Showing posts with label يمين ومحافظون جدد. Show all posts
Showing posts with label يمين ومحافظون جدد. Show all posts

Monday, July 30, 2012

تصريحات مؤسفة لمت رومني عن الربيع العربي أدلى بها عشية زيارته لإسرائيل

تصريحات أدلى بها رومني، المرشح الجمهوري للرئاسة، لجريدة إسرائيلية تدعى "إسرائيل هايوم" عشية زيارته لإسرائيل، وهي تعبر عن أجندة يمينية متشددة ليس فقط في مساندتها لإسرائيل ولكن أيضا في مواقفها ضد قضية الديمقراطية في العالم العربي وضد الثورات العربية واستخدامها مصطلحات مسيئة تنتشر بالأساس في دوائر الإسلاموفوبيا الأميركية، وفيما يلي ترجمة حرفية لأجزاء من حديثه للجريدة الإسرائيلية:

-          "الشرق الأوسط أصبح أكثر صخبا وخطورة بسبب تطورات العام الأخير".
-          "من الواضح أننا نشعر بخيبة أمل برؤية تونس والمغرب تنتخبان حكومات إسلامية. ونشعر بقلق شديد من رؤية القائد الجديد في مصر قائدا إسلاميا. أملنا أن ننقل هذه الأمم نحو رؤية أكثر حداثة للعالم وآلا تمثل تهديدا لجيرانها أو لبلدان أخرى في العالم."
-          "الربيع العربي هو تسمية غير دقيقة. لقد أصبح تطورا لمزيد من المخاوف".
-          "تهديد الإرهاب جزء من جهاد عنيف وراديكالي تشنه القاعدة ومنظمات إرهابية أخرى بما في ذلك حزب الله وحماس. ولهذا يجب أن نعترف أنه ليس عمل جماعة صغيرة من الأفراد ولكنه عمل حركة كبيرة للغاية تمثل تهديدا لسلام وأمن كوكبنا".
-          "سوف أتحد مع حلفائنا وأصدقائنا للتأكد من أن من يهددون أمن وسلام العالم يفهمون أننا متحدين في التزامنا بمنع الإرهاب والجهاد الإسلامي الراديكالي من تدمير حياتنا وسلامنا".
-          "سوف أعامل إسرائيل وفقا لكونها الصديق والحليف الذي تمثله حاليا. نحن تجمعنا ليس فقط مصالح مشتركة، ولكن أيضا قيما مشتركة. ولو كان هناك مواقف نختلف فيها، فسوف أحتفظ بهذه الخلافات للمحادثات خاصة لا للمنابر العامة. ولا أستطيع تصور الذهاب للأمم المتحدة – كما فعل أوباما – وانتقاد إسرائيل أمام العالم. أؤمن أنه كان على أوباما أن يتحدث بدلا من (نقده لإسرائيل) عن آلاف الصواريخ التي يتم إطلاقها من قطع غزة على إسرائيل".

Monday, March 08, 2010

الموجة الجديدة لجماعات الكراهية الأميركية
مقال بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره

www.alaabayoumi.com

نص المقال

هناك مؤشرات وتقارير أميركية حديثة ومقلقة تتحدث عن موجة جديدة من موجات صعود جماعات الكراهية الأميركية خلال السنوات الأخيرة

ناقوس الخطر

نذكر منها - على سبيل المثال - تقرير "لمركز قانون الفقر الجنوبي" صدر مطلع الشهر الحالي يقول أن جماعات الكراهية الأميركية ذات الخلفيات القومية (المتطرفة) نمت خال العام الماضي وحده بنسبة 250% ليبلغ عددها أكثر من 500 جماعة

والمعروف أن "مركز قانون الفقر الجنوبي" - ومقره ولاية ألباما - هو أبرز جماعات الحقوق المدنية الأميركية المعنية بتتبع جماعات الكراهية بالولايات المتحدة

ويصدر المركز تقارير دورية وسنوية عن تلك الجماعات تقول أن جماعات الكراهية الأميركية نمت خلال الفترة من 2001 إلى 2008 بنسبة 50% ليتضاعف عددها من 602 إلى 923، ولم يصدر المركز تقريره النهائي عن عام 2009، ولكنه تحدث مؤخرا عن نمو غير مسبوق في جماعات الكراهية ذات الخلفيات الوطنية أو القومية المتطرفة

هناك أيضا تقرير صدر في أبريل الماضي (2009) - عن وزارة الأمن الداخلي الأميركية - يتحدث عن مخاوف من انتشار جماعات الكراهية وسط الجنود الأميركيين المتقاعدين، وعن مساعي تلك الجماعات للتوغل داخل الجيش الأميركية وتجنيد المتقاعدين من أبنائه بهدف امتلاك الخبرة العسكرية التي يمتلكها الجنود والاستفادة من الظروف الصعبة التي تمر بها أميركا في الوقت الراهن – وعلى رأسها الأزمة الاقتصادية – لتجنيد مزيد من الأعضاء

هذا إضافة إلى حديث بعض الأقليات كاليهود والمسلمين واللاتينيين الأميركيين من تعرض أبناء جلدتهم لموجات جديدة ومقلقة من جرائم الكراهية خلال السنوات الأخيرة

كما برزت على السطح خلال عام 2009 عدد من الحوادث العنيفة التي ارتكبها أتباع تلك الجماعات، ووجدت ردود فعل مختلفة من قبل المؤسسات الإعلامية والسياسية بأميركا

ففي أبريل الماضي قتل ثلاثة من ضباط الشرطة في مدينة بتسبرج بولاية بنسلفانيا الأميركية، وقتل طبيب يمارس الإجهاض في كنيسته بولاية تكساس في شهر مايو، وقتل حارس أفريقي أميركي يحرس متحف الهولوكوست بواشنطن في شهر يونيو

وقد جذبت الحوادث السابقة - والتي وقعت على أيدي أبناء جماعات كراهية ذات إيديولوجيات مختلفة (معادية للحكومة، دينية، وعنصري) - اهتماما إعلاميا متزايدا

وفي شهر فبراير الماضي هاجم أميركي مبنى للضرائب بولاية تكساس ملحقا ضرار كبيرا بالمبنى الحكومي، وتاركا وراءه رسالة انتحار عبر فيها عن مشاعر سخط وكراهية عميقة للحكومة الفيدرالية ومؤسساتها التي تفرض على الأميركيين دفع الضرائب لها

رفض اليمين

التقارير السابقة لاقت استهجانا من بعض قوى اليمين الأميركي، حيث رأى بعضهم أن حوادث العنف السابقة متفرقة، وأن منظمات الحقوق المدنية الأميركية - "كمركز قانون الفقر الجنوبي" - هي مراكز ذات أجندة ليبرالية، وتقاريرها غير دقيقة مكتوبة من منطلق أيدلوجي يخدم مصالحها، ويزيد من مخاوف مناصريها وتبرعاتهم لها - والتي تقدر بعشرات الملايين من الدولارات الأميركية

كما هاجم كثيرون تقرير وزارة الأمن الداخلي ورأوا فيها تشكيك في صورة الجيش والجنود وخاصة المتقاعدين منهم وتحليلا أيدلوجيا تطغى عليه السياسة والرغبة في مهاجمة اليمين الأميركي

كما رأي بعض اليمينيين أن التقارير السابقة تشتت انتباه أميركا عن عدوها "الحقيقي والرئيسي" في الفترة الحالية وهو الخطر القادم من بعض "الجماعات الإسلامية المتطرفة" كالقاعدة والتي تعمل على هدم أميركا وتقويضها

خصائص أساسية

في المقابل تحدثت التقارير السابقة والعشرات من المقالات الصحفية المعنية والمنشورة في أكبر الصحف الأميركية والغربية عن ظاهرة "جماعات الكراهية الأميركية" وعن موجة جديدة ومقلقة في صعود تلك الجماعات ترتبط بالعوامل التالية

أولا: رأت التقارير المعنية أن جماعات الكراهية الأميركية تراجعت بوضوح في أواخر التسعينيات وخاصة بعد حادثة الهجوم على المبنى الفيدرالي بولاية أوكلاهوما في عام 1995 من قبل أميركي يميني متطرف، والتي تركت أكثر من 160 قتيلا، وترتب على حادثة أوكلاهوما حملة حكومية وشعبية كبيرة ضد تلك الجماعات أدت إلى تراجعها

ثانيا: من المعروف أن حوادث 11-9 قادت إلى موجة غضب شعبي كبير وقفزة في حوادث الكراهية – 9730 حادثة كراهية وفقا لإحصاءات مكتب التحقيقات الفيدرالي، وذلك مقارنة بـ 8063 حادثة في عام 2000

ثالثا: يبدو أن أحداث 11-9 زادت من حوادث الكراهية، ولكن التقارير الحالية تتحدث عن ظاهرة مختلفة، وهي ظاهرة نمو جماعات الكراهية ذاتها منذ 2001 بشكل غير مسبوق منذ الثمانينيات ومنتصف التسعينيات بشكل ينذر بالخطر ويتطلب الحذر

حيث رأى تقرير "مركز قانون الفقر الجنوبي" – السابق الإشارة إليه – إلى أن أعداد تلك الجماعات زادت بنسبة 50% منذ عام 2001 لتصل إلى أكثر من 900 جماعة في عام 2008، وذكر المركز نفسه أن أعداد جماعات الكراهية "القومية" زادت بنسبة 250% خلال العام الماضي وحده لتصل إلى أكثر من 500 جماعة

لذا استنتج البعض أن جماعات الكراهية الأميركية باتت تتكاثر بالعشرات خلال الأعوام الأخيرة، وهذا يعني أننا أمام ظاهرة جديدة وخطيرة تستحق الاهتمام

أسباب النمو

رابعا: تجمع المصادر السابقة على عدد من الأسباب أو العوامل التي تغذي نمو وتكاثر تلك الجماعات

حيث يرى هؤلاء أن اليمين الأميركي طغت عليه مؤخرا نبرة أيدلوجية متشددة تدفعه إلى اليمين أكثر فأكثر بسبب رموزه الإعلامية والسياسية المتشددة، والتي باتت تتحدث بحرية عن أجندات معادية للمهاجرين والحكومة والنظام الدولي والمؤسسات الدولية

وتقول تلك المصادر أن البيئة السابقة غذت - أو على الأقل شجعت - جماعات جديدة أكثر تطرفا باتت ترفض الحزب الجمهوري ذاته ورموزه السياسية المختلفة، فنحن هنا أمام جماعات متطرفة راديكالية منعزلة تتدرب على السلاح والعنف، وتحمل أفكار متطرفة تؤمن بكثير من نظريات المؤامرة وأفكار أخرى تبرر العنف

فهي ترى أن انتخاب باراك أوباما رئيسا لأميركا هو مؤامرة ضد الولايات المتحدة، وأن المهاجرين وتزايدهم في أميركا هم مؤامرة، وأن أوباما يعد معسكرات اعتقال سرية لتحويل الأميركيين إلى ليبراليين، وأن النظام العالمي الجديد مؤامرة، وأن المنظمات الدولية الكبرى كالأمم المتحدة ضالعة في مؤامرة دولية كبرى ضد أميركا، وأن الكثير من مشاكل أميركا الراهنة يتحمل مسئوليتها الآخرون الكارهون لأميركا

الجماعات السابقة استفادت من الإنترنت في نشر أفكارها والتواصل، وسعى بعض أعضائها إلى الانضمام إلى الجيش الأميركي للحصول على التدريب على استخدام السلاح، واستفادوا كثيرا من الأزمة الاقتصادية - والتي نشرت مشاعر الإحباط وسط الأميركيين – في اجتذاب أعضاء جدد

ولما فاز باراك أوباما بالرئاسة الأميركية بات عامل تجنيد جديد لتلك الجماعات، حيث رأوا أن فوز "أسود" بالرئاسة الأميركية هو جزء من مؤامرة يدريها الآخرون ضدهم

ويقول البعض أن حوالي 200 جندي أميركي سابق انضموا إلى تلك الجماعات منذ عام 2001، وهذا من بين أكثر من 20 ألف جندي أميركي تقاعدوا خلال الفترة ذاتها

الجماعات الوطنية المتطرفة

خامسا: تقول المصادر السابقة أن جماعات الكراهية الجديدة تحمل صفات جديدة وعلى رأسها تلك النزعة الوطنية المتطرفة، فهي بمثابة تطور للجماعات العنصرية، ولكن في صورة وطنية قومية تمزج العنصرية بالوطنية، أو تستخدم القومية لتبرير عنصريتها

ولكنها تتحدث في النهاية كجماعات قومية مدفوعة في تصرفاتها بالخوف على أميركا من الآخرين وخاصة المؤسسات الدولية الكبرى كالأمم المتحدة، والمهاجرين كاللاتينيين، والجماعات الليبرالية الأميركية، ومن المؤسسات الحكومية الأميركية ذاتها بعدما بات يسيطر عليها الليبراليون ورئيس أفريقي أميركي هو باراك أوباما

وعلى غرار نظيرتها في أوربا تعلمت الجماعات القومية الأميركية المتطرفة أن تدافع عن نفسها مستخدمة الحجج الليبرالية، فهي تحتمي وراء شعارات ومبادئ كالديمقراطية وحرية الرأي

وتستفيد تلك الجماعات كما ذكرنا سابقا من خطاب وسائل الإعلام اليمين وبعض أعضاء الكونجرس والسياسيين الجمهوريين حيث يتفوه بعضهم بعبارات لا تصدق من حيث درجة سطحيتها وتطرفها في آن واحد دون أن يتعرضوا لنقد سياسي أو إعلامي يستحق الذكر في الوقت الراهن

إحصاءات التحقيقات الفيدرالي

سادسا: توضح إحصاءات مكتب التحقيق الفيدرالي عن جرائم الكراهية في أميركا أن تلك الجماعات لم تتحول إلى العنف بعد ولم تحاول تطبيق نظرياتها الراديكالية على مستوى عنيف وواسع، فهي تنشر الكراهية وتهاجم الأقليات وتنشر مشاعر الرعب والخوف في أوساطهم، وتميز ضدهم بأشكال كثيرة من الصعب رصدها (كرفض توظيفهم)، ولكنها لم تلجأ إلى العنف على نطاق واسع حتى الآن

حيث تشير إحصاءات مكتب التحقيقات الفيدرالية إلى أن عام 2000 وهو العام السابق لأحداث 11-9 شهد 8063 حادثة كراهية، وهو نفس عدد الحوادث التي شهدها عام 1997 تقريبا

وفي عام 2001 قفزت حوادث الكراهية إلى 9730 حادثة لتعود وتنخفض إلى 7462 في العام التالي (2002)، وتستمر في التراجع حتى تصل إلى 7163 حادثة في عام 2005، وهو أقل معدل لحوادث الكراهية منذ عام 1997 وحتى عام 2008، وهو أخر الأعوام التي تتوافر عنها إحصاءات رسمية عن جرائم الكراهية في أميركا

وعادت تلك الأعداد في الارتفاع حتى وصلت إلى 7783 حادثة في عام 2008، وهي أعداد تقل عن أعداد ما قبل 2001، ولم يصدر مكتب التحقيقات الفيدرالي إحصاءاته عن جرائم الكراهية الواقعة في عام 2009 بعد

هذا يعني أن حوادث الكراهية حافظت على معدلاتها السابقة لأحداث 11-9 وأواخر التسعينات، وأنه يصعب الحديث في الوقت الراهن عن ارتفاع في جرائم الكراهية التي ترتكبها جماعات اليمين الراديكالي الأميركية، خاصة وأن الإحصاءات التي يرصدها مكتب التحقيقات الفيدرالي تضم جرائم يرتكبها أفراد وجماعات ينتمون لأيدلوجيات مختلفة تتعدى جماعات الكراهية اليمينية

