على الوظائف داخل الولايات المتحدة بدل من تصديرها للخارج

لذا نصح بيومي الحضور بالنظر إلى الجدل الدائر حول الهوية الأمريكية والهويات الغربية في الفترة الحالية على أنه جدل سياسي قابل للنقد، كما نصحهم بالنشاط في المشاركة في صياغة هذا الجدل وتوعية الرأي العام الأمريكي بالإسهام الإيجابي للمهاجرين – خاصة المسلمين والعرب منهم – في المجتمع الأمريكي

كما أكد بيومي على أهمية التوجهات السائدة في أوساط التجمعات المسلمة والعربية بالولايات المتحدة والتي تؤكد على الاستيطان في أمريكا وتنادي بسرعة الاندماج الإيجابي والمشاركة في فعاليات المجتمع المدني الأمريكي فذلك من شأنه أن يساعد المسلمين والعرب على ترك بصمة إيجابية على الهوية الأمريكية وعلى الجدل الدائر حولها بالرغم من التحديات التي تواجههم خلال الفترة الحالية

Wednesday, April 19, 2006

أمريكي 50%: الهجرة والهوية الوطنية في عصر الإرهاب
عرض بقلم: علاء بيومي

الناشر: الجزيرة نت، 19 أبريل 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص العرض

الكتاب الراهن يتناول قضية ذات أهيمة متزايدة على الساحة الأمريكية في الفترة الحالية وهي قضية الهوية الهوية الأمريكية، والتي ظهرت على الساحة الفكرية الأمريكية بشكل قوي في عام 2004 عندما نشر صموئيل هنتينجتون البروفيسور الأمريكي المعروف أحدث كتبه بعنوان "من نحن؟ تحديات الهوية الوطنية الأمريكية"، هذا إضافة إلى صعود قوي اليمين الأمريكي على الساحة السياسية الأمريكية بشكل مضطرد منذ التسعينات، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي ساهمت بدورها في صعود مخاوف اليمين الأمريكي من الأخطار التي تواجه أمريكا كبلد وكهوية وكثقافة وطنية

مؤلف الكتاب الراهن هو ستانلي رينشون أستاذ العلوم السياسية بإحدى جامعات نيويورك وخبير التحليل النفساني، والكتاب منشور من قبل مطابع جامعة جورج تاون الأمريكية مما يمنح الكتاب مؤهلات علمية وأكاديمية قوية

تحديات الجنسية المزدوجة

موضوع الكتاب المعلن هو التحدي الذي تمثله قضية الهوية المزدوجة وحامليها للهوية الوطنية الأمريكية ولمصالح أمريكا كأمة بشكل عام، ولكن الكتاب في أغلب أجزاءه يتناول قضايا متصلة بهدفه السابق بأسلوب متميز، إذ يحاول الكتاب أن يعرف الهوية الأمريكية، ثم يتحدث عن التحديات التي تواجه هذه الهوية من الداخل والخارج، ولماذا تمتلك هذه التحديات أهمية خاصة في الوقت الحالي، كما يقدم في فصليه الأخيرين بعض الإقتراحات العملية للتعامل مع قضية الهوية المزدوجة ولدمج المهاجرين الجدد في الثقافة والهوية الوطنية الأمريكية

في مقدمة الكتاب يرفض رينشون أن تكون الهوية هي مجموعة من القيم حيث يرى أن القيم وحدها لا تكفي لربط المواطن ببلده فلابد أن يقترن تقدير المواطن العقلاني لقيم بلده بقدر من الإرتباط العاطفي بذلك البلد، لذا يشن رينشون - في الفصل الأول - هجوما ضمنيا على اليسار الأمريكي لتركيزه على القيم المدنية الأمريكية كمصدر أساسي للهوية الأمريكية ولرفضه للروابط العاطفية بإعتبارها عوامل غير عقلانية، ويقول رينشون أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 أشعرت الأمريكيين بالوحدة الوطنية لفترة قصيرة عادوا بعدها لخلافاتهم السياسية والثقافية العديدة، ولكنها في نفس الوقت أشعرت الأمريكيين بحاجتهم لهوية تجمعهم كما أشعرتهم بالخطر الذي قد يمثله المهاجرون لأمريكا إذا ما لم يندمجوا بشكل كافي في المجتمع

ويقول رينشون أن عدد المهاجرين الذين دخلوا أمريكا منذ السبعينات يبلغ حوالي 34.2 مليون مهاجر، كما دخل أمريكا خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2004 - وهي فترة شهدت كساد اقتصادي أمريكي نسبي - 6.1 مليون مهاجر، كما يستقر في أمريكا حوالي 1.2 مليون مهاجر سنويا، ويقول رينشون أن هذه المعدلات جعلت من عقد التسعينات الماضي أكثر عقود أمريكا استقداما للمهاجرين

تعريف الهوية الوطنية الأمريكية

أحد أهم إسهامات الكتاب هو تعريفه للهوية الوطنية الأمريكية في فصليه الثاني والثالث، حيث يرى رينشون أن التحديات التي تواجهها أمريكا كدولة وكثقافة في الوقت الراهن تستدعي تعريفا محددا للهوية الأمريكية، حيث يرفض رينشون موقف بعض اليساريين الأمريكيين الذين يفضلون النظر للهوية الأمريكية على أنها مجموعة القيم المدنية التي تميز أمريكا مثل الديمقراطية والحريات الأمريكية، حيث يرى رينشون أن القيم عالمية تتواجد في دول مختلفة فما الذي يضمن ارتباط الأمريكيين بأمتهم، كما أن النظر للهوية كقيم يهمل البعد النفسي للهوية والرابطة العاطفية التي تربط الأشخاص بمبادئ معينة، فغياب هذه الروابط العاطفية من شأنه ضعف ارتباط الليبراليين بالمبادئ الليبرالية نفسها

وفي الفصل الثالث يقول رينشون أن الهوية في جوهرها أكبر من القيم الأمريكية والرابطة النفسية التي تربط الأمريكيين ببلدهم، إذا تتكون الهوية الأمريكية من عامل ثالث إضافي - إلى جوار العاملين السابقين – وهو الخصائص النفسية التي تميز النفسية الوطنية الأمريكية وتساعد المقيمين في أمريكا على فهم المؤسسات والتقاليد السياسية والثقافية والتاريخية الأمريكية والتعامل معها

فيما يتعلق بالجانب القيمي العقلاني من الهوية الأمريكية والذي يوصف عادة "بالعقيدة المدنية الأمريكية" فهو يتضمن الإيمان بحكم القانون ومزايا الديمقراطية والحريات والعدالة الأمريكية، ويقول رينشون أن القيم المدنية وحدها لا تكفي فهي نظرية معرفية بالأساس تهمل حاجة الأفراد للارتباط العاطفي بأمة ما

أما العامل الثاني للهوية الأمريكية فهو "السيكولوجية الأمريكية" والتي هي بمثابة جوهر الثقافة والشخصية الأمريكية، حيث يرى رينشون أن السيكولوجية الأمريكية قديمة قدم أمريكا وهي ترتبط بأسلوب فهم المهاجرين الأوائل المؤسسين لأمريكا للحياة الأمريكية ولهدف أمريكا كبلد وكأمة، ويعتقد رينشون أن المستعمرون المهاجر لأمريكا نظروا لهجرتهم لأمريكا كمغامرة لبناء حياة كاملة جديدة تقوم على المخاطرة والعمل الجاد والكفاح والاعتماد على الذات والبراجماتية والبحث عن طرق عملية لشق طريق الحياة بعيدا عن أساليب الحياة التي تبالغ في التنظير أو في المثالية

كما تقوم السيكولوجية الأمريكية على التفاؤل والعمل الجاد والإصرار على النجاح والقدرة على مواجهة مصاعب الحياة القاسية بأمريكا وعلى تكرار المحاولة رغم الخطأ، وهي جميعها مبادئ تتناسب مع روح النظام الرأسمالي الأمريكي القاسي

أما العنصر الثالث من الهوية الأمريكية فهو "الوطنية" أو مشاعر الارتباط العاطفي التي تربط المهاجر أو المواطن الأمريكي بأمريكا كأمة، ويقول رينشون أن الوطنية الأمريكية تقوم على


