Wednesday, February 29, 2012

هل يناقض الأميركيون أنفسهم في البحرين!؟ قراءة أميركية 


في الحادي والعشرين من فبراير ظهرت نسخة محدثة من تقارير خدمة أبحاث الكونجرس عن البحرين، وهي التقارير التي تعد خصيصا لأعضاء الكونجرس وتحتوي على تلخيصا جيدا لأحدث السياسات والمواقف الأميركية.

ولا تنشر تلك التقارير علانية أو تتاح للجميع بل يتم تسريبها من خلال مؤسسات أميركية معنية بمكافحة السرية المحيطة بصناعة القرار السياسي هناك.
 

التقرير الجديد يستمر في وصف "المعضلة" التي تواجهها أميركا في التعامل مع الأزمة السياسية الراهنة في البحرين. 


فأميركا ترتبط مع البحرين بعلاقة أمنية بالأساس، وهي علاقة هامة لأميركا خاصة في مواجهة التحدي الإيراني والذي يعتبر تحديا مشتركا يجمع بين أميركا وحكومة البحرين.


ويقول التقرير أن أميركا تواجه ضغوطا داخلية وخارجية بسبب موقفها من الاضطرابات السياسية التي تشهدها البحرين منذ فبراير 2011، فشيعة البحرين وبعض الأصوات داخل أميركا يرون أن أميركا تكيل بمكيالين في التعامل مع الثورات العربية وأنها لم تقدم الدعم الكافي لشيعة البحرين ومطالبهم بسبب مصالحها الأمنية هناك. 


حتى أن أحد أهم قادة المعارضة الشيعية في البحرين أكد في تصريحاته – كما يشير التقرير - على أن العلاقة الأمنية بين أميركا والبحرين لن تتأثر في حالة حصولهم على مزيد من النفوذ السياسي – ربما سعيا منهم لتهدئة مخاوف أميركا.


ولكن من الواضح أن التصريحات السابقة لم تؤثر على سياسة أميركا أو تقلل من حجم التحدي الذي تواجه سياساتها تجاه البحرين لأكثر من سبب.  


فأميركا في العادة لا تأخذ وضع القيادة في الربيع العربي، بل هي عادة ما تأخذ موقف المتردد حتى تتضح الصورة، والوضع في البحرين معقد، فأميركا تمتلك قاعدة بحرية هامة في البحرين وترتبط مع النظام بروابط أمنية قوية. 

ودول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية أرسلت قوات إلى البحرين خلال الأزمة لدعم جهود الحكومة البحرينية الأمنية، وذلك على الرغم من معارضة أميركا لتلك القوات – كما يدعي التقرير.
 
والعنف الذي استخدمته الحكومة البحرينية ضد المتظاهرين هناك - والذي انتقدته أميركا - يقل كثيرا عما استخدم في بلدان العالم العربي الأخرى والتي شهدت مظاهرات خلال الفترة السابقة، حيث أسفرت مظاهرات البحرين عن مقتل حوالي 30 شخصا حتى الآن فقط، كما أن الحكومة البحرينية اتخذت بعض الخطوات على طريق الإصلاح السياسي مثل تقوية دور مجلس النواب البحريني - وهي خطوات لم ترض المعارضة الشيعية.  

وقد زادت التوترات في البحرين مخاوف البحرينيين السنة، كما يشير التقرير حيث يقول أن السنة يخشون من أن المعارضة الشيعية لن ترضى بأقل من حكم البلاد.

في المقابل يشير التقرير إلى كون الشيعة أغلبية في البلاد وإلى أنهم يعانون من تراجع واضح في حقوقهم السياسية وفي حقوقهم الاقتصادية أيضا.

فمؤسسات الحكم والأمن تسيطر عليه بالأساس العائلة الحاكمة، ونسبة تمثيل الشيعة في الحكومة البحرينية – حتى قبل الاضطرابات - قليلة ولا تتناسب مع نسبتهم بين السكان، وتمثيل الشيعة في المؤسسات الأمنية ضعيف أيضا وتمثيلهم في أوساط النخبة الاقتصادية ضعيف على الرغم من النجاحات التي حققها بعض رجال الأعمال الشيعة وعلى الرغم من حضورهم الكبير في أوساط الطبقة الوسطى البحرينية.


وقد عبر قادة المعارضة الشيعية تكرارا عن رغبتهم في ملكية دستورية وبرلمان منتخب بالكامل ويمتلك صلاحيات واسعة، في المقابل تكتفي الحكومة بمنحهم بعض المناصب الوزارية وبتقوية دور مجلس النواب البحريني المنتخب في مقابل مجلس الشورى المعين خاصة بعد الأزمة الأخيرة.


ويشير التقرير في أكثر من مكان إلى شعور المعارضة البحرينية بوجود تيارين متصارعين داخل العائلة المالكة، تيار إصلاحي يقوده ولي العهد وهو يبدو الأكثر قربا من المعارضة ومن الولايات المتحدة، وتيار محافظ يقود رئيس الوزراء، والذي يواجه معارضة قوية من المتظاهرين الشيعية. 


في مواجهة التحديات السابقة، تقف أميركا موقفا مختلطا، فقد امتنعت عن مطالبة الحكومة البحرينية بالتخلي عن الحكم كما فعلت مع نظم أخرى خلال الربيع العربي، واكتفت بمطالبة الحكومة بتطبيق مزيد من الإصلاحات وأدانت انتهاكات حقوق الإنسان وقمع المتظاهرين – والتي تعد انتهاكات محدودة مقارنة مع الدول العربية التي شهدت ثورات، وجمدت أيضا بعض المساعدات العسكرية ومبيعات الأسلحة المحدودة للبحرين. 


فيما عدا ما سبق، لا يبدو الموقف الأميركي على موعد مع تغير كبير – في الوقت الراهن - إلا إذا قررت أميركا نقل قاعدتها العسكرية الهامة من البحرين إلى دولة أخرى رشحها التقرير أن تكون الإمارات العربية المتحدة أو قطر.

وحتى لو تخلت أميركا عن القاعدة التي كانت تعمل على توسيعها وتطويرها  - من خلال مشروع انطلق في عام 2010 وينتهي في عام 2015 تقدر قيمته بنصف مليار دولار أميركي تقريبا - تبقى حقيقة هامة وهي دور دول مجلس التعاون الخليجي نفسها في البحرين وطبيعة الصراع السياسي هناك وبعده الديني والذي قد يعقد الأمور في حالة اصطفاف سنة البحرين خلف النظام السياسي هناك في مواجهة المعارضة الشيعية.


هذا يعني أن يستمر - إلى حين - ما يراه البعض – خاصة في أوساط المعارضة البحرينية - ازدواجية أو تردد في موقف أميركا تجاه ما يحدث هناك، وسوف يحسم الأمر ظروف عديدة مثل قدرة الحكومة البحرينية على المضي قدما في تطبيق حزمة جديدة من الإصلاحات السياسية القادرة على إرضاء المعارضة الشيعية أو تحقيق جزء هام من مطالبها.

وقدرة المعارضة الشيعية نفسها على نزع فتيل أي خلافات طائفية مرتبطة بمشروعها السياسي، والدور الذي ستلعبه القوى الإقليمية (مجلس التعاون الخليجي وإيران) في البحرين في التأثير على المشهد الراهن، والله أعلم.


بقلم: علاء بيومي – www.alaabayoumi.com

للإطلاع على النص الكامل للتقرير الجديد، يرجى زيارة الوصلة التالية:

Tuesday, February 28, 2012

حكاية أصغر نائب في مصر! 


استوقفتني مقابلة أجرتها جريدة الرحمة المصرية مع النائب محمود حمدي أصغر نائب في مجلس الشعب المصري الحالي ونشرتها في عددها الصادر في 17 فبراير 2012 صفحة 8.

المقابلة استوقفتني لأن النائب الشاب من مواليد 19 يناير 1986 وعضو بمجلس الشعب المصري عن حزب النور وهو الأصغر سنا بين الأعضاء الحاليين.

وفي البداية سعدت كثيرا لأن ثورة يناير هي ثورة شباب - كما يرى كثيرون - وأن الشباب هم أمل ومستقبل مصر ولأننا في حاجة لنخبة جديدة وفي حاجة للدفع بالشباب في كافة الميادين، والدفع بالشباب من قبل أي حزب سياسي عمل شجاع وجريء يستحق التهنئة والتشجيع.