حقيقة الظاهرة

وهذا يعني – في الختام – أننا أمام ظاهرة سياسية وثقافية بالأساس ولكنها مقلقة للغاية، فهي لم تتحول إلى ظاهرة إجرامية وعنيفة واسعة النطاق بعد، ولكن جماعات الكراهية الأميركية في تزايد، وهي تتغذى على الأزمة الاقتصادية ومشاكل أميركا المختلفة وتيقظ النعرات العنصرية الدفينة

جماعات الكراهية الأميركية تستفيد من خطاب الإعلاميين والسياسيين اليمينيين الأميركيين، والذي بات خطابا تعبويا سطحيا ومتشددا في أحيانا كثيرة

خطورة تلك الجماعات تكمن في راديكاليتها، وفي فكرها التآمري، وفي كونها خطرا على اليمين الأميركي ذاته، وعلى المجتمع الأميركي بصفة عامة، خطر قد يتحول في أي لحظة إلى كارثة لو استمرت تلك الجماعات في النمو والانتشار وقررت يوما تطبيق أفكارها عمليا واللجوء إلى العنف

Monday, April 20, 2009




عودة التاريخ ونهاية الأحلام

عرض بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره
www.alaabayoumi.com

نص العرض

يتضمن الكتاب الراهن اعترافا من قبل مؤلفه المحسوب على تيار المحافظين الجدد بنهاية عصر القطبية الأحادية كما عرفه العالم في الفترة التالية لانهيار الاتحاد السوفيتي، ودعوة صريحة لأوربا والدول الرأسمالية الليبرالية بالتوحد خلف أميركا في مرحلة ما بعد القطبية الأحادية

ويعد روبرت كاجان أحد أشهر الكتاب اليمينيين المحسوبين على تيار المحافظين الجدد، كما عمل كمستشار للشئون الخارجية في حملة المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية السيناتور جون ماكين خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة حيث نجح في ضخ بعض أفكاره المتضمنة في الكتاب الحالي ضمن حملة ماكين في إشارة هامة لمدى النفوذ الذي يتمتع به مؤلف كتابنا في أوساط الجمهوريين واليمين الأميركي

نظام عالمي جديد

الكتاب يتضمن دعوة صريحة للدول الأوربية واليابان والهند للتوحد خلف أميركا في مواجهة القوى العظمى الصاعدة وعلى رأسها الصين وروسيا ضمن نظام عالمي جديد يتكون من قطب أحادي واحد وهو الولايات المتحدة محاط بقوى عظمي عدة يأتي على رأسها أوربا وروسيا والصين والهند واليابان والتي تمتلك كل منها قدرات وطموحات الدول العظمي الساعية إلى خدمة مصالحها والفوز ببعض من النفوذ الهائل الذي كانت تتمتع به أميركا في عصر القطبية الأحادية

إذ يرى كاجان أن القوى العظمى السابقة فيما عدا أوربا تمتلك مشاعر قومية متنامية وذاكرة تاريخية لا تخلو من شعور بالمرارة ورغبة حاضرة في إثبات الذات من خلال توسيع نفوذها السياسي والعسكري على نقيض الأوربيين

ويبني كاجان كتابه على فرضية أن الدول الديمقراطية الليبرالية كانت تأمل بعد نهاية الحرب الباردة في بناء نظام عالمي جديد يسوده السلام عن طريق نشر الديمقراطية والقيم الليبرالية بين الدول والتجارة الحرة والعلاقات الاقتصادية الإيجابية، ومن ثم يتراجع التنافس العسكري والسياسي والذي يعود لعصور سابقة أقل حداثة، ويحل محله التنافس الاقتصادي السلمي بين دول ديمقراطية تعلي القيم الليبرالية المختلفة

ولكنه يرى أن الحلم السابق أثبت فشله، وأن السنوات التالية لنهاية الحرب الباردة شهدت صعود قوى عظمي تقليدية كروسيا والصين والتي رفضت الديمقراطية الليبرالية وتبنت نظما أكثر ديكتاتورية وسياسات خارجية تقليدية تقوم على بناء القوة العسكرية الصرفة وفرض النفوذ السياسي والدخول في حروب إذا تطلب الأمر

وعندما يستعرض كاجان القوى الدولية الكبرى المختلفة بما في ذلك أميركا تشعر بأن أوربا هي الاستثناء وأن الدعوة موجه لها بالأساس بالإضافة إلى اليابان والهند للتوحد خلف أميركا والتي تعرف كيف تتعامل مع القوى العظمي التقليدية وكيف تقود العالم الديمقراطي عبر النظام العالمي الجديد

قوى عظمى عدة

استعراض صعود القوى العظمي التقليدية وسياستها يستهلك جزءا رئيسيا من كتاب روبرت كاجان، فهو الجزء الأول من الحجة التي يريد أثباتها لأوربا والأوربيين

والحجة تقول أن القوى العظمي الصاعدة غير عقلانية لا تؤمن بالقيم الليبرالية والمابعد حداثية التي تؤمن بها أوربا، وأنها في الحقيقة قوى مشغولة بالماضي والتاريخ والصراعات والمرارة والتنافس التقليدي

فروسيا تشعر بالمهانة لفقدانها مكانتها كقطب دولي بعد انهيار الإتحاد السوفيتي وتمتلك حكومة بقيادة بوتين تؤمن بروسيا القيصرية وتعيد بناء قوى روسيا الاقتصادية والعسكرية على حد سواء وتؤجج المشاعر القومية الروسية، ولا تتواني في بسط سيطرتها على الدول المستقلة عن الإتحاد السوفيتي ودول شرق أوربا بل وعلى دول أوربا الغربية ذاتها مستخدمة سلاح النفط وذلك من أجل عودة العظمة والمكانة الروسية مرة أخرى

والصين عاشت معظمها عمرها قوة عظمى أسيوية لا تنازع حتى جاء عصر الاستعمار في أوائل القرن التاسع عشر والذي عانت خلاله الصين مذلة تاريخية، وعلى الرغم من صعود الصين اقتصاديا حاليا وانخراطها في النظام الاقتصادي العالمي إلا أنها لم تنس ما تعرضت له من مهانة على يد الاستعمار ولم تهادن فيما يتعلق بمشاعرها القومية، واليوم تعيش الصين فترة صعود قومي ورغبة في العودة للمكانة التاريخية تدفعها لإنفاق 10% من دخلها على تحديث جيشها وإلى بناء أسطول بحري ضخم تستعرض به إمكاناتها المعاصرة في المياه الدولية المحيطة بها والتي كانت حتى وقت قريب حكرا على الأسطول الأميركي

وحتى اليابان وهي القوة الاقتصادية الثانية في العالم مازالت تعاني من التاريخ والمشاعر القومية، فهي تعاني من ثأر تاريخي مع الصين منافستها التقليدية، حيث لم ينسى الصينيون احتلال اليابان لأراضيهم خلال الحقبة الاستعمارية، وهو أمر دفع اليابانيون للاهتمام بجيشهم وإلى التقرب من أميركا لمواجهة الصعود الصيني وكذلك إلى الدخول في صراع إعلامي مع الصين في جنوب شرق أسيا

وتسير الهند على المنوال نفسه، فعلى الرغم من نموها الاقتصادي الكبير في السنوات الأخيرة إلا أنها مازالت تشعر بمرارة الاستعمار الأوربي وبرغبة في إثبات مكانتها الدولية الجديدة وبقلق واضح من الصين والتي دعمت باكستان في بناء قوتها النووية

خصائص الصراع العالمي الجديد

ويقول كاجان أن التنافس في فترة ما بعد القطبية الأحادية يتميز بخصال مختلفة عن فترة الحرب الباردة، فهو أولا صراع غير إيديولوجي، فالواضح أن الصين وكذلك روسيا لم تعدا معنيتان بأيدلوجية معينة، فما يحركهما الآن هو المصلحة الاقتصادية والمشاعر القومية، فهمهما الأساسي هو العودة إلى العهد القيصري حيث تمتعت الصين وكذلك روسيا بإمبراطورية واسعة يسيطر عليها القيصر أو الإمبراطور الصيني أو الروسي

فهم الدولتين حاليا هو توسيع نفوذهما الاقتصادي والسياسي والعسكري ومصالحهما الوطنية دون تبني أيدلوجية معينة

ثانيا: تقدم الدولتان نموذجا مختلفا للنمو الاقتصادي يقوم على الحكومة المركزية القوية القادرة على إحداث تقدم اقتصادي كبير دون السماح بانفتاح سياسي يوازيه، وهو نموذج يتنافي مع نموذج الحكومة الضعيفة نسبيا والذي تروج له أميركا وأوربا ضمن إيديولوجيتها الديمقراطية الليبرالية

ثالثا وبناء على ما سبق تعلي الصين وروسيا من أهمية القانون الدولي ومن أهمية مبادئ قانونية تقليدية مثل السيادة الوطنية، وترفض حرص الدول الغربية على نشر وتطبيق القيم الليبرالية والتي تمنح تلك الدول بابا للتدخل في شئون الدول الأخرى الأقل ديمقراطية وليبرالية بدعوى الدفاع عن القيم الليبرالية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان

في المقابل تنادي دول عظمى كالصين وروسيا بأن التطور الاقتصادي لا يرتبط فقط بتطبيق القيم الديمقراطية الليبرالية، وأن تطبيق تلك القيم لا يجب أن يكون على حساب القانون الدولي أو السيادة الوطنية

وهي أفكار – كما يدعي كاجان – تجهض أحلام الأوربيين في بناء علاقات دولية قائمة على القيم الليبرالية

وبهذا يتبلور النظام العالمي الجديد في صورة صراع بين الدول الديمقراطية الليبرالية بقيادة أميركا وأوربا والتي تنادي بتطبيق القيم الليبرالية كمعيار للعلاقات الدولية والدول الديكتاتورية بقيادة الصين وروسيا والتي تطالب بإعلاء معايير القانون الدولي والسيادة الوطنية

تحالفات ونقاط تماس جديدة

وبناء على ما سبق تتم إعادة بناء النظام العالمي الجديد في الفترة المقبلة، إذا يتوقع كاجان أن يتم تقسيم العالم لتحالفين أو محورين أساسيين، محور تقوده أميركا وأوربا ودول كاليابان والهند وتنضم إليه الدول الديمقراطية الليبرالية، ومحور تقوده الصين وروسيا وتنضم إليه الديكتاتوريات

ويضرب كاجان مثلا بدولة كإيران وهي على شاكلة روسيا والصين دولة تسيطر عليها المطامع التاريخية والمشاعر قومية وذاكرة تاريخية مليئة بالمرارة لذا تسعى لبناء قوتها النووية وبسط نفوذها الإقليمي مستفيدة من ثروتها النفطية وغير مبالية بالديمقراطية أو بالقيم الليبرالية، لذا من المتوقع أن تجد إيران الحماية والمساندة لدى دول كالصين وروسيا

وعلى شاكلة إيران يمكن النظر إلى دولة كالسودان وغيرها من الدول الأفريقية الديكتاتورية، ويقول كاجان أن نقاط التماس بين محور الديمقراطيات ومحور الديكتاتوريات هي مناطق الصراع في النظام العالمي الجديد، وذلك في دول مثل جورجيا وأوكرانيا في شرق أوربا، وبلدان وسط أسيا المستقلة عن الاتحاد السوفيتي، وتايوان في حالة الصراع بين أميركا والصين ولبنان كساحة صراع إقليمي، وكذلك الدول الأفريقية كساحة للتنافس بين الديمقراطيات والديكتاتوريات

القيادة الأميركية

والواضح على مدى الكتاب أن كاجان يعول على أوربا أكثر من أميركا في مد النظام العالمي الجديد بقيمه الليبرالية الديمقراطية ما بعد الحداثية، وذلك على الرغم من أنه لا يتحدث عن ذلك صراحة، ولكن القارئ يشعر بأن أوربا هي النموذج القيمي الذي يتطلع إليه كاجان، فهي مجموعة الدول التي تخلت عن نزاعاتها الوطنية وفضلت بناء علاقات جديدة سلمية قائمة على التجارة الحرة والقيم الليبرالية

لذا يشعر القارئ أن تفسير كاجان لطبيعة القيادة الأميركية لا يخلو من اعتراف ضمني بتردي نوع السياسات والقيادة الأميركية للعالم

فمن ناحية تبقى أميركا قطب العالم الأوحد المتطلع للقيادة الطموحة، فأميركا تقود العالم من موضوع قوة ترغب من خلاله في تغيير العالم وفي تغيير النظم المعارضة لها، ولكن القيادة الأميركية تعاني من معضلة داخلية تتمثل في رغبة الأميركيين في قيادة العالم قيادة طموحة بأقل تكلفة ممكنة كما يرى كاجان

كما يقر المؤلف أيضا بأن القيادة الأميركية لم تخلو من أخطاء، وأن أميركا تميل للنزعة الفردية في القيادة، وأن العالم يريد الحد من النفوذ الأميركي ومن سيطرة القطبية الأحادية

ولكنه يعود ويقول أن تكلفة تراجع النفوذ الأميركي كبيرة، وأن تراجع النفوذ الأميركي وصعود عالم متعدد الأقطاب قد لا يقود إلى السلام أو الاستقرار، وأن أميركا بمصادر قوتها المتعددة تمثل ضمانة لاستقرار العالم وللحد من طموحات القوى العظمي الديكتاتورية الصاعدة

وهذا يعني أن كاجان يقر ضمنيا بسوء الإدارة الأميركية وبأن السياسات الأميركية قد لا ترتقي بعد للسياسات الأوربية ما بعد الحداثية، ولكنه يرى أن قيادة أميركا لأوربا والدول الديمقراطية الليبرالية ضرورية، فأميركا وحدها تمتلك قدرات قطب العالم الأوحد، كما أن أميركا وحدها القادرة على التعامل مع القوى العظمي التقليدية مثل روسيا والصين

بمعني أخر يريد كاجان أن يقول للأوربيين بأن عليكم التوحد خلفنا فنحنا مازلنا قطب العالم الأوحد وأننا وعلى الرغم من أخطائنا مازلنا قادة الديمقراطيات الليبرالية والقوة القادرة على مواجهة القوى العظمى التقليدية الصاعدة وسياساتها، فنحن على الرغم من عيوبنا الأكثر تأهيلا للقيادة في الوقت الحالي

ويتمنى كاجان أن تتراجع الخلافات الغربية التي نشأت بين أوربا وأميركا بسبب حرب العراق بعد تراجع مكانة الحرب في السياسات الدولية، وأن تتوحد الدول الغربية تباعا خلف أميركا

الشرق الأوسط في النظام العالمي الجديد

أما فيما يتعلق بمكانة الشرق الأوسط في النظام العالمي الجديد فهي تبدو متناقضة كطبيعة حجة كاجان والتي تريد أن توحد قوى العالم الديمقراطية الليبرالية خلف أميركا قطب العالم الأوحد لأنها الدولة الأقوى القادرة على مواجهة القوى العظمي الديكتاتورية، وهي بالطبع دعوة لا تخلو من براجماتية عالية

وعلى نفس المنوال يتوقع أن تنضم الدول العربية إلى تحالف الديمقراطيات مع أميركا وإسرائيل في مواجهة ديكتاتوريات مثل إيران وفي مواجهة ما يسميه بقوى "الإسلام الراديكالي"، وذلك على الرغم من اعتراف كاجان بطبيعة الدول العربية غير الديمقراطية، لذا يقول في نهاية الكتاب أن تحالف أميركا مع الدول العربية لا يجب أن يمنعها في الدفع التدريجي بالديمقراطية داخل تلك الدول