تحديات الهوية الوطنية الأمريكية

يتناول رينشون في الفصول من الرابع وحتى السابع التحديات التي تواجه الهوية الوطنية الأمريكية في الفترة الحالية والتي يقسهما إلى نوعين رئيسيين من التحديات، أولهما نابع من داخل أمريكا ومن هجوم اليسار الأمريكي على "الوطنية الأمريكية" وسعيه لدعم النعرات الإثنية والعرقية الفرعية ونقد الأصوات المطالبة بدمج المهاجرين والأقليات الأمريكية في ثقافة رئيسية

وهنا يرى رينشون أن أمريكا ليست في حاجة "لصهر المهاجرين" فصهر المهاجرين في الثقافة الأمريكية يفترض سيطرة الثقافة الأمريكية على ثقافات المهاجرين، وهو أمر يرفضه رينشون، حيث يرى أن السيطرة الثقافية أمر سلبي، وأن ما يحتاجه المجتمع الأمريكي هو ثقافة رئيسية لا ثقافة مسيطرة، وأن وظيفة الثقافة الرئيسية هي ضمان الالتزام بمبادئ أمريكا الرئيسية

ويقول رينشون أن الثقافة الرئيسية هذه يجب أن تسعى لتحقيق الوحدة بين الأمريكيين، كما يجب أن تقوم على مبدأ الموازنة بين حقوق المواطنة الأمريكية وواجباتها، فلا يجب أن تتحول المواطنة الأمريكية إلى رخصة لاستغلال فرص وموارد أمريكا دون إعطاء أمريكا شيئا في المقابل

ويذكر رينشون أن أمريكا تمر من ستينات القرن العشرين "بحرب مدنية ثانية" تهدد وحدة الأمريكيين، وهي حرب تشن على

ويقول رينشون أن موجات الهجرة القديمة لأمريكا تميزت بأنها تحولت إلى موجات مستعمرين لا موجات مهاجرين، فقد جاء المهاجرون القدامى لأمريكا


حلول مقترحة

في مقابل ما سبق يقدم رينشون في الفصل التاسع عدد من النصائح الخاصة بتقنين وتنظيم الجنسية المزدوجة وتقوم هذه النصائح على مبدأ

للإطلاع على النص الكامل للعرض، يرجى زيارة

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/8B2F46E5-F08C-4E4F-92AD-A81E65FD0868.htm

Friday, February 17, 2006

تقرير للكونجرس عن طلاب العلوم والهندسة الأجانب بالجامعات الأمريكية
بقلم: علاء بيومي

الناشر: تقرير واشنطن، 18 فبراير 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

أصدر مركز "خدمة أبحاث الكونجرس" في شهر يناير الماضي دراسة متميزة عن تواجد الطلاب الأجانب ببرامج دراسة العلوم والهندسة على مستوى الدراسات العليا بالجامعات الأمريكية وعن الجدل الدائر داخل الولايات المتحدة حول هذه القضية الهامة - خاصة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001

وقبل التفصيل في نتائج التقرير يجب التنويه بأن مركز "خدمة أبحاث الكونجرس" هو مركز أبحاث غير حزبي تابع للكونجرس الأمريكي بدأ عمله في عام 1914، ووظيفته الأساسية هي إمداد أعضاء الكونجرس بالأبحاث العلمية التي يحتاجونها لصناعة قراراتهم بخصوص القوانين والقضايا المطروحة عليهم

ويمكن لأي مراقب محايد لعمل المركز أن يلاحظ ما يتمتع به المركز من قدرة متميزة على إنتاج أبحاث علمية رصينة في قضايا صعبة ومختلفة مع تقديم توصيات بخصوص السياسات الواجب إتباعها من قبل الكونجرس الأمريكي للتعامل مع تلك القضايا، وذلك بموضوعية علمية تعد مثالا يحتذى، وهو أمر عرض الخدمة البحثية العلمية الهامة لانتقادات سياسية مختلفة كان أخرها هجوم بعض مساندي الإدارة الأمريكية على الخدمة بسبب قيامها مؤخرا بإنتاج تقرير انتقد برامج التصنت التي أقرتها الإدارة الأمريكية منذ عام 2002

عرض سريع لموضوع التقرير

مقدمة التقرير تأخذ القارئ سريعا إلى عمق التحدي الذي يواجه صانع القرار الأمريكي بخصوص طلاب الدراسات العليا الأجانب في مجالات العلوم والهندسة بالجامعات الأمريكية، إذ يشير التقرير إلى تزايد الجدل في الدوائر العلمية والسياسية الأمريكية حول تواجد الأجانب المكثف في برامج الدراسات العليا الخاصة بالعلوم والهندسة بعد أن باتوا يمثلون نسب كبيرة بين الطلاب والأساتذة والخريجين المنافسين على الوظائف الأمريكية

ويقول التقرير أن تواجد هؤلاء الطلاب يثير مخاوف مختلفة مثل المنافسة على وظائف الأمريكيين بسوق العمل، وإحداث خلل بسوق العمل الأمريكي بسبب قبول الأجانب لأجور وظروف عمل لا يقبلها الأمريكيون، ولاعتبارات سياسية – زادت بعد 11/9 – بسبب الخوف من ارتباط هؤلاء الطلاب بنظم ديكتاتورية أو جماعات إرهابية قد تستخدم معرفتهم التي حصلوا عليها بالجامعات الأمريكية في مجالات خطيرة ومدمرة كتطوير أسلحة الدمار الشامل

تطور التواجد الأجنبي

ولكي يشرح التقرير خلفية الجدل الحالي يعود إلى الثمانينات حيث يشير إلى أن أمريكا عانت خلال عقد الثمانينات من قلة أعداد العلماء والمهندسين بسوق العمل الأمريكي، الأمر الذي دفع الكونجرس إلى تغيير قوانين الهجرة في عام 1990 بشكل سمح بمضاعفة عدد العلماء الأجانب القادمين إلى أمريكا على تأشيرات عمل مؤقتة، وخاصة التأشيرة التي تسمى (H-1B) والخاصة بأصحاب المهارات النادرة، حيث رفع قانون عام 1990 سقف عدد التأشيرات التي يمكن منحها سنويا من 54 ألف تأشيرة إلى 140 ألف تأشيرة سنويا

وقد ساعد انتعاش الاقتصاد الأمريكي خلال عقد التسعينات على ترحيب أمريكا بالخبراء والطلاب الأجانب في أمريكا، ولكن بداية من عام 2000 صدرت تعديلات عديدة لقوانين الهجرة ترددت بين الترحيب بالخبراء الأجانب وبين إعاقة قدومهم من خلال زيادة تكاليف التأشيرات وتعقيد شروط الحصول عليها، ويقول التقرير أن التعديلات العديدة التي أدخلت على قوانين هجرة الخبراء الأجانب خلال السنوات الخمس الأخيرة تعكس الجدل المحتدم داخل أمريكا حلول ظاهرة تزايد التواجد الأجنبي في مجالات العلوم والهندسة بسوق العمل والجامعات الأمريكية

حجم تواجد الطلاب الأجانب حاليا

يحتوي التقرير على إحصاءات مثيرة حول حجم تواجد الطلاب الأجانب في برامج الدراسات العليا بمجالات العلوم والهندسة بالجامعات الأمريكية خلال الفترة الحالية، حيث يشير إلى أن الطلاب الأجانب حصلوا على 31.6 % من شهادات الدكتوراة التي منحتها الجامعات الأمريكية في مجالات العلوم خلال عام 2003، كما حازوا على 60.3% من شهادات الدكتوراة في مجال الهندسة

ولو نظرنا نظرة أكثر تفصيلا داخل مجالات العلوم والهندسة لوجدنا – كما يوضح التقرير – أن الطلاب الأجانب حصلوا خلال عام 2003 على 41.4 % من شهادات الكتوراة في مجال العلوم الطبيعية، و48.9% في مجال الرياضيات، و50.2% في مجال علوم الكمبيوتر، وهي بدون شك نسب مرتفعة خاصة إذا علمنا أن غالبية هؤلاء الطلاب هم طلاب متواجدين في الولايات المتحدة على تأشيرات مؤقتة، وغير حاصلين على تصريح الإقامة الدائمة (الجرين كارد) والذي يؤهل أصحابه على البقاء بشكل دائم في الولايات المتحدة

