Showing posts with label لوبي وجماعات ضغط. Show all posts
Showing posts with label لوبي وجماعات ضغط. Show all posts

Monday, September 17, 2012


حالة العلاقات المصرية الأميركية: قراءة في أحدث تقارير خدمة أبحاث الكونجرس عن مصر والصادر في 13 سبتمبر 2012


التقرير الصادر خلال أزمة الفيلم المسيء يحاول الوقوف على أحدث تطورات العلاقات المصرية الأميركية ليرفعها إلى أعضاء الكونجرس الأميركي. 



لذا يمثل كعادة تقارير خدمة أبحاث الكونجرس – وهي الذراع البحثي للكونجرس الأميركي - تلخيصا جيدا لنظرة أميركا لمصر كما يمكن أن يقتنع بصانع القرار الأميركي. 


التقرير كالعادة يعود للتاريخ ليفسر الواقع ويرصد أهم المواقف والأرقام.

كامب دايفيد والمساعدات 

ولكي نفهم موقف إدارة أوباما الراهن من مصر، نذكر القارئ سريعا بأن الفصل الراهن للعلاقات المصرية الأميركية كتب في عام 1979، حيث وقعت اتفاقية كامب دايفيد بين مصر وإسرائيل، وبات الحفاظ عليها ركيزة العلاقات المصرية الأمريكية.


فمنذ عام 1979 بدأت أمريكا في منح مصر مساعدات عسكرية واقتصادية ضخمة حتى بلغ مجموع ما قدمته أميركا لمصر من مساعدات منذ 1948 وحتى 2011 حوالي 71.6 مليار دولار أمريكي، معظمها تم منحه بعد 1979.


ويذهب معظم هذه المساعدات في صورة مساعدات للجيش المصري بلغ مجموعها خلال الفترة ذاتها 40.5 مليار دولار أميركي، ومازالت أميركا تقدم لمصر 1.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية كل عام.

ويقول التقرير مخاطبا أعضاء الكونجرس أن المساعدات العسكرية الأميركية لمصر قد تمثل حوالي ثلث ميزانية القوات المسلحة المصرية وينفق جزء كبير منها على التسليح، وأن هذا الإنفاق يمثل جزء كبير (قد يصل لـ 80% ) من إنفاق مصر على التسليح - كما يتوقع التقرير. 

أما المساعدات الاقتصادية فهي أقل، حيث بلغ مجموعها خلال الفترة نفسها (1948-2011) حوالي 31 مليار دولار فقط، وتقدم أميركا لمصر حاليا 250 مليون دولار أمريكي سنويا فقط في صورة مساعدات اقتصادية.

فمنذ عام 1998 بدأت أميركا في تخفيض مساعداتها الاقتصادية لمصر بحجة تخفيض الإنفاق على المساعدات الخارجية، وقامت بتخفيض نسبي للمساعدات الاقتصادية لإسرائيل ولكنها زادت المساعدات العسكرية لها.

حتى وصل مجموع ما ستحصل عليه إسرائيل من مساعدات من أميركا هذا العام حوالي 3 مليار دولار في حين لن تحصل مصر سوى عن 1.55 مليار دولار فقط.

بين بوش وأوباما 

وكان بوش قد خفض المساعدات الاقتصادية لنظام مبارك لحوالي 200 مليون دولار فقط، وكان أيضا يصر على تقديم بعضها في صورة مساعدات لمنظمات مجتمع مدني تعمل في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان بدون العودة للحكومة المصرية وفقا لأجندة نشر الديمقراطية بالشرق الأوسط التي تبناها.

يعني كان بوش يصر على أن تنفق أميركا جزء من المساعدات الاقتصادية المقدمة لمصر في صورة مساعدات تقدم مباشرة لمنظمات مصرية تعمل في مجال نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني دون المرور على الحكومة المصرية والحصول على موافقة منها رغم معارضة نظام مبارك.

ويقول التقرير أن مع صعود أوباما للحكم قرر التراجع عن أجندة الديمقراطية ورفع المساعدات الاقتصادية لتصل إلى 250 مليون دولار وذلك رغبة منه في تهدئة الأمور مع دول الشرق الأوسط بعد سنوات بوش العاصفة. 

كما أصبحت المساعدات تقدم تباعا أو تقليديا لهدفين أولهما كامب دايفيد وهو الأهم وثانيهما نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتحولت هذه الأهداف إلى شروط فرضت من الكونجرس مؤخرا على الإدارة الأميركية ثم على مصر، حيث يطالب الكونجرس الإدارة الأميركية بالتأكد من التزام مصر بتحقيق الهدفين السابقين قبل صرف المساعدات.

ثورة يناير 

ويقول التقرير – ما معناه - أن أميركا تريد الحفاظ على مصر من أجل كامب دايفيد، لذا حرصت على تقديم المساعدات في موعدها منذ الثورة رغم عدم الاستقرار السياسي الذي عاشته مصر في ظل حكم العسكر.

كما حرصت أميركا على تقديم حزمة مساعدات لمصر في مايو 2011 من أجل دعم مصر وصناع القرار الجدد وضمان الاستقرار في مصر، ومع صعود القوى المدنية وخاصة انتخاب الرئيس المدني حرصت أميركا على التعامل "بتوازن" بين القوى المدنية وبين العسكر، حيث يقول التقرير:

"المسئولون الأميركيون تعاملوا بحذر مع الحكومة المصرية الجديدة وحاولوا موازنة مصالح الحفاظ على علاقات قريبة من الجيش مع الحاجة للاعتراف بشرعية القادة المدنيين المنتخبين مثل الرئيس مرسي".

وهذا يوضح مركزية الجيش المصري والعلاقات العسكرية في العلاقات المصرية الأميركية، فالعلاقات تبدو عسكرية في مقامها الأول.

ولكن يبدو أيضا أن أميركا أيضا ترددت في تقديم المساعدات التي وعدت بها مصر في مايو 2011 ضمن حزمة من المساعدات التي وعدت بها بلدان الربيع العربي حتى صعود حكومة مدنية منتخبة، وهنا يقول التقرير أن "تجميع مرسي السلطة في إدارته ... على حساب الجيش هو تطور كان يصعب تصوره منذ شهور قليلة". 

ومع تجمع السلطات في يد المدنيين بدأت أميركا في تقديم مساعداتها الموعودة والتي تتضمن إعفاء مصر من حوالي مليار دولار من القروض غير المسددة، والعمل على تخصيص صندوق لدعم رجال الأعمال المصريين وتعميق العلاقات الاقتصادية بين البلدين دعما لتحول مصر نحو الديمقراطية وحكم المدنيين والاستقرار.

واستمرت أميركا في مراقبة التطورات في مصر عن كثب، ، وفي مراقبة مواقف المسئولين المصريين تجاه أميركا، حيث دأب المسئولون الأميركيون على القول أنهم "يحكمون" على السياسة المصرية والساسة المصريين الجدد "وفقا للأفعال لا الكلمات". 

لذا يحتوي التقرير تلخيصا ببعض أهم التطورات السياسية في مصر مثل كتابة الدستور والموقف من حرية الإعلام والتيارات الدينية والوضع الاقتصادي وأزمة السيولة وقرض صندوق النقد، وغيرها من القضايا السياسية والاقتصادية الرئيسية في مصر حاليا. 

كما حرصت إدارة أوباما على التعاون والتنسيق مع إدارة مرسي في عدة قضايا مثل "الدعم الاقتصادي وأمن سيناء"، ولكنها كانت أيضا ترصد بعض الظواهر المقلقة لها مثل "التعبير أكثر عن العداء لأميركا، سياسات إسلامية راديكالية، الكراهية لإسرائيل، والطائفة"، كما يسميها التقرير.

المستقبل وأزمة الفيلم المسيئ

ويقول التقرير أيضا أن الاعتداء على السفارة الأميركية خلال وجود وفد اقتصادي أميركي في القاهرة لزيادة الاستثمار بين البلدين "قد يكون نذير تنافر في العلاقات المصرية الأميركية لسنوات قادمة". 


ويقول أن أوباما ربما شعر "بالإحباط" من "رد مصر الباهت" على حادثة الاعتداء على السفارة مما دفعه للقول بأنه لا يعتبر مصر حليفا أو عدوا.  


ولكن يعود التقرير ويقول التالي عن المستقبل:

"إذا أخنا بعين الاعتبار ظاهرة العداء لأميركا المتفشية والمتخللة للسياسات المصرية في اللحظة الراهنة والخشية العامة من نوايا الإخوان المسلمين في مصر، قد يطالب بعض المشرعين بتخفيضات في المساعدات لمصر في المستقبل، ولكن وفقا لأحد التقارير، بعض المسئولين الأميركيين والإسرائيليين "سعوا للتأكيد على أعضاء الكونجرس بخصوص ضرورة استمرار المساعدات رغم التحفظات الخاصة بصعود الإخوان المسلمين. كانت حجتهم أن نسب البطالة العالية والمستمرة وخاصة وسط النساء والشباب يمكن أن تقوض حكومة مرسي مما يسبب مزيد من عدم الاستقرار في مصر وما ورائها". 


وبهذا تتضح بعض جوانب الصورة فمركزية المصالح الإسرائيلية في نظر الإدارة الأميركية تجاه مصر يجعل من استمرار المساعدات ضرورة حفاظا على كامب دايفيد والعلاقات العسكرية المصرية الأميركية أولا، وحفاظا أيضا على استقرار مصر، فأميركا لا تريد أن تعاني مصر من مزيد من عدم الاستقرار أو البطالة أو الفقر مما قد يصل لمستويات خطيرة تسبب تهديدا للمنطقة وخاصة إسرائيل.


وهنا يبدو كيف دارت العلاقات المصرية الأميركية حول محور إسرائيل لأكثر من ثلاثة عقود، ويكاد الحديث عن طبيعة أخرى للعلاقات وعن رؤى مصرية وأميركية أخرى يندر أو ينعدم – كما يظهر من التقرير على الأقل، لذا يبقى السؤال حول رؤية مصر لمصالحها مع أميركا وكيفية إعادة صياغتها تحت حكم المدنيين.

فمن الواضح أن الاعتماد العسكري والاقتصادي المصري على أميركا سيستمر لفترة، لذا يجب علينا أن نسأل أنفسنا إذا كنا راضين عن العلاقات في صورتها الحالية!؟ وإذا كنا نرغب في صياغة العلاقات مع أميركا وهي الدولة العظمى الأهم حاليا في العالم في اتجاه أخر يضمن مصالح الشعب المصري القريبة والبعيدة!؟ وكيف!؟ 

هل  سيتبنى المسئولون المصريون الجدد رؤية مختلفة لعلاقتهم مع أميركا تضمن تعظيم مصالحهم!؟ وكيف سيعلمون على تحقيقها في ظل هيمنة المنظور الإسرائيلي على تلك العلاقات داخل واشنطن!؟ والله أعلم. 

علاء بيومي

Saturday, November 14, 2009

موقف العرب من أوباما وجراح لوبي إسرائيل
بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره
www.alaabayoumi.com

نص المقال

في اعتقادي أن لوبي إسرائيل في الولايات المتحدة مجروح، وأن جرح عميق يعود إلى عام 2005 على أقل تقدير، وأن الجرح لا يندمل بل ينتكس بين حين وأخر، وأن العرب يبدون غير معنيين بانتهاز الفرصة السانحة

وأصل الجرح موقف اللوبي الداعم لسياسات المواجهة التي اتبعتها إدارة بوش الجمهورية تجاه الشرق الأوسط خلال الفترة من 2002 وحتى 2006، حيث ساند اللوبي بوضوح سياسات أوباما المتشددة تجاه العراق وإيران وعملية السلام مما أسقط القناع الليبرالي الذي يحرص اللوبي على ارتداءه في الأوساط الأمريكية والغربية ليظهر بصورة لوبي ليبرالي يدافع عن دولة ديمقراطية تحارب جماعات متدينة متطرفة ونظم ديكتاتورية

ولكن وللأسف، الخاطب العربي السائد يبدو في كثير من الأحيان غير معني بفهم ما يدور داخل اللوبي وسياساته وعلاقته بالأميركيين، فالعرب مشغولون بسؤال واحد وهو هل تغيرت سياسة أميركا تجاه أهم قضاياهم وعلى رأسها فلسطين والديمقراطية أم لم تتغير؟ وهو بالطبع سؤال منطقي يعد محور العلاقة؟ ولكن الاكتفاء به هو تعبير عن العزلة أو عن عدم القدرة على التواصل مع صانع القرار الأميركي أو التأثير عليه ليس أكثر

فالخطاب العربي السائد لا يتحدث عن فرص وتحديات اللوبيات العربية أو المسلمة في واشنطن، أو عن العلاقة بين الرأي العام العربي والرأي العام الأميركي، أو عن تطور هذه العلاقة ومدى تقدمها

الخاطب العربي السائد انفصالي انعزالي غير معني تقريبا بالجماعات الأميركية المساندة للعرب وقضاياهم في أميركا، أو على الأقل المتفهمة والمتعاطفة مع هذه القضايا، ومن بين تلك الجماعات بعض طلاب الجامعات والأكاديميين وجمعيات حقوق الإنسان والحقوق والحريات المدنية والأقليات والمهاجرين والتيارات الدينية والليبرالية المنفتحة

العرب يحتفلون بكل تقرير أو مقال يصدر عن جهة أميركية يؤيد مواقفهم وأرائهم، ولكن احتفالهم هذا يتوقف عند الاحتفال أو الترجمة والنقل أحيانا، ولكنهم لا يتبعونه بتصرف واضح على الأرض يدعم كاتب المقال أو التقرير

وقد يعود السبب إلى عدم فهم طبيعة المجتمع الأميركي، فالمجتمع المدني بالولايات المتحدة قوي للغاية ويبدو في كثير من الأحيان أقوى من المجتمعات المدنية بكثير من الدول العربية، فالمجتمع الأميركي قائم بدولة ديمقراطية ومليء بالمؤسسات المختلفة، فالدولة الأميركية تعود إلى المجتمع المدني الأميركي للحصول على دعمه وأصواته وأمواله، وبالطبع لا يحدث هذا في كثير من الدول العربية

لذا يبدو أننا نعكس صورتنا على الآخرين، فمجتمعاتنا المدنية مازالت ضعيفة وتفتقر للمؤسسات الراسخة، لذا نتصور أن الوضع في أميركا كما هو الوضع عندنا

وربما يكون السبب ضعف التواصل وحواجز اللغة والثقافة وكثرة الصراعات العسكرية المسلحة والدامية التي زج بها الجيش الأميركي في العالمين العربي والإسلامي، وربما لأن العرب تركوا السياسة للحكومات ورضوا هم بالمعارضة

عموما وبغض النظر عن السبب، يبدو العالم العربي غير معني بالتأثير على ما يدور داخل واشنطن نفسها، فنحن نكتفي في أغلب الأحيان بالعناوين الرئيسية وبالمقالات التي تنشر بالجرائد الكبرى، وللأسف تصلنا الأخبار والمقالات متأخرة ومنزوعة السياق، ونفتقر نحن لمقالاتنا وأبحاثنا وكتبنا الجديدة والتي تقدم لنا شيء جديد ذو قيمة عما يدور في أميركا

ومن يختلف معي فأرجو أن يذكرني بأخر مقال عربي (رأي أو خبر) أتي بسبق صحفي أو معلوماتي أو فكري عن أميركا بمعايير الأميركيين أنفسهم أو حتى بمعايير المثقفين العرب

فرغم كل الاهتمام بالسياسة الأميركية، تبدو علاقتنا بها في أغلب الأحيان متابعة عن بعد، أو علاقة مقاطعة أشبه بمقاطعة المعارضة للانتخابات العربية

ما أود قوله هو أن هناك شواهد كثيرة تدل على تراجع لوبي إسرائيل وسطوته في السنوات الأخيرة، وذلك بسبب دعمه لسياسات بوش المتشددة وبسبب نمو أزرعه اليمينية المتطرفة مثل المحافظين الجدد ومثل الجماعات التي تحالفت مع المسيحيين الصهاينة في تحالف مصلحي غير قيمي مقزز لكثير من الأميركيين، ومثل اللوبيات الأمنية وتلك المعنية بتشويه صورة المسلمين والعرب في أميركا