وبهذا يبدو تحالف الديمقراطيات كتحالف لا يخلو من براجماتية واعتبارات سياسية، فهو تحلف لدول مضطرة للتوحد خلف قطب العالم الأوحد المتخبط أحيانا (أميركا) والتحالف مع دول غير ديمقراطية (كدول الشرق الأوسط) لاعتبارات إستراتيجية مختلفة في مواجهة نفوذ القوى الديكتاتورية الصاعدة بقيادة روسيا والصين

Sunday, November 02, 2008

هل نحن حقا على مشارف عصر سياسي أميركي جديد؟
مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
جريدة الراية القطرية

نص المقال

لو أسفرت الانتخابات الفيدرالية الأميركية المقبلة عن فوز الديمقراطيين بالرئاسة الأميركية وتغلبهم على الجمهوريين في انتخابات الكونجرس فإن ذلك سوف يعني للكثيرين بداية عصر سياسي أميركي داخلي جديد، هو عصر تمدد ليبرالي واضح

سبب ذلك هو أن الديمقراطيين في أميركا عاشوا أربعة عقود صعبة، فمنذ عام 1968 لم يحكموا البيت الأبيض إلا لثلاث دورات رئاسية فقط (دورة لجيمي كارتر ودورتان لبيل كلينتون) في مقابل سبع دورات رئاسية حكم فيها رؤساء جمهوريون

كما فقد الديمقراطيين تدريجيا أغلبيتهم التاريخية بالكونجرس الأميركي والتي حققوها منذ ثلاثينيات القرن العشرين، حيث خسر الديمقراطيون مقعد الأغلبية بمجلس النواب الأميركي في عام 1994 في انتخابات مشهودة، حتى يقال أن عدد من أعضاء مجلس النواب الديمقراطيين الذين لم يخسروا في انتخابات 94 بادروا بتغيير انتمائهم الحزبي بعد الانتخابات، وذلك لشعورهم بأن الحزب الديمقراطي بات كالسفينة الغارقة والتي يتحتم عليهم مغادرتها قبل فوات الأوان والغرق معها

وفي عام 2002 خسر الديمقراطيون مقعد الأغلبية بمجلس الشيوخ، كما تعرضوا لهزيمة مذلة في عام 2004 حين فاز جورج دبليو بوش بولاية ثانية على حساب المرشح الديمقراطي جون كيري، كما عزز الجمهوريون تقدمهم بمجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين على حد سواء

انتصارات الجمهوريين المستمرة منذ عام 1980 والتي وصلت قمتها في الفترة من 2000-2004 كانت نتاج لما عرف بثورة اليمين، والتي قادها بعض الجمهوريين المحافظين في منتصف الستينيات، حيث رفض هؤلاء ميل الحزب الديمقراطي لحقوق الأقليات والمهاجرين وللانفتاح على العالم الخارجي، ونادوا في المقابل بمواقف محافظة على المستوى الداخلي ومتشددة على ساحة السياسة الخارجية، ووجدوا ضالتهم في قوى اليمين المسيحي المتدينة التي صعدت بقوة داخل المجتمع الأميركي المحافظ نسبيا كردة فعل لانتشار التيارات الليبرالية المتحررة أخلاقيا داخل المجتمع الأميركي في الستينيات

وللأسف مال اليمين المسيحي الأميركي للتشدد وللخوف من الأخر كردة فعل لتطرف اليسار الأميركي في التحرر الأخلاقي، فبدلا من أن يدعو اليمين المسيحي للتسامح تبنى أجندة خائفة من الأخر على المستويين الداخلي والخارجي، لذا مال لتبني مواقف خارجية متشددة ضد الإتحاد السوفيتي وضد من يصورون على أنهم أعداء خارجيين لأميركا

كما مال اليمين المسيحي للتحالف مع أثرياء الحزب الجمهوري بدلا من فقراء الحزب الديمقراطي وأقلياته، كما مالوا للتحالف مع نخب الجنوب والنخب الرافضة لثورة الحقوق والحريات المدنية بدلا من الانفتاح على المستضعفين والأقليات وأجندتهم

وللأسف أعطى تحالف اليمين المسيحي للحزب الجمهوري زخما جماهيريا لا يستحقه بسبب قوتهم التنظيمية وتغلغلهم على المستوى الجماهيري، لذا قادوا ريجان للحكم وقادوا بعده الجمهوريين لانتصارات ساحقة على خصومهم الديمقراطيين كما حدث في أعوام 1994 و2002 و2004

ولكن يبدو أن تحالف قوى اليمين المسيحي مع قوى الرجعية داخل الحزب الجمهوري من أثرياء ونخب الجنوب ومناصري عسكرة السياسة الخارجية الأميركية قد أفرض في تشدده أو رجعيته

حيث شن هؤلاء حرب العراق والتي كشفت عن جهل وظلم عظيمين، ظلم لأهل العراق وجهل بقواعد إدارة الحروب وإدارة الدول الواقعة تحت الاحتلال، كما أفرطوا في الإنفاق الداخلي في الوقت الذي حافظوا فيه على استقطاعات ضريبية ضخمة للأغنياء مما أغرق أميركا في الدين الخارجي وقاد إلى كارثة اقتصادية أميركية ودولية هي الأكبر منذ عقود بسبب جشع الرأسمالية الأميركية تحت أعين بوش وأثرياء الجمهوريين وأيدلوجيتهم المفرطة في العداء لدور الدولة في تقنين الاقتصاد وفي كبح جشع الرأسمالية وفي حماية المستهلك ودافع الضرائب الأميركي الفقير

ومازال الجمهوريون في تطرفهم هذا حتى أن جون ماكين المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية مازال يطالب حتى يومنا هذا بخصخصة نظام التأمين الصحي، كما طالب بوش من قبله بخصخصة نظام الضمان الاجتماعي، مع العلم بأن 45 مليون أميركي لا يمتلكون تأمينا صحيا حتى يومنا هذا وأن عائد نظام الضمان الاجتماعي لا يكفي وحده لضمان حياة كريمة لمتلقيه

كما كشف التطرف الأيدلوجي عن عدم كفاءة غير مسبوقة وعن فساد وفضائح شغلت إدارة بوش وقيادات الجمهوريين وقيادات اليمين المسيحي خلال السنوات الثماني الأخيرة

لذا لقي الجمهوريون هزيمة ثقيلة في انتخابات 2006 النصفية عندما خرج الأميركيون فيما هو أشبه بثورة جماهيرية عارمة ضد بوش والجمهوريين وجدت في حرب العراق عنوانا لحركتها السياسية

عموما ثورة الأميركيين ضد الجمهوريين في 2006 لم تستغل أفضل استغلال من قبل الديمقراطيين، والذين ترددوا كثيرا في أوائل العام الحالي في اختيار مرشحهم للرئاسة الأميركية، حين تردد الديمقراطيون بين السيناتور باراك أوباما والسيناتور هيلاري كلينتون

هيلاري كانت بمثابة مرشحة نخب الحزب وتياره المحافظ المعروف باسم "الليبراليين الجدد" وهو تيار ديمقراطي نشأ في قبل أزمة الديمقراطيين ونتاج لهزائمهم السياسية العديدة خلال العقود الأربعة الأخيرة، وقد عرف الليبراليين الجدد بسياساتهم الداخلية التي تميل للطبقة الوسطى على حساب الطبقات الفقيرة، وبسياساتهم الخارجية القريبة من سياسات المحافظين الجدد والتي دفعت عدد كبير من قادة الليبراليين الجدد مثل هيلاري كلينتون وجوزيف ليبرمان وجون كيري وجون إدواردز إلى دعم قرار حرب العراق في عام 2002

أما أوباما فقد نظر إليه الكثيرون داخل الحزب وبين قياداتهم - وعلى رأسهم آل كيندي - على أنه أمل الحزب في مستقبل أفضل، فهو شاب يعبر عن الجيل الأميركي الجديد، كما أن خطابه مليء بالأمل وبالرغبة في تخطي الفوارق الحزبية والسياسية والثقافية التي مزقت الأميركيين خلال العقود الأربعة الأخيرة

هذا إضافة إلى حديث أوباما عن الحوار مع العالم الخارجي ورفضه للحرب ولتغيير النظم المعارضة بالقوة ولتشدد بوش والجمهوريين وصقور الديمقراطيين والمحافظين الجدد

عموما مال الديمقراطيون لأوباما ولكن هذا لا يعد وحده ضمانه لبداية عهد جديد لليبرالية الأميركية، فمنذ انتصار الديمقراطيين الكبير في عام 2006 لم يشعر كثير من الأميركيين أو من المتابعين عبر العالم بأن الديمقراطيين أحدثوا تغيير كبيرا في السياسات الأميركية داخليا أو خارجيا، فمبادراتهم تجاه حرب العراق ظلت ضعيفة غير معروفة، وكذلك الحال على المستوى الداخلي

وقد ذكر البعض أن الديمقراطيين لم يتمكنوا من التغيير خلال العامين الأخيرين لأن الأغلبية التي فازوا بها داخل مجلس الكونجرس لم تكن كبيرة بشكل كافي لمساعدتهم على تحقيق التغيير المنشود

ولو فاز أوباما بالرئاسة الأميركية وفاز الديمقراطيين بمزيد من مقاعد الأغلبية بمجلس الشيوخ والنواب الأميركيين فسوف يضمن ذلك للديمقراطيين قدرة لا يستهان بها على تطبيق أجندة جديدة وعلى إعادة تعريف الأجندة السياسية الليبرالية داخل أميركا وخارجها من خلال تبني مبادرات سياسية كبرى جديدة ومختلفة

ولكن يبقى خوف دفين من أن يفوز الديمقراطيون ولا يحدث التغيير، ويرى أصحاب هذا الرأي الحذر أن المشاكل التي تعاني منها أميركا وسياستها على المستويين الداخلي والخارجي لم تعد مقصورة على حزب دون أخر، بل باتت تعبيرا عن أزمة في الثقافة السياسة الأميركية وعن قيادات ولدت في أزمة وفي حالة ركود وكساد فكرين وسياسي

خاصة وأن انتخاب أوباما – كثير الحديث عن الأمل والقيم – لا يعد في ذاته وبأي حال من الأحوال ضمانة لتطبيق أجندة تغيير حقيقية، وأن أوباما ككثير من قيادات الديمقراطيين لابد وأن يعود يوما لنقطة الصفر في السياسة الأميركية، تلك النقطة التي تسمى أحيانا بسياسات وسطية باهتة لا هي ديمقراطي أو جمهورية، لا هي يسارية أو يمينية، بل هي سياسات تحافظ على الوضع القائم وتخشى التغيير الحقيقي وتكتفي بالرقص في محيط جماعات المصالح الأميركية

Monday, October 13, 2008

الإمبراطور الأميركي الأخير
بقلم: علاء بيومي

الناشر:
جريدة البديل المصرية، 13 أكتوبر 2008

نص المقال

من يعتقدون أن خسارة جون ماكين - المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية - في الانتخابات الرئاسية المقبلة ستكون خسارة عادية لمرشح رئاسي عادي مخطئون لأن ماكين باختصار هو أخر إمبراطور أميركي منتظر، لذا ستمثل هزيمته في الانتخابات الرئاسية المقبلة هزيمة لمشروع الإمبراطورية الأميركية ذاته

فماكين وريث الإمبراطورية الأميركية الشرعي والأخير، فهو قائد عسكري سابق ينحدر من أسرة من قادة البحرية الأميركية، كما أنه خاض حرب فيتنام ووقع خلالها في الأسر لأكثر من خمس سنوات ونصف ليعود بعدها لأميركا ويستقبل استقبال الأبطال ويحظى بصورة البطل القومي باقتدار، وهي صورة مازال يحتفظ بها ماكين إلى يومنا هذا، حتى أن كتب - بالتعاون مع كاتب خطاباته المفضل مارك سالتر - قصص مختصرة موجهة للشباب الأميركي عن عظماء التاريخ الأميركي والعالمي بهدف زرع قيم الوطنية وحب الوطن والبطولة في نفوس الشباب بالولايات المتحدة، كما أن سيرة ماكين الذاتية تحولت لفيلم سينمائي

بعد عودة ماكين لأميركا في أوائل السبعينيات لم يجد صعوبة في دخول معترك السياسة حيث صار عضوا بالكونجرس في أوائل عام 1983، وقد ظل ماكين منذ ذلك الحين وحتى منتصف التسعينيات من معارضي التدخل العسكري الخارجي تأثرا بعقدة فيتنام وبمعاناة الجيش الأميركي هناك وتأثرا بخبرة الحرب الباردة القائمة على الردع وسباق التسلح العسكري وتفضيل الواقعية على المثالية في العلاقات الدولية

ولكن ماكين أسير حرب فيتنام تغير كثيرا في منتصف التسعينيات، وهي نفس الفترة التي شهدت ولاية الجيل الثاني من المحافظين الجدد المعروفين بتهورهم على ساحة السياسة الخارجية، وقد ارتبط تغير ماكين وظهور جيل المحافظين الجدد الجديد بحدث أكبر وهو سقوط الاتحاد السوفيتي وصعود نجم أميركا كقطب العالم الأوحد

حيث قاد ماكين بخلفيته العسكرية القوية واهتمامه الواضح بالسياسة الخارجية جهود الجمهوريين في البحث عن سياسة خارجية جديدة تتناسب مع فترة ما بعد الحرب الباردة، وقد فكر مليا وشارك في مشاريع بحثية وسياسية مختلفة، ويبدو أن بحثه السابق قاده تدريجيا إلى الإيمان بنظرية "العظمة الوطنية الأميركية" وهو من بنات أفكار المحافظين الجدد

نظرية "العظمة الوطنية الأميركية" تقوم على فكرة بناء حزب جمهوري جديد يتعالى على مشاكل أميركا الداخلية مثل الصراعات الثقافية والدينية والأخلاقية ويتبنى سياسة داخلية ليبرالية بعض الشيء على أن يتبنى سياسة خارجية توسعية تضمن لأميركا الحفاظ على "فترة القطبية الأحادية" لأطول فترة ممكنة، وذلك من خلال تبني سياسات ومشاريع دولية كبرى وطموحة تعيد بناء النظام العالمي على شاكلة ترضي أميركا والمحافظين الجدد

ويقول مارك سالتر كاتب خطابات ماكين الرئيسي أنه تأثر بالنظرية السابقة في منتصف التسعينات، خاصة وأن سالتر سبق وأن عمل مساعدا لجين كيركباتريك سفيرة أميركا لدى الأمم المتحدة في عهد ريجان، وأحد أشهر قيادات الجيل الأول من المحافظين الجدد

على الجانب الأخر تحدث المحافظين الجدد كثيرا في نهاية التسعينيات عن ماكين، وعبروا عن تقديرهم له وإعجابهم به، حيث رأى نورمان بودهوريتز أن ماكين هو واحد من السياسيين الأميركيين القلائل الذي يتمتع بقيم الأصالة كالشجاعة والبطولة واستقلالية الرأي والجراءة، مما يؤهله لكي يكون واحد من قادة أميركا والغرب العظام التاريخيين

لذا أيد غالبية المحافظين الجدد ماكين عند خوضه الانتخابات الرئاسية التمهيدية التي أجريت في أوساط الحزب الجمهوري عام 2000، ولكن ماكين خسر أمام جورج دبليو بوش الذي تحالف مع النخب التقليدية للحزب الجمهوري وقوى اليمين المسيحي المتدينة التي لم ترض عن ماكين بسبب علمانيته، وقد حزن المحافظون الجدد لخسارة ماكين أمام بوش في عام أوائل 2000، وطالبوا بوش بعد فوزه بالرئاسية الأميركية في نهاية العام نفسه بأن يعين ماكين بحكومته، ولكن بوش رفض