وهنا يشير التقرير إلى أن نسبة الطلاب الأجانب الحاصلين على شهادات دكتوراة في مجالات العلوم والهندسة بالجامعات الأمريكية والحاصلين على تصاريح الإقامة الدائمة مقارنة بإجمالي عدد الطلاب الأجانب قد تراجعت من أكثر من 10% في عام 1994 إلى 5% أو أقل في عام 2003

كما يذكر التقرير أن غالبية هؤلاء الطلاب يأتون من دول شرق أسيا (45.5%)، ثم دول غرب أسيا (16.7%)، ثم أوربا (16.1%)، ثم دول أمريكا الشمالية (6.4%)، ثم دول أمريكا اللاتينية (4.6%)، ثم بلدان العالم الأخرى

الحجة والحجة المضادة

من يعارضون هذا التواجد الضخم للطلاب الأجانب يذكرون عدد من الحجج الأساسية، من بينها أن الطلاب الأجانب يحصلون عن نسبة ضخمة من المساعدات التي تقدمها الجامعات الأمريكية لطلاب الدراسات العليا بها، في حين يضطر الطلاب الأمريكيين للاعتماد على مواردهم المادية الخاصة أو للعمل بجوار الدراسة لتحمل تكاليف الدراسة الباهظة بالجامعات الأمريكية، وهو أمر يشكل تحديا كبيرا خاصة لأبناء الأقليات الأمريكية كالأفارقة والأمريكيين اللاتينيين

إذ تشير الإحصاءات أن الجامعات قدمت دعما ماليا رئيسيا لنسبة تصل إلى 78.9% من الطلاب الأجانب ببرامج العلوم الطبيعية في مقابل تقديم دعم مماثل لنسبة 63.5% من الطلاب الأمريكيين الدارسين بنفس البرامج، أما في مجالات الهندسة فقد قدمت الجامعات الأمريكية دعما رئيسيا لنسبة 76.4% من الطلاب الأجانب في مقابل 48.9 % من الطلاب الأمريكيين

هناك أيضا من يرون أن الطلاب الأجانب - على الرغم من المساعدات المالية التي يحصلون عليها من الجامعات والتي يمولها بالأساس دافع الضرائب الأمريكي – يعانون من حاجز اللغة الأمر الذي يعيق قدرتهم على توصيل المعلومة للطلاب الأمريكيين في حالة عملهم كمساعدين للأساتذة في مجالات البحث أو التدريس

السبب الثالث يرتبط بتأثير الطلاب الأجانب على سوق العمل الأمريكية، حيث يرى أصحاب هذه الحجة أن الطلاب الأجانب يقبلون بعد تخرجهم وظائف بمرتبات أقل من المرتبات التي يرضى بها الأمريكيون في الوظيفة ذاتها مما يضعف من قدرة الخريج الأمريكي على التفاوض مع صاحب العمل، كما يؤدي على المدى البعيد إلى تدهور بيئة العمل الأمريكية بسبب تراجع الخدمات التي يقدمها صاحب العمل

أضف إلى ذلك تبعات أحداث الحادي عشر من سبتمبر وخوف الأمريكيين من حصول الطلاب الأجانب على معرفة بمجالات حساسة مثل مجالات تصنيع أسلحة الدمار الشامل الأمر الذي رفع بعض الأصوات المطالبة بمنع الطلاب الأجانب من دراسة مجالات معينة

في مقابل الحجج السابق ينادي تيار مقابل بضرورة الحفاظ على الجامعات الأمريكية وأسواق العمل بالولايات المتحدة مفتوحة أمام الطلاب والخبراء الأجانب لأسباب مختلفة، من بينها عدد كبير من هؤلاء الطلاب يحصلون على مساعدات من حكوماتهم ويعدون مصادر دخل إيجابية هامة للجامعات الأمريكية، كما أن نسبة كبيرة منهم تقبل على البقاء في أمريكا بعد التخرج مما يساعد على إمداد الاقتصاد الأمريكي بما يحتاجه من خبراء خاصة مع تزايد المنافسة الدولية على اجتذاب الخبراء، حيث يشير التقرير إلى أن 56% من الطلاب الحاصلين على الدكتوراة بالجامعات الأمريكية ينتهي بهم الأمر إلى الاستقرار في أمريكا، وهي نسبة ارتفعت في الأعوام الأخيرة بسبب موافقة سلطات الهجرة الأمريكية على عدد كبير من طلبات الإقامة القديمة

هذا إضافة إلى أن الطلاب الأجانب يمثلون نسبة كبيرة من العاملين بمجالات البحث (كمساعدين للأساتذة) بالجامعات الأمريكية، وهي نسبة تصل للنصف تقريبا كما يشير التقرير في إحدى صفحاته

كما يؤكد بعض مساندي هذا الاتجاه على عدم وجود تقارير محددة تبرهن على أن دخول الطلاب والخبراء الأجانب سوق العمل الأمريكية يؤثر سلبيا على الخريج الأمريكي

جدل ما بعد 11/9

يشير التقرير إلى أن نسبة الطلاب الأجانب الدارسين في الولايات المتحدة – على مختلف المستويات - تراجعت بنسبة 2.4% في عام 2004 عن العام السابق له لتصل إلى 572.509 طالبا أجنبيا، وذلك بسبب التأخر في منح تأشيرات دخول الطلاب لأمريكا بعد 11/9 نتيجة لمخاوف سلطات الهجرة، ونتيجة لتراجع الطلاب الأجانب عن الإقبال على للدراسة في أمريكا بسبب بيئة ما بعد 11/9

كما يشير التقرير أيضا إلى المطالب الخاصة بزيادة مراقبة الطلاب الأجانب من قبل سلطات الأمن والهجرة بالولايات المتحدة خلال فترة تواجدهم بالولايات المتحدة، وهي المطالب التي تبلورت في برنامج SEVIS وهو عبارة عن شبكة إلكترونية تربط الجامعات الأمريكية بسلطات الهجرة بغرض تزويد هذه السلطات بمعلومات متجددة عن الطلاب الأجانب بأمريكا، وكان مقررا أن يتم البدء في تشغيل البرنامج في أوائل عام 2003، ولكن البرنامج لم يطبق كاملا حتى الآن بسبب بعض التحديات التكنولوجية وبسبب تكلفته الباهظة للجامعات

سوف يبقى الجدل مستمرا

لا ينتهي التقرير بتوصيات معينة بقدر ما ينتهي بعدد كبير من التحديات والأسئلة الصعبة التي تواجه صانع القرار الأمريكي، إذ ينادي التقرير بضرورة تسهيل عملية حصول الطلاب الأجانب على تأشيرات الدراسة والعمل بأمريكا في الوقت الذي ينبغي على السلطات الأمريكية التأكد بشكل سريع وحاسم من أن الطلاب الجدد لا يمثلون خطرا على أمن أمريكا، كما ينبغي أيضا التنسيق بين الهيئات الأمريكية المختلفة المعنية بهذا الأمر مثل الهجرة والتعليم والأمن الداخلي، وهو تنسيق يبدو ضعيفا في الوقت الراهن، لذا يؤكد التقرير في سطوره الأخيرة على أن الجدل الخاص بقضية الطلاب الأجانب بالولايات المتحدة سوف يبقى مستمرا صعبا ومتحديا على المدى المنظور على الأقل

Monday, January 16, 2006

أمريكا وتحديات التنوع الديني
بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 16 يناير 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص العرض

صدور كتاب "أمريكا وتحديات التنوع الديني" في هذه الفترة يمنحه أهمية خاصة بسبب اشتعال الجدل داخل أمريكا بخصوص قضايا التعددية الدينية وتبعاتها منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001

مؤلف الكتاب هو روبرت وثوناو أستاذ علم الإجتماع ومدير مركز دراسة الدين بجامعة برينستون الأمريكية العريقية

ويتميز الكتاب بصفة عامة بأسلوب سهل ومنظم مما يرشحه بقوة ككتاب جامعي يمكن فرضه على طلاب الجامعات – داخل وخارج أمريكا – المعنيين بقضايا التعددية الدينية بالمجتمع الأمريكي، خاصة وأن الكتاب يبدأ بمقدمة متميزة عن تاريخ التنوع الديني بأمريكا ونظرة الأمريكيين تجاه هذه القضية الهامة