ولكن سعادتي لم تطل كثيرا حيث صدمني رد النائب على السؤال الأول في المقابلة:

"س: في البداية متى وكيف بدأت العمل السياسي؟"

"ج: لم أكن مسيسا أو حزبيا قبل 25 يناير 2011 ولكن بعد الثورة وحين نشأ حزب النور شعرت أنه الأقرب لي خاصة أنني سلفي المنهج، وعندما تم إنشاء أمانة عامة بسوهاج اشتركت في الحزب كعضو عادي، كنت وقتها ليس لدي أي نية للترشح في البرلمان."

سبب صدمتي هو أن النائب الحائز على بكالوريوس صيدلة - كما تذكر الجريدة - لم يسبق له العمل السياسي أو الحزبي وأنه بدأ العمل السياسي بعد تأسيس الحزب، والذي أسس في مايو 2011، ليخوض الانتخابات بعد حوالي 6 أشهر ويصبح نائبا في أهم برلمان بأكبر دولة عربية وإقليمية.

هذا يعني أن النائب المحترم ترقى من شخص غير مسيس إلى عضو في حزب ثم عضو في أهم برلمان في مصر منذ عقود، وهي أكبر بلد عربي، في أقل من عام تقريبا.

وأن لدينا عضو بلا خلفية سياسية بات في وضع يحتم عليه صناعة قرارات من أصعب القرارات السياسية، فنائب البرلمان هو أحد أرفع المناصب السياسية في مصر، والمهام المطروحة على مجلس الشعب المصري الحالي من أصعب المهام على الإطلاق لأنها تعيد تأسيس النظام المصري بشكل كبير.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا يضع حزب النور على قوائمه شخصا بلا خلفية سياسية لمنصب رفيع كهذا؟ وحقيقة أنا بحثت على الانترنيت عن معلومات عن النائب الموقر، وعن الأسباب التي دفعت النور لترشيحه فلم أجد الكثير أو القليل مما يثير لدي أو لدى أي متابع محايد مزيد من مشاعر القنوط والقلق.

والسؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا هو هل نقبل أن يجلس للفتوى مثلا في أكبر مجالس الفتوى في مصر من لم يجلس للفتوى مسبقا!؟ هل نقبل أن يعلم أولادنا مدرسا لم يمارس التدريس من قبل!؟ هل يذهب أحدنا لطبيب ليجري له جراحه خطيرة، وهو لم يجر جراحة من قبل؟

وإذا كانت النفي، فكيف ندفع بشخص بلا خلفية سياسية في واحد من أرفع المناصب السياسية في مصر، ألم يكن الأفضل له ولحزب النور ولمصر أن يتدرج في المناصب ولو لفترة قصيرة فيرشح نفسه مثلا لعضوية مجلس محلي سنة وسنتين ثم ينتقل لمجلس في المحافظة أو مجلس تنفيذي أكبر قبل أن يرشح نفسه لمجلس الشعب، أم أن أول مجلس شعب في مصر بعد ثورة 25 يناير بات قاعة للتدريب السياسي من خلال التجربة والخطأ!؟

والسؤال الأخير هو من يتحمل المسئولية عن كل هذا!!؟؟؟ والله أعلم.

علاء بيومي – www.alaabayoumi.com

Monday, February 20, 2012

حديث رئيس الأركان الأميركي مع أعضاء الكونجرس عن مصر

في السادس عشر من فبراير الحالي عقدت لجنة الدفاع التابعة للجنة الاعتمادات المالية بمجلس النواب الأميركي جلسة استماع عن "ميزانية وزارة الدفاع الأميركية" حضرها رئيس الأركان المشتركة للجيش الأميركي الجنرال مارتن ديمبسي العائد مؤخرا من زيارة لمصر التقى فيها قادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية.  


وخلال الجلسة دار نقاش هام بين بعض أعضاء المجلس والجنرال الأمريكي عن سياسة أميركا تجاه مصر وقضية المعونة والعلاقات المصرية الإسرائيلية في الفترة الحالية، رأينا ترجمته حرفيا في المقال التالي، قبل التعليق عليه نظرا لأهميته ولما كشف عنه من قضايا ومواقف جديدة. 

خلال الجلسة وجه عضو مجلس النواب الجمهوري النائبة كاي جرانجر - وهي جمهورية عن ولاية تكساس - السؤال التالي لرئيس الأركان الأميركي عن مصر:


"سؤالي هو يا جنرال ديمبسي يرتبط بتصريحات أدليت بها --- الموقف المتعلق في مصر بمنظماتنا غير الحكومية، والمستمر منذ ستة أسابيع، كما أعتقد. وكما نعرف جميعا، وكما أعتقد، أنه وضع جاد جدا، والكونجرس يعي الوضع جدا. 

 سؤالي يرتبط بالتمويل – التمويل العسكري لمصر، وأنا أعرف أنكم أدليت بتصريحات حول تأثير قطع المساعدات – مساعداتنا لمصر، وهي أمر ينمو، وهو أمر يتحدث عنه في الكونجرس طوال اليوم. هل تتكرم بمخاطبة هذا الأمر".


فرد عليها رئيس الأركان قائلا ما يلي:

"بالطبع شكرا لكي سيدتي النائبة. لدينا تاريخ – عندما استخدمنا التمويل لفصل أنفسنا عن شركاء سابقين، لا يعود ذلك بشيء إيجابي، لأننا ما نفعله بالأساس هو فصل أنفسنا عن الأجيال القادمة. أعني، الدرجة التي تصرف فيها المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر بمسئولية – ويمكننا بالطبع أن نناقش الجوانب التي تصرفوا فيها بمسئولية أكثر من جوانب أخرى --- لكن درجة تصرفهم بمسئولية، أعتقد أنها ترتبط جزئيا بأنهم تشاركوا معنا، جاءوا إلى مدارسنا، تبادلوا معنا، لثلاثين عاما. وأنا أؤمن بذلك.

قطع المساعدات ومن ثم قطع أنفسنا عنهم يعني أن الجيل القادم لن تكون لديه هذه الميزة، وأنا لا أعرف إلى أين يأخذنا هذا، لكي أكون صادقا معكم.


لذلك أنا دائما متردد في الوصول إلى خلاصة قاسية بقطع المساعدات. أنا متأكد أن هناك سبل أخرى لفعل (ما نريد)، وسوف أترك الأمر عند هذا. أتمنى أن تأخذي نصيحتنا بعين الاعتبار، ولكن اشتراط عدة أمور – أعني أنه يجب أن تكون هناك تبعات لخياراتهم. فأنا أوافق كليا على ذلك. 

ولكن تعلمين أنا لدينا شراكة قريبة جدا معهم. لقد منحونا حقوق طيران عظيمة، ومنحونا أولوية المرور عبر قناة السويس. أعني أننا نحصل على أشياء نحتاجها حقا مقابل مساعداتنا، وقبل أن نأخذ قرار بقطع المساعدات بسبب هذه القضية يجب علينا اختبار هذه الأشياء (التي نحصل عليها).

بالإضافة إلى ما سبق، كنت هناك منذ عشرة أيام، وأوضحت جيدا أن هذه الوضع يجب حله، لذا أعتقد أن علينا أن نعمل سويا للعثور على الطريق الصحيح".

وقبل الانتقال إلى موضوع أخر بادر رئيس الجلسة النائب الجمهوري بيل يونج رئيس الأركان الأميركي بسؤال عن علاقة مصر بإسرائيل في الوقت الراهن، قائلا:

"بهذا الخصوص، عندما كان الرئيس مبارك مسئولا عن مصر، كان ببساطة مانعا لأي فرد يحاول مهاجمة إسرائيل، العلاقة بين مبارك والإسرائيليين ربما لم تكن شديدة الصداقة، ولكنها كانت فعالة (تعمل). 


كيف هذا، النظام الجديد في مصر، هل سيحمون إسرائيل كما كان عصر مبارك!؟

فرد عليه رئيس الأركان الأميركي قائلا:

"هذا شيء لم يحدد بعد، لكي أقول لك الحقيقة سيدي رئيس الجلسة، أنا أعني أننا تحدثنا معهم بخصوص هذا الأمر.

رئيس الأركان الأميركي: "العلاقات العسكرية – العسكرية بين مصر وإسرائيل هي في المحتمل قوية كأي وقت رأيتها فيه خلال – دعنا نقول – العشرين سنة التي شاركت فيها".