عموما بقى ماكين خارج السلطة ولكنه ظل أحد أقوى الشخصيات الجمهورية على الإطلاق سواء، وصاحب أجندة خارجية صقورية، فعلى سبيل المثال يعتبر ماكين أحد أهم داعمي حرب العراق على الإطلاق، حيث أيدها قبل وقوعها، كما كان لدعمه لإستراتيجية زيادة القوات الأميركية في العراق والتي طبقت في أوائل عام 2007 أكبر الأثر في تطبيقها والموافقة عليها

وبعد عودة الجمهوريين لماكين في انتخابات العام الحالي عاد المحافظون الجدد إليه يهرولون، حتى أن كبير مستشاري ماكين للسياسة الخارجية راندي شونمان هو من أبرز قيادات المحافظين الجدد، وأحد منسقي "لجنة تحرير العراق" الرئيسيين، وهي لجنة أسست في عام 2002 لتضم أكبر الداعمين لحرب العراق خارج الإدارة الأميركية

المثير هنا أن المحافظين الجدد يدركون جيدا أن ماكين هو فرصتهم الأخيرة، وأنه هزيمة ماكين في الانتخابات الأميركية المقبلة هي إعلان وفاة لنظرية "العظمة الوطنية الأميركية" كما يتصورها المحافظون الجدد، وإعلان نهاية عصر الإمبراطورية الأميركية

أبرز الدلائل على ذلك جاءت في كتابات روبرت كاجان، أحد أبرز منظري المحافظين الجدد، والذي نشر في أوائل العام الحالي كتابا بعنوان "عودة التاريخ" ينعي فيه فكرة "نهاية التاريخ" التي رددها فرانسيس فوكوياما في أوائل التسعينات

والمعروف أن فوكوياما بدوره هو أحد أبرز قادة المحافظين الجدد، وأنه نشر كتابا بعنوان "نهاية التاريخ" حاز باهتمام دولي كبير في أوائل التسعينيات حيث تحدث عن انتصار تاريخي لأميركا والغرب والرأسمالية الغربية في معركتها مع الشرق والاتحاد السوفيتي، وكيف أن هذا الانتصار هو بمثابة إعلان لنهاية التاريخ لأنه وصل إلى أعلى مراحل تقدمه

والمعروف أيضا أن فوكوياما تبرأ من المحافظين الجدد بعد حرب العراق، أما كاجان فقد أدرك بدوره أن فكرة نهاية التاريخ لم تعد ذات معنى بعد تراجع سمعة ونفوذ أميركا بسبب حرب العراق، وبعد صعود قوى الشرق وعلى رأس الصين، لذا كتب يتحدث عن عودة التاريخ وقرب نهاية لحظة الأحادية الأميركية

وتشير تقارير صحفية أن كاجان والذي يعد أحد مستشاري السياسية الخارجية لحملة ماكين نجح في التأثير على ماكين وفي تضمين بعد أفكاره الخاصة بعود التاريخ في خطابات ماكين منذ صيف العام الحالي

ومن المعروف أن ماكين من أنصار إعادة بناء العالم، حيث ينادي ببناء "عصبة الديمقراطيات" وهي منظمة دولية كبرى أكبر من الناتو وأصغر من الأمم المتحدة تضمن أميركا والدول المساندة لها في مقابل الدول المعارض للولايات المتحدة، حيث يرى ماكين أن الأمم المتحدة فشلت في التعامل مع دول كإيران، وأنه يريد بناء المنظمة الجديدة لكي تكون بديلا عن الأمم المتحدة في حال فشلها في التعامل مع القضايا الدولية الصعبة لإيران، بمعنى أخر يريد ماكين إعادة صف دول العالم خلف أميركا في عصر ما بعد الحرب الباردة

لذا وضع كاجان بعض العبارات الخاصة بتراجع قوة أميركا وصعود قوى دولية جديدة في خطاب ماكين كنوع من التواضع، أو ربما كنوع من التذكرة باقتراب نهاية مشروع الإمبراطورية الأميركية، وبأن على الأميركيين انتخاب ماكين أخر إمبراطور أميركي قبل فوات الأوان، ولعل هذه هي الأسباب التي دعتنا إلى القول في بداية هذه المقالة بأن هزيمة ماكين هي في حقيقتها هزيمة لأخر إمبراطور أميركي بل ولمشروع الإمبراطورية الأميركية ذاته
حلقة برنامج "كتاب ألفته" عن كتاب جون ماكين والشرق الأوسط
الحلقة أذيعت على قناة الجزيرة يوم الثلاثاء السابع من أكتوبر الحالي
مقتطفات من الحلقة

فكرة الكتاب الرئيسية هي عن مواقف المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية جون ماكين وحقيقة سياسته الخارجية تجاه الشرق الأوسط، والتنبؤ بقدر الإمكان بمواقفه أو بسياساته تجاه الشرق الأوسط في حالة فوزه بالرئاسة الأميركية

فوز ماكين هو امتداد للسياسة الخارجية للمحافظين الجدد مع فرق أساسي هو أن ماكين يبدو أكثر تشددا وأكثر أصالة من جورج بوش في مساندته لآراء المحافظين الجدد، ماكين يبدو أنه هو الصورة الأذكى والصورة الأكثر أصالة من بوش ومن المحافظين الجدد عندما يأتي الأمر لتطبيق مجموعة من السياسات التي نادى بها المحافظون الجدد تجاه الشرق الأوسط خلال العقد الأخير

فهم ماكين عملية صعبة للأميركيين في الداخل وفي الخارج بسبب أن ماكين ليس سياسيا عاديا، هذا الشخص يتمتع، هو أحد أشهر السياسيين في الولايات المتحدة على الإطلاق، يتمتع بصورة البطل القومي في عيون الأميركيين ذو خبرة سياسية مهولة وقدرة على رسم صورته بفعل عدد كبير جدا من المستشارين المحيطين به وماكين يتمتع بصورة مزدوجة، أولا صورة ليبرالية معروفة عنه في الداخل كشخص منفتح داعم لحقوق المهاجرين ذو سياسات ليبرالية يتعاون مع الديمقراطيين بشكل عام ثم هناك صورة مختلفة تماما، صقورية على الساحة السياسية الخارجية

ماكين هو آخر الأباطرة الأميركيين إذا جاز التعبير، إذا لم يتمكن ماكين من وصول الحكم وإذا لم يتمكن المحافظون الجدد بدفع ماكين ربما ستكون هذه آخر فرصة أمام مشروع المحافظين الجدد أمام مشروع الإمبراطورية الأميركية

لقراءة النص الكامل للحلقة أو للإستماع إليها، يرجى زيارة

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/2B7FBDEE-825C-43D8-A7DC-83461D1CE327.htm

Thursday, September 18, 2008




للحصول على النص الكامل لكتاب جون ماكين والشرق الأوسط والولاية الثالثة للمحافظين الجدد، اضغط هنا

للحصول على صورة لغلاف الكتاب، اضغط
هنا

لقراءة عرض الجزيرة نت المفصل للكتاب (1500 كلمة)، اضغط
هنا

للحصول على بيان الناشر للإعلان عن صدور الكتاب، اضغط
هنا


Tuesday, September 16, 2008

جون ماكين والشرق الأوسط والولاية الثالثة للمحافظين الجدد
عرض منقول عن الجزيرة نت

معلومات الكتاب: علاء بيومي، جون ماكين والشرق الأوسط والولاية الثالثة للمحافظين الجدد، مركز الجزيرة للدراسات، أغسطس 2008، الدوحة، قطر


نص العرض

جون ماكين المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية في العام 2008، نادى بحرب العراق وإعادة بناء الشرق الأوسط وبالتخلي عن عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية القائمة على أساس من اتفاقات أوسلو، قبل الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش الابن، والسبب في ذلك هو التقارب بين ماكين والمحافظين الجدد منذ منتصف التسعينيات وحتى الآن

وكان المحافظون الجدد قد ساندوا ماكين عندما كان مرشحا للرئاسة في الانتخابات الجمهورية التمهيدية عام 2000 في مواجهة بوش الذي لم يرض عنه عدد كبير من المحافظين الجدد بسبب خلفيته السياسة المتواضعة وضعف درايته بالسياسة الخارجية وخطابه الذي مال إلى الواقعية والحذر

ماكين الثائر على بوش


لذا التف المحافظون الجدد حول ماكين وروجوا لحملته وهللوا بانتصاراته الأولية وحزنوا لهزيمته أمام بوش، وطالبوا الأخير بضمه إلى إدارته في منصب مرموق كوزارة الخارجية أو الدفاع، ولكن بوش رفض أن يضم ماكين منافسه اللدود وفضل عزله

لذا ثار ماكين على بوش وعلى الجمهوريين وعلى قيادات اليمين المسيحي التي تحالفت مع كارل روف مستشار بوش السياسي ومهندس حملاته الانتخابية ضد ماكين في الانتخابات التمهيدية مستخدمة أرخص الوسائل في تشويه سمعته، حتى أن بعضهم شكك في سجل ماكين خلال حرب فيتنام التي وقع فيها أسيرا لأكثر من خمس سنوات

وخلال الفترة بين عامي 2000 و2004 وضع ماكين يده في أيدي كبار الديمقراطيين والليبراليين بمجلس الشيوخ الأميركي مثل إدوارد كيندي وراسل فاينغولد وجون إدواردز وجوزيف ليبرمان (صديقه القديم)، لترويج سياسات داخلية تتعلق بقضايا كالبيئة والرعاية الصحية والتبرعات السياسية مثلت تحديا كبيرا لقيادات الجمهوري بالكونغرس وبالبيت الأبيض، حيث اعتبر بعض الجمهوريين ماكين خائنا بكل المقاييس ولا يستحق أن يكون جمهوريا

وهو اعتقاد ما زال قائما في بعض أوساط الجمهوريين، حتى أن بعضهم أعلن أنه يفضل التصويت لمرشح ديمقراطي مثل السيناتور هيلاري كلينتون على التصويت لجون ماكين

وقد استمر الخلاف بين ماكين والجمهوريين مشتعلا حتى انتخابات عام 2004 الرئاسية بسبب مواقف ماكين الخارجة عن الإجماع الجمهوري على الساحة الداخلية، رغم التقارب أو ربما التطابق بين مواقف ماكين وبوش على ساحة السياسة الخارجية، حيث سبق ماكين بوش إلى الدعوة لحرب العراق وإعادة بناء الشرق الأوسط والتخلي عن عملية السلام بصورتها القائمة

ومع ذلك لم يغفر الجمهوريون لماكين معارضته لهم ولبوش الذي رفعه اليمين المسيحي إلى السماء خاصة بعد هجمات 11سبمتبر/ أيلول 2001، كما أن الإعلام الليبرالي احتفل بماكين كثيرا في تلك السنوات (2000-2004) بسبب معارضته لسياسات بوش الداخلية ونقده أسلوب إدارته لحرب العراق

وفي عام 2004 حدث ما لم يكن متوقعا، إذ سعى المرشح الديمقراطي للرئاسة في ذلك الحين جون كيري، إلى إقناع ماكين بالانضمام إلى حملته كنائب للرئيس

وحدث ما لم يتوقعه كيري أو يتمناه حيث رفض ماكين العرض وارتمى في أحضان بوش وكارل روف اللذين استغلا مساندته لهما كل استغلال

وفتح ماكين صفحة جديدة في علاقته بالجمهوريين انتهت بترشيحهم له في الانتخابات الرئاسية عام 2008 بعدما رفضوه عام 2000 وحاربوه منذ ذلك الحين وحتى العام 2004، ولم يرضوا عنه بشكل كامل حتى الآن إذ ما زالوا يشعرون بأن سجله ليبرالي أكثر من اللازم على ساحة السياسة الداخلية وأنه رجل متمرد ثائر يصعب التنبؤ بسياسته

ازدواجية جون ماكين

في هذا السياق يؤكد هذا الكتاب أهمية تناول الخلفية الشخصية والسياسية لجون ماكين ومسيرته السياسية بالشرح والتحليل كمدخل لفهم سياساته الخارجية المتوقعة تجاه الشرق الأوسط

ويشير مؤلفه إلى أن مواقف ماكين تعتريها ازدواجية واضحة بين مواقفه السياسية الداخلية التي تميل إلى الانفتاح والليبرالية والاستعداد للتعاون مع الأخر ومع الديمقراطيين، وبين مواقفه على الساحة الخارجية والتي تميل إلى اللتشدد والصقورية بشكل يفوق بوش نفسه

فماكين سبق بوش في صقوريته ومطالبته بالعديد من السياسات الخارجية المتشددة التي طبقها بوش بعد الهجمات على نيويورك وواشنطن قبل أن يطالب بها بوش نفسه، لذا رأى بعض المراقبين أن بوش فاز على ماكين ليطبق سياسات الأخير

ويقول المؤلف إن فهم هذا التناقض يتطلب الوعي بشخصية ماكين ومسيرته السياسية، وهما موضوع الجزء الأول من الكتاب والذي يتناول مسيرة ماكين السياسية منذ عام 1983 وهو العام الذي شهد انضمامه إلى عضوية الكونغرس الأميركي عن ولاية أريزونا

كما يتناول التحديات التي واجهها في مسيرته السياسية وعلاقته السلبية مع قيادات الجمهوريين بالكونغرس لأسباب مختلفة

أما تفسير هذا التناقض فيكمن في إيمان ماكين بما يسمى سياسات "العظمة الأميركية" التي تؤمن ببناء أميركا عظيمة ليبرالية في الداخل يخشاها أعداؤها في الخارج

لذا يرحب ماكين بتبني سياسات داخلية ليبرالية ترحب بالمهاجرين وبحقوق الأقليات وبمصالح الطبقات الفقيرة والمتوسطة إلى حد ما، وتتعالى عن الحروب الثقافية الداخلية الضيقة وعن الصراع التقليدي بين اليسار واليمين الأميركيين

في الوقت نفسه يريد ماكين الحفاظ على الأحادية الأميركية والسيادة على العالم، كما يطمح إلى إعادة بناء العالم على شاكلة ترضي أميركا وتضمن إطالة عصر القطبية الأحادية، وذلك من خلال إطلاق مشاريع دولية عملاقة مثل "تحالف الديمقراطيات" الذي يدعو ماكين إلى تشكيله ليضم الدول الديمقراطية ويكون بديلا عن الأمم المتحدة في القضايا الكبرى المستعصية عليها مثل قضية إيران، وكي يوحد جهود الدول الحليفة لأميركا في مواجهة الدول الكبرى المواجهة لها كروسيا والصين والدول التي قد تتحالف معها

الشرق الأوسط

أما مواقف ماكين تجاه الشرق الأوسط فيتناولها الكتاب بالتفصيل في جزئه الثاني، حيث يؤكد المؤلف في بدايته أن الفصل مخصص للرصد المتمهل لمواقف ماكين منذ عام 1983 وحتى الآن تجاه عدد من أهم قضايا الشرق الأوسط الحالية، دون التسرع في إصدار الأحكام على تلك المواقف أو محاولة وضع تفسيرات شاملة لها

فهدف الجزء الثاني هو الرصد والتوثيق والتنقيب في مواقف ماكين وجذورها

أما الحكم على تلك المواقف فمتروك إلى الجزء الثالث والأخير الذي يسعى إلى وضع تصور عام عن رؤية ماكين للسياسة الخارجية الأميركية بشكل عام ولدور أميركا في العالم، وعن الدوائر السياسية المحيطة بماكين والمؤثرة على مواقفه تجاه السياسة الخارجية والشرق الأوسط

وفيما يتعلق بتشدد ماكين تجاه قضايا الشرق الأوسط فهو يبرز على عدة مستويات، يأتي على رأسها ما يلي