كما يعتمد الكتاب في جزء من منهجه العلمي على استبيان شمل 2910 أمريكي والعشرات من رجال الدين والسياسة الأمريكيين الذين إلتقى معهم مؤلف الكتاب – من خلال مقابلات تليفونية وأخرى مباشرة – للوقوف على موقفهم من قضية التنوع الديني وأسلوب تعاملهم مع أبناء الأديان الأخرى داخل أمريكا

لذا يتضمن الكتاب عشرات من القصص الحية والمثيرة عن موقف أمريكيين – ينتمون لأديان مختلفة - تجاه قضية التنوع الديني، مما يضيف مسحة من السهولة والقصصية على الكتاب


التنوع الديني قضية هامة وصعبة

يبدأ روبرت وثوناو كتابه بمقدمة عن أهمية موضوعه، وهو دراسة موقف الأمريكيين من قضية التنوع الديني المتزايد داخل أمريكا، حيث يعتقد المؤلف - كما يشير بوضوح في الفصل السابع من كتابه - أن كثير من الأمريكيين تعمدوا التعامل مع هذه القضية الصعبة من خلال استراتيجية ضمنية قائمة على "تجنب" التعامل مع ظاهرة التنوع الديني والأسئلة الصعبة التي تفرضها

سبب صعوبة الظاهرة هو ارتباط الدين القوي بالهوية، مما يجعل التعامل مع قضية التنوع الديني هو تعامل مباشر مه هوية المواطن الأمريكي ونظرته لنفسه ولبلده، وهنا يشير وثوناو إلى أن الأمريكيين نظروا بصفة عامة لأنفسهم ولمجتمعهم على أنه بلد مسيحي قائم وناجح بسبب أسسه المسيحية على الرغم من أن الأباء المؤسسين للولايات المتحدة أقاموا أمريكا كدولة على أسس علمانية

ويزيد من تعقد الظاهرة في الوقت الحالي استقرار أعداد متزايدة من المهاجرين الذين ينتمون لأديان غير غربية كالإسلام والهندوسية والبوذية بأمريكا، حيث يشير المؤلف إلى أن 22 مليون مهاجر دخلوا أمريكا خلال الثلث الأخير من القرن العشرين، وهنا يرى وثوناو أن استقرار هؤلاء المهاجرين يمثل تحدي غير مسبوق لمقدرة الأمريكيين على التعامل مع قضايا التنوع الديني نظرا لأصول أديان المهاجرين غير الغربية ولأن الأمريكيين المسيحيين أنفسهم واجهوا صعوبات تاريخية في التعامل مع تحديات التنوع داخل المسيحية نفسها

كما يرفض وثوناو الحجة القائلة بأن الأمريكي العادي لا يهتم بقضايا التنوع الديني، حيث يرى وثوناو أن زيادة الهجرات غير الغربية يعني أن المواطن الأمريكي العادي لديه فرص أكبر للتفاعل المباشر مع أبناء الأديان الأخرى داخل مجتمعه الصغير – كمكان عمله ودراسته – وبدون شك تثير هذه التفاعلات أسئلة هامة لدى المواطن الأمريكي العادي، مثل طبيعة أديان المهاجرين؟ ومدى احتوائها على الحقيقة؟ وهل تحتكر المسيحية الحقيقة والطريق الوحيد للخلاص؟ وكيف يمكن التعامل من منظور ديني مسيحي مع أبناء تلك الأديان

وهنا يؤكد وثوناو – كما يشير في خاتمة الكتاب – على صعوبة التعامل مع قضية التنوع الديني لأنها تتطلب تطوير فقه ديني – داخل المسيحية والأديان الأمريكية الأخرى – يشرح للمواطن الأمريكي بوضوح كيف يمكنه النظر إلى أبناء الأديان الأخرى والتعامل معهم، فلا يكفي – على سبيل المثال – أن تقول للمواطن الأمريكي أن المسيحية هي الطريق الوحيد للخلاص أو أن المسيحية تتساوي مع الأديان الأخرى، إذ ينبغي عليك في الحالتين أن تشرح له بدقة معاني الأفكار السابقة ومدلولاتها على المستوى الديني وعلى مستوى التعامل اليومي مع أبناء الأديان الأخرى.

أمريكا بلد مسيحي

في الفصل الأول من الكتاب يرسخ المؤلف أحد أفكاره المحورية والتي تقول أن "الأمريكيين أجمعوا مبكرا على قبول فكرة أن مجتمعهم – على الرغم من تنوعه – هو (مجتمع) مسيحي بالأساس، وأن معني التنوع (الديني) يجب أن يفهم بشكل أساسي في سياق الأغلبية المسيحية".

ولشرح الفكرة السابقة يتعرض المؤلف بشكل سردي سريع لتطور نظرة الأمريكيين الدينية لأنفسهم وللأديان الأخرى، حيث يقول وثوناو أن إكتشاف كريستوفر كولومبس لأمريكا كان في حد ذاته مدفوع بأسباب دينية واضحة، حيث سعى كولومبس للبحث عن طريق مختلف إلى الهند بعيدا عن بلاد المسلمين، كما حلم بالعثور على كنز يمكنه من "دفع تكلفة جيوش تحرر القدس من المسلمين"، الأمر الذي يشير إلى ارتباط أمريكا منذ نشئتها بفكر ديني قوي ينظر لأمريكا على إنها

للإطلاع على النص الكامل للمقال يرجى زيارة الموقع التالي


http://www.aljazeera.net/NR/exeres/A672A1D7-0D00-49B0-9B8F-FAFD9A85FB66.htm

Thursday, December 08, 2005

اليمين الراديكالي: الناخبون والأحزاب في السوق الانتخابي
عرض بقلم: علاء بيومي

الناشر: الجزيرة نت، 8 ديسمبر 2005، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص العرض

مؤلفة كتاب "اليمين الراديكالي: الناخبون والأحزاب في السوق الانتخابي" الصادر عن مطابع جامعة كامبريدج الأمريكية - وهي أكبر دار نشر أكاديمية في الولايات المتحدة – في أغسطس 2005 هي بيبا نوريس أستاذة العلوم السياسية بجامعة هارفرد الأمريكية وذات الإنتاج الأكاديمي الواسع والقدرة المتميزة على استخدام أساليب التحليل الكمي

حيث يعتمد كتاب "اليمين الراديكالي" على تحليل قواعد بيانات ضخمة عن وجود ونشاط 43 حزب يميني راديكالي في 39 دولة ديمقراطية عبر العالم، بما في ذلك بعض أكبر الدول الأوربية مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبلجيكا وهولندا وسويسرا

صعود الأحزاب اليمينية الراديكالية

أهمية الكتاب تنبع من عدة أسباب، يأتي على رأسها كون الكتاب يصدر عن أكبر دار نشر أكاديمية أمريكية في فترة تشهد صعودا لليمين ببلدان عديدة عبر العالم وانتشار التوجهات المعادية للمهاجرين والأجانب والتعددية الثقافية بأكبر الدول الديمقراطية

وهنا تشير بيبا نوريس إلى أن الأحزاب اليمينية الراديكالية تكاد تكون قد تلاشت من البلدان الغربية في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية، ولكن مع مطلع عقد السبعينات من القرن العشرين بدأت تلك الأحزاب في العودة والظهور على الساحة السياسية الأوربية والغربية

وخلال عقد الثمانينات ازدادت الأحزاب اليمينية الراديكالية قوة، حتى تمكنت خلال السنوات الأخيرة من تحقيق مكاسب كبيرة في الانتخابات التشريعية ببعض البلدان

فخلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2004 تمكنت الأحزاب الراديكالية من الحصول على نسبة 10% من أصوات الناخبين بالنمسا، و13.6% ببلجيكا، و25.5 % بكندا، و12.6% بالدانمرك، و13.2% بفرنسا، و16.3% بإيطاليا، و10.4% بنيوزيلندا، و14.5% بالنرويج، و29.5% بسويسرا

أكثر من ذلك تمكنت الأحزاب اليمينية الراديكالية من تحقيق نجاحات في بعض بلدان المعسكر الشيوعي التي تبنت الديمقراطية حديثا، مثل شيلي (44.2% من الأصوات)، ورومانيا (21%)، هذا إضافة إلى روسيا (11.5%)