هذا يعني أنها تبني على قاعدة قوية، ولكن عندما أقول "هذا شيء لم يحدد بعد". أعتقد أن علينا أن نرى إلى أين – كما تعلم – فقد انتخبوا مجلسي البرلمان الآن، ويستعدون لصياغة برلمان جديد وانتخاب رئيس. وسوف نرى إلى أين تأخذهم الحكومة المدنية".

ماذا تعني تلك التصريحات وكيف يمكن أن نستفيد منها لترشيد الجدل المصري الراهن حول الخلاف مع واشنطن بسبب قضية المنظمات الأميركية العاملة في مصر.

أولا: التصريحات تعني أن أميركا لديها مصالح في مصر وفوائد تعود عليها من المساعدات التي تمنحها لنا، وأن هذه الفوائد هامة لأميركا، وأن المسئولين الأميركيين حريصين على تلك المصالح ولديهم شجاعة الاعتراف بذلك لنوابهم والرأي العام في بلادهم.

ثانيا: أن هناك مصالح مشتركة وروابط متبادلة بين الجيش المصري ونظيره الأميركي، وأن هذه الروابط تعتبر مكسبا للأميركيين، وربما للمصريين أيضا، وأن الأميركيين حريصين على بناء علاقات متينة مع الأجيال القادمة من صناع القرار المصري حتى يوفروا على الأجيال القادمة من صانع القرار الأميركي مشقة بناء علاقة وقنوات اتصال جديدة مع المسئولين المصريين، هذا يعني أن صانع القرار الأميركي حريص ليس فقط على مصالح بلاده حاليا، فهو حريص أيضا على مصالح الأجيال الأميركية القادمة. 


ثالثا: من الواضح أيضا وفقا لتصريحات رئيس الأركان الأميركي أنه لا يتردد في مطالبة نوابه بالتريث في علاقتهم بمصر، خاصة وأنه يشعر بأنه قادة المجلس العسكري في مصر يحافظون على قدر لا بأس به من المصالح الأميركية في الوقت الراهن بما في ذلك التعاون بخصوص إسرائيل، ولكنه يبقى حذرا متريثا بخصوص المستقبل وموقف أي حكومة مدنية منتخبة في مصر.

والسؤال مرة أخرى هو كيف نستفيد من تلك المواقف الأميركية فيما يتعلق بترشيد الموقف المصري تجاه القضية ذاتها، باختصار نحتاج ما يلي:


أولا: بدلا من تهديد الأميركيين كما فعل حزب الحرية والعدالة (حين قال أن المساس بالمعونة سوف يؤثر على اتفاقية كامب دايفيد)، وبدلا من دعم حزب النور لتصريحات أو مبادرة غير واضحة المعالم أطلقها الشيخ محمد حسان لجمع تبرعات من المصريين للاستغناء عن المعونة السنوية (1.55 مليار دولار أميركي سنويا)، كان يجب عليهم القيام أولا بمطالبة المسئولين المصريين بتقديم شرح كافي للفوائد التي تعود على المصريين من تلك المعونة وحجم الضغوط الأميركية وسبل مواجهتها بالسبل الدبلوماسية قبل التهديد والوعيد والدعوة للاستغناء عن المعونة.

ثانيا: من حق المصريين أيضا الحصول على تصور لمصالحهم في أميركا وسبل حمايتها على الأمدين الطويل والبعيد كما يفكر الأميركيون، يعني وظيفة من هم في موضع المسئولية السياسية ليست إطلاق التصريحات الجماهيرية اللاذعة ولكنها التفكير الاستراتيجي والنظر على المدى البعيد.

أخيرا، أتمنى أن ثورة 25 يناير تمثل نهاية عهد السياسات المجهولة والمواقف المبهمة، وأنه حان الوقت لمصارحة المصريين بحقيقة سياسات مصر الداخلية والخارجية على حد سواء، فلم يعد من المقبول أن نبحث عن حقيقية مواقف السياسة الخارجية المصرية في تصريحات المسئولين الأجانب وتقارير مؤسساتهم المختلفة، والله أعلم.


بقلم: علاء بيومي 

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره: www.alaabayoumi.com

Saturday, February 18, 2012

في درجة وتبعات اعتماد الجيش المصري على المعونة الأميركية

مقال بقلم: علاء بيومي، يمكن نشر المقال مع النشر إلى مصدره: www.alaabayoumi.com

خلال عهد الرئيس المخلوع حسنى مبارك تعود المصريون على التعامل مع قضايا سياسية هامة بدون نقاش كافي خاصة في ظل سيطرة النظام على ما يكفي من وسائل الإعلام والمؤسسات السياسية لتحويل وجهة النقاش في الاتجاه الذي يريده.  

لذا حرم المصريين من دراسة قضاياهم المختلفة دراسة عميقة ومن فهم تبعات البدائل السياسية المتاحة أمامهم.

لذا عندما يطلق البعض في مصر حاليا دعوات للاستغناء عن المعونة الأميركية - لاقت ترحيبا من بعض الأحزاب والقوى الدينية - لابد وأن نسأل أنفسنا إذا كانت تلك الدعوات قائمة على دراسة مستفيضة للمعونة الأميركية وتأثيرها وسبل وتبعات الاستغناء عنها.
أم أن تلك الدعوات مجرد  رد فعل شعبي غاضب - سرعان ما يتلاشى وينسى - على عقود من السياسة الأميركية غير العادلة في المنطقة والتي قامت على دعم إسرائيل والديكتاتوريات في آن واحد.

الحل هو أن ننظر لتلك الدعوات كفرصة للمطالبة بتوفير أكبر قدر من المعلومات عن المعونة الأميركية لمصر وكيفية إنفاقها ودرجة اعتماد المصريين عليها وخاصة في أوساط الجيش المصري صاحب النصيب الأكبر من تلك المعونة في السنوات الأخيرة.  

ولعل هذا النقاش – إذا تم فتحه بعمق وجدية – يمثل البداية الحقيقية للاستغناء عن المعونة الأميركية، فلكي نحل مشكلة ما علينا أولا أن نفهم طبيعتها وسبل حلها.

فالبداية لا تكون باقتراحات عنترية وحلول نظرية، ولكنها تكون بدراسة دقيقة وموضوعية لطبيعة المشكلة نفسها وسبل علاجها.   

لذا رأينا أن نهتم في المقال الراهن برصد عدد من الحقائق المتعلقة بالمعونة الأميركية لمصر ووجهتها ومدى اعتماد مصر عليها خاصة عسكريا.

فمن المعروف أن أميركا تقدم لمصر منذ نهاية السبعينات حوالي 2 مليار دولار سنويا أو أكثر تم تخفيضا خلال العقد الأخير إلى 1.55 مليار دولار أميركي سنويا يذهب 1.3 مليار منها أو أكثر من 80 % في صورة معونات عسكرية.

وهو ما يفرض التساؤل حول أهمية تلك الأموال للقوات المسلحة المصرية ومدى اعتمادها عليها وكيف تنفق وإلى أي مدى يمكن الاستغناء عنها وبأي سرعة خاصة وأنها تقدم منذ أكثر من ثلاثة عقود.

ويسعفنا في ذلك تقريران صادران عن مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسية في واشنطن، صدر أولهما في شهر مارس بعنون "مبيعات ومساعدات الأسلحة الأميركية لمصر"، وصدر الثاني في شهر يونيو لعام 2010 بعنوان "الميزان العسكري العربي الإسرائيلي".


ويوضح التقريران أن المساعدات العسكرية الأميركية لمصر تمثل حاليا ما يعادل ربع أو ثلث ميزانية الدفاع المصرية، فمصر خفضت انفاقها العسكري كنسبة من دخلها القومي بشكل مضطرد منذ نهاية الثمانينات، حتى وصل إلى نسبة تتراوح بين 2.1% و 3.9% من الميزانية المصرية. 

وتمثل المساعدات العسكرية الأميركية لمصر (1.3 مليار دولار سنويا) ما يعادل ربع أو ثلث ميزانية الدفاع المصرية نفسها، والتي تراوحت خلال العقد الأخير بين 3.5 و 4.5 مليار دولار أميركي، وتقول التقارير الأميركية أن مصر من أكثر دول المنطقة اعتمادا على المساعدات العسكرية الأميركية حاليا.