أولا: وقوف ماكين موقفا متشددا من العراق مطالبا بتغيير نظام الرئيس العراقي صدام حسين منذ عام 1998

كما برز ماكين كأحد أهم الداعين إلى حرب العراق والمساندين له خارج الإدارة الأميركية بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، واستمر دعمه للحرب بعد الغزو وبعد ارتكاب الإدارة الأميركية العديد من الأخطاء هناك، وهي أخطاء انتقدها ماكين نفسه من باب الحرص على المشروع الأميركي بالعراق

ثانيا: موقف ماكين تجاه إسرائيل غاية في التشدد، فهو لا يكاد يمتلك الإرادة أو الرغبة في الدفع بعجلة عملية السلام بالمنطقة، ويفضل -على النقيض- سياسة فصل الفلسطينيين عن الإسرائيليين حتى يغير الفلسطينيون أنفسهم

بل إن ماكين طالب بعد أحداث سبتمبر/أيلول بأن تعمل أميركا على تغيير العالم العربي كله كي يقبل بإسرائيل، وذلك حين طالب بالدفع بعجلة سياسة نشر الديمقراطية على أمل تغيير النظم العربية الدكتاتورية وإحلالها بنظم تؤمن بالحداثة والتقدم والديمقراطية والحرية وتساند أميركا وتقبل بإسرائيل وتقبل على الاعتراف بها وتحقيق السلام معها

ثالثا: يعد ماكين وفريق المستشارين المحيطين به من أشد الداعين إلى تبني سياسة المواجهة مع إيران وسوريا خارج الإدارة الأميركية، حتى أن البعض يرى أن ماكين امتداد وربما جزء من حملة الإدارة الأميركية ضد إيران

رابعا: سياسة نشر الديمقراطية التي تبناها ماكين أخذت منحنى جديدا بعد أحداث سبتمبر/أيلول ارتبط كثيرا بتصور شامل أراد فيه ماكين إعادة بناء الشرق الأوسط على شاكلة ترضي أميركا وإسرائيل، لا انطلاقا من رغبة حقيقية في إعطاء شعوب المنطقة فرصة حقيقية لممارسة الديمقراطية واختيار من يمثلونها والسياسات التي يريدونها

خامسا: فيما يتعلق بالموقف من الإسلام والمسلمين فيردد ماكين العلماني مقولات يمينية متشددة ومنغلقة تصور الصراع بين أميركا والجماعات المتشددة التي ترفع شعارات إسلامية كصراع قيمي أيدولوجي طويل المدى يشن فيه الإرهابيون حربا لتدمير الحضارة والقيم الأميركية بسبب كراهيتهم العقائدية لتلك القيم، وبذلك يهمل ماكين –كما ذكرنا– الأبعاد المختلفة للصراع ودور السياسات الأميركية الخاطئة فيه

كما يتناول الجزء نفسه تطور مواقف ماكين السياسية تجاه مصر والسعودية وسوريا والتي يخصها ماكين بقدر كبير من الاهتمام في خطابه السياسي

الولاية الثالثة للمحافظين الجدد

الجزء الثالث والأخير من الكتاب يبدأ بتعريف للمحافظين الجدد وأجيالهم المختلفة وبعض أهم رموزهم ومسيرتهم السياسية والتحديات التي واجهوها بعد تعثر المشروع الأميركي في العراق وتواجدهم في أوساط الجمهوريين خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2008

وبعد ذلك يرصد الكتاب علاقة ماكين بالمحافظين الجدد والتي تعود إلى منتصف التسعينيات، ويوضح أن ماكين ليس واحدا من المحافظين الجدد من حيث النشأة، ولكنه تبنى مواقفهم بوضوح منذ منتصف التسعينيات

وقد برز في قيادة التيار الصقوري وسط الحزب الجمهوري الأميركي، لذا ساند المحافظون الجدد ماكين في انتخابات عام 2000 وفضلوه على بوش

كما تواجدوا بكثرة في الدوائر المحيطة به وبين بعضهم أهم مستشاريه السياسيين، حيث أكد بعضهم على العلاقة المباشرة التي تربط ماكين ببعض أهم رموز المحافظين الجدد

ويضع الكتاب في صفحاته الأخيرة تصورا عاما لرؤية ماكين للسياسة الخارجية الأميركية بصفة عامة، مؤكدا على التشابه الكبير والتداخل بين رؤيته ورؤى المحافظين الجدد

ويتنبأ الكتاب بأن فوزه بالانتخابات إعلان لولاية ثالثة للمحافظين الجدد، مع احتمال أن يضطر ماكين للمهادنة في مواقفه السياسية بسبب التحديات التي تواجهها السياسة الأميركية حاليا في الشرق الأوسط، ولكن الكتاب يرى أن مثل هذه المهادنة تكتيكية مؤقتة تزول بزوال أسبابها

Thursday, August 28, 2008


خبر نشرته الجزيرة نت عن كتابي عن جون ماكين

جون ماكين والشرق الأوسط والولاية الثالثة للمحافظين الجدد





منقول عن الجزيرة نت

نص الخبر

حذرت دراسة جديدة صدرت عن مركز الجزيرة للدراسات من تشدد المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية جون ماكين في مواقفه تجاه الشرق الأوسط، في حال فوزه بانتخابات الرئاسة في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل


وأشار مركز الجزيرة في الدراسة إلى أن ماكين روّج لعدد من أكثر سياسات إدارة الرئيس الحالي جورج دبليو بوش تشددا تجاه الشرق الأوسط قبل أن يتبناها بوش نفسه

كما ذكر أن من بين تلك السياسات تغيير "النظم المارقة" وحرب العراق، وإعادة بناء الشرق الأوسط، والتخلي عن عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية في صورتها الحالية، حيث يؤمن ماكين بأن حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يكمن في الفصل بين الطرفين من خلال بناء حائط الفصل واعتماد القوة الإسرائيلية
وتتكون الدراسة الصادرة تحت عنوان "جون ماكين والشرق الأوسط والولاية الثالثة للمحافظين الجدد" من ثلاثة أجزاء، يتناول أولها شخصية ماكين ومسيرته السياسية منذ عام 1983 وعلاقته بحزبه الجمهوري والأحداث السياسية الكبرى التي صاغت مواقفه السياسية

ويرصد الجزء الثاني تطور مواقف ماكين السياسية تجاه عدد من أهم قضايا الشرق الأوسط وعلى رأسها حرب العراق، وعملية السلام، والموقف من أسلحة إيران النووية، ومن قضية نشر الديمقراطية بالعالم العربي. كما يتعرض لرؤية ماكين لعلاقة أميركا تجاه الدول العربية الكبرى كمصر والسعودية وسوريا، هذا إضافة إلى تحليل صورة الإسلام في خطاب ماكين السياسي
في حين يسعى الجزء الأخير من الدراسة إلى بناء تصور عام عن نظرة ماكين للسياسة الخارجية الأميركية، من خلال رصد الدوائر السياسية المقربة منه على صعيد السياسة الخارجية وعلى رأسهم المحافظون الجدد
ويقول علاء بيومي (معد الدراسة والباحث بالشؤون الأميركية) إن "مواقف ماكين السياسية يعتريها تناقض واضح بين مواقفه الداخلية التي تميل للانفتاح والليبرالية أحيانا ونظرته للسياسة الخارجية الأميركية التي تعتريها نظرة صقورية متشددة ومستمرة منذ منتصف التسعينيات إلى الآن" مضيفا أن تقارب ماكين مع المحافظين الجدد يمثل مفتاحا هاما لفهم هذا التناقض ولفهم سياساته الخارجية بصفة عامة

ويؤكد مدير مركز الجزيرة للدراسات أن "سياسات إدارة بوش وضعت الولايات المتحدة في قلب المنطقة ووضعت قضايا عربية حيوية على أجندة الناخب الأميركي في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقرر عقدها في نوفمبر المقبل، ومن هذا المنطلق تأتي أهمية دراسة مواقف المرشحين الرئاسيين دراسة دقيقة من منظور عربي"

ويضيف د. مصطفى المرابط أن المركز يعتزم إصدار دراسة ثانية لمواقف المرشح الديمقراطي باراك أوباما تجاه قضايا الشرق الأوسط المحورية، حتى يتسنى للمعنيين العرب المقارنة بين مواقف ماكين وأوباما تجاه أهم قضايا العالم العربي مقارنة دقيقة


ويخلص مركز الجزيرة في دراسته إلى أن تركة بوش "السلبية الثقيلة" بالشرق الأوسط قد تضطر ماكين للمهادنة، سيما وأن الأخير معروف بالبراغماتية السياسية وأنه حريص بشدة على إنجاح المشروع الأميركي بالعراق


ولكن الدراسة حذرت من أن مهادنة ماكين قد تكون مؤقتة نظرا لمواقفه الصقورية الراسخة، والتي تؤمن بتغيير الآخر لكي يتماشى مع الرؤى الأميركية وبتحقيق الأهداف ولو بعد حين

Thursday, May 15, 2008

المثقف الأميركي والسلطة ... المحافظون الجدد نموذجا
بقلم: علاء بيومي

الناشر:
مجلة آراء، أبريل 2008، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

مقتطفات
...
المثقف كما يري نورمان بودهوريتز - أحد أهم مؤسسي تيار المحافظين الجدد - يجب أن يختلط بالجماهير ورجل الشارع ويشعر بمعاناتهم ويكتب لهم سعيا للفوز بتأييدهم وبدعمهم المالي، كما يجب أن يحصل على أمواله من بيع كتاباته ومن المحاضرات التي يلقيها، وهي بدون شك مصادر صعبة وشحيحة للرزق، مصادر تحتم على المثقف النزول لرجل الشارع والحديث على مستواه، كما تحتم عليه المعاناة وهي من شروط الإبداع، وتربطه بالجماهير وتوعيه بحاجاتها وهي من المتطلبات الرئيسية لدور المثقف السياسي والذي ينبغي عليه التقرب من السلطة ورجالها والسعي لإقناعهم بأفكاره على أمل العمل معهم بما يمكنه من تطوير أفكاره السياسية وتطبيقها واختبار صحتها للعودة مرة أخرى بعد انقضاء فترة خدمته السياسية إلى معترك الحياة الثقافية ليكتب من جديد ويعرض أفكاره على الجماهير في انتظار فرصة جديدة للتجربة السياسية
...

أما الأكاديمي أو الأستاذ الجامعي – في بعض صوره الحالية – فقد تحول إلى خطر على المثقف الأميركي – كما يرى بودهوريتز – لأن أستاذ الجامعة تحول إلى موظف حريص على إرضاء رؤسائه من خلال الكتابة في مواضيع شديدة التخصص لا يفهمها سوى أساتذته إن فهموها، كما بات معزولا يكتفي بتأدية الحد الأدنى من متطلبات وظيفته التي تمنحه راتبه الشهري
...

على المنوال نفسه يشجع هارفي مانسفيلد المثقفون على خوض المعارك الفكرية دفاعا عن مبادئهم السياسية، ومن المعروف أن هارفي مانسفيلد يعمل أستاذا للعلوم السياسية بجامعة هارفرد منذ الستينات، وهو أحد أنبغ وأوفي طلاب ليو ستراوس الأب الروحي أو الفكري لتيار المحافظين الجدد، ويتميز مانسفيلد بكتابته الفلسفية السياسية العميقة والتي تتخصص في إعادة تأويل كتابات مفكري العصور الغربية الوسطى الكبار، وهي كتابات في غالبيتها معقدة قد تعجز على القارئ العادي أو حتى المتخصص، ومع ذلك يحرص مانسفيلد على كتابة بعض المقالات القصيرة في مجالات المحافظين الجدد وعلى رأسها مجلة ذا ويكلي ستاندرد والتي يرأس تحريرها ويليام كريستول نجل إيرفينج كريستول
....

فبين حين وأخر ينشر مانسفيلد مقالا بالمجلة يبدو سطحيا في كثير من الأحيان ولا يرتقي لمستوى كتب مانسفيلد الفلسفية المعقدة للغاية، ولكنها مقالات تعبر عن التزام مانسفيلد بدور المثقف الحريص على التخاطب مع الجماهير وخوض الصراعات الفكرية، والتي يشبهها مانسفيلد بساحة الحرب مشجعا المثقفين على تلطيخ أيديهم بدماء أعدائهم الفكرية، وهي استعارة يبدو أن مانسفيلد اقتبسها من كثرة قراءته لكتابات مفكري العصور الوسطى، حتى أن مانسفيلد يبدو أحيانا أحد هؤلاء الفرسان وقد بثت فيه الحياة بالقرن الحادي والعشرين راكبا فرسا ومستلا قلمه
....

أما إيرفينج كريستول رفيق كفاح بودهوريتز ومؤسس مجلة ذا ناشيونال إنتريست الأكاديمية فيقول البعض أنه احتل مكانته المركزية لدى تيار المحافظين الجدد ليس فقط بقدرته على الكتابة البسيطة والتنظير وتأسيس المجلات ومراكز الأبحاث ولكن لتفوقه في مجال بناء علاقاته بكبار السياسيين وأثرياء المحافظين الذين ساعدوه على دعم تلاميذه من المحافظين الجدد ماليا من خلال دعم مراكز أبحاثهم وسياسيا من خلال فتح أبواب المؤسسات الحكومية أمامهم للتدرب واكتساب الخبرة السياسية اللازمة لاختبار أفكارهم السياسية
....

استراتيجيات الهيمنة الثقافية

بناء على الرؤية السابقة لدور المثقف السياسي يتبنى المحافظون الجدد عدد من الإستراتيجيات الواضحة لتحقيق رؤاهم، والتي يمكن تخليصها فيما يلي:

أولا:
....