كما حققت الأحزاب الراديكالية تقدما في الولايات المتحدة على المستوى الشعبي والجماهيري خلال عقد التسعينات ولكنها لم تتمكن من الوصول إلى الكونجرس الأمريكي

كما زاد عدد تلك الأحزاب اليمينية الراديكالية في بعض الدول الديمقراطية لتصل إلى خمسة أحزاب في سويسرا، وثلاثة أحزاب في كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا، وحزبين في كل من بلجيكا والدانمرك واليونان وهولندا والنرويج ورومانيا والسويد

رفض النظريات السائدة

السبب الثاني لأهمية كتاب بيبا نوريس هو هدفه والذي يسعى إلى شرح أسباب صعود اليمين الراديكالي بالدول الديمقراطية العرقية والديمقراطيات الناشئة، وتوضح نوريس – بهذا الخصوص - أن انتشار الأحزاب اليمينية الراديكالية في دول عديدة وتنوع هذه الأحزاب وتنوع ظروف تلك المجتمعات دفعوها – كباحثة أكاديمية - إلى رفض التفسيرات المطروحة على الساحة ومحاولة البحث عن نظرية أكثر شمولا وعمقا

وهنا ترى نوريس أن النظريات
للإطلاع على النص الكامل للمقال، يرجى زيارة

Friday, July 22, 2005

مرافعة من أجل الحضارة الإسلامية المسيحية
عرض: علاء بيومي

الناشر: جريدة الرياض، 22 يوليو 2005، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص العرض

تنبع أهمية كتاب "مرافعة من أجل الحضارة الإسلامية المسيحية" الصادر عن مطابع جامعة كولومبيا الأمريكية في أواخر عام 2004 للمستشرق الأمريكي المتعاطف مع الإسلام ريتشارد بوليت الأستاذ بجامعة كولومبيا الأمريكية من عدة مصادر أساسية، أولها أن الكتاب موجه للقارئ الأمريكي والغربي بالأساس في محاولة لتصحيح فهمه للعلاقة بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية، حيث يرى المؤلف أن نظرة الغربيين للإسلام قامت منذ بدايتها على أسس عدائية غير صحيحة دفعت الغربيين بشكل مستمر للاعتقاد بأن الإسلام هو حضارة معادية لهم تحاربهم

ثانيا: يقدم بوليت على مدى كتابه رؤية بديلة للإسلام وتطوره الحضاري تصور الإسلام كحضارة شقيقة للحضارتين المسيحية والغربية

ثالثا: يرد الكتاب بشكل نقدي مباشر على كتاب أمريكيين وغربيين معروفين – من أمثال صموئيل هنتينجتون مروج نظرية "صدام الحضارات" والمستشرق البريطاني المعروف برنارد لويس وكتاب موالين لإسرائيل مثل مارتين كرايمر ودانيال بايبس، والذين روجوا لنظريات صدامية وغير منصفة للإسلام والمسلمين خلال السنوات الأخيرة وخاصة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001

رابعا: يقدم الكتاب رؤية نقدية للأسلوب العام الذي ينظر به الأمريكيون خاصة صناع السياسة منهم للإسلام والمسلمين، حيث يرى ريتشارد بوليت أن أسلوب رؤية واشنطن للعالم الإسلامي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أدى بشكل مستمر إلى فشل واشنطن في فهم العالم الإسلامي وفي فهم أسلوب التعامل البناء معه

خامسا، يقدم ريتشار بوليت في نهاية كتابه رؤية متميزة عن مستقبل الإسلام يتنبأ فيها بصعود قوى إسلامية جديدة تأتي بالأساس من أطراف العالم الإسلامي كالأقليات المسلمة في الغرب والحركات الإسلامية الديمقراطية والمثقفين الإسلاميين غير التقليديين

أولا: من أجل حضارة إسلامية مسيحية

يقول ريتشارد بوليت في مقدمة كتابه أنه شرع في تأليفه كرد فعل على أحداث سبتمبر وانطلاقا من "رغبته العارمة" في "فعل شيء مفيد" للعلاقات الإسلامية المسيحية

ويبدأ بوليت الكتاب بنقد نظرية "صدام الحضارات" للكاتب الأمريكي المعروف صموئيل هنتينجتون مشيرا إلى أن كتاب هنتينجتون يتشابه في رسالته وعنوانه مع كتاب بعنوان "الشباب المسلم في رحلة شاقة: دراسة في صدام الحضارات" نشر في عام 1926 لمبشر مسيحي يدعى باسيل ماثيوس لترويج فكرة أن المسيحية هي المنقذ للشباب المسلم، ويقول بوليت أن الفارق الأساسي بين نظرة هنتينجتون العامة للمسلمين ونظرة ماثيوس هي أن هنتينجتون يرى في الغربية العلمانية - وليس في مسيحية ماثيوس – علاجا شافيا لقضايا المسلمين والتحديات التي يواجهونها

وهنا يشير بوليت إلى أن المبشرين الأمريكيين البروتستانت هم أول من فتح نظرة أمريكا على العالم، لأن المبشرين كانوا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية من أكثر فئات المجتمع الأمريكي نشاطا على المستوى الدولي، ويري بوليت أن المبشرين نظروا للإسلام والكاثوليكية واليهودية على أنهم الأخر المعادي للذات والذي يستحيل إصلاح حاله أو التقارب معه

ثم يشير بوليت إلى تحسن العلاقة بين المسيحية واليهودية بمرور الوقت على انه إثبات لإمكانية التقارب والتعايش بين الحضارات المختلفة، وهنا يتساءل بوليت عن إمكانية حدوث تقارب بين الإسلام والمسيحية مثل التقارب الذي حدث بين المسيحية واليهودية، إذ يقول بوليت

"الصلات العقائدية والنصية بين المسيحية واليهودية ليست أوثق من الصلات بين اليهودية والإسلام أو بين المسيحية والإسلام. كما أن المؤرخين على دراية قوية بإسهامات المفكرين المسلمين لساحة الأفكار العلمية والفلسفية خلال العصور الوسطى المتأخرة التي اعتمد عليها المسيحيون واليهود الغربيون فيما بعد لبناء الغرب الحديث"

وهنا ينتقد بوليت ما اسماه "بإصرار الأمريكيين المعاصر على رؤية خلافات عميقة بين الإسلام والمسيحية"، وينادي بنظرة مختلفة تنظر للحضارتين الإسلامية والمسيحية على أنهما "حضارتان شقيقتان تتمتعان بالسيادة في مناطق متجاورة جغرافيا ويتبعان مسارين تاريخيين متشابهين"

ثم يعبر بوليت على اعتقاده بأنه

"إذ نظر للمجتمعات المسلمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وللمجتمعات المسيحية في أوربا الغربية وأمريكا على أنهم ينتمون لنفس الحضارة فسوف تأخذ الصراعات بين العنصرين المكونين لهذه الحضارة الواحدة طابعا تنازليا فوريا مشابه لما حدث للصراعات السابقة بين الكاثوليكية والبروتستانتينية"

لذا يدعو بوليت قراءه الغربيين لمراجعة بعض المعوقات الفكرية التي تحول بينهم وبين رؤية الإسلام والمسيحية على أنهم جزء من حضارة واحدة مثل فكرة أن الإسلام هاجم المسيحية والمسيحيين بشكل مستمر، وأن القصص الدينية المشتركة بين القرآن والإنجيل تم تحريفها في القرآن

ويؤكد بوليت على اعتقاده بأن الغربيين "لم يضموا الإسلام في حضارتهم" بسبب أنهم ورثوا "رؤية مسيحية للتاريخ" ترفض الأخر، ويقول

"المسيحية الغربية نظرت للإسلام عبر قرون عديدة على أنه أخر حاقد، كما أنها اخترعت عدة أسباب للحفاظ على هذه النظرة"

ويعبر بوليت عن اعتقاده بأن هذه النظرة السلبية للإسلام مثلت "منطقا" وقاعدة فكرية لإيمان الفرد الغربي بوجود صراع وعداء بين الإسلام والمسيحية وليس العكس، فالعداء لم يقود إلى صور سلبية، ولكن النظرة السلبية للإسلام هي التي قادت لإدراك العداء، مشيرا إلى أن هذه الرؤية السلبية تجلت بعد أحداث سبتمبر 2001 في إساءات بعض القيادات الدينية البروتستانتينية في الولايات المتحدة للإسلام وللمسلمين وللرسول محمد (ص)