وتوزع تلك المساعدات على شراء أسلحة جديدة وتطوير منظومات أسلحة قائمة وصيانة ودعم أسلحة أخرى، هذا بالإضافة إلى مشاريع إنتاج مشتركة للأسلحة بين مصر وأميركا وخاصة للدبابة الأميركية M1A1 التي بدء مشروع انتاجها المشترك بين مصر وأميركا في نهاية الثمانينات.

وتقول التقارير أن مصر تشتري سنويا ما قيمته مليار دولار من الأسلحة الأميركية وأن ثاني دولة مصدرة للأسلحة لمصر هي الصين والتي تبيع لمصر أسلحة تقدر بحوالي 100 مليون دولار سنويا خلال السنوات الأخيرة وفقا لأحد التقارير، وهذا يعني أن الصين تأتي بعد أميركا كثاني أهم مصدر للسلاح المصري بقارق كبير للغاية.

وهو يعني أيضا أن مصر تعتمد منذ فترة طويلة على الأسلحة الأميركية، فوفقا للتقارير التي بين أيدينا اشترت مصر من أميركا خلال الفترة من 2001 حتى 2008 أسلحة يقدر ثمنها بحوالي 10.4 مليار دولار، واشترت من روسيا خلال الفترة ذاتها أسلحة يقدر ثمنها 800 مليون دولار، ومن الصين أسلحة ثمنها 500 مليون دولار.  


وخلال الفترة من 1997 وحتى 2008 أنفقت مصر 18.6 مليار دولار على استيراد أسلحة جديدة، كانت حصة أميركا منها 15.9 مليار دولار، أو ما يعادل 85% من نفقات واردات الأسلحة المصرية.

ويأتي بعدها الأسلحة الصينية والروسية حيث أنفقت مصر مليار دولار و900 مليون دولار أميركي تباعا على شراء أسلحة من البلدين - وفقا للتقارير الأميركية، وهو ما يعادل نسبة قدرها 5.3% و 4.8% تباعا، وهذا يوضح مدى اعتماد الجيش المصري على السلاح الأميركي خلال العقود الأخيرة.


ويعني أيضا أن أحدث الأسلحة التي تمتلكها الترسانة المصرية من طائرات ودبابات وسفن حربية أميركية الصنع، وأن أميركا زودت إسرائيل بأسلحة أكثر تقدما من نظيرتها المصرية، وأن ترسانة مصر من الأسلحة الروسية القديمة باتت بالية ومتخلفة تكنولوجيا وقد تمثل عبئا في صيانها واستخدامها كما يشير أحد التقارير.

هذا إضافة إلى صفقات السلاح المفتوحة ومشاريع الانتاج العسكري المشتركة التي تنخرط فيها مصر وتعتمد عليها.

أضف إلى ذلك الأعباء التي يتحملها الجيش المصري بسبب حجم البيروقراطية ونفقات التحديث وحجم القوات الكبير وسباق التسلح المستمر في المنطقة بسبب التهديدات الإقليمية المتزايدة.


هذا يعني أن فك الارتباط العسكري بين مصر وأميركا يتطلب الوفاء بعدد من الشروط الهامة.

أولا: وعلى المستوى الاقتصادي تحتاج مصر تحقيق قدر من التنمية الاقتصادية بما  يزيد من حجم الاقتصاد المصري وقدرة مصر على دعم جيشها، فخلال العقد الممتد من عام 1999 وحتى عام 2008 بلغت نفقات إسرائيل العسكرية 101.8 مليار دولار أميركي في حين بلغ الإنفاق العسكري المصري 36.6 مليار دولار أميركي وهو ما يعادل ثلث الإنفاق العسكري الإسرائيلي خلال الفترة ذاتها.

ولو أخذنا في الاعتبار المعونة الأميركية والتي تبلغ 1.3 مليار سنويا، هذا يعني أن مصر أنفقت حوالي 23 – 24 مليار دولار فقط على بناء جيشها من دخلها الخاص خلال الفترة المذكورة، وأن إصلاح الاقتصاد المصري هو البداية الحقيقية لميزانية عسكرية مصرية كافية وقادرة على دعم جيشنا.


ثانيا: تحتاج مصر تحقيق قدر من التطور العلمي والتكنولوجي لضمان إحلال الأسلحة الأميركية بأسلحة وطنية متطورة وقريبة من تكنولوجيا الأسلحة الأميركية قدر الإمكان، وهو يحتاج بدون شك طفرة تعليمية وتكنولوجية يصعب تحقيقها سريعا. 

ثالثا: تحتاج مصر أيضا تغيير تحالفاتها الدولية بما يضمن حصول مصر على تكنولوجيا أسلحة متطورة من دول غير الولايات المتحدة وحلفائها.

وبالطبع لا يتحدث أحد عن نذر حرب مقبلة، ولا نقول أيضا أن التقارير الأميركية وافية للوقوف على حجم وقدرات القوات المسلحة المصرية، ولكن هدفنا بالأساس هو توفير قدر من المعلومات المبدئية عن قضية المعونة الأميركية ودرجة اعتماد مصر عليها خاصة عسكريا وربما التأكيد على أن سنوات حكم مبارك وضعت مصر في ظروف صعبة ومعقدة على مستويات مختلفة لن يتم تخطيها بسهولة.

ونتمنى بكل من يهتم بالقضية أن يساعد على فتح باب النقاش حولها ويطالب بمعلومات كافية ودراسة مستفيضة حتى ننتقل بمصر من مرحلة النقاش العاطفي المسيس التي سادت خلال حكم المخلوع إلى مرحلة دراسة السياسات والبدائل الجادة المتاحة، والتي نأمل أن تسود مصر ما بعد ثورة 25 يناير، والله أعلم.

-----
للاطلاع على النص الكامل للتقارير الأميركي المشار إليها في المقال، يرجى زيارة الوصلات التالية:

Thursday, February 16, 2012

قراءة في طبيعة دولة العسكر في مصر وكيف يفكرون

بقلم: علاء بيومي ،،، يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره: www.alaabayoumi.com

ستيفن كوك الباحث بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي نشر في عام 2007 كتابا بعنوان "يسيطرون ولا يحكمون: الجيش والتطور السياسي في مصر والجزائر وتركيا" يحاول فيه الوقوف على طبيعة الدور السياسي للجيوش في البلدان الثلاثة السابقة وكيفية التعامل معه إذا كنا راغبين في إجراء تحول ديمقراطي حقيقي في البلدان الثلاثة والبلاد المشابهة لها.

قراءة الكتاب وخاصة الجزء المتعلق بمصر لا تخلو من فائدة في الظروف الراهنة، لذا رأينا عرض بعض أهم ما ورد فيه من أفكار في المقال التالي.

القيادة من الصفوف الخلفية

كوك يقول أن هزيمة 1967 وردة فعل الشعب المصري الغاضبة تجاهها وشعوره بأن الجيش عجز عن القيام بمهمته الرئيسية في حماية البلاد وتلقى هزيمة قاسية بلا مبرر دفعوا الجيش إلى التخلي عن كثير من مزاياه السياسية التي تمتع بها منذ ثورة 1952 والتي دفعت بضباط الجيش إلى مقدمة الصفوف السياسية ووضعتهم على رأس مؤسسات السياسة المصرية بشكل مباشر.

هزيمة 67 أقنعت الجيش - تحت ضغط - بأن عليه أن يمارس سلطاته السياسية الواسعة ويحافظ على مكتسباته من خلال أسلوب مختلف يتخلى فيه عن الإدارة اليومية لشئون البلاد ويحتفظ من خلاله بمسافة واسعة تفصله عن مؤسسات الحكم بما يحقق له هدفان:

أولهما لوم صف أخر من المسئولين السياسيين مثل رئيس الوزراء والوزراء والبيروقراطية على أي مشاكل تتعرض لها البلاد.

وثانيهما استخدام واجهة من المؤسسات السياسية والإجراءات الديمقراطية لإكساب نظامه الشرعية.


ويقول المؤلف أن المسئولين والمتابعين الأجانب المعنيين بالنظام السياسي المصري عادة ما ينشغلون بمتابعة الانتخابات والقوانين والدساتير ومواقف البرلمان في مصر، ولكن في الحقيقة هذه المظاهر ليست إلا شكليات تخفي ورائها مؤسسات وتقاليد غير رسمية يسيطر من خلالها الجيش المصري على مقاليد الحكم.