للإطلاع على النص الكامل للمقال أضغط
هنا

Sunday, February 17, 2008

نورمان بودهوريتز وإستراتيجية بوش والحمل الإسرائيلي
مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، فبراير 2008

نص المقال

مؤتمر أنابوليس وزيارة بوش للمنطقة والهجمة الإسرائيلية الشرسة على قطاع غزة تحثنا على قراءة كتابات وأفكار نورمان بودهوريتز أحد أهم مؤسسي تيار المحافظين الجدد لما يتميز به من شجاعة في الاعتراف بأفكار سياسية يمينية يصعب العثور عليها في مكان أخر خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط

أسد المحافظين الجدد

حياة وأفكار نورمان بودهويتز يرى فيهما البعض تأريخا لتطور تيار المحافظين الجدد فكريا وسياسيا، فبودهوريتز هو ابن لبان يهودي هاجر لأميركا هربا من اضطهاد أوربا لليهود، وتمكن في الثلاثينات من عمره رئاسة تحرير مجلة كومنتاري الصادرة عن اللجنة اليهودية الأميركية، وهي إحدى أكبر المنظمات اليهودية الأميركية، وكان هدف المجلة هو السعي لإيجاد قناة ثقافية يهودية أميركية تربط يهود أميركا فكريا بعضهم البعض وبمثقفي المجتمع الأميركي، ومن ثم تقود عملية اندماج اليهود المهاجرين في مجتمعهم الجدد

كما لم يخيب كومنتاري الآمال المعقودة عليه وعلى جيله من المثقفين اليهود الأميركيين فقد تحولت كومنتاري في أوائل الستينات وتحت قياده إلى منبر يستقطب كبار المفكرين اليساريين بأميركا، ولكن بمرور الوقت بدأ بودهوريتز يشعر بمشكلة مع اليسار الأميركي الجديد خاصة مع شعوره القوي بالحاجة للدفاع عن إسرائيل بعد حرب عام 1967، وشعوره بخطر صعود اليسار السياسي الأميركي الجديد في الستينات، وبأن ذلك اليسار الجديد بات معاديا لإسرائيل ولأميركا وقيمها التقليدية إلى حد كبير، وأن محاربة هذا اليسار ضرورة أولية لكي يتمكن بودهوريتز من تحقيق أهدافه السياسية الأخرى

لذا تحولت كومنتاري ومعها بودهوريتز تدريجيا نحو اليمين، ولم يكن تحولهما صامتا أو خافتا بل كان ثائرا غاضبا كعادة بودهوريتز والذي يتميز في كتاباته بعدم تردده في كيل النقد لخصومه الفكريين لدرجة أقلقت أصدقائه قبل أعدائه، حيث يؤكد بودهوريتز في مذكراته على أن طموحه يمثل بالنسبة له شهوة عارمة يصعب التحكم فيه تفوق "الشهوة الجنسية" وفقا لتعبيره، ورغبته في الظهور والشهرة والثناء لا تشبع، وأن معاركه الفكرية كالمعارك الحربية لا تنتهي إلا بسفك دماء خصومه والقضاء عليهم، ولعل ذلك ما دفع بعض الصحفيين بتلقيبه "بأسد المحافظين الجدد"

حروب بودهوريتز

وتقوم حروب بودهوريتز على إستراتيجية فكرية يكررها باستمرار، إستراتيجية تقوم على الشعور بوجود عدو خارجي خطير يهدد الولايات المتحدة ويحتاج لحرب عالمية ضده، لذا يسمى بودهوريتز الحرب الباردة بالحرب العالمية الثالثة، وينادي في كتاب جديد نشره في عام 2007 بأن أميركا تخوض من 11-9 الحرب العالمية الرابعة ضد ما يسميه "بالإسلام الفاشي"، وفي الحالتين يرى بودهوريتز أن أعداء أميركا دوليين أصحاب أجندة دولية ورغبة في الدمار العالمي وهزيمة أميركا وإسرائيل، كما يرى أن أميركا ليس أمامها بديل سوى حشد كل قواها لمحاربة العدو الخارجي في حرب لا هوداه فيها، فحروب بودهوريتز لا تعترف إلا بالهجوم المستمر لإجبار العدو على التراجع والانهيار في أقرب فرصة

ويعود تلك الأفكار إلى إيمان بودهوريتز أن القوى العالمية الكبرى تهاونت في مقاومة النازية خلال فترة ما بين الحربين العالميتين مما ساعد هتلر على شراء مزيد من الوقت لناء جيشه وارتكاب ما ارتكبه خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية من جرائم

لذا انتقد بودهوريتز كارتر بسبب مساعيه للحوار مع السوفيت ومهادنته لهم مما سمح بسقوط أفغانستان في يد السوفيت، كما انتقد بودهوريتز رئيس الوزراء السابق بنيامين نتانياهو على مهادنة عرفات والاستمرار في "عملية السلام" التي يعارضها بودهوريتز

الدفاع عن بوش والحرب العالمية الرابعة

وتشير الكتابات الصحفية أن بودهوريتز لم يلتق بوش إلا مرات قليلة جدا، وهذا يعني أن نفوذ بودهورتيز لدى بوش وعلاقته بإدارته تتخطى العلاقات المباشرة لتصل إلى ما غير ذلك، فعديد من أهم رموز المحافظين الجدد هم من أصدقاء وتلاميذ وإتباع بودهوريتز، ويكفي هنا الإشارة إلى أن إليوت إبرامز نائب مستشار الأمن القومي الأميركي هو زوج لإحدى بنات بودهوريتز

ويكن بودهوريتز قدرا كبيرا من الاحترام لبوش وسياساته ويدافع عنهما باستمرار، وذلك لأن بوش كما يرى بودهوريتز أول رئيس أميركي خلال فترة الحرب العالمية الرابعة، حيث يحلو لبودهوريتز تشبيه بوش بالرئيس الأميركي السابق هاري ترومان، والذي حكم أميركا في الفترة من 1945 إلى 1953، ليكون أول رئيس يحكم أميركا في الفترة التالية لنهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة والتي يطلق عليها بودهوريتز الحرب العالمية الثالثة، ويشيد بودهوريتز بعظمة ترومان لأنه أعد أميركا لخوض الحرب الباردة

ولكنه يقول أن أميركا لم تنتصر في الحرب الباردة إلا بعد ثلاثة عقود من ولاية ترومان، وأن استعداد ترومان للحرب العالمية الثالثة لا يقارن باستعداد بوش للحرب العالمية الرابعة، وهنا يشيد بودهوريتز بالتغييرات التي أدخلها بوش على سياسة أميركا في بداية الحرب العالمية الرابعة والتي بدأت في 11 سبتمبر 2001، ويطلق على تلك التغييرات في العادة اسم "عقيدة بوش" والتي تقوم على النظر للحرب على الإرهاب على أنها حرب عالمية تستغرق أجيالا وتتطلب مواجهة الجماعات الإرهابية والدول المساندة لها بشكل استباقي إجهاضي عسكري أحيانا والسعي لنشر الديمقراطية عبر العام كخير وسيلة لهزيمة الدكتاتوريات والتي تمثل السبب الأساسي لصعود الإرهاب كما يرى بودهوريتز

ويرى بودهوريتز أن أفكار بوش السابقة عبقرية وأنها تمثل نقلة نوعية في السياسة الخارجية الأميركية، وأن بوش لم يكتف بتقليد سابقيه، بل قام بإجراء تعديلات كبيرة على السياسة الخارجية الأميركية سوف يتبعها من يأتي بعده

ويقول بودهوريتز أن التحديات التي يواجهها تطبيق عقيدة بوش عبر العالم خاصة في العراق لا يجب أن تقلق مسانديه للأسباب التالية، أولا أن أي سياسية بها تكتيكات وبها إستراتيجية عامة، وأن مساندي بوش قد يختلفوا معه في بعض التحركات التكتيكية، ولكن ذلك لا يجب أن يدفعهم إلى الخلاف معهم لأنهم لا يدركون إستراتيجيته العامة الشاملة والتي سوف تقود للنجاح في النهاية

وثانيا: لأن أعداء أميركا عبر العالم وخاصة الدول الديكتاتورية سوف تسعى لإفشال إستراتيجية بوش وسياساته خوفا على مصالحهم، وهو شيء متوقع يجب أن ينتبه له مساندي بوش ولا يقلقهم

ثالثا: أن أي سياسة معرضة للاختلاف حولها النابع من الاختلاف الطبيعي في وجهات النظر، وأن الخلاف مع بوش في بعض سياساته في العراق مثل سياسة عزل البعثيين بعد غزو العراق هو خلال طبيعي نابع من اختلاف وجهات النظر وليس خلافا جوهريا يفترض الصواب أو الخطأ المطلقين

لا وجود لعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية

أما أحد أهم أسباب إعجاب بودهوريتز ببوش فهو موقف الأخير من عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، وذلك لأنه بودهوريتز - وهو من المعارضين المتشددين لأوسلو - يرى أن لا سلام يمكن تحقيقه بين العرب وإسرائيل خلال هذه الفترة عن طريق المفاوضات، وذلك لإيمانه بأن المسلمين والعرب يكرهون إسرائيل ولا يريدون بقاءها ويريدون التخلص منها في أقرب فرصة، وأن اتفاقاتهم معها ليست إلا هدنة يشتري بها العرب الوقت والدعم للاستعداد لإزالة إسرائيل، ولتشويه صورة إسرائيل من خلال إرسال الفلسطينيون أطفالهم للموت أمام كاميرات الإعلام، وحمل المصابين لكاميرات التلفزيون لتصوريهم

ويرى بودهويتز أن لا يوجد اختلاف بين ياسر عرفات ومحمود عباس أو أحمد قريع فالأخيرين هم من رجال عرفات وساندو سياساته لسنوات، وأن تضليل الإسرائيليين بإقناعهم بالتعايش مع اليهود في سلام هو بمثابة وضع الحمل مع الأسد، وأن لابد وأن يأتي يوم لينقض فيه الأسد الفلسطيني على الحمل الإسرائيلي الذي لا يريد سوى السلام والبقاء على أرض أجداده

ويشير بودهوريتز أكثر من مرة في مقالاته إلى ابنته الإسرائيلية والتي تعيش في إسرائيل منذ أكثر من ربع قرن أكثر تشددا منه، وإلى ابنها الذي يخدم في الجيش الإسرائيلي أكثر تشددا من كليهما، وأن اليهود المتدينين الذي يخدمون في الجيش الأميركي أكثر تشددا منهم جميعا

ويقول أن أحلام رابين بالسلام كانت واهية، وأن تخيلات بيريز أوهي منها، وأن الحل يكمن في إسرائيل قوية على حدود آمنة لا تلتزم بحدود عام 1967 الواهية

ويقول أنه وجد ضالته في شارون ومن خلفه بوش، لذا دعا بودهوريتز ابنته للثقة في شارون وفي خطته للانسحاب الأحادي من غزة وفي حائط الفصل الذي يبنيه، خاصة وأن بوش من وراءه

إسهام بوش

ويرى بودهوريتز أن عظمة بوش وتأثيره على مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو قدرته على تغيير السياق العام الذي يجري فيه الصراع والمفاوضات، حيث رفض بوش كما يرى بودهوريتز أن يحذو حذو سابقيه في المساواة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في المسئولية عن العنف حيث دأبت إدارة بيل كلينتون على مطالبة الفلسطينيين والإسرائيليين بوقف دوامة العنف ولومهما معا على استمرارها، ولكن بوش – كما يشيد بودهوريتز – تخلى عن ذلك، وحمل الفلسطينيين مسئولية وقف العنف وطالبهم بتغيير قيادتهم وتبني قيادة ترفض "العنف والإرهاب" بشكل مطلق قبل بداية المفاوضات

وبهذا غير بوش مسار الصراع العربي الإسرائيلي بوضعه المسئولية كاملة على الفلسطينيين، ولما طرحت "خارطة الطريق" وفكرة "اللجنة الرباعية" وهي مبادرات يكرهها بودهوريتز لأنها تأتي من وزارة الخارجية الأميركية والأمم المتحدة والتي يرى أنها كيانات معادية لإسرائيل، حرص بوش على آلا تفرض تلك الكيانات سقف زمني معين على إسرائيل

هذا إضافة إلى سعي بوش لنشر الديمقراطية بالشرق الأوسط، وهي مبادرة يساندها بودهوريتز بكل طاقته ويدافع عنها، حيث يرى أن العرب ومسانديهم يروجون لمقولة أسطورية تقول أن إحلال السلام بين العرب والإسرائيليين هو حجر الأساس لبناء السلام والاستقرار ومكافحة العداء لأميركا في الشرق الأوسط، وهي مقولة يرفضها بودهوريتز والذي يرى أن الشرق الأوسط منطقة غير مستقرة لأسباب كثيرة على رأسها وجود الديكتاتوريات، وعادة ما يضرب بودهوريتز المثل بحروب المنطقة خلال العقود الأخيرة، حيث يقول أن الشرق الأوسط شهد منذ تأسيس إسرائيل عدد كبير من الحروب، وأن كثير من تلك الحروب والصراعات لا يرتبط بإسرائيل، وأنه بعضها - مثل الحرب العراقية الإيرانية - أوقع ضحايا أكثر من الذي أوقعتهم جميع حروب العرب مع إسرائيل

لذا يرى أن عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بشكلها الراهن لن تؤدي للسلام ولن تؤدي لاستقرار الشرق الأوسط، بل ستضع الحمل مع الأسد ليس أكثر، وأنه لا حل أمام إسرائيل سوى تقوية نفسها لمواجهة كراهية العرب لها والتي يؤكدها إعلانهم "الجهاد" ضدها بشكل متكرر، وأن تستمر إسرائيل في بناء قوتها حتى تحدث المفاجأة التاريخية ويقتنع العرب بإسرائيل، فالسلام بين العرب وإسرائيل يتوقف لدى بودهوريتز على عامل واحد وهو تغير موقف العرب وقلوبهم إيجابيا تجاه إسرائيل

وفي الخاتمة نؤكد على أننا حرصنا على عرض أفكار بودهوريتز بأكبر قدر من الأمانة العلمية بغض النظر على موقفنا منها، أما التعليق فنتركه للقارئ
----
مقالات ذات صلة

Sunday, February 10, 2008

ماكين في مواجهة دروس البروتستانت التبشيريين القاسية
مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 10 فبراير 2008

نص المقال

فوز مايك هاكابي على جون ماكين في ولايتي كنساس ولويزيانا في الانتخابات التمهيدية التي جرت في التاسع من فبراير الجاري هو بمثابة رسالة قوية يوجها البروتستانت التبشيريون (US Evangelicals) لجون ماكين مفادها أنهم عازمون على تلقينه درسا سياسيا قاسيا يقضي بضرورة الانصياع لهم لو كان راغبا في الفوز بدعمهم في نوفمبر المقبل

فوز هاكابي الأخير يأتي في أول انتخابات تمهيدية تعقد بعد "الثلاثاء الكبير" والذي شهد تقدم ماكين تقدما صريحا على منافسيه مما دفع أقربهم – حاكم ولاية ماستشوتس السابق مت رومني – لإعلان انسحابه من السباق الانتخابي

انسحاب رومني دفعته أسباب شخصية وسياسية واضحة، فالرجل فضل حفظ ماء وجهه بعد أن شعر بصعوبة الفوز بترشيح الحزب

والمعروف أن والد رومني – حاكم مشيجان السابق جورج رومني – سعى هو الأخر لفوز بترشيح الجمهوريين للرئاسة في الستينيات – وفشل، وأن رومني ينتمي للطائفة المسيحية المورمانية، وهي طائفة لا تحظى باعتراف كافي من قبل التيارات المسيحية الرئيسية بأميركا

ويبدو أن رومني المعروف بتدينه أراد أن يحقق بعض الاعتراف السياسي بدور أبناء طائفته في المجتمع الأميركي من خلال حملته السياسية مستخدما ثروته الشخصية الضخمة التي أنفق منها بسخاء على حملته، ولما تيقن من صعوبة الفوز بترشيح الجمهوريين – وهو أمر كان مشكوك فيه منذ البداية – فضل الانسحاب وهو الرجل الثاني في السباق

انسحاب رومني وضع ماكين في مواجهة مباشرة مع قواعد الحزب الجمهوري الأكثر تشددا والتزاما أيدلوجيا وهم المسيحيون المتدينون أو البروتستانت التبشيريين والذين ساعد تحالفهم التدريجي مع الحزب الجمهوري منذ أوائل السبعينات في تصاعد نفوذ الحزب الجمهوري وسيطرته على البيت الأبيض والكونجرس بمجلسيه تدريجيا حتى وصل إلى قمته في انتخابات عامي 2002 و2004

ويقول المتابعون أن البروتستانت التبشيريين يمثلون ثلث القواعد الجماهيرية الجمهورية وهي نسبة لا يستهان بها، ويبدو أن وجود رومني كان بمثابة حائط صد هاما بينهم وبين ماكين، فرومني أكثر محافظة من ماكين ولكنه أكثر ليبرالية من مرشح البروتستانت التبشيريين المفضل مايك هاكابي

حيث استطاع رومني خلال فترة وجوده في السباق الانتخابي اقتسام صوت المسيحيين المتدينين مع هاكابي، ولعل هذا سر تشاحنهما وتلاسنهما خلال الحملة الانتخابية، واستمر ذلك حتى انسحب رومني والذي اجتذب الأصوات الأكثر اعتدالا وسط البروتستانت التبشيريين

بعد انسحاب رومني رفض هاكابي الانسحاب من السباق الانتخابي مؤكدا على رغبته في البقاء للنهاية وتوحيد أصوات المسيحيين التبشيريين حوله