ومع نهاية هذه الفكرة يبدأ ريتشارد بوليت الجزء الأكبر من كتابه والذي خصصه لتقديم نظرة غربية بديلة لتطور الإسلام كحضارة شقيقة للمسيحية

ثانيا: الإسلام كحضارة شقيقة للحضارة المسيحية (العصور الأولى)

يرى ريتشارد بوليت أن صعود الإسلام في قرونه الأولى وتوسعه في الشرق الأوسط مثل تحديا خطيرا للحضارة المسيحية في ذلك الوقت لأن الشرق الأوسط كان من أهم أراضي الحضارة المسيحية على الإطلاق فقد احتوى مراكز مسيحية هامة كالقدس والإسكندرية، كما أنه كان مهد بعض أكبر مفكري المسيحية بما في ذلك المسيح عليه السلام وأتباعه الإثنى عشر، وغيرهم من كبار القساوسة والشخصيات الدينية المسيحية

ويقول بوليت أن تأثيرات الشرق الأوسط الفكرية والعقائدية على المسيحية في عصر ما قبل ظهور الإسلام وتمدده مثلت دائما تأثيرا هاما على الحضارة المسيحية، وهنا يعرض أحد أفكاره الأساسية وهي أن وجود المسيحية في الشرق الأوسط ساعد أيضا الدين الإسلامي

إذ يرى بوليت أن توسع الإسلام في الشرق الأوسط كان له تأثير هام جدا على مسار الحضارتين المسيحية والإسلامية على حد سواء، وهو تأثير مازال باقيا حتى الآن وله بصمات واضحة على تطور الديانتين خاصة فيما يتعلق بمفاهيم التسامح الديني وبعلاقة الدين بالمجتمع وبالدولة، وهي قضية يوضحها بوليت بشكل تدريجي

حيث يرى بوليت أن الشرق الأوسط وهو مهد الديانات السماوية سيطرت عليه بالأساس ديانات توحيدية مما مهد للإسلام وجعله فرصة انتشاره كبيرة، في الوقت ذاته اضطرت المسيحية الغربية بعد خسارتها للشرق الأوسط للتوسع في بلدان أوربا والتي سيطرت عليها أديان وثنية بالأساس، الأمر الذي حمل المسيحية مشقة مواجهة عقائد هذه القبائل الوثنية ومحاربتها أحيانا أو تبني بعض مظاهرها أحيانا أخرى بسبب توغلها في ثقافات القبائل الأوربية، وبذلك تكون المسيحية قد مهدت للإسلام والذي يعد أكثر حظا

وهنا يعبر بوليت عن رفضه لفكرة أن الإسلام انتشر سريعا عن طريق الغزو، إذ يرى أن الحقيقة هي غير ذلك، وأن انتشار الإسلام في الشرق الأوسط تم من خلال عمليه تدريجية استغرقت أجيال كاملة، وذلك لعدة أسباب من بينها أن الأمم التي دخلها الإسلام لم تكن متعلمة كما أن سرعة انتشار المعلومات في ذلك الوقت كانت بطيئة جدا كما أن المسلمين الأوائل تحدثوا العربية بالأساس وهو ما يعني أنهم لم يكونوا قادرين على تحدث لغات أهل البلاد المختلفة التي فتحوها

ولذا يرى بوليت أن أسلمة البلدان التي فتحها المسلمون هي عملية استغرقت قرون طويلة وإن كان الإسلام كان أكثر حظا من المسيحية لأنه لم يواجه شعوب وثنية مثل الشعوب التي واجهتها المسيحية في أوربا، الأمر الذي فرض على المسيحية خوض عدد كبير من الحروب مع القبائل الوثنية لكي تنتشر، ولكن الإسلام في المقابل أظهر تعاطفا واحتراما كبيرا للشعوب التي دخلها والتي كانت شعوب توحيدية في الأساس

وفي مقارنة مثيرة يقارن بوليت بين دور العلماء المسلمين ودور رجال الدين المسيحي، إذ يرى أن علماء المسيحية والإسلام لعبوا أدوارا أساسية في نشر الديانتين، ويقول أن العلماء المسلمين مالوا دائما للانخراط في الحياة العامة والاجتماعية إضافة إلى كونهم علماء، فقد عمل غالبيتهم في التجارة وفي أعمال حرفية وكانوا يجلسون لتعليم الناس في أوقات أخرى، في حين مال رجال الدين المسيحي للعزلة في تجمعات دينية وتعليمية خاصة غير مفتوحة أمام الجماهير

وهنا يؤكد بوليت على أن الإسلام لا يعطي أية سلطة دينية للعلماء ولا يتعرف بوجود أي وساطة بين العبد وربه، كما أنه لا يتعرف بوجود كنيسة أو مؤسسة دينية مقدسة للعلماء، مما جعل علماء الإسلام يتمتعون باستقلالية وعدم مركزية كبيرتين

كما أن العلماء المسلمين نموا بشكل مستمر بعيدا عن سلطة الحكام المسلمين الذين حاولوا دائما الضغط عليهم وإخضاعهم، ويقول بوليت أن الحكام المسلمين عجزوا في أن يمتلكوا سلطة تفسير الدين الإسلامي التي ظلت دائما مقصورة على العلماء، لذا سعى الحكام إلى تقوية طوائف دينية على أخرى وإلى احتكار سلطة تعيين القضاة، ولكنهم فشلوا في أن ينزعوا عن العلماء سلطة تفسير الإسلام والشريعة الإسلامية، خاصة وأن العلماء المسلمين والدين الإسلامي تمتعوا بعدم مركزية كبيرة في هذا الأمر، فقد ظل من حق الأفراد العاديين النبوغ العلمي والانضمام لمصاف العلماء دون تدخل الدولة في ذلك

ويقول بوليت أن عدم توحد العلماء المسلمين في مؤسسات دينية مركزية أدى إلى هزيمتهم أمام السلطان ماديا ولكنهم احتفظوا دائما بسلطة تفسير الدين الإسلامي، ولكن وجود الكنيسة المسيحية وتوحدها جعلها تدخل في صراعات عنيفة مع الحكام الأوربيين والذين أخضعوا الكنيسة في النهاية وفرضوا عليها الانصياع لقوانين بشرية

كما يرى بوليت أن عدم مركزية علماء الإسلام ساعدهم على احتواء وربما التكيف مع الفرق الإسلامية الجديدة مثل الصوفية، في حين أن مركزية المسيحية متمثلة في الكنيسة أدت إلى دخولها في صراعات عنيفة مع الفرق المسيحية الأخرى مثل البروتستانتينية، الأمر الذي أدى في النهاية إلى انقسام المسيحية ورغبة المسيحيين في فصل الدين عن الدولة، في حين أن عدم مركزية الإسلام سمحت بوجود الطوائف الجديدة كالصوفية مع بقاء التيار العام للإسلام

وفي نهاية الفصل الأول من الكتاب يؤكد بوليت على إحدى أفكار الكتاب الرئيسية وهي أن تراجع الإسلام الحضاري منذ القرن الخامس عشر الميلادي كان تراجعا على الجانب الحضاري المادي فقط في حين حافظ الإسلام على انتشاره الديني بمعدلات فاقت المسيحية خاصة في بلدان شرق أسيا وفي بلدان وسط أفريقيا، ويرى بوليت أن أحد أسباب انتشار الإسلام الرئيسية تعود إلى الفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية في الإسلام، مما جعل الشعوب التي دخلها الإسلام تنظر للعلماء المسلمين وللإسلام على أنهم أدوات وشركاء لهم في مقاومة السلطة

وفي الخاتمة هذا الجزء من الدراسة يدعو بوليت الأمريكيين لإعادة قراءة تاريخ الإسلام من منظور جديد يركز على خصائص الإسلام الإيجابية مثل مرونته وعدم مركزيته ودوره في تطور الحضارة الغربية وعلاقته بالحضارة الغربية كحضارة شقيقة لها