ويوضح المؤلف أن انسحاب كبار ضباط الجيش المصري من صدارة المشهد السياسي بعد هزيمة 67 دفعهم - ولكي يضمنوا سيطرتهم - إلى التركيز على مؤسسة الرئاسة وهي المؤسسة السياسية الأهم في البلاد وذات الصلاحيات الهائلة وضمان تبعيتها لهم.

فالرئيس ينحدر منذ ثورة يوليو من المؤسسة العسكرية، وهو أيضا حريص على كسب ود تلك المؤسسة، وهنا يشير المؤلف إلى حرص السادات ومبارك على كسب ود المؤسسة العسكري وقادتها وضباطها بشكل مستمر.


ومن خلال مؤسسة الرئاسة يسيطر الجيش على النظام السياسي، وذلك لأن المؤسسات الديمقراطية المختلفة الموجودة في مصر ليست سوى شكليات، أو مظهر ديمقراطي، فالجيش يسيطر على الرئاسة والرئاسة تسيطر على الحزب الحاكم، والحزب الحاكم يسيطر على البرلمان والذي يسيطر على أحزاب المعارضة، والقوانين وقواعد اللعبة السياسية.

صفقات ضمنية

وهذا لم يمنع الجيش من خلال مؤسسة الرئاسة في الدخول في صفقات ضمنية مع بعض الشركاء ولو في المعارضة، وركز الكتاب على الشريك الضمني الأهم للمؤسسة العسكرية المصرية خلال حكم مبارك، وهو جماعة الأخوان المسلمين، إذ يرى المؤلف أن مبارك وقادة الجيش سمحوا للإخوان بالعمل السياسي ضمن اتفاق ضمني يسمح لهم بالانتشار الديني والمجتمعي والصعود السياسي المحدود ولا يسمح لهم بالسيطرة السياسية.

فالجيش ومبارك احتاجوا الإخوان لأكثر من سبب مثل مواجهة الجماعات الدينية العنيفة التي سعت لمواجهة الدولة ولإضفاء الشرعية على نظامه السياسي، فالنظام المصري – كما يرى الكتاب – نظام سلطوي مرن ومستقر، فهو يحافظ على استمراره واستقراره من خلال إيجاد مساحة من المعارضة المحدودة والتي تعمل داخل مساحة وأطر معينة يسهل احتوائها.

وهنا يقول المؤلف أن مشكلة مبارك والجيش هي أن الإخوان لم يستسلموا لتلك الاتفاقية الضمنية وحاولوا دائما تحدي النظام وقواعده واستخدام مؤسساته الديمقراطية الشكلية لتحديه وفضح شكلية تلك المؤسسات وغياب الديمقراطية الحقيقية.

ويقول كوك أن النظام وقادة الجيش حرصوا دائما على منع الإخوان من الوصول إلى السلطة من خلال استخدام المؤسسة الأمنية وقوانين الطوارئ والمحاكم غير المدنية ونشروا عنهم في الخارج صورة الجماعة العنيفة المتشددة والمسلحة والمعادية للديمقراطية مع إن الإخوان تركوا العنف منذ عقود وعلى الرغم من السماح للإخوان بالعمل في الداخل بدرجة من الحرية.


وبهذا سمح النظام للإخوان بالعمل في الداخل ضمن حدود معينه وحرص على قمعهم في الداخل والخارج لو تخطوها.

امتيازات الجيش

ويقول الكتاب أن الجيش من خلال الآليات السابقة حرص على الحفاظ على عدد من الامتيازات الهامة التالية:

أولا: الجيش حرص على احتكار قمة الهرم السياسي والمؤسسة السياسية الأهم في البلاد، فالرئيس ينتمي للجيش، وهو واسع الصلاحيات بشكل هائل، والرؤساء العسكريون حرصوا على توريث عسكريين مثلهم، كما فعل ناصر والسادات.

وهنا يشير المؤلف في كتابه الصادر في 2007 إلى صعود نجم جمال مبارك، واحتماليه توريثه الحكم، ويقول أن ذلك لو حدث سوف يعد تحولا كبير على صعيد تولي المدنيين الرئاسة في مصر، دون أن يكون ذلك تحولا نحو الديمقراطية بالطبع، ولكنه حذر من أن الجيش قد يقابل هذا الأمر بالتحرك نحو اكتساب مزيد من "الاستقلالية" داخل النظام السياسي المصري.

ويقول المؤلف أن كون الرئيس عسكريا ضمن لقادة الجيش أن يمتلك الرئيس نفس تعليمهم وخلفيتهم وثقافاتهم وأفكارهم، ويقول أن أيدلوجية الضباط دارت منذ عهد ناصر حول بعض الأفكار الرئيسية مثل الديمقراطية والاستقلال والعدالة الاجتماعية والوطنية المصرية والتنمية الاقتصادية والطبيعة المتدينة للشعب المصري، وهي أفكار دارت حولها خطاباتهم وإصلاحاتهم السياسية الشكلية في كثير من الأحيان.

ثانيا: على المستوى السياسي تمتع قادة الجيش بدرجة عالية من الحصانة وعدم قدرة المؤسسات السياسية الكبرى - وعلى رأسها البرلمان – على الوصول إليهم ومحاسبتهم، فالممارسة والثقافة السياسية المصرية أعطت وزير الدفاع وقادة الجيش حصانة كبيرة، فوزير الدفاع لا يناقش من أعضاء البرلمان ولا يظهر أمامهم إلا ظهورا مختصرا ولا يقام بينه وبينهم حوار، وبالطبع تتمتع ميزانية الجيش الضخمة والتمويل والدعم الذي تحصل عليه شركات الجيش - والتي تحمل ميزانية الدولة المصرية أعباء كثيرة - بالسرية.

ثالثا: يقول الكتاب أيضا أن الجيش المصري تميز عن نظرائه بمشاركة مباشرة في النشاط الاقتصادي من خلال ترسانة من الشركات التي يملكها الجيش ويدريها مباشرة والتي تعمل في عدد كبير للغاية من المجالات التي لا ترتبط بأي نشاط عسكري، هذا إضافة إلى نشاط ضباط الجيش الاقتصادي بعد التقاعد، وهنا يقول الكتاب أن السادات سعى للانفتاح الاقتصادي ولكن قادة الجيش استفادوا من التغييرات الاقتصادية وعملوا كمستشارين ووسطاء للشركات الأجنبية.

رابعا: يتمتع الجيش بمكانة ثقافية كبيرة فأيدلوجيته هي السائدة ورأس الدولة من خلفيتهم وثقافتهم ويعمل على نشر أفكارهم.

سبل المواجهة

ويحذر الكتاب أن مواجهة سيطرة الجيش على الحكم في مصر من الصفوف الخلفية لن تتحقق من خلال تحرير الاقتصاد أو تقوية المجتمع المدني كما يعتقد البعض في الدخل والخارج لأكثر من سبب. 

فالنخبة السياسية العسكرية الحاكمة في مصر تستخدم تلك التغييرات كشكل أو كمظهر خارجي يضفى الشرعية على نظامها السياسي السلطوي من ناحية، ولأن تلك التغييرات لا تمس سيطرة تلك النخبة الحقيقية من ناحية أخرى، ولأن النخب قادرة دائما على السيطرة على مؤسسات النظام الجديدة.

فالنظام قادر على تحرير الاقتصاد من سيطرة الحكومة المركزية وإبقاء الاقتصاد تحت سيطرته من خلال التحكم في النخب المستفيدة من التحول الاقتصادي، كما أنه قادر على تعديل الدستور من ناحية والتحكم من خلال المؤسسات المختلفة في النخب التي تنتجها المؤسسات الجديدة.


لذا يرى المؤلف أن الحل الوحيد يتلخص في نقطتين: 

أولهما إدخال إصلاحات سياسية حقيقية تضمن للناس حرية التنظيم والتعبير وبناء الأحزاب، وتضمن للبرلمان سلطة الرقابة، وتزيل قوانين الطوارئ والمحاكم الأمنية، وتعطي للمواطنين سلطة محاسبة قادتهم السياسيين.


وثانيهما الضغط الداخلي والخارجي وربما تقديم بعض الحوافز الخارجية لتغيير قواعد اللعبة السياسية الرسمية وغير الرسمية بشكل كامل، وعلى رأس التغييرات المطلوبة ما يلي:


أولا: إخضاع الجيش لقيادة وزير دفاع مدني.

ثانيا: إخضاع المجلس الأعلى للقوات المسلحة لسلطة المؤسسات القضائية المدنية العليا.