وفي هذا السياق جاء فوز هاكابي في ولايتي كنساس ولويزيانا في التاسع من فبراير ليؤكد خطورة دور هاكابي وأن البروتستانت التبشيريين عازمين على تلقين ماكين درسا سياسيا قاسيا من خلال دعمهم لهاكابي مفاده استعدادهم لإحراج ماكين سياسيا بتفضيل مرشح مغمور ولا يمتلك دعما ماليا كافيا – وهو هاكابي حاكم ولاية أركنسو السابق – على ماكين الذي يعد أحد أشهر الشخصيات السياسية الأميركية على الإطلاق والمنحدر من عائلة عسكرية معروفة وسجين الحرب السابق

وهذه ليست أول مرة يوجه فيها البروتستانت التبشيريون الرسالة السابقة لماكين فقد سبق وفضلوا عليه حاكم ولاية تكساس قليل الخبرة والحنكة السياسية – جورج دبليو بوش – في انتخابات عام 2000 الرئاسية

والمعروف أن ماكين محافظ على المستوى الديني والأخلاقي ولكن علاقته بقادة تيار البروتسانت التبشيريين ليست إيجابية حيث سبق وأن وصفهم بعدم التسامح، كما أن ماكين معروف بشخصيته المستقلة واستعداده لمخالفة توجهات الحزب في قضايا هاما الضرائب والهجرة

ويعاني ماكين حتى الآن من رفض بعض أشهر الشخصيات الإعلامية المحافظة له من أمثال آن كالتر ورش ليمبو وشون هانيتي حتى أن بعضهم صرح قائلا بأنه على استعداد لتأييد هيلاري كلينتون ضد ماكين لو تطلب الأمر

المثير هنا أن المواجهة بين ماكين وقواعد الحزب الجمهوري الأكثر تدينا ومحافظة تأتي في وقت يكاد يجمع فيه الجمهوريون على ترشيح ماكين والذي يحظى بدعم نخب الحزب السياسية باعتباره المرشح الأكثر خبرة والأكثر اعتدالا مما قد يمكنه من الفوز بأصوات أكبر عدد من الناخبين المستقلين ومن ثم هزيمة الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية المقبلة

كما أن ماكين فاز بقدر من الأصوات الجمهورية يصعب وربما يستحيل على هاكابي تعويضه فيما تبقى من الانتخابات التمهيدية الجمهورية، وهذا يعني أن تأييد البروتستانت التبشيريين لهاكابي حاليا يهدف إلى الضغط على ماكين للاعتراف بسطوتهم والخضوع لهم من خلال تغيير مواقفه السياسية تجاههم وتجاه قضاياهم أو من خلال اختيار هاكابي – أو شخص مثله يحظى بمباركة البروتستانت التبشيريين – أو نائبا له في الانتخابات الرئاسية المقبلة

ما يقلق الجمهوريون من هذه المواجهة هو أنها قد تكون مؤشرا على خطر أكبر قادم في نوفمبر المقبل وهو انقسام الحزب على نفسه ومن ثم هزيمة ماكين والجمهوريين في الانتخابات المقبلة خاصة في حالة عجز ماكين على تعلم درس البروتستانت التبشيريين السياسي القاسي

Wednesday, February 06, 2008

من لا يحب جون ماكين؟
مقال: بقلم علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 5 فبراير 2008

نص المقال

سؤال يجب أن يوجه للجمهوريين أنفسهم فهم الذي عارضوا ماكين لسنوات وفضلوا عليه جورج دبليو بوش في انتخابات عام 2000 الرئاسية على الرغم من قدرات ماكين الشخصية والسياسية، والآن عادوا ليتحدوا من حوله على استحياء بعد أن بات في السبعين من عمره على أمل أن يحميهم من هزيمة يخشونها في الانتخابات الرئاسية المقبلة (نوفمبر 2008)، ولسانهم حالهم يقول: كنا نتمنى آلا نلجأ لجون ماكين

سؤال يحمل مفارقة تتطلب البحث في شخصية جون ماكين وعلاقة بحزبه الجمهوري وقياداته خاصة بعد أن أصبح ماكين أهم المتنافسين على ترشيح الحزب الجمهوري في الانتخابات التمهيدية الراهنة وأوفرهم حظوظا للفوز بهذا الترشيح

محارب من سلالة محاربين

خلفية جون ماكين الشخصية تجعله بطلا في عيون الكثير من الأميركيين كما هو الحال بالفعل، فماكين المولود في عام 1936 ينحدر من عائلة شغلت مناصب رفيعة بالبحرية الأميركية، فوالده قائد عسكري كبير قاد القوات الأميركية في بعض فترات حرب فيتنام، وجده قائد معروف، وماكين نفسه طيار سابق بالبحرية الأمريكية وأستاذ بكلياتها، رفض الاستمرار في التدريس وفضل الحرب، حيث شارك في حرب فيتنام، وتعرض لأكثر من مخاطرة كادت أن تودي بحياته، ونجا منها بأعاجيب باتت تدرس لطلبة البحرية الأميركية لتدريبهم على التعامل من الأزمات

ولكن ذلك لم يحمي ماكين من الوقوع في الأسر لخمس سنوات ونصف لدى قوات كوريا الشمالية والتي أذاقته مختلف أنواع التعذيب خاصة بعدما علمت أنه ابن قائد العمليات العسكرية الأميركية ضدهم وبعدما رفض إفراجهم عنهم خوفا من أن يستغلوا ذلك كوسيلة للدعاية عنهم، فلما رفض حيلتهم تشددوا في تعذيبه، حتى حاول الانتحار وذكر فيما بعد أن تعذيبهم له أوصله في لحظات لنقطة الانهيار

ورغم التعذيب والظروف القاسية خرج ماكين من الحرب برؤى سياسية عميقة ناقدة لواشنطن، حيث شعر بالشفقة على الفيتناميين من الأسلحة الفتاكة التي كان تلقيها عليهم الطائرات الأميركية، كما شعر في أكثر من مناسبة أن السياسيين الأميركيين بواشنطن كانوا لا يدركون ما يحدث على أرض الواقع ومع ذلك يتحكمون في مسار الحرب عن بعد حتى أنهم قيدوا أيدي قيادات الجيش الأميركي فلم يتركوا لهم حرة القضاء على العدو بالشكل الذي يرونه مناسبا ولا هم أعادوهم لأميركا وكفوهم وجنودهم شرور الحرب

وخلال سنوات وقوعه في الأسر تحول ماكين لبطل قومي خاصة في ظل معاناته وبسبب أسرته العريقة المشهورة، لذا لم يتعجب كثيرون من أن تلقى سيرة ماكين الذاتية نجاحا كبير وتساعده في حملته الانتخابية خلال عام 2000، حتى أن هوليود حولت سيرة ماكين الذاتية لأحد أفلامها

ساعد في ذلك طبيعة شخصية ماكين نفسها، فهو شخص واثق من نفسه حاد الطباع إلى حد ما، فضل الرياضات العنيفة كالملاكمة والمصارعة في أيام شبابه، وصاحب الحسناوت، وتزوج من عائلات ثرية، وعرف بمزاجه المتقلب ولسانه السليط والذي تطاول به على الرؤساء وزملائه بمجلس الشيوخ الأميركي وقادة اليمين المسيحي المتدين

وعرف فوق كل ذلك بشخصيته المستقلة واستعداده لمخالفة جميع أعضاء حزبه في مجلس الشيوخ إذا تطلب الأمر، وهو ما حديث مع ماكين في أكثر مناسبة

نائب جون كيري

الخصائص السابقة جعلت من ماكين أحد أشهر الساسة الأميركيين على الإطلاق وأكثرهم نفوذا، كما أكسبته احترام الكثير من الديمقراطيين والمستقلين، حتى يشاع أن ماكين كان اختيار السيناتور الديمقراطي جون كيري الأول كنائب له في انتخابات عام 2004 الرئاسية في مواجهة جورج بوش وديك تشيني، ولما رفض ماكين عرض كيري تحول الأخير إلى جون إدواردز

وفي تلك الفترة خرج ماكين للجماهير ليعلن مساندته لجورج دبليو بوش ولسياساته مما رفع أسهم ماكين عالية في أوساط الحزب الجمهوري وساهم أيضا في حشد الدعم خلف حملة جورج دبليو بوش الرئاسية (2004)

ولكن العوامل السابقة والتي جعلت من ماكين بطلا قوميا أميركا وأحد أشهر الساسة الأميركيين على الإطلاق لم تشفع لماكين لدى أبناء حزبه وخاصة القيادات المتدينة والأكثر محافظة في أوساط الحزب الجمهوري

فماكين معروف بمواقفه المحافظة دينيا والداعمة للتجارة الحرة وللحد من الإنفاق الحكومي والحد من برامج الرفاهية وهي جميعها مواقف جمهورية هامة

ولكن ماكين في نفس الوقت يحمل كثير من الأفكار المستقلة عن أبناء حزبه، كما يمتلك إصرارا وقدرة على معارضة الحزب وقيادة مشاريع سياسية ناجحة داخل مجلس الشيوخ ضد إرادة غالبية الجمهوريين

فماكين شارك مع السيناتور الليبرالي المعروف راسل فاينجولد في وضع وتمرير قوانين تحد من سيطرة المال على الانتخابات الأميركية في أوائل عام 2001، وهو تشريع أغضب قادة الحزب الجمهوري المعروف بأنه حزب الأثرياء

كما عارض ماكين سوء إدارة الرئيس جورج دبليو بوش ووزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد لحرب العراق في أكثر من مناسبة، وعارض معسكر جوانتانامو واستخدام القوات الأميركية للتعذيب في استجواب المعتقلين، وهي مواقف أثارت حفيظة الجمهوريين ضده خاصة وأن ماكين يمتلك مصداقية كبيرة لدى الشعب الأميركي فيما يتعلق بهذه القضايا لكونه سجين حرب سابق، وجرأته في معارضة الجمهوريين بخصوص قضايا كالتعذيب كانت بمثابة صفعات سياسية قوية للجمهوريين

كما عرف ماكين بمواقفه الداعمة للحد من استخدام الأسلحة الصغيرة، ولمساندته تشريعات تسمح للمهاجرين غير الشرعيين بالحصول على الجنسية الأميركية بشروط كحل لمشكلة الهجرة غير الشرعية بأميركا، كما يطالب بجهود أميركية أكبر على ساحة حماية البيئة ومواجهة مخاطر الاحتباس الحراري وهي جهود عارضتها إدارة بوش لفترة طويلة

وهذا يعني أن فوز ماكين بالرئاسة الأميركية سوف يعني وصول رئيس جمهوري للحكم يمتلك أجندة بها العديد من البنود الليبرالية التي تتعارض مع أجندة الحزب، وهو أمر أكسب ماكين عداء غلاة المحافظين والذين مازلوا يقفون ضده حتى الآن، وذلك من أمثال ثلاثي الإعلام اليميني المحافظ المعروف شون هانيتي وآن كالتر ورش ليمبو وهم من أشهر الكتاب والمذيعين والذي مازالوا يجاهرون برفض جون ماكين ممثلا لهم حتى يومنا هذا

أكثر من ذلك عرف ماكين بعلاقته العدائية وانتقاداته العلنية اللاذعة لبعض أكبر قيادات قوى اليمين المسيحي المتدين في أميركا (البروتستانت التبشيريين) من أمثال القس الراحل جيري فالويل، والقس بات روبتسون، حيث وصفهم ماكين بعدم التسامح

ويقول البعض أن علاقة ماكين السلبية بقادة اليمين المسيحي المتدين الذي ارتمى بوش في أحضانهم وتحدث إليهم بلغتهم على أنه واحد منهم كانت القشة التي قسمت ظهر البعير وساهمت في فوز بوش وهزيمة ماكين في انتخابات عام 2000 بعد أن كان ماكين متقدما على بوش في أوائل الانتخابات بحكم أن الولايات التي شهدت انتخابات تمهيدية في بداية السباق الرئاسي كانت ليبرالية إلى حد ما وسمحت بتصويت الليبراليين والمستقلين لصالح ماكين، ولكن مع مضي عجلة الانتخابات التمهيدية إلى الأمام ودخول الانتخابات مراحلها المتقدمة واحتكام الجمهوريين لولايات الوسط والجنوب والتي تعرف أغلبيات جمهورية أكثر تدينا ومحافظة مال البروتستانت التبشيريون لبوش فمالت كافته وفاز بالانتخابات وفشل ماكين وكان عمره في ذلك الوقت في أوائل السينات

إعادة اكتشاف جون ماكين

أما الآن وبعد ثمانية سنوات كاملة وبعد أن بات جون ماكين عجوزا في الحادية والسبعين من عمره، يرى البعض أن الجمهوريين أعادوا اكتشاف ماكين، وأن ماكين أعاد اكتشافهم، وأن الطرفين دخلا معا في زواج كاثوليكي خلال موسم الانتخابات الحالي تمليها الضرورة

فالخسائر التي مني بها الجمهوريون في انتخابات عام 2006 التشريعية، وتراجع شعبيتهم وشعبية رئيسهم وتردى الأوضاع في العراق، وضعف الاقتصاد الأميركي وقدرته على خلق وظائف جديدة على مدى السنوات الأخيرة، جعلت الأميركيين ينظرون للجمهوريين على أنهم حزب متشدد تحركه الأيدلوجية لا الوقائع، حزب يرفض الإنصات لصوت الحقيقة مفضلا الاستجابة لقواعده الجماهيرية المتشددة ولقادته المؤلدجين

هذه الصورة المقلقة للجمهوريين وامتلاك الديمقراطيين لمرشحين ليبراليين على غرار بارك أوباما قادرين على جذب أصوات الناخبين المستقلين من الحزبين دفعت الجمهوريون للبحث عن شخصية جمهورية قادرة على مواجهة أوباما والمد الديمقراطي الليبرالي، شخصية قوية ترضى غرورهم السياسي خاصة على الساحة الخارجية، ومستقلة تمكنهم من الفوز بأربع سنوات إضافية في البيت الأبيض

ويبدو أن ماكين المصمم على أن يصبح رئيسا لأميركا رغم تقدمه في العمر لم يتردد في قبول الفرصة، حيث بادر ماكين من جانبه لإعادة تقديم نفسه للناخبين الجمهوريين مبتدأ بإصلاح علاقته مع قادة اليمين المسيحي المتدين

كما تمكن ماكين من الحصول على دعم المحافظين الجدد حيث يضم بين مستشاريه بعض أهم قادتهم مثل ويليام كريستول وماكس باوت وروبرت كاجين، حيث بات ماكين يمثل بالنسبة لهم بطلا يتغنون باسمه بعد موقفه الداعم لزيادة القوات الأميركية بالعراق

ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن بعض أشد المحافظين الجدد تشددا في مساندة إسرائيل مثل مارتن كرايمر ودانيال بايبس ونورمان بدوهوريتز دعموا رودي جولياني والذي خرج من السباق الرئاسة مؤخرا، أما الثلاثي كريستول وباوت وكاجين فقد وجدوا ضالتهم في جون ماكين، وذلك لأنهم كان من أشد المعارضين لوزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد خلال فترة تدهور الأوضاع في العراق والتي سبقت انتخابات عام 2006 وأدت لهزيمة الجمهورية ولاستقالة رامسفيلد

حيث رأى هؤلاء أن إصرار رامسفيلد على تحقيق النصر بالعراق بأقل عدد من الجنود الأميركيين ورفضه إرسال مزيد من القوات هناك هو سبب رئيسي لتدهور الأوضاع الأمنية بالعراق، وقد وجود هؤلاء تأييدا ودعما قويا من ماكين والذي وقفا مدافعا عن سياسة زيادة القوات ورفض الانسحاب من العراق أو التفكير في خفض القوات هناك، وهي مواقف لم تكن مقبولة سياسيا في ذلك الحين، ومع ذلك ساندها ماكين حتى تحققت، ومع تحسن الأوضاع الأمنية في العراق نسبيا خلال الشهور الأخيرة رأي المحافظون الجدد أن مطالبتهم بزيادة عدد القوات الأميركية كانت في محلها وتحول ماكين بطلا لهم