وبسبب سيل الكتابات الناقدة للوبي ودوره في السياسة الأميركية منذ تراجع حرب العراق، وبسبب صعود ما يسمى بلوبيات إسرائيل الليبرالية المعارضة كجماعة "جيه ستريت"

كما أعتقد أيضا أن وعي الأميركيين بعدالة القضية الفلسطينية في تزايد وموقف الرأي العام الدولي المعارض لحرب غزة هو أكبر دليل

ومازلت مصرا على أن أوباما رئيس مختلف تعرض لنقد غير مسبوق من لوبي إسرائيل قبل توليه الرئاسة، ومازال يتعرض لنقد شديد حتى يومنا هذا، كما تحدث عن فلسطين والإسلام بشكل إيجابي غير مسبوق، وعارض إسرائيل علنا بشكل غير مسبوق أيضا ولو لعدة شهور على أقل تقدير

وأنا لا أقول أن الصورة وردية، فما عليك إلا أن تنظر للكونجرس الأميركي موقفه من عملية السلام، أو إلى لجنة العلاقات الدولية بمجلس النواب الأميركية وطبيعة أعضائها ومواقفهم من إسرائيل، لتدرك حجم المشكلة وحجم سطوة لوبي إسرائيل حتى يومنا هذا

كما أن اللوبي المجروح يبدو كثيرا أكثر شراسة في حربه وضراوته، ويبدو عازما على استئصال غيره والقضاء على منافسيه قبل أن تقوى شوكتهم، والحملات التي تتعرض لها بعض القيادات والمنظمات المسلمة والعربية الأميركية هي أكبر دليل على ذلك

ولكني أرفض الخطاب العربي الذي يتبنى فكرة الصراع كبداية ونهاية في العلاقة مع أميركا، أو الذي ينتظر أن تغير أميركا مواقفها بين عشية أو ضحاها انطلاقا من عدالة القضايا العربية كما يراها هو، أو الذي يتبنى خطابا تشاؤميا تأليبا مع الولايات المتحدة دون أن ينظر بداخلها، أو الذي يهمل بما يدور داخل واشنطن ويبحث في عناوين الصحف والمجلات العربية عن سطور تبرر قناعاته المسبقة دون أن يبذل جهدا حقيقا للتواصل مع الأخر وشرح قضاياه بأسلوب يفهمه الأخر الأميركي، أسلوب تبناه لوبي إسرائيل وبرع فيه منذ عقود

Tuesday, April 14, 2009

العالم العربي والأخوة إيمانويل
مقال بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره

www.alaabayoumi.com

نص المقال

العالم العربي لا يعرف كثيرا عن الأخوة إيمانويل، وعندما اختار الرئيس الأميركي باراك أوباما أحد الأخوة - وهو رام إيمانويل - كبيرا لموظفي البيت الأبيض في اليوم التالي لانتخابه رئيسا لأميركا إهتم العالم العربي برام وبأبيه بنجامين الذي كان عضوا في منظمات الإرجون الإسرائيلية الإرهابية، ولكنه لم يهتم بالأخوين الآخرين إزيكيل وإريل، كما لم يهتم أيضا بالأم مارثا، وبهذا ظلت الصورة غير مكتملة والفكرة غير واضحة وفقد العالم العربي فرصة التعرف على الأخوة إيمانويل كما تسميهم وسائل الإعلام الأميركية

العالم العربي اهتم بمواقف رام إيمانويل تجاه فلسطين والعراق وباحتفال وسائل الإعلام الإسرائيلية باختياره ككبير موظفي البيت الأبيض في عهد أوباما، وهو منصب أشبه في أهميته بمنصب رئيس الوزراء في نظم رئاسية أخرى، خاصة وأن الصحف الإسرائيلية خرجت في اليوم التالي بعناوين تحتفل باختيار أوباما لإيمانويل، على غرار صحيفة معاريف التي وصفت أيمانويل بأنه "رجلنا في البيت الأبيض"

كما أهتم العالم العربي بتصريحات الأب بنجامين إيمانويل المسيئة للعرب، والتي جاءت ضمن مقابلة أجرتها معه صحيفة معاريف حيث ذكر للصحفية: "من الواضح أنه (رام) سوف يؤثر على الرئيس (أوباما) في اتجاه مساندة إسرائيل. كيف لا يفعل ذلك؟ من هو! عربي!؟ لن يذهب هناك لمسح بلاط البيت الأبيض"، وهي تصريحات مسيئة أثارت حفيظة عرب أميركا الذين طالبوا رام بالاعتذار عن تصريحات أبية، فأعتذر

ولكن هذه الأحداث تمثل في الحقيقة نهاية القصة أو جزءا متقدما للغاية من قصة لم تنتهي بعد، ولكنها ليست بدايتها، فالبداية قديمة تعود لأوائل التسعينيات أو قبل ذلك بعقود، فوسائل الإعلام الأميركية تتحدث منذ منتصف التسعينيات عن "الأخوة إيمانويل" كما أسمتهم مقالة نشرت بجريدة نيويورك تايمز الأميركية في يونيو 1997، والمناسبة كانت النجاح الذي حققه رام في إدارة بيل كلينتون حيث كان واحد من أكثر المستشارين الذي خدموا في إدارة كلينتون على الرغم من صغر سنه، والنجاح الذي حققه الأخوين الآخرين في مجال البحث العلمي والسينما

فالأخ الأكبر إزيكيل أستاذ جامعي مرموق والأخ الأصغر إيريل وكيل فنانين مشهور بهوليود حتى أن أحد كتاب المسلسلات الأميركية المشهورة صمم إحدى شخصيات مسلسله حول شخصية إريل، ويقال أيضا أن شخصية إيمانويل السياسية - والذي أصبح مستشارا لبيل كلينتون وهو في أوائل الثلاثينيات من عمره وعرف بقدراته في جمع التبرعات والحملات السياسية - دخلت الثقافة الجماهيرية الأميركية وباتت جزءا من قصص كتاب هوليود

قصة نجاح الأخوة إيمانويل - وهي موضوع مقالنا الحالي – تعود إلى الأب بنجامين الذي عمل بمنظمات الإرجون الإرهابية في إسرائيل وهاجر في الخمسينيات إلى أميركا ليختار لأبنائه أما ناشطة سياسيا، فأبوها كان ناشطا في مجال الدفاع عن حقوق العمال، وكانت مارثا بدورها نشطة في حركة الحقوق والحريات المدنية ويقال أنها تعرضت للاعتقال بسبب مشاركتها في بعض المظاهرات دفاعا عن حقوق الأقليات في أميركا

وبهذا نشأ "الأخوة إيمانويل" في بيت نشيط سياسيا واعين بما يدور حولهم، فالأم تصطحب الأبناء الصغار للمشاركة في المظاهرات، والأب نشط سياسيا، والأسرة تجتمع على العشاء كل ليلة لتحدث الأبناء في السياسة وفي الشئون العامة

وتشير وسائل الإعلام إلى أن بنجامين ومارثا اهتما كثيرا بتربية الأبناء الثلاثة، وأنهما حرصا على توعية الأبناء بالأنشطة السياسية والثقافية المختلفة بشيكاغو حيث ترعرعوا، ونصحوا الأولاد الصغار بعدم الانشغال بصغائر الأمور التي قد تشغل الأطفال في أعمارهم، فأيام العطلة مخصصة للتعلم وللنشاط الثقافي وللنهل من تراث شيكاغو وأنشطتها الثقافية الثرية

كما أن الحياة لا تخلو من هدف، هدف كبير ومعنى، لذا حرص بنجامين على اصطحاب أطفاله إلى المعابد اليهودية لتلقي التعليم الديني وإلى إسرائيل في العطلات الصيفية، كما علقت الأسرة على جدران المنزل صورا ومتعلقات لأقاربهم الذين لم يتمكنوا من الهجرة لأميركا هروبا من معاناة اليهود في أوربا لكي يقدر الأطفال دائما أميركا ويتذكروا جذورهم ومعاناة أجدادهم وأهمية دورهم ودور أميركا في منع تكرار تلك المعاناة، وبهذا الخصوص ذكر رام في إحدى المقابلات الإذاعية التي أجريت معه - عن طفولته وعن الأفكار التي أثرت فيه وهو صغير - ما يلي:

أعتقد أنها الثقافة التي تأتي – من وجهة نظري – من ثقافة مهاجرة تحاول أن تقدر ما نحصل عليه بوجودنا في هذه البلد. ففي حجرة المعيشة علق والداي صورا أبيض وأسود، حوالي 10 إلى 12 صورة شخصية لأقارب من طرفي العائلة لم يتمكنوا من القدوم إلى هذه البلد ... وفي وسط الحائط كان هناك حقيبة يد صغيرة معلقة، هذه الحقيبة هي التي حملت أوراق جدتي واثنتين من أخواتهما وهن قادمات إلى أميركا. كان هذا تذكرة من والدينا لنا كل يوم بأننا محظوظون لوجودنا في هذا البلد

هذه هي قصة الأخوة إيمانويل، لذا لم يكن مستغربا أن يتطوع رام لخدمة الجيش الإسرائيلي كمتطوع مدني خلال حرب تحرير الكويت في عام 1991، وعندما عاد أميركا التحق سريعا بحملة المرشح الرئاسي الشاب بيل كلينتون وصار من كبار مساعديه في مجال جمع التبرعات، حيث ربط رام بيل كلينتون بشبكة واسعة من الأثرياء اليهود عبر أميركا وعرفهم بكلينتون وحثهم بقوة على التبرع له

لذا يقال أن الأموال التي ساعد رام إيمانويل بيل كلينتون على جمعها حمت حملة كلينتون الرئاسية من الفشل حين اشتدت المنافسة وقلت الموارد، لذا عين رام بعدها في إدارة كلينتون وظل بالعمل بجانبه حتى أصبح واحد من أكثر السياسيين خدمة في إدارة كلينتون، وقرب نهايتها استقال ليدخل عالم المال والأعمال وينجح في تكوين ثروة مقدارها 18 مليون دولار في أربع سنوات مستفيدا بدون شك بالعلاقات الواسعة التي كونها خلال عمله بإدارة بيل كلينتون

وسرعان ما عاد رام إلى السياسة، وكان ذلك في أوائل عام 2003 كعضو في مجلس النواب الأميركي ليصير سريعا وخلال ثلاث سنوات فقط أحد أهم قيادات الديمقراطيين بالكونجرس الأميركي على الإطلاق حيث تولي في عام 2005 إدارة لجنة الديمقراطيين الانتخابية بالكونجرس The Democratic Congressional Campaign Committee (DCCC) وهي اللجنة المعنية بحشد جهود الحزب الديمقراطي للفوز بانتخابات الكونجرس من خلال العمل على اختيار المرشحين الجدد ودعم المرشحين الحاليين والتحكم في رسالة وأنشطته الحزب الانتخابية، ويعد رئيس اللجنة رابع قيادة للديمقراطيين بالكونجرس الأميركي

وبالطبع لا تخلو قصة نجاح رام إيمانويل من سلبيات، فقد عرف عنه شراسته السياسية وحرصه على جمع التبرعات السياسية والتحزب والاهتمام بالقوة السياسية الصرفة والميل إلى اليمين، لذا نظر البعض نظرة سلبية تجاهه وتجاه اختيار أوباما له ككبير لموظفي البيت الأبيض

ولكن نجاح إيمانويل أو فشله السياسي لا يعنينا هنا بقدر ما تعنينا قصة "الأخوة إيمانويل" أو "عائلة إيمانويل"، والتي تتلخص في أب صاحب قضية، وأم نشطة سياسيا، وبيئة سياسية ديمقراطية، وأطفال صغار تربو على السياسية والعمل العام منذ نعومة أظافرهم، وفكرة سياسية تحرك الأسرة جميعها، ومجتمع يهودي أميركي متكاتف حول هدفه وفكرته

وقد يقول البعض أن الهدف ظالم وأن الأدوات غير سلمية وأن القيم مختلفة وأن الغاية لا تبرر الوسيلة، ولكن وبعض النظر عن كل ما سبق تحتوي قصة الأخوة إيمانويل على عبر كثيرة ودروس عديدة لعالم عربي يطالب بحقوقه ولكن كثير من بلدانه تحرم المشاركة السياسية ولن ترحب أصلا بوجود الأخوة إيمانويل بين أبنائها

Thursday, September 18, 2008




للحصول على النص الكامل لكتاب جون ماكين والشرق الأوسط والولاية الثالثة للمحافظين الجدد، اضغط هنا

للحصول على صورة لغلاف الكتاب، اضغط
هنا

لقراءة عرض الجزيرة نت المفصل للكتاب (1500 كلمة)، اضغط
هنا

للحصول على بيان الناشر للإعلان عن صدور الكتاب، اضغط
هنا


Saturday, August 23, 2008

أوباما يغلب "الليبرالية الواقعية" باختياره بايدن نائبا له
بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره
نص المقال

اختيار المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية باراك أوباما للسيناتور جوزيف بايدن نائبا له هو رسالة طمأنة من قبل أوباما لنخب
ولوبيات واشنطن بأنه يغلب "الليبرالية الواقعية" على التوجهات "الليبرالية المثالية" في سياسته الخارجية

فالواضح أن "مثالية" أوباما التي ظهرت في خطابته أزعجت نخب واشنطن التقليدية التي لم يمانع بعضها وصول رئيس ديمقراطي للبيت الأبيض كبديل عن الجمهوريين الذين أضروا بصورة أميركا ومصداقيتها حول العالم، ولكنهم وجدوا صعوبة في تأييد أوباما بسبب خطابه المثالي الذي يؤكد على الحوار والدبلوماسية في التعامل مع دول كإيران وسوريا ويضع إحداث "التقدم في عملية السلام" على قمة أولوياته ويشعر "بمعاناة الفلسطينيين"

وإن كان أوباما قد غير خطابه وتحولا يمينا منذ شهور حتى أعلن في يونيو الماضي دعمه لبقاء القدس عاصمة لإسرائيل، إلا أن الصورة "المثالية" التصقت به وباتت مادة أساسية بحملات تخويف الناخبين الأميركيين من أوباما، لذا أراد أوباما اختيار نائبا يؤكد "التوجه الواقعي" في سياسته الخارجية

فجوزيف بايدن عضو بالكونجرس منذ عام 1972 ورئيس حالي للجنة "العلاقات الخارجية" بمجلس الشيوخ الأميركي، وهذا يعني أنه وجه مألوف بواشنطن ولجماعات المصالح واللوبيات، كما أنه يحظى بدعم من نخب الحزب الديمقراطي التقليدية وأن سياساته تميل للوسطية والواقعية والالتزام بالخط الديمقراطي العام، فلولا هذا لما تمكن رجل مثل بايدن من البقاء في منصبه لهذه الفترة

ويظهر منحى بايدن الواقعي في سجله بخصوص الشرق الأوسط، فمثل غالبية الديمقراطيين صوت بايدن لصالح قرار حرب العراق، ولكنه عاد وأصبح من أكبر منتقديها وذاعت شهرته بسبب رعايته خطة لتقسيم العراق إلى ثلاثة مناطق (سنية وشيعية وكردية) تربطها حكومة مركزية ضعيفة، كما طالب بايدن مثل أوباما بسحب القوات الأميركية من العراق ورفض بناء قواعد عسكرية أميركية دائمة هناك

ومثل أوباما يميل بايدن للحوار المباشر مع إيران ويرفض التسرع في اللجوء للحرب، ولكن بايدن على عكس أوباما رفض الربط بين ما يجري في العراق وضرورة الإسراع بإيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي، كما أنه يصف نفسه "كصهيوني" ويرفض قيام أميركا بدور "الوسيط العادل" في الشرق الأوسط، ويرى أن تطابق موقف أميركا مع إسرائيل ضرورة لإحداث تقدم في عملية السلام لأنه يمثل عامل ضغط على العرب ويشعرهم بضرورة إحداث تقدم في عملية السلام