ثالثا: تغيير قوانين الخدمة الداخلية بالقوات المسلحة لإلغاء المواد التي تبرر تدخلهم في السياسة.

رابعا: تغيير مناهج التعليم بالمؤسسات العسكري للتأكيد على سلطة المدنيين وضرورة الخضوع لهيمنتهم على صناعة القرار السياسي.

تطبيقات على المشهد الراهن

ولعل الأفكار السابقة - لو استخدمناها كفرضيات قابلة للصحة – قد تساعدنا على قراءة المشهد السياسي الراهن في مصر على النحو التالي:

أولا: الدراسة قد تفسر أسلوب حكم المجلس العسكري لمصر حاليا، فالمجلس يحكم ويظهر وكأنه يتظاهر بأنه لا يحكم، بمعني أخر المجلس يحاول الظهور بمظهر المترفع على السلطة، فهو يمتلك السلطات والصلاحيات ويقود العملية السياسية منذ 11 فبراير 2001، ولكنه دائم التظاهر بمظهر المترفع عن العملية السياسية والمؤسسة التي ترعى مصلحة البلاد دون التقيد بأي مصالح خاصة أو ذاتية.

ولعل ذلك يعود كما تقول الدراسة إلى أن الجيش في مصر تعود على القيادة من بعيد، وعلى النأي بنفسه عن الإدارة اليومية للحياة السياسية المصرية، وتفضيل إلقاء اللوم على الوزراء والبيروقراطية في الأخطاء المختلفة.  

بمعنى أخر الجيش مازال يمارس هوياته في السيطرة دون تحمل مسئولية الحكم، وهو يريد أن يحكم وأن يقنعنا بأنه لا يحكم في نفس الوقت.


ثانيا: توضح الدراسة لماذا يظل المجلس العسكري بعيدا عن المحاسبة السياسية في الوقت الراهن، فالمجلس يمثل مؤسسة الرئاسة المصرية بتقاليدها السياسية والثقافية التي تحول دون محاسبة الرئيس، كما أن قادة الجيش المصري تعودوا على آلا يحاسبهم المدنيون.


ثالثا: لن يتنازل الجيش عن مؤسسة الرئاسة بسهولة فهي المؤسسة الضامنة له ولصلاحياته وسوف يسعى لضمان قدر كبير من الاستقلالية في حالة تخليه عنها.

ولعل الدراسة تفسر لماذا فوض مبارك صلاحياته لعمرو سليمان أولا ثم للمجلس العسكري بعد ذلك، فمبارك كان ظل وفيا لتقليد توريث السلطة للعسكريين، وربما أضطر لذلك بعد أن أجهضت الثورة مخطط توريث جمال، ويبدو من الدراسة أن المجلس العسكري أميل لتسليم السلطة لأحد العسكريين السابقين.

رابعا: سوف يسعى المجلس لعقد صفقات سياسية تضمن له الحافظ على استقلاليته، ويلاحظ هنا أن الاستقلالية السياسية التي يريدها الجيش – وفقا للمقال الراهن – تضر بمسار العملية الديمقراطية، وقد تمكن الجيش فيما بعد من الانقلاب على القوى السياسية المختلفة وعلى قواعد العملية السياسية ذاتها فيما بعد، فالأصل ليس في عقد انتخابات واختيار برلمان وانتخاب رئيس من خارج الجيش، والأهم هو أن تمارس المؤسسات السابقة صلاحيات حقيقية، فالتمكين والممارسة هما الأصل وليس المؤسسات الشكلية.

خامسا: حجم نفوذ الجيش المصري غير معروف وكبير، وسوف يستغرق الكشف عنه فترة، وجزء من السيطرة والنفوذ الخاصة بالجيش في مصر ثقافي وضمني وغير مكتوب، فالجيش ليس مؤسسة عسكرية وسياسية واقتصادية فحسب، فجزء من سيطرته السياسية أيدلوجي وثقافي، وهناك حاجة  لبناء ثقافة سياسية جديدة تركز على الدور الاحترافي للجيش وتبعده عن السياسية التي لا يجيدها وتدفعه للتركيز على عمله وبناء قدراته كمؤسسة عسكرية معنية بحماية البلاد والسماح لمصر ببناء ديمقراطية حقيقية لا شكلية تتحكم فيها النخبة العسكرية من بعيد.

سادسا: الثورة المصرية حققت إصلاحات ومكاسب حقيقية حتى الآن وعلى رأسها حل الحزب الحاكم وانتخاب مجلس شعب جديد وبناء حراك شعبي قوي، ولكن تبقى أمام الثورة تحديات حقيقية وعلى رأسها معركة الرئاسة، ومواجهة النخبة السياسية والعسكرية الاقتصادية والثقافة السياسية التابعة للنظام القديم وهي معارك صعبة في مواجهة نخب تعودت على التلون والقيادة من بعيد والسماح بمؤسسات شكلية تفرغ تدريجيا من معانيها، وهذا يتطلب بدون شك دراجة عالية من الحراك والوعي الشعبي ووحدة القوى السياسية، والله أعلم.

----

للإطلاع على صورة غلاف الكتاب، يرجى زيارة الوصلة التالية:

Wednesday, February 15, 2012

مطالب أميركية بالانفتاح الاقتصادي على مصر

هناك شعور أميركي بالرغبة في التأثير على ما يجري في مصر بأسلوب غير مباشر قدر الإمكان، فالأميركيون يشعرون بأن مصر تمر بمرحلة تحول ضخمة، وأن دورهم المباشر الذي كانوا يلعبونه في الماضي من خلال المساعدات والعلاقات الأمنية بات مرفوضا، وأن عليهم البحث عن طرق أخرى.

وهنا تحذر ميرديث برودبنت – المسئولة الأميركية السابقة والتي تعمل حاليا باحثة في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بواشنطن - من ميل بعض السياسيين الأميركيين وخاصة في الكونجرس للانغلاق والتردد فيما يتعلق بسياسات بلدهم تجاه مصر نظرا لغموض عملية صناعة القرار السياسي في مصر وعدم وضوح مسار التحول السياسي فيها ومستقبله بالإضافة إلى الضغوط التي تتعرض لها الميزانية الأميركية خلال الفترة الراهنة.

لذا تدعو برودبنت - في دراسة نشرها لها المركز المعروف في ديسمبر الماضي - الحكومة الأميركية إلى الانفتاح على مصر اقتصاديا من خلال تطوير اتفاقات التجارة المشتركة بين البلدين كخطوة على صعيد التفاوض حول وإقرار اتفاقية للتجارة الحرة بين البلدين.

وترى الباحثة أن تعميق اتفاقات التجارة بين مصر وأميركا والسير نحو اتفاقية تجارة حرة من شأنه أن يدعم أهداف أميركا في مصر على أكثر من مستوى.

فسوف يضمن سياسيا دفع مصر في اتجاه الحد من سيطرة الحكومة المركزية على الاقتصاد وسوف يضمن أيضا التفاعل مع قادة مصر الجدد وبناء علاقات إيجابية واضحة، كما أنه سوف يدفع في اتجاهات اقتصادية وسياسية مشتركة تدعمها أميركا في مصر كالشفافية ومحاربة الفساد وسيادة القانون.

أما اقتصاديا فترى الباحثة - والتي عملت كمساعدة لممثل التجارة الأميركي خلال الفترة من 2003 إلى 2005 – أن أميركا سوف تستفيد كثيرا من تطوير علاقتها التجارية مع مصر والدخول تدريجيا في مفاوضات إقامة اتفاقية تجارة حرة معها للأسباب التالية:

أولا: تشير الدراسة إلى تقارير دولية مختلفة ترشح مصر كأحد الدول الصاعدة اقتصاديا خلال الفترة المقبلة، حيث تتنبأ تلك التقارير بمعدلات نمو سنوية كبيرة لمصر (حوالي 5% سنويا) مقارنة بمعدلات نمو الدول المتقدمة (حوالي 2% سنويا)، وتتنبأ دراسات أخرى بأن مصر سوف تكون أحد الدول الدافعة لنمو التجارة الدولية عالميا مع دول كالهند والصين والبرازيل وفيتنام وإندونيسيا خلال الفترة من 2011 إلى 2025.  

وهنا تشير الدراسة إلى موقع مصر الاستراتيجي الهام حيث تتلاقى خطوط التجارة الدولية، وكون مصر هي مفتاح رئيسي لمنطقة الشرق الأوسط سياسيا واقتصاديا على حد سواء، ولكون منطقة الشرق الأوسط بسكانها البالغ عددهم 400 مليون نسمة وناتجها الإجمالي المقدر 2.4 ترليون دولار في عام 2011 تعد الاقتصاد التاسع عالميا.