أضف إلى ذلك مواقف ماكين الداعمة لإسرائيل والتي تحمل الفلسطينيين عبء توقف عملية السلام، وتطالبهم بوقف العنف كشرط للاستمرار في المفاوضات، كما يقف ماكين موقفا متشددا ضد إيران حيث يرى أنه لن يسمح لإيران بامتلاك أسلحة بامتلاك أسلحة نووية حتى لو أضطر لمهاجمتها عسكريا

ولكن مواقف ماكين المتشددة السابقة قد لا تكون كافية لحصد رضا قواعد الحزب الجماهيرية المتحفظة والمتشددة والتي يبدو أن مرغمة على الاستمرار في دعم ماكين خلال الانتخابات التمهيدية المقبلة انطلاقا من قاعدة أفضل الشرين، ولكن بعضهم مثل كالتر وهانيتي وليمبو ما زالوا يحذرون من خطورة التضحية بالأيدلوجية والمبادئ من أجل الوصول إلى سدة الحكم، فهل يضطر الجمهوريين لكي يحافظوا على كرسي الرئاسة أن ينتخبوا رئيسيا ينتقدهم علينا وينظر إليهم سلبيا في مرات عديدة؟ سؤال لن يجب عليه سوى الجمهوريون أنفسهم

-----

مقالات ذات صلة

صعود وسقوط مايك هاكابي

هيلاري كلينتون ... سيدة القصر الحديدية ترويض أوباما

مِتْ رومني: هل يأتي بجديد؟

جولياني: بوش المعدل

جون إدواردز بين إعلاء القيم الليبرالية وتجاهل معاناة الفلسطينيين

Sunday, February 03, 2008

صعود وسقوط مايك هاكابي
مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 2 فبراير 2008، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

التعرف على شخصية مايك هاكابي –أحد المتنافسين على تمثيل الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة - مفيد رغم حظوظه الضعيفة في الفوز بترشيح الجمهوريين، إذ ترتبط أهمية هاكابي السياسية بعلاقته الوثيقة بقوى البروتستانت التبشيريين السياسية واسعة النفوذ بأميركا

ولكونه يمثل –كما يرى كثيرون– جيلا جديدا من قيادات اليمين الأميركي المسيحي المتدين تتميز بقدر من التسامح والفكر الجديد الأمر الذي ساهم في صعود نجم هاكابي، ولكنه في نفس الوقت يروج لأفكار غاية في التشدد خاصة على صعيد السياسة الخارجية لدرجة تدعو للسخرية المخلوطة بالأسى والحسرة وتتنبأ بسقوطه عاجلا أو آجلا

رجل مسيحي متدين
هاكابي يعد مرشحا مثاليا لقوى اليمين المسيحي المتدينة بالولايات المتحدة والتي تعرف اختصارا باسم "البروتستانت التبشيريين". فهو قس سابق وخريج جامعة دينية، ومدافع صادق عن قضايا اليمين المسيحي المتدين على المستوى الأخلاقي وعلى رأسها قضيتا منع الإجهاض وحظر زواج الشواذ. فسجله ومواقفه الداعمة لتلك القضايا واضحة على عكس مرشح مثل مت رومني والذي يحاول خطب ود البروتستانت التبشيريين في الانتخابات الحالية، ولكنه يمتلك سجلا مختلطا بين دعم ورفض الإجهاض

كما أن صاحبنا يتحدث عن الدين والتدين وحاجة أميركا لهما بجراءة وصراحة يحسد عليها، ويؤكد على رفضه نظرية التطور وإيمانه بوجود خالق للكون وبدور الدين والإنجيل في حياة الأمة والمواطن الأميركي

وقد عمل هاكابي بداية حياته بمنظمات اليمين المسيحي بإحدى منظمات جيمس روبنسون، وهو أحد قيادات تيار البروتستانت التبشيريين وأحد مهندسي صعود التيار السياسي والإعلامي منذ سبعينيات القرن العشرين. ويقول روبنسون عن هاكابي إن "معتقداته تشكل شخصيته، وشخصيته سوف تشكل سياساته، وحياته كلها صيغت وفقا للقيم الأخلاقية الأصيلة" وهو أمر يجعل هاكابي يتفوق في نظر البروتستانت التبشيريين على مرشح مثل جون ماكين الذي سبق له وانتقد بعض أكبر قادة التيار السابق مثل القس الراحل جيري فالويل الذي وصفه ماكين بعدم التسامح

جيل جديد من قادة البروتستانت الإنجليكيين
ولكن العوامل السابقة مجتمعة لم تشفع لهاكابي لدى قادة البروتستانت التبشيريين حيث تشير تقارير مختلفة إلى تردد قادة التيار في دعم هاكابي لدرجة حيرته شخصيا، فهو الشخص الأكثر انتماء لهم وتعبيرا عن قضاياهم.
ويرجع البعض أسباب هذا التردد إلى أن هاكابي يمثل جيلا جديدا من قادة اليمين المسيحي المتدين بأميركا بشكل لا يرضي قادة التيار، وإن كان يغري شبابه وجيله الجديد

ويشير هؤلاء إلى أن قيادة تيار البروتستانت التبشيريين السياسي تمر بالفترة الحالية بمرحلة إحلال وتجديد لأسباب طبيعة وأخر سياسية. فغالبية قادة التيار أصابهم الهرم وبعضهم قضى نحبه مثل جيري فالويل، والكثيرون منهم تقدموا في العمر وباتوا عاجزين عن لعب دور سياسي. كما أنهم باتوا يمثلون جيلا قديما تقليديا ينتمي لعهد ولى، جيل غريب إلى حد كبير عن أجيال البروتستانت الشابة والتي نشأت في عصر الإنترنت وملت الإنصات إلى أفكار كبار قادة التيار التي باتت تقليدية

وهنا تأتي أهمية هاكابي المولود عام 1955 والذي يتميز بلباقة الحديث وخفة الظل والقدرة على عزف الموسيقى، فالرجل يحلو له الحديث عن ماضيه مع البدانة وكيف تخلص من وزنه الزائد عن طريق ممارسة الرياضة حتى أنه ألف كتابا عن إنقاص الوزن، كما أنه ينتهز الفرصة لعزف الموسيقى مع الفرق المحلية بالمدن التي يزورها كوسيلة مجانية للدعاية عن حملته الانتخابية

وهي خصائص شخصية تجعل الرجل مرشحا جذابا لدى شباب البروتستانت التبشيريين، أضف إلى ذلك طبيعة الأفكار التي يطرحها عن الدين خلال حملته السياسية، فهاكابي مرشح متدين يؤمن بدور الدين في الحياة العامة والسياسية ولا يتردد في الدفاع عنه، ولكنه في نفس الوقت يحاول القيام بذلك بأسلوب غير مباشر

فهو يتحدث عن الدين كمصدر للقيم والأخلاق، ويتفادى المبالغة في الحديث عن قضايا اليمين المسيحي التقليدية مثل رفضهم الإجهاض وحقوق الشواذ، ويفضل التركيز على قضايا الاقتصاد والعرق والبيئة حيث يرى أن دور الدين الأهم هو في الدفاع عن حقوق الفقراء والمهاجرين ورفض العنصرية وحماية البيئة، وهي أفكار تزيد من جاذبيته في عيون الجيل الجديد من البروتستانت التبشيريين

وينطلق في ذلك من خلفيته الشخصية فهو ينحدر من أسرة فقيرة حيث عمل أبوه رجل إطفاء، وترعرع هاكابي فقيرا في نفس مدينة الرئيس السابق بيل كلينتون وتدعى مدينة الأمل بولاية أركنساس، وهو أمر يدفع العديد من وسائل الإعلام إلى المقارنة بينهما بسبب انتمائهما لنفس المدينة وإجادتهما العزف على الأدوات الموسيقية وخلفيتهما المتواضعة

وتمكن هاكابي باجتهاده من خوض مجال العمل السياسي حتى صار حاكما لأركنساس فترتين ركز خلالهما على إصلاح البنية التحتية بالولاية من طرق ومدارس وجامعات. وهي خاصية إضافية تميزه عن قادة تيار البروتستانت التبشيريين المنحدرين من أصول دينية، فغالبيتهم رجال دين تحولوا للسياسة بين عشية وضحاها. أما هاكابي فقد تحول للسياسة تدريجيا من خلال اختبار جاد وهو تولي مسؤولية ولاية كاملة، لذا يقدم نفسه على أنه صاحب أطول خبرة تنفيذية وسط مرشحي الرئاسة الجمهوريين الحاليين. فمرشح مثل جون ماكين هو مجرد سناتور اعتاد على التشريع لكنه يفتقد خبرة الإدارة التنفيذية التي يكتسبها حكام الولايات والتي تمثل إعدادا هاما لحكم أميركا

تهديد التحالف الجمهوري
العوامل السابقة دفعت بعض شباب البروتستانت التبشيريين إلى مساندة هاكابي من خلال إنشاء مواقع إلكترونية مساندة له جذبت آلاف الناخبين البروتستانت التبشيريين، وهو الأمر الذي جذب الأضواء إلى هاكابي ومكنه من احتلال المركز الأول بين المرشحين الجمهوريين بالانتخابات التمهيدية التي عقدت بولاية أيوا في الثالث من يناير/ كانون الثاني الماضي. كما تمكن الرجل منذ ذلك الحين من احتلال أماكن متقدمة وسط المرشحين الجمهوريين بسباق الانتخابات الحالي رغم ضعف الإمكانات المادية لحملته الانتخابية والتي تقدر بحوالي مليوني دولار فقط مقارنة بـ53 مليونا جمعها المليونير مت رومني وثلاثين مليونا لرودي جولياني و28 مليونا لجون ماكين، ومع ذلك تمكن هاكابي من صناعة اسم لنفسه ومن الفوز بنسب لا يستهان بها من أصوات الجمهوريين مما سلط مزيدا من الأضواء السياسية عليه

لذا وصف ويليام كريستول -أحد أهم قادة تيار المحافظين الجدد ومحرر مجلة ذا ويكلي ستاندار- هاكابي بأنه قاد أفضل حملة انتخابات جمهورية حتى الآن، مشيدا بقدراته السياسية وذلك رغم أن كريستول من مؤيدي جون ماكين

ولكن أزمة هاكابي الأساسية مع قادة تيار البروتستانت التبشيريين بصفة خاصة والجمهوريين بصفة عامة، تكمن في أجندته الاقتصادية

فالرجل بنجاحاته السابقة يمثل تهديدا للتحالف القائم بين البروتستانت التبشيريين والحزب الجمهوري منذ سبعينيات القرن العشرين، وهو تحالف قائم على دعم قادة البروتستانت التبشيريين للرأسمالية ولأجندة الجمهوري التي تميل للأثرياء بدعمها لخفض الضرائب وقوى الاقتصاد الحر والرأسمالية التي ترفض أجندة اليسار الأميركية المنادية بحقوق العمال والفقراء

ولكن هاكابي المنحدر من أصول فقيرة ينتقد بشكل معتاد السياسيين بواشنطن والرأسماليين في وول ستريت، ويرى أنهما معا مسؤولان عن معاناة المواطن. ويرى أن الدين يجب أن ينحاز أكثر لحقوق الفقراء والمستضعفين، وهي أفكار تجذب عددا لا يستهان بهم من البروتستانت التبشيريين المقدرة أعدادهم بحوالي خمسين مليون مواطن ثلثهم من الفقراء كما تشير بعض التقارير، مما يعني أن انتشار دعوة هاكابي وسط هؤلاء قد يهدد بتفكك تحالف الجمهوريين مع البروتستانت التبشيريين وهو أمر ترفضه قيادات الجمهوري العلمانية والمتدينة

تشدد مضحك مبك
أفكار هاكابي السابقة والتي تبدو متحررة مرنة ليبرالية إلى حد ما، لم تمنعه من الحديث عن عدد آخر من الأفكار التي تثير السخرية لما تحتويه من تناقض بين عناوينها الليبرالية المنفتحة ومضامينها المتعصبة

ففي الساحة الداخلية -على سبيل المثال- يرفض هاكابي حرمان أبناء المهاجرين غير الشرعيين من الحصول على الخدمات الحكومية المدعومة من قبل الدولة، ويرى أن حرمانهم من تلك الخدمات بمثابة عقاب لهم على جرم لم يرتكبوه. كما يطالب بإصلاح نظام الهجرة الذي يسهل على أصحاب الأعمال الحصول على العمالة الأجنبية التي يحتاجونها، ولكنه يطالب في نفس الوقت بمواقف متشددة كإغلاق الحدود مع الجنوب إغلاقا كاملا للحيلولة دون قدوم المهاجرين غير الشرعيين. كما يعارض القوانين المتعلقة بالحد الأدنى للأجور للعمال الأجانب، ويرى ضرورة السماح باستقدامهم قانونيا لملء الوظائف البسيطة بأجور زهيدة

ولعل الأفكار السابقة لا تقارن في تناقضاتها بأفكاره على ساحة السياسة الخارجية، فهو على السبيل المثال يبدو ليبراليا في المطالبة بزيادة المساعدات لدول العالم وذلك لإيجاد فرص عمل وحياة كريمة للشعوب الأجنبية انطلاقا من القيم الدينية التي يؤمن بها، ورغبة منه في حماية تلك الشعوب من الوقوع ضحايا للتطرف أو الدكتاتوريات.
على الجانب الأخر يرفض هاكابي أن تتخلى إسرائيل -التي زارها تسع مرات- عن الأراضي الفلسطينية أو السورية المحتلة حماية لأمنها قائلا إنه يجب منح الفلسطينيين دولة، ويمكن أن تقوم هذه الدولة في مصر أو السعودية "فالدول العربية بها أراض شاسعة وإسرائيل في حاجة للأراضي التي احتلتها لحماية أمنها"

كما يدعو مواطنيه لفهم حقيقة الحرب التي تحاربها أميركا الآن ضد من يسميهم "الإسلاميين الإرهابيين أو الراديكاليين" وهو يستخدم تلك المصطلحات بشكل متكرر وبإهمال يدعوان إلى القلق العميق، ويقول إن الحرب السابقة "عقائدية" بالأساس يشنها الإرهابيون للقضاء على أميركا والأميركيين بشكل كامل "لأن أميركا تحب الحياة وهم يحبون الموت"

ومن المثير هنا أن هاكابي لا يتحدث عن السياسة الخارجية بشكل كاف، ويشير الكثيرون إلى ضعف معرفته بها. ولما طلبت منه مجلة "الشؤون الخارجية" الأميركية المعروفة الكتابة عن رؤيته للسياسة الخارجية كتب مقالة هي أشبه بخطبة عصماء، فهو يقول مثلا إن باكستان تحصل على مساعدات كثيرة من أميركا وإن تلك المساعدات يجب أن تعطي أميركا الحق في مهاجمة "الإرهابيين" الموجودين على أرض باكستان عسكريا في أي وقت وبالصورة التي تراها أميركا مناسبة

كما أنه يتحدث عن العراق وعن رغبته في التعاون مع "مجالس الصحوة" السنية هناك كنموذج للقوى الإسلامية المعتدلة التي يرفضها ولكنه يقبل التعامل معها ومع مثيلاتها عبر العالم انطلاقا من قاعدة أفضل الشرين، وهو في ذلك يتحدث بأسلوب يشعر القارئ بأنه (هاكابي) لا يدري الكثير عن العراق أو العالم الإسلامي أو حتى عن السياسة الخارجية الأميركية وتبعاتها

----

مقالات ذات صلة