كما يرفض بايدن التسرع في الدفع بعجلة التغيير الديمقراطي بالعالم العربي ويفضل التعامل مع حلفاء أميركا التقليديين بالمنطقة
وهذا لا يعني بالضرورة أن أوباما سوف يلتزم بمواقف بايدن الحرفية، فدور نائب الرئيس – في أغلب الأحيان – هو موقف ثاني إن لم يكن ثانوي، ولكن المهم هنا هو مغزاه، فقد أراد أوباما من اختيار بايدن أن يقلل من المخاوف المثارة حوله بسبب خلفيته وصغر سنه وقلة سنوات خبرته السياسة وكونه غريبا على واشنطن ومثاليا في خطابه وأفكاره

لذا اختار أوباما نائبا في منتصف الستينيات يعد أحد أقدم الوجوه في واشنطن وأكثرهم دراية بقضايا السياسية الخارجية وميلا لإتباع "الخط العام" للسياسة الخارجية الأميركية المغلب "للواقعية" على "المثالية

اختيار أوباما لبايدن قد يرضى بعض منتقديه ويطمئنهم بأن أوباما يفضل الواقعية على المثالية ولكنه قد يحبط في الوقت نفسه بعض من بحثوا في أوباما عن "المثالية" والرغبة في التغيير

Tuesday, March 04, 2008

أنصار لإسرائيل يحثون بوش على التخلي عن أمال السلام
بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص العرض

منذ انعقاد مؤتمر أنابوليس في نوفمبر الماضي وزيارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش للمنطقة في منتصف شهر يناير المنصرم كتب معلقون وقادة سياسيون أميركيون معرفون بمساندتهم القوية لبوش ولإسرائيل يحثونه على التخلي عن أحلام إحلال السلام بالشرق الأوسط في العام الأخير من رئاسته

وينتمي هؤلاء القادة لجماعات رئيسية في التحالف المساند لبوش ولإسرائيل، ويأتي على رأسهم المحافظون الجدد والبروتسنانت التبشيريين (المسيحيون الصهاينة) ولوبي إسرائيل

المحافظون الجدد

حيث كتب جون بولتون – أحد أهم قادة المحافظين الجدد وسفير أميركا السابق لدى الأمم المتحدة – مقالا بعنوان "اترك دفعة سلام الشرق الأوسط" يحذر فيه بوش من أن سعيه لحل الصراع العربي-الإسرائيلي سوف "يعيق" جهوده لمواجهة إيران، وذلك لغياب القيادات الإسرائيلية والفلسطينية القادرة على إدراك السلام - كما يرى بولتون - مما يعرض جهود بوش لفشل كبير يضعف من قدرة الرئيس على تحقيق أهداف سياسية هامة نحو العراق وإيران وسوريا، وهي قضايا من الأفضل التركيز عليها كما يرى بولتون

ويتفق دايفيد فروم – كاتب خطابات بوش سابقا – مع بولتون في صعوبة تحقيق السلام حيث يصف مهمة بوش "بالمستحيلة"، ويقول أن بوش يحرص دائما في خطاباته على أن يعطي نفسه مساحة من "حرية الحركة" باستخدام عبارات مشروطة تؤكد "إمكانية" تحقيق السلام إذا ما التزم الفلسطينيون برؤيته

ولكن فروم يقول أن حرية حركة بوش فيما يتعلق بسياسته نحو عملية السلام بدأت تضيق في الظروف الحالية بسبب الزخم الإعلامي والسياسي الكبير المصاحب لأنابوليس وزيارة بوش الأخيرة للشرق الأوسط

ويحذر فروم من أن بوش سوف يدرك أن الفلسطينيين غير راغبين في السلام "الكامل والحقيقي" الذي تريده إسرائيل لأن الفلسطينيين يرفضون "يهودية" دولة إسرائيل، كما سيدرك أن أن العرب يربطون مساندتهم للتحرك ضد إيران بخطة تحقيق السلام بالشرق الأوسط وليس العكس كما يأمل بوش

أما الكاتب المتطرف دانيال بايبس فيذكر بوش بأنه أحد مسانديه ولكنه للأسف يعارض "أماله" الخاصة بسلام الشرق الأوسط، ويقول بايبس أنه ساند رؤية بوش الخاصة بالصراع العربي-الإسرائيلي القائمة على رفض بوش "دبلوماسية عملية السلام" واستبدلها برؤية جديدة تتضمن اتفاقية الطريق وعزل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات

ولكن بايبس يعود ويقول أنه يؤيد رؤية بوش ولكن يعارض أسلوب تطبيقها، وذلك لأن إقامة دولة فلسطينية لن يقلل "كراهية الصهيونية" لدى الفلسطينيين والعرب، بل أن قيام تلك الدولة سوف يزيد من الرغبة المحمومة في "إزالة الدولة اليهودية"

لوبي إسرائيل والبروتستانت التبشيريين

المحافظون الجدد ليسوا منفردين في موقفهم السابق إذا كتب بعض أهم قادة لوبي إسرائيل يحثون بوش على التخلي عن عملية السلام الراهنة والتي وصفها موتيمر زكرمان – محرر مجلة يو إس نيوز آند ورلد ريبورت – بأنها "بعيدة المنال"، مؤكدا على أن مبدأ الأرض مقابل السلام "ليس كافيا في حد ذاته"، وعلى أن السلام يبدو حاليا أكثر بعدا مقارنة بأيام بيل كلينتون، وعلى وجود "خلاف أصولي حول فرضيات قيام دولتين" بسبب الخلاف حول القدس ويهودية دولة إسرائيل والتي تعني رفض حق العودة

لذا يطالب زكرمان بخفض التوقعات وبأن تتم المفاوضات بعيدا عن الأضواء السياسية والإعلامية، وأن تركز المفاوضات على قضايا إجرائية يمكن للجانبين تنفيذها

والمعروف أن زكرمان رئيس سابق لمؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى وهو تجمع تنسيقي يضم في عضويته 50 أكبر منظمة يهودية في الولايات المتحدة بما في ذلك لجنة الشؤون العامة اليهودية الأميركية (الإيباك) وهي أهم منظمات لوبي إسرائيل

أما فيما يتعلق البروتستانت التبشيريين المعروفين باسم "المسيحيين الصهاينة" وبمساندتهم القوية لبوش ولإسرائيل فقد كتب بعضهم يصف جهود بوش الأخيرة بأنها "خيانة" و"مؤامرة لتقسيم القدس" وهو أمر يرفضه المسيحيين الصهاينة بشكل مطلق والذين يؤمنون بأن الصراع بين العرب وإسرائيل ضرورة لتحقيق تنبؤاتهم الدينية الخاصة فيما يتعلق بتصورهم لظروف نهاية الزمان وعودة المسيح (عليه السلام) الثانية، ولكن بعضهم يقول أن الوصول لاتفاقية سلام - تبدو مؤقتة في نظرهم - لا يعارض رؤاهم السابقة والتي تربط بين عودة المسيح ومرور الشرق الأوسط بمرحلة حروب طاحنة بين إسرائيل وأعدائها، وذلك وفقا لمقال تحليلي نشرته وكالة إنتر برس سيرفيس عن الموضوع

Sunday, November 18, 2007

يهود أميركا ومؤتمر أنابوليس
بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 18نوفمبر 2007

نص المقال

مع اقتراب موعد انعقاد مؤتمر أنابوليس للسلام المقرر عقده في نهاية الشهر الجاري بمدينة أنابوليس بولاية ميرلاند الأميركية، ومع تزايد الجدل بخصوصه داخل أميركا وخارجها وفي أوساط القطاعات المعنية بسلام الشرق الأوسط عبر العالم، رأينا التركيز في هذا المقال على أبعاد الجدل الدائر وسط أحد أهم هذه القطاعات آلا وهم يهود أميركا المعروفون بتأثيرهم الكبير على مسار العلاقات العربية الإسرائيلية من خلال نشاطهم في الضغط على الولايات المتحدة من أجل مصلحة إسرائيل

ونحب أن نؤكد في بداية المقال على أننا لا ندعي تلخيص كل ما يدور في أوساط اليهود الأميركيين من جدل بخصوص مؤتمر أنابوليس، وإنما نسعى بالأساس لتسليط الضوء على بعض أهم معالم الجدل الدائر وسطهم حاليا، وخاصة فيما يتعلق بموقف يهود أميركا من لوبي إسرائيل المكون من الجماعات النشطة في مجال الضغط على الحكومة الأميركية لتشكيل سياستها تجاه إسرائيل والشرق الأوسط وعلمية السلام

قضايا يهودية لا إسرائيلية فقط

ومن المثير أن نجد في هذا التوقيت مقالات متزايدة إسرائيلية وأخرى أميركية يهودية تتحدث عن علاقة يهود أميركا بإسرائيل، وذلك لشعور كتاب هذه المقالات بخلاف يلوح في الأفق بين حكومة إيهود إولمرت وقطاعات هامة من يهود أميركا بخصوص بمؤتمر أنابوليس ونتائجه المتوقعة، لذا يتساءل هؤلاء الكتاب حول حق يهود أميركا في الاختلاف مع قرارات الحكومة الإسرائيلية المتعلقة بالمؤتمر المقبل، وهي قرارات مصيرية – كما يرونها - سوف تؤثر على مستقبل علاقة إسرائيل بالفلسطينيين، حيث تؤكد كاتبة إسرائيلية يمينية أن أي تنازلات يقدمها أولمرت للفلسطينيين حاليا - حتى لو كانت خطابية - سوف تعد سوابق تاريخية تشكل أسسا للمفاوضات مع الفلسطينيين في المستقبل

ولما أن هدف الفلسطينيين من المشاركة في مؤتمر أنابوليس هو مناقشة القضايا الجوهرية كحق العودة والقدس وتفكيك المستوطنات، بدأت منظمات يهودية أميركية في تعبئة مناصريها للوقوف ضد أي تنازلات إسرائيلية مرتقبة تتعلق بالقضايا السابقة وعلى رأسها القدس، مما دفع بعض المساندين والمعارضين لمثل هذه الحملات للتساؤل حول مدعى شرعيتها وشرعية الخلافات بين يهود أميركا وإسرائيل، وردا على ذلك أكدت أصوات يهودية أميركية رئيسية مثل إبراهام فوكسمان - رئيس عصبة مكافحة التشويه اليهودية الأميركية - على أن قضايا مثل القدس قضايا يهودية ملك لليهود جميعا عبر العالم وليس إسرائيلية فقط تخص إسرائيل وحدها

علة الانفصام والهوة الساحقة

أما أصل الخلاف بين يهود أميركا وحكومة أولمرت بخصوص مؤتمر أنابوليس، وهو أيضا جوهر الجدل الدائر حاليا في أوساط يهود أميركا، فيتعلق بالصراع بين مساندي المؤتمر ومعارضيه، أو بين مساندي عملية السلام الراهنة والقائمة بناء على اتفاقات أوسلو وحل الدولتين والمعارضين لها، أو بين معسكر السلام اليساري ومعسكر اليمين الرافض للسلام مع العرب

وهنا تشير كتابات عديدة إلى أن يهود أميركا في غالبيتهم يساريون مساندون للسلام واتفاقات أوسلو وحل الدولتين ولمواقف اليسار الإسرائيلي ولتوجهات اليسار الأميركي بحكم تصويت غالبية يهود أميركا للحزب الديمقراطي داخل أميركا، ودعمهم لأجندة اليسار الأميركي الليبرالية القائمة على العلمانية والحقوق المدنية واحترام الأقليات

في المقابل ترى المقالات نفسها أن سمة هوة كبيرة أو انفصام واضح بين أراء غالبية اليهود الأميركيين ورغبتهم في السلام وفي دولة إسرائيلية تطبق القيم التي تدعيها من ناحية وبين سلوكهم السياسي من ناحية أخرى، فسلوكهم يصب في غالبيته في صالح مساندة إسرائيل وحكوماتها بغض النظر عن مواقفها وعلاقة تلك المواقف بمصلحة أميركا أو إسرائيل البعيدة، حتى أن أحد الكتاب أعرب عن اعتقاده - المخلوط بالدهشة والتعجب العميقين - من أن بعض يهود أميركا يؤيدون معسكر مؤيدي السلام ومعسكر معارضيه داخل إسرائيل بدرجة 100% وهو أمر يحتوي على تناقض خطير

تحالفات لوبي إسرائيل

وسبب هذا التناقض أن لوبي إسرائيل وهي المنظمات التي تسيطر على يهود أميركا سياسيا يقف في غالبيته موقفا يمينيا متشددا - أقرب من الجناح اليميني المتشدد بإسرائيل الرافض للسلام بناء على أوسلو - ويسعى للتحالف مع القوي اليمينية داخل الولايات المتحدة، حيث يدفعان أميركا معا إلى سياسات متشددة تجاه الشرق الأوسط بشكل عام بما في ذلك السعي للضغط على إيران وسوريا بما يغلق باب الدبلوماسية معهما، والسعي إلى عزل حماس وسوريا بما لا يسمح بدمجهما في عملية السلام والتي لن تكتمل دونهما، والتشدد ضد الدول العربية بشكل عام، بل والاستفادة من صعود ظاهرة الإسلاموفبيا في أميركا كما يرى البعض

إذا تشير الكتابات المعنية إلى أن ما يطلق عليه لوبي إسرائيل بات يتشكل من جماعات أربعة رئيسية

أولها: غالبية المنظمات اليهودية الأميركية المعنية بالشئون العامة والسياسية، وعلى رأسها لجنة الشئون العامة الأميركية الإسرائيلية (الإيباك) والتي تعد ثاني أهم جماعات اللوبي نفوذا بالولايات المتحدة، والتي تسيطر بالتعاون مع المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى المتحالفة معها سيطرة شبه كاملة على القرار والصوت السياسي اليهودي الأميركي

ثانيا: تتحالف المنظمات السابقة بشكل متزايد مع قوي المسيحيين الإنجليكيين المتدينين بالولايات المتحدة، والذي يعرفون في كتابات أخرى بلقب "المسيحيين الصهاينة"، وهي قوى كبيرة تقدر أعدادها بحوالي 50 مليون أميركي، ويقلق تحالفها مع منظمات لوبي إسرائيل الكثيرين من يهود أميركا أنفسهم، وذلك لأن المسيحيين الصهاينة ليسوا ليبراليين ولأن مواقفهم المساندة لإسرائيل تعتمد على نبوءات دينية تبشر بحروب نهاية الزمان والتي تشهد القضاء على اليهود أو اعتناقهم للمسيحية

ثالثا: الجماعات الجمهورية المنغلقة والتي تتبنى سياسات خارجية متشددة تهمش الدبلوماسية وتعلي من أهمية القوة الأميركية كملاذ أول وأخير في مواجهة الآخرين ضمن ما يسمى بالحرب على الإرهاب وغيرها من الصراعات الخارجية التي تدور حولها أفكار تلك الجماعات

رابعا: تقود الجماعات السابقة في الفترة الحالية قوى المحافظين الجدد والتي يقودها قادة علمانيون بالأساس وبعضهم يهود يرفضون اتفاقات أوسلو وعملية السلام القائمة برمتها وذلك انطلاقا من عدم ثقتهم في العرب أو في إمكانية الوصول للسلام معهم حاليا

سلام قائم على القوة

ويصعب القول أن القوى السابقة تتبنى تصورا واحدا للسلام المثالي مع العرب كما تراه هي، فقوى المسيحيين الصهاينة تؤمن بأفكار دينية يصعب أن يؤمن بها قيادات لوبي إسرائيل والمحافظين الجدد العلمانية، كما أن قوى الجمهوريين المتشددة قد لا تمتلك رؤى واضحة لسلام الشرق الأوسط أصلا مما يجعلها فريسة لنزعاتها العدوانية من ناحية ولجهلها من ناحية أخرى