هذا ناهيك عن حجم الطبقة الوسطى المصرية مما يجعل البلد جاذبا للاستثمارات في الشرق الأوسط ودوليا.


وهنا تشيد الدراسة ببعض الإصلاحات الاقتصادية القاسية التي طبقتها مصر خلال الفترة من 2005 إلى 2008 والتي دفعت في اتجاه اقتصاد السوق، وتقول الدراسة أن الإصلاحات السابقة شجعت المستثمرين ولكنها لم تنجح في تحقيق توزيع عادل للثروة وثمار الإصلاح الاقتصادي داخليا مما ساهم في ثورة 25 يناير.

ولكنها تعود وتقول أن الضغوط الاقتصادية الضخمة التي تعرضت لها مصر منذ ثورة يناير 2011 لم تؤثر على الانفتاح الاقتصادي المصري ولم تدفع المسئولين المصريين لتبني سياسات انغلاقية مما يؤشر على حرصهم على سياسات الانفتاح الاقتصادي.

وهنا تشير الدراسة إلى أن حجم الاستثمارات الأجنبية التي دخلت مصر منذ عام 2005 والتي وصلت إلى قمتها في عام 2006 حيث بلغت 11.5 مليار دولار أميركي وتراجعت بعد الأزمة الاقتصادية الدولية في 2008 لتصل في عام 2010 إلى 6.3 مليار دولار.

ثانيا: تقول الدراسة أن العوامل السابقة تجعل من مصر دولة هامة للشركات الأميركية وهو أمر يجب مراعاته من قبل المسئولين الأميركيين خلال الفترة الحالية وخاصة في الكونجرس الأميركي، لأن الشركات الأميركية تبحث عن فرص جديدة في ظل منافسة متنامية مع دول وكيانات أخرى كالإتحاد الأوربي والصين.

وهنا تشير الدراسة إلى توسع الاتحاد الأوربي كشريك تجاري في مصر منذ عام 2006 مقارنة بالولايات المتحدة، ففي عام 2006 بلغت واردات مصر من أميركا والاتحاد الأوربي 1.6 مليار دولار و3.9 مليار دولار أميركي على التوالي، أما في عام 2010 فقد بلغت وردت مصر من أميركا والاتحاد الأوربي 4.9 مليار و14.1 مليار تباعا.


وتقول الدراسة أن سبب التوسع الأوربي في السوق المصرية يعود نسبيا إلى اتفاقية التجارة التي وقعتها مصر مع الاتحاد الأوربي في 2004 والتي حققت لأوربا مكاسب كثيرة من بينها خفض متبادل للجمارك وبناء أكثر من هيئة تجارية مشتركة بين مصر والاتحاد الأوربي ونشر المعايير التجارية الأوربية في مصر حتى بات التجار الأميركيون أنفسهم مطالبين بإتباع بعض تلك المعايير في تجارتهم مع مصر.

وتقول الدراسة ومؤلفتها أن نشر المعايير التجارية الأوربية في مصر هو جزء من السباق الأوربي الأميركي على التحكم في المعايير القياسية للتجارة الدولية وأنه يمثل تحديا لسيادة وانتشار المعايير الأميركية. 

وتقول الدراسة أن النقاش بين مصر وأميركا حول سبل بدء مفاوضات حول عقد اتفاقية تجارة حرة بين البلدين توقف فجأة في عام 2005 وأن العلاقات الاقتصادية بين البلدين مازالت تحكمها اتفاقيات في منتصف التسعينيات وأن تلك الاتفاقات لم تأخذ في اعتبارها كثير من التحولات التي مرت بها مصر أو أميركا أو اتفاقات التجارة الأميركية المشتركة مع دول العالم.

وتقول أيضا أن الكونجرس بطيء للغاية في الموافقة على اتفاقات التجارة الحرة، وأن على أميركا البدء مباشرة بفتح باب تطوير اتفاقات التجارة المشتركة مع مصر كعلامة على حسن نوايا أميركا ورغبتها في توطيد علاقاتها السياسية والاقتصادية مع مصر في الفترة الحالية وكخطوة على صعيد بدء مفاوضات اتفاقية تجارة حرة بين البلدين.

وتتوقع المؤلفة أن تطرح مصر ضمن أي محادثات تجارية مستقبلية بعض مطالبها المتعلقة برفع معوقات صادرات النسيج والمنتجات الزراعية الطازجة إلى أميركا، وأنه يمكن لأميركا فتح باب النقاش حول عدد من القضايا والالتزامات المتعلقة بالملكية الفكرية وحقوق العمال وقوانين البيئة ضمن النقاشات المتبادلة حول تطوير اتفاقات التجارة الثنائية بين البلدين.

وتشير الدراسة إلى أن حجم الصادرات المصرية في أميركا خلال عام 2010 بلغ حوالي 2.3 مليار دولار أميركي، في حين اقتربت الصادرات الأميركية إلى مصر من 7 مليار دولار، وتعد الصادرات الزراعية واللحوم أهم ما تصدره أميركا إلى مصر حيث تمثل الصادرات الأميركية في هذا المجال ربع الواردات المصرية من الخارج.


يأتي بعدها المعادن والكيمياويات والطعام، حيث تصدر أميركا إلى مصر ما يقدر بنسبة 12.6% و10% و9% من حجم سوق الواردات المصرية من تلك السلع على التوالي.

أما أهم الصادرات المصرية إلى أميركا فهي القطن والأنسجة حيث تصدر مصر إلى أميركا ما يعادل 1.1% من سوق الواردات الأميركية لتلك السلع، ويأتي بعدها الوقود بنسبة 0.23%.


ولا ننسى التذكير بأن الدراسة مكتوبة من وجهة النظر الأميركية بالأساس، وأنها تبحث عن سبل اقتصادية لتحقيق مصالح الولايات المتحدة في مصر، وأن تلك السبل قد لا تتقابل أو تتعارض بالضرورة مع المصالح المصرية. 

وإن عرضنا لتلك الدراسة يأتي من باب إطلاع القارئ المصري على رؤى أميركية جادة وجديدة قد تؤثر على سياسات الولايات المتحدة تجاه مصر خلال هذه الفترة الهامة، ولطرح السؤال حول سبل استفادة مصر من تلك الدعوات والمطالب الأميركية لتحقيق مصالحها الوطنية!؟ والله أعلم.

 بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره: www.alaabayoumi.com


---- 


للإطلاع على النص الكامل للدراسة يرجى زيارة الوصلة التالية:

Friday, February 10, 2012

مخاطر التدخل العسكري الأميركي في سوريا


مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن أصدر في منتصف شهر ديسمبر الماضي دراسة عما يجري في سوريا ومخاطر التدخل العسكري الأميركي هناك على غرار ما حدث في ليبيا، وهي دراسة تستحق القراءة والتذكير بمحتواها الهام في الظروف الراهنة والتي تشهد تصاعدا واضحا في العمليات العسكرية التي يشنها النظام السوري ضد معارضيه في الداخل.

الدراسة مكتوبة من وجهة نظر أميركية وصادرة على مركز دراسات معروف بواشنطن وتقول أن أي تدخل عسكري غربي في سوريا على غرار ما حدث في ليبيا يحتاج لدعم عسكري أميركي كافي وكبير، وأن أميركا قادرة بما تمتلكه في قدرات عسكرية متقدمة تكنولوجيا على هزيمة قوات النظام السوري الذي يمتلك جيشا ضخما ولكن كثير من أسلحته قديمة وبالية تكنولوجيا إذا ما قورنت بترسانة الأسلحة الأميركية.

لكن التقرير يعود ويؤكد في خلاصته على أن التدخل العسكري في سوريا لن يكون بدون مخاطر بعضها معروف وبعضها غير معروف، فهناك مخاطر يمكن توقعها مثل قدرات قوات النظام السوري وأسلحته، ومخاطر أخرى يصعب توقعها مثل تصرف النظام السوري وأتباعه في الداخل وحلفائه في الخارج لو أحسوا بقرب نهايتهم مع بداية عملية عسكرية واسعة للناتو ضدهم على  غرار ما حدث ضد نظام القذافي في ليبيا.