ثالثا: كيف يمكن أن يفهم الغربيون مسار تطور الحضارة الإسلامية

يبدأ ريتشارد بوليت الفصل الثاني من كتابه بانتقاد كتاب المستشرق البريطاني المعروف برنارد لويس المنشور بعنوان "أين الخطأ" والذي نشره لويس بعد أحداث سبتمبر 2001 لتفسير سبب العداء بين الإسلام والغرب، وتقوم فكرة الكتاب على أن المسلمين يحقدون على الغرب بسبب تقدمه عليهم، وأن تفاعل المسلمين المتخلفين ماديا مع الغرب المتقدم يشعرهم بشكل مستمر بتراجعهم وبحقدهم عليه

وهنا يرى ريتشارد بوليت أن أفكار برنارد لويس ليست صحيحة لعدة أسباب على رأسها أن العلاقة بين المسلمين والغرب هي علاقة قديمة، وأن الغرب نفسه مر عبر هذه العلاقة بفترات تطور عديدة بعضها سلبي والأخر إيجابي، فالغرب خلال رحلة تطوره أنتج بعض النماذج الحضارية السلبية كالنازية والفاشية، فكيف يمكن أن يكون المسلمون قد أرادوا أن يقلدوا الغرب على طول الخط، فالغرب نفسه لم يكن يعرف إلى أي اتجاه يسير، كما أن المسلمين في بعض فترات تطورهم وضعوا كأهداف أساسية لهم التحرر من سيطرة الغرب نفسه عليهم، كما حدث خلال فترة الثورة ضد الاستعمار في الربعين الثاني والثالث من القرن العشرين

لذا يؤكد بوليت أن المسلمين يسعون للتطور لأسباب خاصة بهم ولرؤية ذاتية كانوا يسعون لتحقيقها وليس لمجرد تقليد الغرب أو اللحاق به، ومن أهم أسباب المسلمين الخاصة قضايا مثل: زيادة ثرواتهم الوطنية، وحصولهم على حرياتهم السياسية وحرية التعبير عن الرأي في أوطانهم، وتحقيق النمو الاقتصادي، ومحاربة البطالة وإصلاح التعليم، والإعداد لنموهم السكاني السريع، لذا ينصح بوليت الغربيين بقراءة تاريخ المسلمين والعرب من وجهة نظر المسلمين والعرب أنفسهم

ومن أهم مظاهر تطور الحضارة الإسلامية منذ القرن الخامس عشر الميلادي – والتي يركز عليها ريتشارد بوليت في كتابه – هي تطور العلاقة بين السلطة والحكام في ظل الضغوطات الأوربية المتنامية على العالم الإسلامي منذ ذلك الحين

حيث يرى بوليت أن العلماء المسلمين الذين تمكنوا من حرمان الحكام من سلطة تفسير الشريعة الإسلامية والتي تعد أساس الحكم والعدالة في الإسلام فشلوا في فرض أفكارهم عن العدالة وعن الحكومة الراشدة على الحكام المسلمين، وأن هذا الفشل زاد بشكل متنامي منذ القرن الخامس عشر، حيث سعى الحكام لبناء مدارس دينية حكومية بديلة لمدارس العلماء ولامتلاك سلطة تعيين القضاء ورجال الإفتاء

ويقول بوليت أن بعض الحكام المسلمين – مثل محمد على باشا مؤسس مصر الحديثة - مالوا في علاقتهم بأوربا إلى الاستعانة بأوربا وبأفكارها المتقدمة كوسيلة أساسية للحفاظ على مناصبهم وبناء قوة أنظمتهم من خلال الاستعانة بالخبراء والعلوم الأوربية لبناء الجيوش النظامية ونظم التسليح المتقدمة وإدارة البلاد بشكل مركزي متقدم

وهنا يؤكد بوليت على أن العلماء المسلمين ظلوا دائما على جانب الجماهير وظلوا مراكز لمواجهة السلطة ولم يحدث أن تحالفت العلماء المسلمين كجماعة أو كتكتل مع الحكام كما حدث في بعض البلدان الأوربية الكاثوليكية

لذا يرى بوليت أن القرنين الماضيين شهدا محاولات مستمرة من قبل الحكومات المسلمة للحد من دور العلماء مستعينين أحيانا بأفكار ونظم حكم أوربية سلطوية، ويقول بوليت أن هذا النوع من العلمانية لم يكن ضد دور الدين ولكنه كان ضد دور العلماء، وأنه أدى في النهاية إلى بناء سلطات حكم مطلقة غير ديمقراطية

ويقول بوليت أن ما لم يتوقعه الحكام المسلمين هو أن ضغطهم المستمر على العلماء المسلمين ومساعيهم لتقليص دورهم في الحياة العامة والسياسية أدى بسبب نمو وسائل الاتصال والمواصلات إلى نمو طبقة جديدة من القادة الدينيين الجماهيريين الأقل تأهيلا من الناحية الشرعية والأكثر جماهيرية وعنفا في بعض الأحيان

حيث يرى بوليت أن انتشار المطابع ووسائل النشر والاتصالات الحديثة أدت إلى انتشار الأفكار الإسلامية على نطاق أوسع وأسرع مقارنة بالماضي عجزت الحدود الوطنية عن مواجهته والحد منه منذ نهاية القرن التاسع عشر بشكل متصاعد

وقد وجدت هذه الأفكار تربة خصبة للنمو والانتشار في المجتمعات المسلمة التي تميل للتدين والتوحيد، خاصة مع انتشار التعليم في المجتمعات المسلمة، وفي أوساط الشباب المسلم غير الراضي عن أوضاع مجتمعاته الاقتصادية والسياسية

ومع تراجع سلطة العلماء التقليديين أدت هذه الظواهر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لظهور قادة جدد للحركات الإسلامية في العالم الإسلامي

وهنا يؤكد ريتشارد بوليت للقارئ الغربي أن التجربة التي مرت بها الكنيسة في علاقتها بالحكومات والتي أدت في النهاية إلى فصل الدين عن الدولة في الغرب لن تتكرر في العالم الإسلامي، وأنه بات على الغرب أن يفهم تطور الحضارة الإسلامية على أنه تطور مختلف

فالغربيون الذين يحلمون بفصل الدين عن الدولة بالعالم الإسلامي لا يفهمون طبيعة تطور العالم الإسلامي، فالدين في الحضارة الإسلامية ليس له سلطة مركزية كما أنه وقف في غالبية الأحيان في صف المعارضة الجماهيرية وحافظ على استقلاله في مواجهة الحاكم، في حين أن مساعي الحكام المسلمين للحد من سلطة رجال الدين مستعينين أحيانا بأدوات السلطة والقمع الغربية لم تؤدي إلى الديمقراطية بل قادت في النهاية إلى الحد من سلطة العلماء التقليديين المؤهلين وظهور طبقة جديدة من القادة الحركيين الأقل تأهيلا من الناحية الشرعية

رابعا: نظرة أمريكا للإسلام

يخصص ريتشارد بوليت الفصل الثالث من كتابه للحديث عن نظرة الأمريكيين للإسلام والمشاكل التي شابت هذه النظرة وجعلتها عاجزة عن فهم تطورات العالم الإسلامي والتنبؤ بها

ويرى بوليت أن نظرة الأمريكيين للإسلام وللعالم بشكل عام تميزت بقدر كبير من المثالية والخيال، فالأمريكيون نظروا دائما لأنفسهم على أنهم دولة خيرة جديدة مختلفة عن أوربا وصلت لأعلى مراتب الحضارة البشرية وكل أملها هو أن يتطور العالم كما تطورت وأن تصل بقية شعوب العالم إلى ما وصل إليه الأمريكيون من تقدم حضاري

لذا يرى بوليت أن الأمريكيين عندما نظروا للعالم الإسلامي لم يكونوا معنيين بدراسة العالم الإسلامي نفسه أو بفهم ما كان يجري بداخله من تحولات، فالعالم الإسلامي بالنسبة للأمريكيين كان يعبر عن جزء من العالم لم يصل بعد لما وصلت إليه أمريكا من حضارة مدنية وإن كان يسير – من وجهة نظر الأمريكيين – بشكل حتمي نحو المدنية الأمريكية، فالأمريكيون لم يفهموا لماذا قد ترفض بعض دول العالم السير في طريق المدنية الأمريكية التي قادت أمريكا للازدهار

لذا يرى بوليت أن رواد دراسات الشرق الأوسط بالجامعات الأمريكية - خاصة في جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية وهو الجيل الذي شهد انفتاح أمريكا على العالم – درسوا الشرق الأوسط بالأساس على أنه مجتمعات تمر بمرحلة تغيير سريع وحتمي لتحديث أنفسها وفقا لنموذج التحديث الغربي، لذا ركز الأساتذة الأمريكيين على مظاهر الحياة والفئات الشرق أوسطية التي تثبت أفكارهم، وكان هدفهم هو أن يرجو لهذه الفئات ويدعموها لأنها كانت من وجهة نظرهم فئات تحب أمريكا وتريد أن تطور بلدانها على النموذج الأمريكي الغربي

ويقول بوليت أن من بين هذه الفئات الحداثية كانت بعض النخب الشرق أوسطية التي تولت قيادة بلادها بعد الاستقلال، ويقول بوليت أن أمريكا مدفوعة برغبتها في العثور على نخب شرق أوسطية تحبها رغبت في التحالف مع هذه النخب وعجزت عن فهم أن هذه النخب كانت تسعى بالأساس لامتلاك السلطة وليس لتحديث بلدانها

لذا أهمل حقل دراسات الشرق الأوسط الأمريكي دراسة الإسلام ونظروا إليه على أنه قوة غير حداثية تنتمي للماضي، وهنا يقول بوليت

"البحث عن شرق أوسطيين يمكننا أن نحبهم – لأنهم يحبوننا – أعمى دراسات الشرق الأوسط منذ بدايتها"

ويقول بوليت أن مع بداية الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي السابقة تحول اهتمام دراسات الشرق الأوسط الأمريكية بعيدا عن تحديث الشرق الأوسط ونحو ضمان عدم وقوعه تحت سيطرة الشيوعية، ومن ثم أصبح هدف الأمريكيين هو محاربة الشيوعية في العالم الإسلامي وليس تحريره وتحديثه

لذا يرى بوليت أن حقل دراسات الشرق الأوسط الأمريكي عجز عن فهم العالم الإسلامي وعجز عن التنبؤ بالتطورات التي قد تحدث له كما أنه عجز عن توجيه السياسة الأمريكي لطريق يساعدها على التعاون مع الشرق الأوسط الحقيقي، فأمريكا مازالت مدفوعة حتى الآن برغبتها في صناعة شرق أوسط يستحق حبها لأنه يحبها ويريد أن يكون مثلها تماما

وهنا يرى بوليت أن الأفكار التي نادى بها بعض المحافظين الجدد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتي نادت بإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفقا لنموذج تريده أمريكا ليست جديدة على واشنطن

خامسا: مستقبل العالم الإسلامي

يطرح ريتشارد بوليت في الجزء الأخير من دراسته تصورا متميزا لمستقبل الحضارة الإسلامي وتطورها، وفي البداية يدعو الغرب والولايات المتحدة لفهم مسار تطور العالم الإسلامي كما يراه المسلمون أنفسهم وليس كما يحب أن يراه الغرب

كما يحذر بوليت من مساعي بعض المفكرين والسياسيين الغربيين للتنبؤ بحلول سريعة لمشاكل العالم الإسلامي، فالعالم الإسلامي كما يراه بوليت هو حضارة كبيرة تحتاج لفترات طويلة لكي تتغير وتتطور، حيث يرى بوليت أن العالم الإسلامي يمر بدورات تاريخية تقدر طول كل دورة منها بأربعة قرون، ويرى بوليت أن القرون الأربعة الأولى من عمر الإسلام (من القرن السادس وحتى العاشر الميلادي) شهدت فترة صعود الإسلام وانتشاره في العالم

أما القرون من الخامس وحتى الثامن (الحادي عشر وحتى الرابع عشر بالتقويم الميلادي) فقد شهدت صراعا داخل الإسلام نفسه حول الأفكار الإسلامية التي يجب أن تسود المجتمعات المسلمة، وفي الدورة الثالثة الممتدة من القرنين التاسع وحتى الثاني عشر (الخامس عشر وحتى الثامن عشر) فقد شهدت صراع الإسلام مع التوسع الغربي وبداية تراجع بعض المجتمعات المسلمة

أما الفترة الحالية الممتدة من القرن التاسع عشر وحتى القرن الثاني والعشرين ميلاديا فهي فترة تجريبية تشهد محاولات طورها المسلمون للنمو في ظل علاقتهم الصراعية مع الغرب، وقد تنبأ بوليت بأن بصعود وهبوط هذه المحاولات بشكل متكرر خلال الفترة الحالية حتى يعثر المسلمون على صيغ أفضل تحقق لهم النمو الذي ينشدونه وأن يبدأ هذا النمو مع القرن الثالث والعشرين الميلادي

كما يتنبأ بوليت بأن يأتي التغيير من أطراف العالم الإسلام وليس من مركزه، فهو يعتقد أن أطراف العالم الإسلامي كانت مصدر عدد من أهم التغييرات التي طرأت على الحضارة الإسلامية في عصورها الأولى، وهو يضرب مثلا بأن تجميع كتب الحديث الكبرى ازدهر على أيدي علماء من شرق أسيا وليس من الجزيرة العربية، كما أن المدارس الإسلامية بدأت أولا في وسط أسيا ثم انتشرت في بقية العالم الإسلامي

ويرى بوليت أن عدم مركزية الإسلام تساعد على ذلك، فالإسلام يعطي دائما الفرصة لأطرافه للنمو والتطور كما يقوم بالتكيف مع هذه التطورات الجديدة بمرور الوقت، كما يرى أن الإسلام في العصر الحالي مليء بالإطراف بسبب توسعه الكبير في شتى بلدان العالم ووجوده المتزايد في حضارات أخرى

كما أن تطور وسائل الاتصالات أدت إلى ضعف سلطة المركز الدينية لأن وسائل الاتصالات الحديثة مكنت الأفكار من الانتشار على نطاق واسع جدا كما أنها شكلت شبكات جماهيرية عديدة تمتد أحيانا على إطار دولي عالمي

ويقول بوليت أن هذا التوسع قد تكون له أثار سلبية لأنه يضعف من نفوذ المرجعية الإسلامية ويجعل من الصعب التأكد من كفاءة قيادات المسلمين الدينية، لذا يأمل بوليت أن تستعيد مؤسسات المسلمين الدينية التقليدية جزء من نفوذها حتى تتمكن من نشر الكفاءات والأفكار الرصينة في العالم الإسلامي

وفي النهاية يرصد بوليت ثلاثة جماعات أطراف مسلمة أساسية يمكن أن تساهم في تطوير الحضارة الإسلامية

الجماعة الأولى هي مسلمو الغرب حيث يرى بوليت أن خبرة مسلمي الخرب وحياتهم واستيطانهم في المجتمعات الغربية سوف تساهم في تطويرهم لأفكار إسلامية جديدة

الجماعة الثانية هي الأحزاب السياسية الديمقراطية في العالم الإسلامي، ويرى بوليت أن هذه الأحزاب سواء كانت دينية أو غير دينية سوف تساهم في تطوير العالم الإسلامي إذا طورت أفكار ديمقراطية حقيقية تقوم على التعددية والتسامح، وينصح بوليت هذه الجماعات بتطوير برامج متطورة وشاملة لحكم بلادها وعدم الاكتفاء بإنتاج خطابات جماهيرية تقتصر على إرضاء رغبات الجماهير

الجماعة الثالثة هي المثقفون المسلمون الذي تلقوا تعليمهم في مؤسسات أكاديمية غربية كبرى، ويرى بوليت أن هؤلاء المثقفين المتزايدين العدد على الرغم من افتقار بعضهم لفرصة تعميق معرفتهم الدينية التقليدية إلا أنهم بدءوا في تطوير أفكار إسلامية جديدة بحكم خلفيتهم الإسلامية والغربية في آن واحد

وفي نهاية كتابه يرى بوليت أن المصلحين المسلمين القادرين على تغيير العالم الإسلامي لم يظهروا بعد ولكن أعرب عن أمله في أن تشهد العقود الثلاثة القادمة ظهور بعض هؤلاء المجددين