أما قوى لوبي إسرائيل والمحافظين الجدد فتبدو أنها تعارض الضغط على إسرائيل بأي شكل من الأشكال متفقة في ذلك مع غالبية يهود أميركا، ولكن الفارق هنا يكمن – كما تشير بعض الكتابات – في أن لوبي إسرائيل يريد سلاما قائما على القوة الأميركية والإسرائيلية وتغيير مواقف العرب لا سلاما قائما على المفاوضات والتنازلات المتبادلة

ويعبر عن ذلك التوجه بعض أهم مفكري المحافظين الجدد وعلى رأسهم أشخاص مثل نورمان بودهوريتز – أحد مؤسسي التيار – وتشارلز كراوتهمر – أحد أشهر كتابه – وإليوت إبرامز – نائب مستشار الأمن القومي الأميركي حاليا وأحد أهم المحافظين الجدد بالإدارة الأميركية الراهنة

حيث يتفق الثلاثة في معارضتهم لاتفاقات أوسلو لعدم ثقتهم في العرب، حيث يصف كراوتهمر مقولة "المعتدلين العرب" بأنها "أسطورة" ليس لها أساس من الصحة، ويرى بودهوريتز أن محمود عباس مثل ياسر عرفات، فعباس سبق له العمل كمساعد لعرفات، وأن لا فرق بين الاثنين وبين أي قيادة فلسطينية أخرى، وأن المناداة بعيش الفلسطينيين بجوار الإسرائيليين في سلام بمثابة ترك الحمل "الإسرائيلي" بجوار الأسد "الفلسطيني" بلا حماية، ويرى إبرامز أن كلينتون سعى للضغط على إسرائيل للوصول لاتفاقية سلام مع العرب من أجل مصلحته الشخصية، ولكي يضيف لقب صانع السلام بين العرب وإسرائيل إلى سجله الشخصي

وقد رحب الثلاثة بصعود شارون الذي سعى لفرض السلام على العرب من منطلق القوة الإسرائيلية لا من منطلق المفاوضات وتقديم التنازلات للفلسطينيين، ويرى بودهوريتز أن بوش قام بتغيير معادلة الصراع العربي الإسرائيلي عندما ساوى بين الجماعات المسلحة الفلسطينية والقاعدة، مما وضع الفلسطينيين بموضع المسئول عن توقف عن عملية السلام وأنهى ما كان يقوم به كلينتون حين كان يساوي بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مسئولية وقف العنف وتدهور المفاوضات

ولا يثق بودهوريتز أو كراوتهمر أو غالبية لوبي إسرائيل – فيما يبدو – في إيهود أولمرت حيث يرى هؤلاء أن أولمرت قائد فاشل ضعيف لا يرقى لمستوى شارون ولن يتمكن من فرض السلام الذي يريده هؤلاء، وهو سلام لن يتأتي – كما يرى بودهوريتز – إلا بتغيير العرب أنفسهم لمواقفهم تجاه إسرائيل

الشعور بالذنب وفشل لوبي السلام

في مقابل ما سبق يتساءل بعض الإسرائيليين واليهود الأميركيين حول "صمت" لوبي السلام اليهودي الأميركي وغيابه في مقابل الأصوات المتشددة السابقة، ويفسر هؤلاء أزمة لوبي السلام اليهود الأميركي بالأسباب التالية

أولا: يسيطر على يهود أميركا شعور قوي - يبدو مرضيا في عيون البعض – بالذنب تجاه إسرائيل والرغبة في مساندتها والدفاع عنها في أي حال من الأحوال، وهو شعور متأصل لدى القيادات اليهودية الأميركية بشكل عام – خاصة الكبار منهم في السن - يدفعهم لمكافحة وقمع أي جدل علني يثار حول إسرائيل أو سياستها وعلاقتها بأميركا حتى ولو كان جدلا يهوديا أميركا

ثانيا: سيطرة منظمات لوبي إسرائيل المتشددة على عملية تمثيل يهود أميركا لفترة طويلة مستفيدة من شعور يهود أميركا بالذنب والذي يدفعهم للصمت أو للمساندة، وتأييد أقلية من اليهود الأميركيين المتشددين لها، وهي أقلية مساندة لإسرائيل على طول الخط ولا تبالي بأي قضية أخرى سوى إسرائيل بعكس غالبية اليهود الأميركيين

ثالثا: فشل لوبي إسرائيل المساند للسلام في بناء منظماته وقواه السياسية بشكل يمكنه من مواجهة نفوذ وسيطرة منظمات لوبي إسرائيل المتشددة خلال الفترة الحالية، وذلك على الرغم من الأحاديث المتزايدة عن نشاط لوبي السلام في التوحد ضد مواقف منظمات لوبي إسرائيل المتشددة

رابعا: فشل القيادات السياسية الأميركية الديمقراطية في اتخاذ مواقف مساندة للسلام ورضوخ تلك القوى لمنظمات لوبي إسرائيل المتشددة

أنابوليس ومتطلبات السلام

نتيجة لما سبق ووفقا للعوامل السابقة دعا البعض إلى خفض التوقعات بخصوص مؤتمر أنابوليس، وبضرورة اعتباره بداية لسلسلة مؤتمرات مشابهة لا كونه مؤتمرا يسعى لحل نهائي للقضايا الأساسية العالقة، كما أكد البعض على أن الرئيس بوش معني حاليا بإيجاد حل لمشكلة العراق بشكل أساسي لا بإحلال السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والذي تسعى إليه وزيرة الخارجية كونداليزا رايس بالأساس، في حين أكد آخرون على أن السلام لن يتحقق دون نشوء حركة أميركية مساندة للفلسطينيين وللسلام على مستوى المجتمع المدني الأميركي على غرار حركة الحقوق المدنية الأميركية والتي احتاجت عقودا لكي تأتي أكلها

مقالات ذات صلة

عرض كتاب "فلسطين: سلام لا تفرقة" لجيمي كارتر

صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأمريكي منذ 11/9

لوبي إسرائيل وسياسة أمريكا الخارجية

تناول الإعلام الأمريكي لدور لوبي إسرائيل خلال الحرب على لبنان

Friday, March 02, 2007

صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأمريكي منذ 11/9


بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 2 مارس 2007
نص المقال

يسعى المقال الراهن إلى البرهنة على حجة تنادي بأنه على الرغم من التأييد الذي تتمتع به إسرائيل في أوساط النخب الأميركية الحاكمة فإن صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي تعاني سلبيا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 على الأقل، حيث مرت صورة إسرائيل في عيون الأميركيين منذ ذلك الحين بأكثر من أزمة واضحة، أولهما في أعقاب الأحداث الإرهابية، وثانيهما في أعقاب فشل التدخل الأميركي في العراق

كما يرصد المقال الراهن عدد من العوامل المساعدة على استمرار تدهور صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي خلال الفترة الحالية وعلى رأس تلك العوامل الأخطاء الدبلوماسية التي وقعت فيها إسرائيل في حربها على لبنان، وصعود وسائل الإعلام البديلة - وعلى رأسها الإنترنت، وانتشار الأصوات المتعاطفة مع المسلمين والعرب في أوساط شعبية أمريكية معينة واستمرار تدهو الأوضاع في العراق بصفة خاصة وتخبط السياسة الأميركية في الشرق الأوسط بصفة عامة، وهي عوامل تشكل إضعافا مستمرا لصورة إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي، كما أنها قد تقود إلى إدخال صورة إسرائيل أزمات جديدة عميقة في أوساط الأميركيين

الأزمة الأولى

تقرير "لوبي إسرائيل" الصادر في مارس 2006 من تأليف اثنين من أكبر أساتذة العلوم السياسية بأميركا وهما ستيفين والت وجون ميرشماير تحدث - في بعض أجزاءه - عن تحديات ضخمة واجهها لوبي إسرائيل من قبل الجامعات الأمريكية بعد انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية في عام 2002

ويقول التقرير أن لوبي إسرائيل وجد صعوبة في التعامل مع النقد المتزايد لإسرائيل بالجامعات الأمريكية مما دفعه لإطلاق عدد من المبادرات الجديدة للتعامل مع الأزمة، حيث أنشأ بعض الأكاديميين الموالين لإسرائيل منظمة لمراقبة الحرم الجامعي تشجع طلاب الجامعات على كتابة تقارير ضد أساتذتهم الناقدين لإسرائيل، كما سعى آخرون للضغط على الكونجرس لمنع الدعم عن الجامعات التي ينتشر بها نقد إسرائيل

التحديات السابقة يمكن النظر إليها كجزء من أزمة أكبر مرت بها صورة إسرائيل في أمريكا بعد 11/9 وارتبطت بسعي الأمريكيين لفهم الأسباب التي قادت إليها، حيث انقسم الأمريكيون إلى فئتين رئيسيتين، أولهما رأت أن السياسة الخارجية الأميركية خاصة تجاه الشرق الأوسط هي السبب، أما الفئة الثانية فرأت أن الإرهابيين يكرهون أمريكا بسبب قيمها، وبمرور الوقت ونظرا لنفوذ المحافظين الجدد داخل الإدارة الأميركية وفي أوساط الإعلام الأميركي انتصرت الفئة الثانية على الفئة الأولى، ولكن ذلك لم يمنع الأميركيين من إعادة التفكير في طبيعة سياسات بلدهم تجاه الشرق الأوسط ودورها في تأجيج العداء الدولي لأميركا، ساعد على ذلك التدهور الذي شهدته عملية السلام في عامي 2001 و2002

لذا كشفت بعض وسائل الإعلام اليهودية الأمريكية خلال عامي 2002 و2003 عن شعور بعض قادة أكبر المنظمات المساندة لإسرائيل بأمريكا بأن صورة إسرائيل في عيون الأميركيين تمر بأزمة

فعلى سبيل المثال نشرت وكالة جيوش تلغراف في 17 ديسمبر 2003 مقالا تحدث عن انتشار شعور بان "إسرائيل تخسر معركة التأثير على عقول وقلوب الأمريكيين" في دوائر المنظمات المساندة لإسرائيل والتي شرعت منذ عام ونصف في تنفيذ حملة علاقات عامة واسعة لمواجهة تدهور صورة إسرائيل في أوساط الرأي العام الأميركي

وذكر التقرير أن إسرائيل التي نجحت في الحفاظ على النخب السياسية الأمريكية الحاكمة لسياساتها باتت تواصل مشكلة في التواصل مع الشعب الأمريكي، كما أشار إلى استطلاع لتوجهات الأميركيين أجرته منظمة تدعى "مشروع إسرائيل" في نوفمبر 2003 وجد أن نسبة الأمريكيين الراغبين في أن تقف أمريكا موقفا محايدا تجاه صراع الشرق الأوسط وصلت إلى 62% مقارنة مع 43% في منتصف عام 2002

كما كشف التقرير - وتقارير أخرى نشرت حول القضية ذاتها - أن صورة إسرائيل تعاني بدرجة أكبر في أوساط ثلاث فئات أمريكية أساسية وهي الجامعات الأمريكية والأفارقة الأمريكيين وأصحاب التوجه السياسي الليبرالي، وذكرت بعض المصادر أن هجوم إسرائيل الدائم على أعدائها لا يكفي لتحسين صورتها لدى الرأي العام الأميركي والذي بات يشعر أن إسرائيل لا تمتلك مشروعا لتحقيق السلام بالشرق الأوسط

ولكن التقارير نفسها عادت وتحدثت عن جهود تقوم بها المنظمات الموالية لإسرائيل لتحسين الصورة كإنشاء منظمات جديدة للتعامل مع الجامعات وتوعية الطلاب، وأخرى للدعاية والإعلان، هذا إضافة إلى هجوم لوبي إسرائيل الناجح على عدد من أعضاء الكونجرس المساندين لإسرائيل في انتخابات عام 2002 التشريعية حيث نجح اللوبي في إسقاط عدد من أبرز أعضاء الكونجرس المساندين للقضية الفلسطينية وهما النائبة سنثيا ماكيني والنائب إريل هلليار

الأزمة الثانية

يمكن القول أن تحركات لوبي إسرائيل لاحتواء الأزمة الأولى - والتي لم توازيها تحركات متكافئة من حيث الحجم والنوع من قبل الأطراف المسلمة والعربية - والظروف التي مرت بها أمريكا في العامين التاليين لأحداث 11/9 وصعود نجم المحافظين الجدد ومن ورائهم المسيحيين المتدينين وقوى اليمين الأميركي التي دفعت بأمريكا لحرب العراق - ساهمت معا في تخطي صورة إسرائيل أزمتها الأولى، ولكن هذا لم يحول دون دخول صورة إسرائيل أزمة ثانية على أثر تردي الأوضاع بالعراق

ويمثل تقرير لوبي إسرائيل - الذي أشرنا إليه في بداية المقال - علامة فارقة في هذه الأزمة، فقد نشر عن أكاديميين معروفين يعملان بأهم الجامعات الأميركية ممتلئا بنقد لمختلف الحجج الإستراتيجية والأخلاقية التي يستخدمها أنصار إسرائيل لإقناع الرأي العام الأميركي بأن مساندة إسرائيل تصب في مصلحتهم، حيث رفض مؤلفا التقرير هذه الحجج مؤكدين على أن السبب الرئيسي للتأييد الذي تحظى به إسرائيل هو لوبي إسرائيل وقدراته التنظيمية

كما ركز التقرير على نفوذ المحافظين الجدد داخل إدارة الرئيس جورج دبليو بوش وكيف لعب عدد منهم ومن كبار أعضاء لوبي إسرائيل دورا هاما في إقناع الإدارة والرأي العام الأمريكي بالحرب على العراق، وكيف حلموا هم وساسة إسرائيل بإعادة تشكيل الشرق الأوسط بعد إسقاط النظام العراقي

ويمكن القول أن تقرير لوبي إسرائيل لم يكن المؤشر الأول على الأزمة التي مرت بها إسرائيل في عيون الأميركيين نتيجة لأخطاء الحرب على العراق، بل كان - في الغالب - نتاجا لهذه الأزمة وليس سببا لها، حيث ارتبطت الأزمة الحقيقية بحالة الرفض والسخط الشديدين التي طغت على غالبية الدوائر الأكاديمية والثقافية الأميركية تجاه سياسة الإدارة التي قادت إلى الحرب على العراق، والتي أصبحت يضرب بها المثل في سوء التخطيط والإدارة السياسية ليس فقط من قبل اليسار الأميركي فقط ولكن أيضا من قبل كتاب يمينيين معروفين كفرانسيس فوكوياما

وترتب على ذلك طغيان حالة من الفشل والصمت على المحافظين الجدد في أوائل عام 2006، ويكفي هنا الإشارة إلى أن مشروع "القرن الأمريكي الجديد" وهو مشروع فكري يضم قيادات المحافظين الجدد المشروع لم ينشر أي كتابات جديدة عن الشرق الأوسط منذ سبتمبر 2005

ولم يكن مستغربا أن يتأكد شعور الأمريكيين بالرغبة في الحياد تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، حيث وجد استطلاع لأراء الأميركيين أجراه مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) في أواخر عام 2005 أن 63% من الأمريكيين باتوا يعتقدون أن طرفي الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يقفان على جانب الصواب بشكل متساوي وذلك مقارنة بنسبة 50% في أواخر عام 2004

مقدمات الأزمة الثالثة

إضافة إلى الأزمتين السابقين يمكن الإضافة إلى عدد من العوامل الهامة التي من شأنها إستمرار تدهور صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي خلال الفترة الحالية

أولا: لم تتمكن إسرائيل خلال السنوات الخمس الأخيرة من علاج الجذور الفعلية للأزمة التي تعانيها لدى الرأي العام الأميركي، وعلى رأسها فشل عمليه السلام وعدم وجود خطط إسرائيلية مقنعة لتحقيق السلام المنشود في الشرق الأوسط

ثانيا: حالة التأييد العام التي تمتعت بها إسرائيل من قبل الولايات المتحدة حكومة وشعبا في أعقاب بداية حرب لبنان قد لا تعبر عن حقيقة شعور الرأي العام الأميركي تجاه السياسات الإسرائيلية بقدر ما هي رد فعل لموقف النخب الأميركية السياسية والإعلامية المساند لإسرائيل، ولطبيعة المشاعر الوطنية الأميركية والتي تدعو الأميركيين للتوحد في أوقات الأزمات، لذا أكد استطلاع أجراه كير في نهاية يوليو 2006 أن الحرب على لبنان لم تغير موقف غالبية الشعب الأميركي (63%) المطالب بالمحايد تجاه صراع الشرق الأوسط

ثالثا: هناك تغيرات تكنولوجية وديمغرافية بعيدة المدى تعمق أزمة صورة إسرائيل يصعب إيجاد حلول سريعة لها، وعلى رأس هذه العوامل صعود الإنترنت كمصدر للمعلومات، وزيادة أعداد المسلمين والعرب بالولايات المتحدة وأوربا، وزيادة شعور الرأي العام الأوربي السلبي تجاه السياسات الإسرائيلية مما يمثل عامل ضغط هام على نظيره الأميركي، هذا إضافة إلى انفتاح بعض فئات الشعب الأميركي على وجهة النظر العربية وعلى رأسها الأفارقة الأمريكيين وأصحاب التوجه السياسي الليبرالي والجامعات

رابعا: فشلت إسرائيل في كسب التعاطف الدولي في حربها على لبنان بسبب إفراطها في استخدام القوة ورفضها الحلول الدبلوماسية التي ساندتها غالبية دول العالم والمنظمات الدولية

خامسا: تقرير "لوبي إسرائيل" تبعته موجة من المقالات التي ناقشت دور اللوبي – وهي تمثل في حد ذاتها – مادة هامة عن دور اللوبي تستحق الدراسة والإهتمام، كما أنها أوجدت درجة عالية من النقاش عن دور لوبي إسرائيل الذي يندر الحديث عنه

كما ظهرت منذ ذلك الحين دراسات وتقارير هامة تحرج إسرائيل أمام الرأي العام الأميركي وعلى رأسها كتاب الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر "فلسطين: سلام لا تفرقة"، وتقرير لجنة بيكر هاميلتون والذي تحدث عن أهمية إيجاد حل سياسي لمشاكل المنطقة كطريق لحل أزمة العراق

ويضع كتاب بيكر على وجه الخصوص العبئ الرئيسي في تدهور عملية السلام على إكتاف قادة إسرائيل ومن خلفهم الولايات المتحدة، حيث يرى كارتر في خلاصة كتابه الرئيسية أن إسرائيل تكاد تكون في حالة إنتهاك مستمرة لإتفاقات السلام مع العرب منذ إتفاقات كامب دايفيد مع مصر

خاتمة وتحذير

بقى لنا أن نحذر من أن دخول صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي أزمة كبرى جديدة في الفترة الحالية ليس أمرا حتميا فهو يعتمد على توافر عدد من العوامل القابلة للتغيير، وعلى رأس تلك العوامل فشل لوبي إسرائيل في احتواء المستجد من التحديات التي تمر بها صورة إسرائيل على الرغم مما يتمتع بها من قدرة على المبادرة وانتشار أفقي ورأسي بدوائر تشكيل الرأي العام الأميركي، وقدرة الأطراف المسلمة والعربية على استغلال تلك التحديات على الرغم من الإمكانيات المحدودة التي يتمتع بها اللوبيين العربي والمسلم بأمريكا وعدم وجود خطة علاقات عامة شاملة ترعاها الدول العربية أو الإسلامية بأميركا

هذا إضافة إلى صمت النخب السياسية الأميركية المسيطرة الذريع عن كل ما قد يمثل نقدا لإسرائيل

------

مقالات ذات صلة

فلسطين سلام لا تفرقة

الإنجليكيون وإعادة صياغة السياسة الخارجية الأمريكية

تناول الإعلام الأمريكي لدور لوبي إسرائيل في الأزمة الراهنة

لوبي إسرائيل وسياسة أمريكا الخارجية

Monday, November 13, 2006

المال وعدم المساواة والانتخابات وأزمة الديمقراطية الأميركية



مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
جريدة الإتحاد، 13 نوفمبر 2006

نص المقال

يشتكى المفكر الليبرالي الأميركي المعروف نعوم تشومسكي في الفصل الأخير من أحدث كتبه "دول فاشلة" الصادر في العام الحالي من وصول شعور المواطن الأمريكي بالضعف وبعدم القدرة على التأثير على مخرجات النظام السياسي الأميركي لمستويات مقلقة

وسبب ذلك – كما يرى تشومسكي – هو تحول الدولة الأميركية إلى أداة في أيدى أصحاب المال والشركات والأثرياء لتحقيق مصالحهم على حساب إخضاع وتقييد مصالح الفئات الفقيرة والأقل نفوذا كالفقراء والنساء والشباب والأقليات، ويرى تشومسكي أن استخدام الدولة كأداة في يد النخب القوية لتحقيق مصالحها وحمايتها من الأغلبية الفقيرة ليس أمرا جديدا، ولكنه أمر تم إحياءه في ستينيات القرن الماضي حينما شعرت النخب الأميركية بمرور أميركا بحالة "إفراط ديمقراطي" أدت إلى صعود فئات "سلبية ومهمشة اعتياديا" مثل "النساء والشباب وكبار السن والعمال والأقليات"، ولعلاج هذه "أزمة الإفراط الديمقراطي" اتخذت النخب الثرية عددا من الإجراءات الفورية مثل زيادة أنشطة اللوبي والضغط السياسي نيابة عن الشركات ورجال الأعمال والأثرياء، وزيادة الدعم المالي لمراكز الأبحاث اليمينية، والتحالف مع الجماعات الجماهيرية المتدينة والتي سيطرت تدريجيا على القواعد الجماهيرية للحزب الجمهوري

ويقول تشومسكي أن التحركات السابقة تمكنت تدريجيا من إجهاض ثمار ثورة الحقوق والحريات وعلى رأسها تقليل الفجوة بين الأثرياء والأغنياء، ففي الفترة من 1983 إلى 1998 ارتفع متوسط ثروة أغني 1% من الأميركيين بنسبة 42% في حين تراجعت ثروة أفقر 40% من الشعب الأمريكي بنسبة 76% خلال الفترة ذاتها، في الوقت الذي تضاعفت فيه نفقات الأثرياء على أعمال الضغط السياسي واللوبي

وقاد ذلك إلى شبه الانفصال بين مطالب غالبية الشعب الأميركي وقضاياهم الحقيقية والأجندة السياسية السائدة بواشنطن لدى الحزبين الجمهوري والديمقراطي على حد سواء، وهنا يشير تشومسكي مستعينا باستطلاعات مختلفة إلى أن أغلبية الشعب الأميركي يفضلون خفض ميزانية الدفاع الأميركية وزيادة الإنفاق على برامج التعليم والرعاية الصحية ورعاية الفقراء، وهي قضايا تعجز نخب الحزبيين الأميركيين الرئيسيين الجمهوري والديمقراطي على حسمها بشكل قاطع يعكس إجماع الشعب الأميركي تجاهها

ومع استمرار هذه الظاهرة، يؤكد تشومسكي على أن المواطن الأميركي بات قليل الاهتمام بالانتخابات الأميركية وبمواقف المرشحين الحقيقية خاصة في ظل حالة التسطيح التي تدار بها الحملات الانتخابية الأميركية والتي تركز على إغراق الناخبين بالدعايات خاصة عبر التلفاز، وهي دعايات تركز في معظمها على تشويه صورة الخصوم، وتكرار بعض الأفكار السطحية الإيجابية عن المرشح الذي يمولها، لذا يشبه تشومسكي هذه الدعايات بدعاية القطاع الخاص عن السلع الاستهلاكية والتي تهدف إلى غش المستهلك ودفعه إلى الاستهلاك أكثر من تقديم معلومات صحيحة عن المنتج ومدى فائدته للمستهلك وما يعتريه من مزايا وعيوب ومدى احتاج المستهلك الحقيقي للسلعة المعلن عنها

المال وانتخابات عام 2006

في ظل إطروحات تشومسكي السابقة الهامة عقدت انتخابات عام 2006 الفيدرالية والتي حقق فيها الديمقراطيون فوزا كبير، وهو فوز يتوقع له أن يمكن الديمقراطيون من كسر قيود الاحتكار القوية التي يفرضها الجمهوريون على مقاليد صناعة القرار السياسي الأميركي خلال الفترة الحالية، ولكن يبقى السؤال حول ما إذا كان فوز الديمقراطيين في الانتخابات الأخيرة سيقتصر على إحداث تغيير هامشي داخل النخب الأميركية الحاكمة بإحلال النخب الديمقراطية مكان نظيرتها الجمهورية؟ أم أنه سوف يقود إلى أكثر من ذلك وتحديدا إلى تقليل عدم المساواة وتقوية الأغلبية الفقيرة

ويدفعنا ذلك إلى تناول الدور الذي يلعبه المال في انتخابات العام الحالي بحكم أن قضية تأثير المال على الانتخابات تعد اختبارا حقيقيا لمدى نفوذ المواطن الأميركي العادي على مسار العملية الانتخابية بصفتها أحد أهم أدوات الديمقراطية الأميركية

وبهذا الخصوص تشير أحدث إحصاءات مركز "سنتر فور بابليك إنتجريتي" - وهو مركز أبحاث أميركي مستقل معني بتتبع تأثير المال والتبرعات السياسية على سير العملية الانتخابية الأميركية - إلى أن حجم التبرعات التي جمعها المرشحون السياسيون المتنافسون على الفوز في الانتخابات الفيدرالية المنصرفة تقدر بحوالي 2.6 بليون دولار مقارنة بـ 2.2 بليون دولار هي تكلفة انتخابات عام 2002 الفيدرالية النصفية وهو ما يعادل زيادة قدرها 18%، وهو أيضا أمر يشير إلى الارتفاع المستمر في تكلفة الانتخابات الفيدرالية الأميركية واعتماد المرشحين المستمر على المال وهو اعتماد يقفز لمستويات عالية في مواسم الانتخابات الرئاسية بسبب ارتفاع تكاليف حملات الرئاسة الأميركية ذاتها ففي عام 2004 وصلت تكاليف الانتخابات الفيدرالية إلى 4.2 بليون دولار أميركي

وتشير إحصاءات المركز السابق إلى أن كل مرشح بانتخابات مجلس النواب جمع في المتوسط حوالي 800 ألف دولار أميركي استعدادا للانتخابات في حين جمع كل مرشح بانتخابات مجلس الشيوخ 4.9 مليون دولار أميركي في المتوسط، وهي بدون شك كميات كبيرة من تبرعات كبيرة تزيد في حالة كون المرشح هو من أعضاء الكونجرس الحاليين حيث جمع كل عضو من أعضاء مجلس النواب الذي ينافسون في الانتخابات الحالية تبرعات تقدر 1.1 مليون دولار في المتوسط، أما نصيب أعضاء مجلس الشيوخ الذين يخوضون الانتخابات حاليا من التبرعات فيقدر بـ 10 مليون دولار أميركي

وتشير الإحصاءات السابقة إلى أن أعضاء الكونجرس الحاليين أكثر قدرة على جمع التبرعات مقارنة بمنافسيهم الجدد وأن جماعات الضغط تفضل مساندة أعضاء الكونجرس الحاليين وبناء علاقات بعيدة المدى معهم مما يؤدى إلى إضعاف شديد لحالة الحراك السياسي الأميركي، فوصول سياسي ما للكونجرس الأميركي يضمن له الحصول على دعم شركات اللوبي والعلاقات العامة والمتبرعين الأثرياء بما يضمن له الاستمرار لسنوات عديدة في الكونجرس

وفيما يتعلق بمصدر التبرعات تشير الإحصاءات إلى أن عدد من يتبرعون بمبلغ 200 دولار أو أكثر في الانتخابات - وهو مبلغ ضئيل جدا يمثل الحد الأدنى للتبرعات السياسية الواجب تسجيلها قانونيا - هي 620 ألف مواطن أميركي أو ما يعادل 0.21% من المواطنين الأميركيين فقط، وهذا يعني أن العملية الانتخابية بالولايات المتحدة تعتمد على تبرعات أقل من ربع الواحد من المائة من المواطنين الأميركيين، أما الغالبية العظمي من الشعب الأميركي ونسبتها 99.75% فتأثيرها المالي على الانتخابات محدود للغاية ويكاد يكون منعدما

أما أهم المصادر الجغرافية للتبرعات السياسية فهي مراكز المال والاقتصاد بنيويورك وتجمعات جماعات اللوبي والمصالح بالعاصمة الأميركية واشنطن وهما معا يشكلان أهم عشرة أرقام بريدية على مستوى الولايات المتحدة من حيث حجم التبرعات السياسية التي ترد منها

أسباب أخرى لعدم المساواة

المشكلة هنا أن مشكلة عدم المساواة التي تعاني منها الديمقراطية الأميركية تتخطى قضية المال وحدها ودوره في التأثير على الانتخابات فهي قضية متشعبة ذات جذور متشعبة، وهنا يجب الإشارة إلى نتائج تقرير صدر في عام 2004 عن لجنة عمل شكلتها الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية في عام 2001 لدراسة ظاهرة "عدم المساواة والديمقراطية الأمريكية"، وقد خرجت اللجنة في عام 2004 بتقرير يسعى لتقييم حالة الديمقراطية الأمريكية في أوائل القرن العشرين وأهم التحديات التي تواجهها، وعلى رأسها ما يلي

أشار التقرير إلى أن الشعب الأميركي أكثر قبولا بعدم المساواة بسبب إيمانه القوي بالثقافة الرأسمالية والتي تنادي بوجود فوارق طبيعية بين الأفراد تقود إلى تفاوت في الثروات، ولكن الشعب الأميركي يرفض عدم المساواة الناجمة عن التمييز

الفجوة المتزايدة بين الفقراء والأغنياء في أميركا تنعكس بشكل واضح على مظاهر المشاركة السياسية وعلى رأسها التصويت في الانتخابات، حيث تقتصر نسبة المشاركة في انتخابات الكونجرس على ثلث الناخبين المسجلين في قوائم الاقتراع الأمريكية، وهي نسبة ترتفع في انتخابات الرئاسة الأميركية لنصف الناخبين المسجلين فقط

أغنياء أميركا ليسوا أكثر نشاطا من فقرائها في مجال التصويت فقط فهم أكثر منهم مشاركة في العمل بالحملات الانتخابية والتبرع المالي والاتصال بالسياسيين وتنظيم المظاهرات وعضوية مجالس إدارة الهيئات المحلية وعضوية المنظمات السياسية

الفجوة في مستويات المشاركة السياسية بين الأغنياء والفقراء في أميركا في ازدياد منذ الستينات، وهي فجوة يصعب علاجها من خلال انتشار أدوات الاتصال الحديثة كالإنترنت، والذي أصبحت أداة في يد الأثرياء النشطين سياسيا لكي يزدادوا نشاطا ونفوذا مقارنة بالفقراء غير النشطين

تراجعت عضوية إتحادات العمال إلى 9% فقط من إجمالي القوى العاملة بأميركا، وفي المقابل انتشرت جماعات المصالح التي تمثل الأغنياء بشكل رهيب، وحتى جماعات المصالح التي تمثل القضايا العامة كالبيئة تزداد عزلة عن قضايا الجماهير العادية كلما ازدادت انخراطا ونفوذا سياسيا

الأحزاب السياسية الأميركية الكبرى تركز في نشاطها السياسي والانتخابي على الوصول إلى الأثرياء والحصول على دعمهم ولا تشغل نفسها كثيرا بالوصول إلى الفقراء وتنشيطهم

نتيجة لما سبق لا يسمع المسئولون الأميركيون أصوات المهاجرين والأقليات والفقراء لأنهم محاطين بالأثرياء الذين يدعمونهم ويمتلكون جماعات مصالح عالية الصوت

لكي يحصل السياسيون الأميركيون على مزيد من الدعم من النخب الثرية باتوا يركزون في سياستهم على تزويد المناطق الثرية بمزيد من الخدمات والمزايا، حتى أن إعادة رسم الدوائر الانتخابية باتت تتم بشكل أكثر تكرارا لضمان حصول أعضاء حزب الأغلبية على دوائر أكثر ثراءا وأكثر مساندة لهم، وبهذا أصبح السياسيون الأميركيون هم من يختارون الناخبين وليس العكس - كما يشير التقرير

سياسات الحكومة الأميركية قد لا تصب مباشرة في مصالح الأثرياء بقدر ما تحجم عن رعاية برامج ومصالح وأجندة الفقراء مثل قضايا التعليم والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي وهي قضايا لا نشغل النخب الثرية لذا تهملها الحكومة مما يزيد من شعور الفقراء بالعزلة وعدم الرغبة في المشاركة السياسية


انتخابات 2006 والديمقراطية الأميركية

الأسباب السابقة مجتمعة توضح لنا أن الشعب الأميركي والديمقراطية الأميركية ومستقبل الولايات المتحدة في حاجة إلى وقفة أكبر مع الذات الأميركية، وقفة لمراجعة حالة الديمقراطية الأميركية وإيجاد حلول عاجلة لأزمة الطبقات الفقيرة والمتوسطة ومخاطبة برامجها بجدية وبشكل يشعرها بالثقة في النظام السياسي الأميركي ويشجعها على المشاركة الواعية النشطة من جديد

------

مقالات ذات صلة

أين أخطأ اليمين الأميركي؟

مهمة الديمقراطيين الصعبة في الانتخابات الأميركية الراهنة

عدم المساواة والديمقراطية الأمريكية

Tuesday, August 22, 2006

الإنجليكيون وإعادة صياغة السياسة الخارجية الأمريكية

مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر: جريدة الإتحاد، 23 أغسطس 2006

نص المقال

صعود نفوذ المسيحيين المتدينين داخل أروقة صنع السياسة الخارجية الأمريكية خلال عهد إدارة الأمريكي الرئيس جورج دبليو بوش جعلهم محل اهتمام صحفي وأكاديمي داخل أمريكا وخارجها، ومع ذلك يمكن القول أن هناك ندرة نسبية في الدراسات التي تتعامل معهم وتقدم أفكار تحليلية جديدة تمكن من فهمهم وفهم نظرتهم لأنفسهم وللعالم وحجم تأثيرهم على السياسة الخارجية الأمريكية وكيفية التعامل مع هذا التأثير

من هذا المنطلق يركز المقال الراهن على عرض وتحليل مقال مطول نشرته مجلة فورين أفاريز "شئون خارجية" الأمريكية، والتي تعد أكثر مجلات العلاقات الدولية الأمريكية نفوذا، والصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، وهو بدوره أحد أهم مراكز الأبحاث الأمريكية المعنية بالسياسة الخارجية

المقال المذكور منشور في عدد سبتمبر / أكتوبر 2006 من المجلة، وهو من تأليف الكاتب الأمريكي المعروف والتر راسل ميد الباحث بمجلس العلاقات الخارجية والذي يتولى في نفس الوقت الإشراف على عدد من برامج الدراسات والأبحاث بمراكز بحثية أمريكية مختلفة تركز في غالبيتها على تحليل السياسة الخارجية الأمريكية وتأثرها بالأوضاع داخل أمريكا بما في ذلك صعود الجماعات الأمريكية المتدينة

ميزة المقال الراهن تكمن في عدة أسباب على رأسها سعي مؤلف لشرح معتقدات التيارات المسيحية البروتستانتينية المختلفة وتأثير تلك المعتقدات على نظرة كل تيار للأخر ولمستقبل العالم ولسياسة أمريكا الخارجية، كما يسعى المقال إلى أبرز أسباب صعود التيار الإنجليكي في العقود الأخيرة وحجم النفوذ والثقل الذي يتمتع به هذا التيار في دوائر صنع السياسة الأمريكية، كما يرصد المقال أهم قضايا التيار الإنجليكي الخارجية وكيف تمكن من إعادة صياغة بعض جوانب السياسة الخارجية الأمريكية بالفعل، وفي النهاية يقدم المقال تصورا للمستقبل ولكيفية التعامل مع نفوذ التيار الإنجليكي والذي يتوقع له المؤلف أن يستمر قويا في المستقبل المنظور

ولهذه الأسباب مجتمعة والتي تضفي مسحة من الشمولية والاستيعابية على المقال المتميز رأينا أن نتناوله بالعرض والتحليل على أمل تلخيص أهم مضامينه للقارئ العربي

تقسيم التيارات المسيحية البروتستانتينية

في بداية المقال يعبر والتر رسل ميد عن اعتقاده بأن أحد أسباب عجز محللي السياسة الخارجية الأمريكية عن فهم تأثير صعود نفوذ التيارات الدينية على السياسة الخارجية الأمريكية يعود إلى عدم فهم هؤلاء المحللين للتيارات الدينية الأمريكية وعقائدها ونظرتها نحو الأخر وتصورها لدور أمريكا في العالم

لذا سعى ميد - في النصف الأول من مقال - إلى تقديم تعريفات مختصرة للتيارات البروتستاتينية الرئيسية بالمجتمع الأمريكي والتي قسمها ميد إلى ثلاثة تيارات كبرى، وهي التيار الأصولي والتيار الليبرالي والتيار الإنجليكي

بالنسبة للتيار البروتستاني الأصولي يقول ميد أنه يمثل أكثر التيارات البروتستانينية انغلاقا وعزلة بسبب تمسك أتباعه بالتفسير الحرفي لنصوص الديانة المسيحية بغض النظر عن مدى تطابق هذه النصوص مع الحقائق العلمية، هذا إضافة إلى موقفهم المعادي للطوائف الدينية الأخرى بما في ذلك الطوائف المسيحية المختلفة عنهم كالكاثوليكيين، وإلى رغبتهم الانعزالية الناتجة عن شعورهم بالاغتراب وبالعزلة وبكون الأغلبية المحيطة بها أغلبية غير مؤمنة ولن تؤمن بأفكارهم الدينية التي تشجعهم على النظر إلى المؤمنين كمجموعة أقلية تعيش في وسط أغلبية غير مؤمنة عبر التاريخ

ويقول ميد أن المعتقدات السابقة تدفع الأصوليين إلى العزلة على الصعيد الداخلي لإيمانهم بأن أمريكا لن تصبح يوما ما دولة دينية تتبع تعاليم المسيحية، وللعزلة على المستوى الخارجي لشعورهم بأن النظام الدولي والمؤسسات الدولية تحمي دول ونخب علمانية وأخرى معادية للمسيحية

وبالنسبة للتيار البروتستانتي الليبرالي، يقول ميد أنه التيار الأكثر انفتاحا على الأخر من بين تيارات البروتستاتينية الأمريكية بسبب تعلميه التي تفضل النظر للمسيحية على أنها نظام أخلاقي وليس كنصوص تطبق حرفيا على الواقع، حيث يرى أتباع هذا التيار أن الأديان المختلفة تحض على الأخلاق بشكل أو بأخر كما يتبنون نظرة أكثر قبولا بفكرة أن الرب سوف يتقبل الطوائف غير المسيحية ويغفر لهم في الآخرة

وينظر أصحاب هذا التيار بشكل عام نظرة متسامحة تجاه الأديان الأخرى مع الحرص على التعاون معهم، كما ينظرون نظرة إيجابية لمستقبل العالم وإلى قدرة بلدان العالم على التعاون مع بعضها بعضا وبناء نظام دولي يحقق العدالة والسلام

ويقول ميد أن التيار البروتستاني الليبرالي كان التيار السائد بالولايات المتحدة خلال معظم التاريخ الأمريكي، وخاصة أن الحركات الفكرية العلمانية التي مرت بها أمريكا ساندت هذا التيار ودعمته، وقد حقق هذا التيار انتشارا واسعة في عقد الستينات بصفة خاصة والذي شهد انتشار للحركات الليبرالية بالمجتمع الأمريكي، ولكن التيار نفسه بدأ في التراجع منذ ذلك الحين لعدة أسباب على رأسها طبيعته المتسامحة مع الفكر العلماني مما يجعله يفقد الكثير من أبتاعه للفكر العلماني ذاته، هذا إضافة إلى ميل أتباع هذا التيار إلى عدم التركيز على القضايا الدينية في أجندتهم العامة مما أفقدهم تدريجيا مساندة المتدينين بالمجتمع الأمريكي، هذا إضافة إلى موقف أصحاب التيار الليبرالي المتسامحة مع قضايا مثل حقوق الشواذ والتي تفقدهم مساندة التيارات الدينية المحافظة داخل الديانات الأمريكية المختلفة كالطوائف الكاثوليكية واليهودية المحافظة

أما بالنسبة للتيار الإنجليكي فيصفه ميد بأنه التيار الوسط بين التيارين السابقين فهو يجمع بين عقائد التيار الأصولي المنغلقة ونظرة التيار الليبرالي للعالم المنفتحة، حيث يؤمن الإنجليكيون بأن الإيمان بالمسيح هو الطريق الوحيد للخلاص في الآخرة، ولكنهم في نفس الوقت يرون أن الإيمان بالمسيح ليس مغلقا على أقلية صغيرة من المؤمنين كما هو الحال في معتقدات الأصوليين، حيث يرى الإنجليكيون على النقيض أن باب الإيمان بالمسيح والولادة من جديد مفتوح أمام الجميع

لذا يركز الأنجليكيون في أنشطتهم إلى التبشير الديني والعمل الخيري كأسلوب لجذب قلوب غير المسيحيين للمسيحية، وهي أفكار تجعل الإنجليكيون منفتحون على التعاون مع التيارات الأخرى داخل وخارج أمريكا بعكس الأصوليين الذين يميلون للانغلاق على أنفسهم والعزلة، كما يتميز الأنجليكيون بتفاؤلهم بخصوص إمكانية إحداث تغيير أمريكا والعالم بشكل يخدم أهدافهم في نشر المسيحية

توازن القوى بين التيارات المسيحية

يقول ميد أن العقود الأربعة الأخيرة شهدت حدوث تغيير ملحوظ في خريطة الأديان بأمريكا، وذلك لسببين رئيسيين، أولهما تراجع إعداد المسيحيين الليبراليين منذ السينات، وثانيهما زيادة أعداد المسيحيين الإنجليكيين خلال الفترة ذاتها، حتى أصبحت الكنيسة المعمدانية الجنوبية والتي يبلغ عدد أعضائها 7 ملايين شخص هي أكبر الطوائف الإنجليكية والبروتستانتينية الأمريكية على حد سواء، كما أصبح الإنجليكيون يمثلون حولي 40% من الأصوات التي حصل عليها الرئيس جورج دبليو بوش في انتخابات عام 2004

كما استفاد الإنجليكيون من عدم نشاط المسيحيين البروتستانت الأصوليين في الحياة العامة، مما جعل الإنجليكيون الصوت الأقوى بين الطوائف البروتساتنينة الأمريكية في الفترة الحالية، حيث تبلغ نسبهم حاليا 54% من المسيحيين البروتستانت

بصمات الإنجليكيين على السياسة الخارجية

يرى والتر راسل ميد أن المسيحيين الإنجليكيين نجحوا في العقد الأخير في ترك بصمة واضحة على السياسة الخارجية الأمريكية فيما يتعلق بمجالين، أولهما مجال حقوق الإنسان والمساعدات الخارجية، وثانيهما مجال السياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط

فيما يتعلق بمجلس حقوق الإنسان والمساعدات الخارجية يقول ميد أن نشاط الجماعات الإنجليكية على هذا الصعيد يعود إلى القرن التاسع عشر حين ساند الإنجليكيون الأمريكيون حركات انفصال الأقليات المسيحية عن الإمبراطورية العثمانية

وبالنسبة للفترة الحالية يشير ميد إلى نجاح الإنجليكيين في أواخر القرن العشرين في تمرير قوانين خاصة بالحريات الدينية عبر العالم والتي تهدف إلى حماية حرية التبشير ونشر المسيحية، كما نشط الإنجليكيون في مطالبة الحكومة الأمريكية بزيادة المساعدات الخارجية خاصة تجاه المناطق الفقيرة من العالم

أما فيما يتعلق بسياسة أمريكا الخارجية تجاه الشرق الأوسط فيرى ميد أن إيمان الإنجليكيين القوي بفكرة عودة المسيح وبأن قيام دولة إسرائيل وعودة اليهود إليها هي أجزاء أساسية من نبوءة عودة المسيح إلى الأرض لمحاربة قوى الشر ونشر السلام جعلهم يشعرون بأن دعم إسرائيل هو واجب ديني، حيث يؤمن الإنجليكيون بأن "الله سوف يبارك أمريكا لو باركت أمريكا إسرائيل

ويقول ميد أن المعتقدات السابقة تجعل الإنجليكيين لا يبالون بأي نقد تتعرض له إسرائيل أو تتعرض له أمريكا بسبب مساندتها لإسرائيل، لأن هذا النقد يصبح في وجهة نظرهم هو جزء من نبوءة عودة المسيح والتي ترى أن المؤمنين سوف يكونون أقلية في مواجهة الأغلبية الشريرة

ويشير ميد أن مساندة الإنجليكيين المتصاعدة لإسرائيل تأتي في وقت تتراجع فيه مساندة الطوائف البروتسانتينية الليبرالية لإسرائيل، حيث بدأت أعداد متزايدة من المسيحيين الليبراليين الأمريكيين في التعاطف مع الفلسطينيين ومع حقهم في الحرية والاستقلال

كيفية التعامل معهم

بالنسبة للمستقبل يرى ميد أن نفوذ المسيحيين الإنجليكيين سوف يبقى قويا في المستقبل المنظور، ولكنه يرى أن الإنجليكيين لن يصبحوا القوة الوحيدة أو المطلقة المؤثرة على السياسة الخارجية الأمريكية بحكم تعدد الأديان الأمريكية وصعود الأديان غير المسيحية بأمريكا مثل اليهود والمسلمين والهندوس والبوذيين وغيرهم هذا إضافة إلى انتشار التيارات العلمانية والليبرالية

ولكن هذا لن يمنع التيارات المسيحية الإنجليكية من امتلاك نفوذا متزايدا على أروقة صنع السياسة الخارجية الأمريكية في السنوات المقبلة، ويرى ميد أن ما يميز الإنجليكيون في هذا الأمر هو قدرتهم على الفوز بثقة قواعد جماهيرية أمريكية واسعة وافتقارهم للخبرة العملية في مجال العمل السياسي في آن واحد

كما يتميز الإنجليكيون أيضا بانفتاحهم على الأخر وسجل تعاونهم مع الطوائف الدينية الأخرى، لذا ينصح ميد الإنجليكيين والمسلمين في آن واحد بمحاولة العمل مع بعضهم البعض والتعاون في إيجاد حلول للقضايا المشتركة مثل قضايا الحقوق الإنسان والتنمية على المستوى الدولي، وقضايا الأسرة والثقافة المحافظة على مستوى أمريكا الداخلي، وهنا يأمل ميد أن يساعد مثل هذا الحوار على توعية الإنجليكيين متزايدي القوة والنفوذ وقليلي الخبرة بحقيقة ما يجري حولهم أملا في تغيير رؤاهم السياسية

----

مقالات ذات صلة

أزمات بوش ومستقبل علمية السلام


أمة اليمين: قوة المحافظين في أمريكا



Tuesday, August 08, 2006

تناول الإعلام الأمريكي لدور لوبي إسرائيل في الأزمة الراهنة


مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 8 أغسطس 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

منذ اندلاع الهجمات الإسرائيلية على لبنان سعت بعض وسائل الإعلام الأمريكية المختلفة لمحاولة الوقوف على حجم الدور الذي يلعبه اللوبي الموالي لإسرائيل في حشد الدعم الرسمي والشعبي الأمريكي لإسرائيل، وتثير القراءة المتأنية لتناول الإعلام الأمريكي لهذه القضية الهامة بعض الملاحظات الأساسية حول دور اللوبي المذكور في حشد الدعم الأمريكي لإسرائيل خلال الأزمة الراهنة وحول قدرة وسائل الإعلام الأمريكية على كشف حجم ونفوذ لوبي إسرائيل خاصة في أوقات الأزمات

وسائل الإعلام اليهودية كمصدر للمعلومات

الملاحظة الأولى في هذا الصدد تتعلق بقدرة بعض وسائل الإعلام اليهودية الأمريكية على كشف ما يقوم به لوبي إسرائيل أكثر من وسائل الإعلام الأمريكية الليبرالية أو المحايدة، وقد يعود ذلك إلى حجم العلاقات والاتصالات التي تمتلكها وسائل الإعلام اليهودية داخل المنظمات المساندة لإسرائيل نفسها بما يمكنها من الحصول على معلومات مباشرة منها، في حين تفتقر وسائل الإعلام المحايدة لمثل تلك المصادر خاصة ولو كانت تلك الوسائل معروفة بتعاطفها مع الجانب العربي مما سيفقدها بالطبع تعاون مسئولي لوبي إسرائيل

ويحضرنا هنا التقرير الذي أصدرته وكالة "جيوش تلغراف" اليهودية في الثالث عشر من يونيو لصحفي يدعى تشانان تيجاي حول تحركات المنظمات الموالية لإسرائيل بشكل فوري لدعم إسرائيل بعد ساعات قليلة من إقدام حزب الله على خطف الجنود الإسرائيليين، حيث أشار بيان الوكالة إلى أن "سيل من البيانات الصحفية صدر في وقت متزامن تقريبا عن المنظمات اليهودية الأمريكية لدعم إسرائيل" خلال ساعات قليلة من توارد أنباء اختطاف الجنود الإسرائيليين

كما أشار بيان الوكالة إلى حديث دايفيد هاريس المدير التنفيذي للجنة اليهودية الأمريكية – وهي أحد أكبر المنظمات السياسية اليهودية الأمريكية – عن قيام منظمته بالاتصال بعدد من رؤساء الدول السفراء لضمان دعمهم لإسرائيل، كما قامت اللجنة بحث أعضائها على الاتصال بممثليهم في الكونجرس لضمان دعمهم لإسرائيل.

أما عصبة مكافحة التشويه فقد أسرعت لشراء أربع إعلانات بصحفية إنترناشيونال هيرالد تربيون واسعة الانتشار في أوربا لترويج وجهة النظر المساندة لإسرائيل في الأوساط الأوربية، هذا إضافة إلى الإعلانات التي تنوي العصبة نشرها في الصحف الأمريكية

كما تحدث البيان نفسه عن دور أعضاء الكونجرس اليهود وأعضاء الكونجرس المساندين لإسرائيل في إصدار عدد من البيانات الفورية الداعمة لإسرائيل

المثال الثاني هو مقال نشرته مجلة فوروارد اليهودية الأسبوعية في الثامن والعشرين من يوليو لصحفية تدعى جينيفر سيجل يتحدث عن استهداف المنظمات الموالية لإسرائيل للنائبة الأمريكية سينثيا ماكيني (ديمقراطية من ولاية جورجيا) في الانتخابات التشريعية الحالية لإسقاطها بسبب مواقفها الناقد لإسرائيل، حيث أشار المقال إلى سعي لجان العمل السياسية المساندة لإسرائيل للتبرع لخصم ماكيني بما يمكنه من شراء دعاية انتخابية أكبر للفوز على ماكيني، كما تحدث المقال بتفصيل عن مساعي اللوبي المتكررة لإسقاط ماكيني خلال السنوات الأخيرة

وسائل الإعلام المتعاطفة مع الموقف العربي

الملاحظة الثانية تتعلق بوسائل الإعلام الأمريكية ذات المواقف المتعاطفة نسبيا مع الموقف العربي، وهنا يلاحظ أن هذه الوسائل في العادة أقل نفوذا وانتشارا، ولكن بعضها يحاول بكفاءة وانتظام بيان ما يتعرض له الطرف العربي من ظلم على الرغم من الضغوط التي يتعرض لها أي طرف ينتقد إسرائيل بأمريكا

كما يلاحظ أيضا أن تلك الوسائل – كما ذكرنا من قبل – تفتقر أحيانا للمصادر المباشرة داخل لوبي إسرائيل مما يجعلها تجتهد في تحليل ما يتوافر عن اللوبي من أخبار من مصادر ثانوية

ويجب هنا الإشارة إلى سلسلة تحليلات صدرت عن وكالة أنباء إنتر برس سيرفيس الأمريكية، أولها لصحفي أمريكي يدعى جيم لوب والذي نشر في الثامن عشر من يوليو مقالا يتحدث فيه عن دور المحافظين الجدد وبعض قيادات اليمين الأمريكية المتشدد في دعم وجهة النظر المساندة لإسرائيل، حيث تحدث لوب عن ويليام كريستول رئيس تحرير مجلة ذا ويكلي ستاندارد وهي أكثر مجلات المحافظين الجدد شهرة والذي سعى لتصوير هجمات إسرائيل على لبنان على أنها حرب أمريكية، كما دعا في المقال نفسه إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددا من إيران وسوريا

كما تحدث لوب عن تصريحات أدلى بها نوت جينجريتش الزعيم السابق للجمهوريين بمجلس النواب الأمريكي حيث وصف الهجمات الإسرائيلية على لبنان بأنها "مراحل أولية" للحرب العالمية الثالثة

حيث رأى لوب أن مقالات كريستول وتصريحات جينجريتش وأشباههم هي "جزء من حملة مقصودة من قبل المحافظين الجدد وبعض اليمينيين الداعمين لهم لتصوير الصراع الراهن على أنه جزء من صراع عالمي يضع إسرائيل كقاعدة متقدمة للحضارة الغربية، في مواجهة التطرف الإسلامي المنظم والموجه من قبل إيران وشريكها الأصغر سوريا"

المقال الثاني – وليس الأخير - الذي نشرته الوكالة حول القضية ذاتها صدر في السادس والعشرين من يوليو لصحفي يدعى بيل لبركويتز والذي سعى لإبراز ما تقوم به بعض المنظمات المسيحية المتدينة في دعم إسرائيل خلال الفترة الحالية، حيث أشار المقال إلى مؤتمر حاشد نظمته منظمة "المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل" في التاسع عشر من يوليو بواشنطن وبحضور السفير الإسرائيلي لدى واشنطن دانيال آيلون ورئيس الحزب الجمهوري كين ماكميلان للتعبير عن مساندة إسرائيل

حيث أشار المقال إلى أن المنظمة المذكورة أسست منذ ستة أشهر برئاسة أحد قادة التيار الإنجليكي بالجنوب الأمريكي يدعى جون هيج، وأن 3400 مدعو حضروا حفل تأسيس المنظمة المذكورة من شتى أنحاء الولايات المتحدة

كما أشار التقرير إلى أن المنظمة السابقة حثت أعضائها على التوجه إلى الكونجرس لمطالبة ممثليهم بمساندة إسرائيل، كما حرصت على ربط أعضائها بشبكة اتصالات عبر البريد الإلكتروني والفاكس والهاتف لتسهيل عمليه التواصل فيما بينهم بخصوص تطورات الوضع الجاري وما تحتاجه إسرائيل من دعم

دور الإعلام الليبرالي والمحايد

النوع الثالث من الكتابات التي حاولت الوقوف على دور لوبي إسرائيل في حشد الدعم الأمريكي للهجمات الإسرائيلية على لبنان جاء من وسائل الإعلام الأمريكية الليبرالية والتي اتخذت مواقف مختلفة سعى بعضها - انطلاقا من أهداف متنوعة - لتسليط الضوء على لوبي إسرائيل

المقال الأول الذي يحضرنا في هذا الصدد صدر عن جريدة نيويورك تايمز الأمريكية في الثامن والعشرين من يوليو لصحفية تدعى لوري جودستين والتي قارنت سريعا بين اللوبي الإسرائيلي وجهود المنظمات المسلمة والعربية للضغط السياسي لموازنة تأثير لوبي إسرائيل

المقال ذكر أن جهود المنظمات المسلمة والعربية الأمريكية كانت أكثر تنظيما من أي وقت مضى إلا أنها لم تتمكن حتى الآن من ترك تأثير على السياسة الخارجية الأمريكية، في حين أن لوبي إسرائيل يكاد يكون مسيطرا على صناع القرار الذين رفضوا اللقاء بمسئولي المنظمات المسلمة والعربية الأمريكية خلال الأزمة الراهنة خوفا من إغضاب لوبي إسرائيل

كما أشار المقال إلى إجماع قادة الحزبين الأمريكيين الرئيسيين حول مساندة إسرائيل، وإلى ضعف صوت المنظمات اليهودية الليبرالية المعارضة لموقف اللوبي المتشدد في مساندته لإسرائيل، كما أشار المقال إلى إمكانيات لوبي إسرائيل المادية الضخمة والذي نجح في جمع تبرعات تقدر بعشرات الملايين من الدولارات الأمريكية لدعم إسرائيل في حين يخشى المسلمون والعرب التبرع لمنظماتهم الخيرية لإغاثة الشعبين اللبناني والفلسطيني خلال أزمتيهما الراهنة بعض التضييق الأمني الذي تعرضت له المنظمات الخيرية المسلمة والعربية الأمريكية والمتبرعين لها خلال السنوات الأخيرة

ولكن المقال عاد وأكد في نهايته على تصريحات أحد المتحدثين باسم مسلمي أمريكا والذي عبر عن اعتقاده بأن أيام المساندة المطلقة من قبل الساسة الأمريكيين لإسرائيل قد انتهت نظر لوجود أعداد متزايدة من المسلمين الأمريكيين القادرين على وضع ممثليهم موضع المسائلة

المقال الثاني - الواجب الإشارة إليه هنا - صدر عن مجلة ذا نايشن الليبرالية الأمريكية في التاسع والعشرين من يوليو لكاتب يدعى آري برمان بعنوان "قبضة إيباك"، والذي بدأ بالإشارة إلى أن المدير التنفيذي لمنظمة الإيباك وهي أكبر جماعات الضغط السياسي المساندة لإسرائيل أمضي 27 دقيقة في قراءة قائمة بأسماء الشخصيات العامة والتي حضرت حفل الإيباك السنوي الأخير بما في ذلك غالبية أعضاء مجلس الشيوخ وربع أعضاء مجلس النواب وعشرات المسئولين بالإدارة الأمريكية

كما ذكر المقال أن تأثير إيباك على مواقف المسئولين الأمريكيين في الفترة الحالية لا يقتصر على الضغط عليهم سياسيا بل يتعدى ذلك إلى كتابة مشاريع القوانين والقرارات التي يمررونها وعلى رأسها مشروع القرار غير الملزم الذي مرره مجلس الشيوخ الأمريكي في الثامن عشر من يوليو تأييدا لإسرائيل

كما أكد المقال أن قبضة الأيباك القوية باتت تستدعي سخط ومقاومة عدد من أعضاء الكونجرس الراغبين في اتخاذ مواقف متوازنة تجاه الشرق الأوسط والذين باتوا يشعرون بأن الإيباك تهمين بشكل غير سليم على صناعة السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، ولكن المقال عاد وأكد على أن معارضة هؤلاء النواب والخبراء للإيباك عاجزة حتى الآن على الإتيان بمفعول نظرا لتنافس القيادات السياسية الأمريكية على إرضاء الأيباك، ونظرا لقدرة لوبي إسرائيل على تشويه سمعة كل من يعارضهم أو يعارض إسرائيل

خاتمة وتقييم

ختاما يمكن القول أن تغطية الإعلام الأمريكي السيارة لدور لوبي إسرائيل في حشد الدعم الأمريكي لإسرائيل خلال فترات الأزمات – كالفترة الحالية – تتميز بالضعف والعجز عن تحديد الدور الكامل للوبي نظرا لعدة أسباب على رأسها الهجوم الشرس الذي يتعرض له كل من يحاول نقد إسرائيل أو تسليط الضوء على دور اللوبي المساند لها داخل أمريكا

ولعل عاصفة النقد التي تعرض لها تقرير "لوبي إسرائيل" الصادر مؤخرا للأكاديميين الأمريكيين البارزين ستيفن والت وجون مارشيمير دليلا على ذلك، وهي فكرة أبرزها مقال نشرته جريدة سياتل بوست إنتليجنسير في السابع والعشرين من يوليو الماضي لكاتب يدعى روبرت جاميسون تحت عنوان "الباب يغلق بقوة في وجه من ينتقد إسرائيل"، حيث عبر جاميسون عن ضيقه الشديد بسعي لوبي إسرائيل للحد من النقاش والجدل حول سياسات إسرائيل بشكل يضر بقدرة الأمريكيين على فهم الصراع الجاري ووضع حل له

كما يفسر الأمر السابق كيف توفر وسائل الإعلام اليهودية الأمريكية أحيانا معلومات عن لوبي إسرائيل وأنشطته أكبر من المعلومات التي توفرها المصادر المحايدة والتي تخشى من أن توصم بالعداء للسامية أو لإسرائيل، هذا إضافة إلى توغل مسئولي لوبي إسرائيل في العديد من المؤسسات السياسية والمدنية مما يمثل تحديا إحصائيا أمام أي وسيلة إعلام موضوعية، ناهيك عن السرية التي يفرضها لوبي إسرائيل على عمله

ولكن هذا لا يجب أن يمنعنا من تقدير جهود وسائل الإعلام الأمريكية السابقة - على الرغم من محدوديتها - نظرا لدورها في توعية المواطن الأمريكي بما يجري من حوله ولو بشكل تدريجي

-----

مقالات ذات صلة

إسرائيل-حماس-حزب الله: الصراع الراهن

لوبي إسرائيل وسياسة أمريكا الخارجية

أزمات بوش ومستقبل علمية السلام

صناعة اللوبي الأمريكية: حقائق وأرقام

تأثير المال على الانتخابات الأمريكية

أقدم لوبي ضد الدول الإسلامية في أمريكا

Wednesday, March 22, 2006

لوبي إسرائيل وسياسة أمريكا الخارجية
عرض بقلم: علاء بيومي

الناشر: الجزيرة نت، 22 مارس 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

تقرير "لوبي إسرائيل وسياسة أمريكا الخارجية" شديد اللهجة في إنتقاد تأثير اللوبي الموالي لإسرائيل في الولايات المتحدة بشكل قد يجعله هدفا لإنتقادات عنيفة من قبل اللوبي نفسه فور إنتشاره الجاري وسط مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الأمريكية

التقرير منشور من قبل أكبر الجامعات الأمريكية، وهي جامعة هارفرد، ضمن سلسلة للأبحاث الجاري تطويرها بكلية جون كيندي للعلوم السياسية، وذلك من تأليف أحد أساتذة الجامعة وهو ستيفن والت بالمشاركة مع أحد أشهر أساتذة العلاقات الدولية بأمريكا وهو جون مارشيمر أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شيكاغو العريقة

التقرير يرفض النظر إلى سياسة أمريكا تجاه إسرائيل على أنها سياسة مدفوعة بمصالح أمريكا الإستراتيجية تجاه إسرائيل وتجاه الشرق الأوسط، في المقابل يفند التقرير حجج المنادين بالمقولة السابقة، وينادي - في المقابل - بأن الدافع الرئيسي وراء سياسة أمريكا تجاه إسرائيل هو لوبي إسرائيل داخل أمريكا

ويتهم التقرير لوبي إسرائيل بدفع عجلة الحرب ضد العراق داخل الولايات المتحدة وبالوقوف وراء التشدد الأمريكي تجاه سوريا وإيران ووراء مساعي الإدارة الأمريكية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، ويرى مؤلفا التقرير أن المواقف الأمريكية السابقة ليست في مصلحة أمريكا، بل أنها تقوض مصالح أمريكا حيث تدفعها إلى معاداة أنظمة لا تمثل تهديدا حقيقيا لمصالح أمريكا أو أمنها، كما أنها تؤدي إلى تأليب تلك الأنظمة على أمريكا بدلا من تعاونها مع أمريكا في الحرب ضد الإرهاب

انتقادات شديدة

التقرير مليء بالعبارات الناقدة لإسرائيل والتي يندر العثور عليها في وسائل الإعلام والكتابات الأكاديمية الأمريكية، فهو يقول أن "إسرائيل عبئ على الحرب ضد الإرهاب وعلى الجهد الواسع (الرامي) للتعامل مع الدول المارقة"، ويقول أن لو كانت أمريكا مدفوعة في مساندتها لإسرائيل بمساعيها لمساندة الطرف الأضعف في صراع الشرق الأوسط كما يدعي اللوبي الموالي لإسرائيل في أمريكا لكان حري بأمريكا أن "تدعم خصوم إسرائيل"، كما يقول أنه لا توجد "حجج إستراتيجية ولا أخلاقية تفسر مساندة أمريكا لإسرائيل"، كما يستشهد بتصريحات مفاوضين فلسطينيين شاركوا في مفاوضات كامب دايفيد في يوليو 2000 تقول أنهم كانوا "يتفاوضون مع فريقين إسرائيليين ... أحدهم يرفع العلم الإسرائيلي والأخر (يرفع) العلم الأمريكي" في إشارة من مؤلفا التقرير إلى مدى سيطرة لوبي إسرائيل بأمريكا على مواقف الإدارات الأمريكية من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

أسس العلاقة بين أمريكا وإسرائيل

الجزء الأول من التقرير يتحدث عن أسس العلاقة بين أمريكا وإسرائيل مؤكدا على مركزية قضية الشرق الأوسط بالنسبة لسياسة أمريكا الدولية وتأثيرها على صورة أمريكا عبر العالم وعلى الحرب على الإرهاب، ثم يتحدث عن المعاملة الخاصة التي تحصل عليها إسرائيل من قبل أمريكا، حيث تعد إسرائيل أكبر متلقي للمساعدات الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ناهيك عن الدعم الدبلوماسي لإسرائيل ومركزية مصالح إسرائيل في سياسة أمريكا تجاه الشرق الأوسط

كما يتعجب التقرير من أن أمريكا لا تحصل على الكثير من وراء مساندتها لإسرائيل، فقيمة إسرائيل الإستراتيجية في الشرق الأوسط تراجعت بعض سقوط الإتحاد السوفيتي، كما أن مساندة أمريكا لإسرائيل في حرب 73 دفعت العرب لحظر النفط عن أمريكا، كما رفضت أمريكا من تدخل إسرائيل في حرب تحرير الكويت حتى لا يضعف ذلك من التحالف الدولي المساند للحرب، كما أن الجماعات الإرهابية التي تهاجم إسرائيل لا تهاجم أمريكا، كما أن دعم أمريكا لإسرائيل هو نفسه سببا في الإرهاب الموجه ضد أمريكا إذ يعد أداة للتعبئة ضدها، وأن الدول المارقة لا تمثل تهديدا مباشرا لأمريكا، وأن علاقة أمريكا بإسرائيل تعيق من قدرة أمريكا على بناء التحالفات الدولية وخاصة في الشرق الأوسط لمواجهة تلك الدول

اللوبي هو السر

لذا يتوصل المؤلفان إلى نتيجة رئيسية وهي أن لوبي إسرائيل بأمريكا هو الدعامة الرئيسية للعلاقة الخاصة بين أمريكا وإسرائيل وليست مصالح أمريكا الإستراتيجية أو الحجج الأخلاقية التي يروجها مساندو إسرائيل في الولايات المتحدة

ويقول المؤلفان أن لوبي إسرائيل في أمريكا لا يمثل جيمع اليهود الأمريكيين فهناك العديد من اليهود الأمريكيين الذين يعارضون هذا اللوبي ومواقفه، كما أن اللوبي الموالي لإسرائيل ليس حركة موحدة ذات قيادة مركزية، بل هو مكون من شبكة كبيرة وواسعة من الأفراد والمؤسسات من أصحاب النفوذ الذين يساندون إسرائيل لدرجات مختلفة وإن كانت عالية

ويقول المؤلفان أن غالبية أعضاء لوبي إسرائيل يريدون سياسة أمريكية داعمة بقوة لإسرائيل، كما أنهم يرفضون أن تمارس أمريكا أية ضغوط على إسرائيل، كما ترتبط أعداد كبيرة منهم بسياسات حزب الليكود الإسرائيلي مما يجعلهم أكثر تشددا من نسبة كبيرة من الإسرائيليين أنفسهم، كما يحرصون على إستشارة حكومات إسرائيل وتنفيذ رغباتها، ويتميز اللوبي بعدد كبير من المنظمات التي أسسها يهود أمريكيين كما أنه يتمتع بمساندة المسيحيين الأصوليين وممثليهم في الكونجرس من أمثال توم ديلاي وديك أرمي وهما من الزعامات السابقة للجمهوريين بالكونجرس

ويتحدث التقرير - بشكل لا يخلو من تميز وتوثيق - عن مصادر قوة ونفوذ لوبي إسرائيل داخل أمريكا مثل

تأثير اللوبي على السياسة الخارجية الأمريكية

يتناول المؤلفان في الجزء الأخير من تقريرهما تأثير لوبي إسرائيل على السياسة الخارجية الأمريكية فيتحدثان عن الضغوط التي مارسها اللوبي ضد الإدارة الأمريكية عندما حاولت الضغط على الحكومة الإسرائيلية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وكيف نجحت هذه الضغوط في إيقاف مساعي الإدارة للضغط على إسرائيل بل وتغيير موقف الإدارة، ويتحدث المؤلفان عن تفاصيل حملة اللوبي داخل الكونجرس وضد وزير الخارجية الأمريكي كولن باول وداخل البيت الأبيض

وفيما يتعلق بالحرب على العراق يتحدث المؤلفان عن

الخاتمة

خاتمة التقرير متشائمة فهي ترى أن نفوذ لوبي إسرائيل سوف

للإطلاع على النص الكامل للعرض، يرجى زيارة

Saturday, April 30, 2005

صناعة اللوبي الأمريكية: حقائق وأرقام
بقلم: علاء بيومي

الناشر: تقرير واشنطن، 30 أبريل 2005، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر


نص المقال

مركز الاستقامة العامة (Center for Public Integrity) هو مركز أبحاث أمريكي معروف باهتمامه بتتبع تأثير المال على العملية السياسية الأمريكية، ويمثل موقع المركز على الشبكة الإنترنت (
www.publicintegrity) وجهة أساسية للباحثين والصحفيين المعنيين بتتبع تأثير المالي على النظام السياسي الأمريكي خاصة خلال الحملات الانتخابية الفيدرالية

المركز أصدر في شهر أبريل 2005 دراسة عن حجم الإنفاق على أنشطة الضغط السياسي (اللوبي) على المؤسسات الفيدرالية (الكونجرس والبيت الأبيض والمؤسسات الفيدرالية الأمريكية) خلال السنوات الستة الممتدة من أوائل عام 1998 وحتى نهاية عام 2003، وقد كشفت الدراسة الهامة عدد من الحقائق المثيرة حول حجم صناعة اللوبي والقائمين عليها بواشنطن

أول هذه الحقائق هو أن صناعة اللوبي توظف حوالي 14 ألف خبير، وقد أنفقت هذه الصناعة 13 بليون دولار خلال السنوات الست التي شملتها الدراسة من بينها 2.4 بليون دولار خلال عام 2003 وحده، وتعني هذه الحقيقة – كما أبرز التقرير – أن ما ينفق على أنشطة اللوبي يبلغ تقريبا ضعف ما ينفق الحملات الانتخابية الفيدرالية حتى في السنوات التي تشهد انتخابات رئاسية، ففي عام 2000 على سبيل المثال - وهو أخر عام شهد انتخابات رئاسية غطاه التقرير - بلغت تكاليف الانتخابات الفيدرالية 2.3 بليون دولار في حين بلغت تكاليف أنشطة الضغط السياسي على المؤسسات الفيدرالية 3.5 بليون دولار في العام نفسه

وقد دفعت الحقيقة السابقة إلكس نات مدير المشروع البحثي الذي أشرف على إعداد التقرير إلى مطالبة وسائل الإعلام الأمريكية بتسليط مزيد من الضوء على صناعة اللوبي لتحديد حجمها وتأثيرها على السياسة الأمريكية مشيرا إلى أن عدد المقالات التي نشرتها وسائل الإعلام الأمريكية عن أنشطة اللوبي في عام 2004 لا يتعدى عشر المقالات التي نشرتها عن التبرعات الموجهة لتمويل الحملات الانتخابية الفيدرالية

ثانيا كشف التقرير عن ضعف الرقابة الحكومية على أنشطة اللوبي، فوثائق اللجنة التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي المعنية بمتابعة أنشطة اللوبي توضح أن هناك أكثر من 30 ألف خبيرا نشطين في مجال اللوبي ومع ذلك لم يقدم سوى 14 ألف خبيرا فقط تقارير عن أنشطتهم في العام الماضي، أضف إلى ذلك تأخر عدد كبير من الخبراء والشركات العاملة في مجال الضغط السياسي في تقديم تقاريرها النصف سنوية للجان المعنية بالكونجرس، فخلال سنوات الدراسة الستة قدم خبراء وجماعات اللوبي 183 ألف تقرير عن أنشطتها، من بينها 38 ألف تقرير متأخرة عن موعدها، بعضها (9 آلاف تقرير تقريبا) متأخرة ثلاثة أشهر عن مواعيد تقديمها

كما أن 1200 شركة من الشركات المسجلة كشركات ضغط سياسي والتي يبلغ عددها 6400 شركة فشلت في تقديم استمارة أو أكثر من الاستمارات الرسمية التي كان ينبغي عليها تعبئتها

أكثر من ذلك كشف التقرير عن الفقر الشديد في موارد الهيئات الحكومية المعنية بمراقبة عمل جماعات وخبراء الضغط السياسي، فأحدث القوانين المنظمة لعمل جماعات اللوبي الأمريكية والذي مرر في عام 1995 وضع مهمة مراقبة أعمال الهيئات التي تمارس الضغط السياسي على المؤسسات الفيدرالية في يد مكتبين أحدهما بمجلس النواب الأمريكي يعمل به 35 شخصا والأخر في مجلس الشيوخ الأمريكي ويوظف 11 شخصا فقط، في حين أن اللجنة الحكومية المعنية بمراقبة التبرعات الموجهة للتأثير على الحملات الانتخابية الفيدرالية وهي لجنة الانتخابات الفيدرالية يعمل بها حوالي 400 موظفا بميزانية قدرها 52 مليون دولار حتى تتمكن من متابعة سير وتأثير التبرعات على الانتخابات الفيدرالية والتي تقل في مجموعها عن نصف ما ينفق على أنشطة اللوبي

كما أن قانون عام 1995 لم يعطي لجنتي الكونجرس المعنيتين بمراقبة عمل جماعات اللوبي أي سلطات في مجال التحقيق في تلاعبات جماعات وخبراء اللوبي، فمهمة اللجنتين الرئيسية تتلخص في استلام تقارير هذه الجماعات كل ستة أشهر ومطالبة جماعات اللوبي بملء الاستمارات المطلوبة، وفي حالة فشل شركات اللوبي في تقديم المعلومات والتقارير المطلوبة يمكن للجنتي الكونجرس رفع تقارير عنها إلى مكتب المدعي العام بالعاصمة الأمريكية واشنطن المتخم بآلاف القضايا الخاصة بعمل ومشاكل المؤسسات الفيدرالية الأمريكية، نتيجة لما سبق يندر رفع شكاوى من قبل لجنتي الكونجرس للمكتب المدعي العام بواشنطن والذي لا يعتبر التحقيق في هذه الشكاوى أمرا ذا أولوية كبيرة كما يرى عاصف إسماعيل الباحث بمركز الاستقامة العامة

الحقيقة الرئيسية الثالثة التي يكشفها التقرير ترتبط بعلاقة ودور بعض كبار أعضاء الكونجرس ومسئولي الحكومة الأمريكية السابقين بمنظمات اللوبي وأنشطتها، وهي حقيقة تفسر جزئيا بعض أسباب التراخي في تتبع عمل هذه الجماعات ومحاسبتها عندما يتطلب الأمر ذلك

إذ يشير التقرير إلى أن خبراء الضغط على الهيئات الفيدرالية والذين يبلغ عددهم 14 ألف خبير يوجد بينهم 2200 مسئولا سابقا بالحكومية الفيدرالية ومن بين هؤلاء 175 عضوا سابقا بمجلس النواب الأمريكي و34 عضوا سابقا بمجلس الشيوخ و42 رئيسا سابقا لمؤسسات فيدرالية كبرى

التقرير أشار إلى أن المسئولين الفيدراليين عادة ما يعملون مع شركات لوبي تضغط على هيئاتهم ولجانهم السابقة، فأعضاء الكونجرس الذين كانوا أعضاء بلجان الإعتمادات بالكونجرس خلال فترة خدمتهم عادة ما تجذبهم شركات اللوبي العاملة في مجال الضغط على اللجان نفسها بعد تركهم الخدمة في الكونجرس

لذا وصفت إليزابيث براون وهي إحدى الباحثات بالمركز العمل في شركات اللوبي بأنه سلك وظيفي بديل لموظفي الحكومة الفيدرالية والكونجرس بعد تركتهم الخدمة الرسمية، إذا عادة ما يرى هؤلاء في العمل في شركات اللوبي فرصة لاكتساب بعض الأموال بعد عملهم لسنوات طويلة في السلك الوظيفي الحكومي ضعيف العائد المادي، كما أن شركات اللوبي ترحب بهم لأنهم يعرفون أسلوب عمل الهيئات الحكومية من الداخل كما أنهم يمتلكون شبكات علاقات واسعة مع المسئولين عن تلك المؤسسات بحكم زمالتهم لهم في السابق

وينظر التقرير للعلاقات المتنامية بين أعضاء الكونجرس ومسئولي الحكومة السابقين وشركات الضغط السياسي نظرة شك، إذ يرى أن هذه العلاقات قد تؤدي إلى الحد من قدرة المشرعين على مراقبة نشاط جماعات اللوبي وتقنينه والحد من نفوذها المتنامي

عموما يتنافس خبراء وشركات اللوبي كل عام على كسب ود المسئولين الحكوميين للفوز بنصيب من الميزانية الفيدرالية الأمريكية والتي تبلغ 2.5 ترليون دولار، ويوضح التقرير أن مجلس النواب الأمريكي وأعضاءه الذين يبلغ عددهم 435 عضوا يتعرضون لضغط أكبر عدد من شركات اللوبي يليهم مجلس الشيوخ الأمريكي بفارق بسيط ثم وزارة الدفاع الأمريكية ثم وزارات الصحة والتجارة والمالية والمواصلات ثم البيت الأبيض، أما أهم القضايا التي تجذب اهتمام شركات اللوبي فهي الميزانية والاعتمادات الفيدرالية تليها قضايا الصحة ثم الدفاع ثم الضرائب ثم المواصلات

وبدون شك يعد الإنفاق على أنشطة اللوبي أمرا مربحا تحرص الشركات الأمريكية على القيام به، فعلى سبيل المثال أنفقت شركة لوكيد مارتين للصناعات العسكرية 89 مليون دولار أمريكي على أنشطة اللوبي خلال الأعوام الستة التي شملتها الدراسة حيث قامت باستئجار جهود 699 خبيرا في مجال اللوبي من بينهم 268 موظفا سابقا بالكونجرس والمؤسسات الحكومية الفيدرالية وفي المقابل تمكنت الشركة من الحصول على عقود إنتاج معدات عسكرية بلغت قيمتها 94 بليون دولار خلال الفترة ذاتها

لذلك لا يقتصر نشاط اللوبي على الشركات الاقتصادية فقط، فحتى المؤسسات التعليمية والهيئات الحكومية الأمريكية المحلية تنشط في الاستعانة بخدمات شركات اللوبي والضغط السياسي، ففي خلال الفترة التي شملتها الدراسة أنفقت 300 جامعة فيدرالية 141.7 مليون دولار على أنشطة اللوبي كما أنفقت 1400 حكومة أمريكية محلية 357 مليون دولار على الأنشطة ذاتها