ويقول التقرير أن المخاطر السابقة - خاصة غير المتوقعة منها - تتطلب الحذر قبل التفكير في تدخل عسكري - وهو أمر لا يحظى بدعم كافي في الوقت الحالي، ولا يقدم التقرير بدائل كافية للتدخل العسكري، ولكنه يقول في خاتمته أن "مستقبل سوريا بات محكوما إلى حد كبير بالضبابية ومرض ممتد" في الإشارة إلى تبعات العام الأخير - وما تضمنه من تظاهرات وحركات معارضة ضد النظام السوري ورد فعل عنيف من قبل النظام عليها - على قدرات النظام السوري.

عسكريا يقول التقرير أن النظام السوري تبنى منذ الثمانينيات إستراتيجية عسكرية قائمة على الردع بالأساس بسبب ضعف قدرات قواته الهجومية، وأن تلك الإستراتيجية ركزت على الحصول على صورايخ دفاعية متقدمة مختلفة الأنواع وعلى أجهزة إنذار مبكر، وكذلك على صواريخ مضادة للسفن ونظم دفاعية لحماية الشواطئ السورية.

ويبدو من التقرير عدم الاكتراث بأسلحة النظام السوري الهجومية خاصة فيما يتعلق بقدرات الطيران والقوات الأرضية، حيث يرى التقرير أن التكنولوجيا أسلحة النظام السوري متأخرة ولا تضاهي نظيرتها الأميركية.

ولكن يبقى التحدي الرئيسي متمثلا في قدرة قوات النظام السوري على الردع لأكثر من سبب، فعدد قوات النظام كبير، وفي حالة انتباه بسبب الصراع الجاري – كما يرى التقرير، كما أن سوريا بلد صغير من حيث المساحة وذو كثافة سكانية عالية، وأي هجوم أولي لتدمير مضادات الطيران وبطاريات الصواريخ التابعة للنظام السوري لابد وأن يترك عدد كبير من الضحايا بسبب تركز قوات النظام في مواقع ذات كثافة سكانية عالية.

وهنا يعود التقرير ويؤكد أن أي هجوم ناجح على قوات النظام السوري يجب أن يكون كبيرا بدرجات مقارنة بما حدث في ليبيا ويجب أن تشارك فيه القوات الأميركية على مستوى كبير، وأنه سوف يلحق خسائر بشرية كبيرة قد تثير الرأي العام العربي والدولي خاصة في ظل غياب الدعم الكافي لفكرة التدخل العسكري.

كما يقول التقرير أن سلاح الطيران بقوات النظام السوري قد لا يملك طائرات متقدمة ولكن ما يمتلكه من طائرات يمثل خطرا، أما الجانب الأهم من قوات النظام الردعية والتي يجب الحذر منها في حالة التدخل العسكري فهو سلاح الصواريخ والتي يصل مدى بعضها إلى 500 كم مما يجعلها قادرة على الوصول إلى تركيا وسيناء وشمال السعودية وأجزاء كبيرة من العراق، هذا إضافة إلى تقارير أخرى تفيد بامتلاك قوات النظام لصواريخ سكود سي ودي ذات المدى الأطول (600-700 كم بالترتيب) مما يجعلها قادرة على الوصول إلى مناطق أبعد.

التقرير يخشى أيضا من امتلاك قوات النظام السوري لأسلحة كيماوية وبيولوجية، ويبدو من التقرير أن الولايات المتحدة لا تمتلك معلومات كافية عن طبيعة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية التي يمتلكها النظام وقدرته على توصيلها، ولكن التقرير يعتقد أنها قدرة النظام السوري على إنتاج أسلحة كيماوية وبيولوجية وإنتاج أدوات إيصالها هي قدرة بدائية قد لا تمثل خطرا هائلا، ولكنها تمثل خطرا حقيقيا.

كما يمتلك النظام السوري رادع هام إضافي هو دفاعاته ضد السفن حيث زودت روسيا التي تمتلك قاعدة بحرية على الشواطئ السورية النظام الصاروخي بصواريخ متطورة مضادة للسفن مما قد يمثل تهديدا للسفن الحربية الأميركية في حالة شن هجوم من البحر كما حدث في حالة ليبيا.

هذا فيما يتعلق بميزان القوى وقدرات قوات النظام السوري العسكرية، وهو جانب يمكن حسابه أو توقعه نسبيا، ويبقى جانب أخر يصعب توقعه كما يشير التقرير.

وهنا تقول الدراسة أن طبيعة جيش النظام السوري تختلف عن طبيعة جيش القذافي، فجيش النظام السوري يتميز بدرجة من التجانس بسبب انتماء نسبية كبيرة من قياداته إلى الأقلية العلوية، تقدرها بعض المصادر بحوالي 60% من ضباط جيش النظام السوري، ويقول التقرير أن تجانس الجيش واستخدام النظام السوري لسلاح الطائفية بكثافة خلال الصراع الحالي قد يدفع قواته إلى التفاني في الدفاع عنه بحكم أن مصيرهم بات مرتبطا بمصيره، وقد يدفع أيضا البلاد إلى الانجرار نحو صدامات طائفية وإلى نزوح الأقلية العلوية إلى بعض أماكن تركزها التقليدية على الساحل، ويقول أيضا أن الجيش يعاني من ضعف روحه المعنوية وضعف تسليحه.

ولا يعول التقرير كثيرا على الجيش السوري الحر وقدراته العسكرية ويقول أن المعارضة السورية أكثر انقساما من المعارضة الليبية وأنها لا تسيطر على مناطق بعينها، وأنها منقسمة سياسيا، كما أن قدرات الجيش السوري الحر ضعيفة للغاية، فتسليحه فقير وبسيط ولا يقدر على القيام بمهام كبيرة وصعبة بسبب قلة عتاده وصعوبة حصوله على إمدادات عبر طرق مؤمنة.

أما فيما يتعلق بإيران فيخشى التقرير من أن تحول إيران سوريا إلى عراق جديدة، ولكنه يقول أن القوات الأميركية التي انسحبت من العراق رغم النفوذ الإيراني هناك تجعل أميركا تشعر بأن في وضع يتطلب منها مواجهة النفوذ الإيراني.

ويقول التقرير أن روسيا تقدم دعم دولي كبير للنظام الروسي وأنها قد تحاول إرسال مزيد من الأسلحة المتقدمة للنظام السورية كنوع من الردع ولتأكيد أن التدخل العسكري الغربي في سوريا خط أحمر بعد فقدان روسيا لليبيا بعد سقوط القذافي، وبسبب القاعدة العسكرية الهامة لروسيا في سوريا والتي تساعدها على الدخول مياه البحر المتوسط بعيد عن أعين تركيا حليف الناتو المترقب.  

ويقول التقرير أيضا أن النظام السوري قد يتصرف بشكل متهور في حالة الهجوم العسكري عليه من خلال استخدام حزب الله أو بعض الجماعات الحليفة له لإثارة عدم الاستقرار في الدول الإقليمية المحيطة مما يرفع من تكلفة التدخل العسكري.


كل الأسباب السابقة تشير وفقا للتقرير إلى أن التدخل العسكري الغربي في سوريا سوف يتطلب دورا أميركيا وقدرات عسكرية أكبر بكثير مما حدث في ليبيا وأنه يحتوي على مخاطر حقيقية وكبيرة يجب التفكير فيها جيدا. 

وفي النهاية يجب أن نؤكد على أن التقرير غير الرسمي مكتوب من وجهة نظر بحثية أميركية، وإننا حرصنا على عرضه بأكبر قدرا من الموضوعية حرصا على شرح موضوعه الهام، ويبقى السؤال حول الطريق الذي اختاره النظام السوري لنفسه والذي يتمادى في استخدام القوة العسكرية ضد شعبه في داخل المدن والأحياء السورية نفسها ولا يبالي بانزلاق بلاده نحو أتون الحرب الأهلية أو بزيادة التوتر الطائفي والعرقي بين أبناء شعبه.

على جانب أخر وكما يوضح التقرير يبدو أن التدخل العسكري خيار لا يحظى بدعم كافي حتى الآن على الساحة الدولية والأميركية بسبب تكلفته العسكرية العالية، مما يتطلب التفكير في حلول أخرى للأزمة السورية وسبل دعم نضال الشعب السوري من أجل الحصول على حريته.

بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره:  www.alaabayoumi.com


----                             

للإطلاع على النص الكامل للتقرير باللغة الإنجليزية، يرجى زيارة الوصلة التالية: