Showing posts with label صورة الإسلام. Show all posts
Showing posts with label صورة الإسلام. Show all posts

Thursday, August 19, 2010

مسجد نيويورك والموجة الجديدة للعداء للإسلام في أميركا

مقال بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره

www.alaabayoumi.com

نص المقال

في اعتقادي أن قضية مسجد نيويورك وما يثار حولها من جدل في الآونة الأخيرة هي مؤشر على موجة جديدة وخطيرة من موجات العداء للإسلام – أو الإسلاموفوبيا – في أميركا، موجة ظن المتابعون - قبل سنوات قليلة - أنها بعيدة عن شواطئ القارة الأميركية

الظاهرة التي أتحدث عنها هي صعود اليمين الراديكالي الجديد في الولايات المتحدة - والذي بات واضحا خلال العامين الأخيرين – مما هوى بحركة العداء للإسلام في أميركا حاليا إلى مستويات غير مسبوقة تثير القلق

فمن كان يتصور قبل عامين أو ثلاثة أن تشهد المدن الأميركية مظاهرات تعج بالمتظاهرين المطالبين بوقف بناء مسجد وترفع شعارات تهاجم الإسلام ذاته وتطالب بخروجه من أميركا تحت أعين الإعلام الأميركي، بل ويخرج سياسيون كبار لدعم تلك المظاهرات ومطالبها ونشرها في ولايات مختلفة

وذلك حتى باتت قضية مسجد نيويورك – والذي يسعى بعض المسلمين الأميركيين لتأسيسه بالقرب من موقع أحداث 11-9 – قضية سياسية وطنية أميركية بامتياز استدعت تدخل الرئيس الأميركي، والذي دعم حق المسلمين الأميركيين في البناء المسجد، مما عرضه لهجوم واسع من الجمهوريين وعلى أعلى مستوي، قبل أن يتراجع باراك أوباما في اليوم التالي عن تصريحاته نسبيا، ويعلن انتقاده لفكرة بناء المسجد ذاتها كفكرة "غير حكيمة"

أكثر من ذلك باتت قضية مسجد نيويورك قضية انتخابية بامتياز حيث أعلن سياسيون جمهوريون في ولايات مختلفة عن معارضتهم لبناء مسجد نيويورك، مع أن قضية المسجد كان من المفترض أن تكون قضية محلية خاصة بولاية نيويورك ذاتها، ولا تمت بصلة لسياسي مرشح في ولاية جنوبية

كما أن مؤسس المسجد – الإمام فيصل عبد الرؤوف – سبق وإن احتفلت به وسائل الإعلام الأميركية لسنوات وقدمته على أنه مسلم "معتدل"، نظر لتوجهاته "الصوفية"، في مقابل التوجهات الإخوانية والسلفية وبعض التوجهات الإسلامية الحركية الأخرى التي عادة ما ينتقدها الإعلام الأميركي باعتبارها توجهات "متشددة"

كما بدأنا أيضا نسمع عن حملات إعلانية تحرض على "ترك الإسلام" وعن كنيسة أميركية تريد "حرق القرآن" في ذكرى 11-9، وعن تنامي متزايد لمنظمات معادية لوجود الإسلام في أميركا بشكل أساسي، وذلك على غرار منظمتي "أوقفوا أسلمة أميركا" و"ترحك من أجل أميركا"، وعن صلات تنظيمية تربط سياسيين أوربيين متطرفين – ينتمون لليمين الأوربي الراديكالي الجديد – كالسياسي الهولندي جريت ويلدرز - والمنظمات الأميركية سابقة الذكر

أكثر من ذلك خرج سياسيون أمريكيين كبار على غرار نوت جينجريتش – قائد ثورة الجمهوريين في عام 1994 والطامح للتنافس على مقعد الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة (2012) - وسارة بيلين – نائبة جون ماكين في انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة (2008) – لتأجيج الجدل الدائر حول مسجد نيويورك على الرغم مما ينطوي عليه من إساءة للإسلام

تطور حركة العداء للإسلام في أميركا

من يعتقدون أن التطورات الأخيرة عادية أو غير جديدة، وأن أنها مجرد ردة فعل لبناء مسجد بالقرب من موقع 11-9، أو أنها مجرد سوء فهم للإسلام والمسلمين، عليهم أن يعودوا بالذاكرة إلى الوراء بعض السنوات أو تحديدا لقبل أحداث 11-9

فمن خلال متابعتنا لظاهرة العداء للإسلام في أميركا على مدى أكثر من عقد، نعتقد أن تلك الظاهرة تنمو بمعدلات سريعة ومفاجئة – وربما صادمة

معدلات كان يصعب التنبؤ به في الماضي، مما يجعلنا نشعر بقلق جديد تجاه المستقبل

فقبل 11-9 لم تكن هناك "حركة" معادية للإسلام، ولم تكن هناك "إسلاموفوبيا"، فمستوى العداء للإسلام في تلك الفترة كان يدور حول مفاهيم وظواهر مختلفة تماما

كان الحديث في أوساط المنظمات المسلمة الأميركية المعنية والإعلام والأكاديميين عن بعض "الخبراء المتشددين" المعنيين بقضايا "الإرهاب" على غرار ستيفين إمرسون ودانيال بايبس والمرتبطين بأجندات خارجية واضحة، هذا بالإضافة إلى الحديث عن "صدام الحضارات" و"الخطر الأخضر" و"اندماج المسلمين الأميركيين" وربما "الإستشراق"

كان الأمر مختلفا تماما، ففي عقد التسعينيات كانت أميركا في زهو انتصارها في الحرب الباردة والقطبية الأحادية وثورة التكنولوجيا، كانت أميركا قوية لا تخشى أحدا

وعندما وقعت أحداث الهجوم على برج التجارة العالمي في 1993 وأوكلاهوما في 1995، توجه البعض للهجوم على الإسلام والمسلمين، وعكف البعض كإمرسون وبايبس على مهاجمة مسلمي أميركا ومنظماتهم ومحاولة ربطهم بقضايا السياسة الخارجية الأميركية كصراع الشرق الأوسط

ولكن ظل الجو العام هادئا و"تحت السيطرة"، وظل الإسلام والمسلمون في أميركا ظاهرة هادئة بعيدة عن دائرة الضوء، ظاهرة يقترب منها الخطاب السياسي الأميركي العام ببطء وتأني

فبعض المنظمات الحكومية والمدنية فتحت أبوابها أمام المسلمين وبعضها أغلقتها، لكن لم تكن قضية "وجود الإسلام والمسلمين في أميركا" قضية رأي عام أميركي، فوجودها الرئيسي كان بدوائر محدودة مهتمة ومدفوعة بأجندة خاصة سلبية أو إيجابية

قضية رأي عام

بعد 11-9 تغيرت الأمور كثيرا فقد تحولت قضية "العلاقة بين الإسلام وأميركا" إلى قضية "رأي عام أميركية" باقتدار

كما تبلور في الجدل الواسع الذي دائر بعد 11-9 تحت عنوان "لماذا يكرهوننا؟"، فهجمات 11-9 - والتي مثلت الهجوم الأكبر على الأراضي الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية - دفعت الأميركيين إلى التساؤل عن أسبابه

وبالطبع لم يكن المسلمون داخل أميركا أو خارجها مستعدين أو حتى مؤهلين بشكل كافي للارتقاء إلى مستوى الحدث أو للإجابة على هذا السؤال إجابة صحيحة وواسعة وحاسمة داخل أميركا وبلغة يفهمها الأميركيون

وحتى الآن يمكن القول أن المسلمين لم يجيبوا على السؤال السابق، فكل ما نشاهده هي محاولات محدودة – حتى لو كانت كبيرة نسبيا – لتوعية الأميركيين بموقف الإسلام والمسلمين من أحدث 11-9

بمعنى أخر فتحت أحداث 11-9 الباب على مصراعيه لكل من لديه أجندة معادية للإسلام والمسلمين لكي يروجها مستغلا جهل الأميركيين بالإسلام، وتهور قادتهم السياسيين (كما ظهر في حربي أفغانستان والعراق)، وضعف قدرة المسلمين على الرد والتعامل مع الرأي العام الأميركي

إرهاصات الإسلاموفوبيا الأميركية

في ذلك الوقت بدأت إرهاصات ظاهرة العداء للإسلام والمسلمين في الظهور، وبدأت البيئة الأميركية تتشكل لاستقبال تلك الظاهرة ورعايتها

على المستوى السياسي شنت الإدارة الأميركية حربين خارجيتين على أفغانستان والعراق مما ضمن استمرار المواجهة الدامية بين أميركا ودول عربية ومسلمة لسنوات مقبلة

كما شن بوش ووزيره عدله جون أشكروفت سلسلة حملات للتضييق على منظمات إغاثة مسلمة أميركية وبعض منظمات المسلمين الأميركيين، مما أسس لظاهرة "الخوف من الإسلام الداخلي" أو "الطابور الخامس" كما يحلو للبعض تسميتها

على المستوى الأكاديمي نشر برنارد لويس مقاله "لماذا يكرهوننا" ليؤسس لموجة أبحاث أكاديمية تنشر فكرة أن الخلاف بين أميركا والعالم الإسلامي قيمي ذا جذور بعيد وراسخة

كما انتعشت صناعة "خبراء الإرهاب" وباتت كتابات إمرسون وبايبس وغيرهم تدرس وتنشر على أوسع نطاق، وبالطبع تم ذلك برعاية المحافظين الجدد وبعض قيادات المسيحيين الصهاينة المقربين لبوش

مرحلة الإسلام الفاشي

في مرحلة تالية بدأت تحالف نخبوي يتشكل في واشنطن ويساهم في نشر ثقافة الخوف من الإسلام على أوسع نطاق دون أن يروج لها علانية ودون أن يتحول إلى حركة سياسية واضحة المعالم في الشارع الأميركي

هذا التحالف تكون من بعض كتاب المحافظين الجدد المشغولين بتبرير الحروب القائمة والمزيد منها، والمسيحيين الصهاينة المنتقدين للإسلام والداعين لسياسة أكثر تشددا في الشرق الأوسط، وخبراء الإرهاب الذي توغلوا وتوغلت كتاباتهم في المؤسسات الأمنية والسياسية الأميركية، وبعض قادة الحزب الجمهوري المنتمين للجناح الأكثر يمينية من الحزب

لذا طلت بعض التصريحات المسيئة للإسلام في خطابات الإدارة الأميركية مثل مصطلح "الإسلام الفاشي" و"الإسلام الراديكالي"

وكان ذلك إذانا بتوغل أفكار قطاع متشدد من "خبراء الإرهاب" و"المحافظين الجدد" والباحثين اليمنيين في الخطاب الرسمي للدولة

الجدل حول إسلام أوباما

يمكن القول أن أخطاء الإدارة الأميركية في العراق وداخل أميركا والتي صعدت على السطح بقوة - خلال الفترة من 2005 وحتى 2007 - غطت على خطاب الفريق السابق خلال الفترة ذاتها، حيث تراجعت الإدارة الأميركية للدفاع عن نفسها وتراجع معها أصوات اليمين الأميركي الأكثر راديكالية

ولكن خلال حملة انتخابات 2008 صعدت ظاهرة العداء للإسلام بقوة وتحولت لأول مرة لقضية رأي عام أميركي، وذلك من خلال الهجوم على جذور أوباما الإسلامية بسبب أبوه المسلم ونشأته في بلد مسلم (إندونيسيا)

حيث جعل تحالف الإسلاموفوبيا من خلفية أوباما الإسلامية هدفا لحملاته، والتي تعرضت للإسلام وجعلت منه "تهمة" تتطلب التنصل منها، كما تمكنت ظاهرة الإسلاموفوبيا ومفاهيمها من الدخول في الخطاب السياسي الأميركي على أعلى مستوى دون اعتذار أو تخفي

وبهذا أصبحنا أمام أزمة حقيقية جديدة تتمثل في تراجع ما يسميه الأميركيون بظاهرة "المقبول سياسيا"، وهي ظاهرة تحدد ما هو مقبول أو غير مقبول على مستوى الخطاب السياسي الأميركي

فنقد الإسلام بعد 11-9 كان يمثل ظاهرة "غير مقبولة" سياسيا لأنها تعرض صاحبها لنقد شديد من قبل السياسيين والإعلام ومنظمات المجتمع المدني في أميركا

لذا عندما اعترض أحد القساوسة المقربين لبوش على وصفه الإسلام بأنه "دين سلام" بعد 11-9، كان من السهل انتقاد القس وتصريحاته لأنه الخطاب السياسي الأميركي في تلك الفترة كان يرى أن وصف الإسلام وهو دين بهذه الطريقة هو "أمر غير مقبول سياسيا"

ويجب هنا الإشارة إلى أن تشكيل ما هو "مقبول" أو "غير مقبول" في الخطاب السياسي في دولة كبيرة كأميركا هو أمر في غاية الصعوبة يتطلب سنوات وربما عقود من العمل السياسي والإعلامي المنظم وعلى كافة المستويات

فالتغير في الخطاب السياسي الأميركي تجاه الأفارقة الأميركيين – على سبيل المثال – احتاج لقرون لكي تحسن

اليمين الراديكالي الجديد

كان من المفترض أن يساهم فوز أوباما بالرئاسة الأميركية في تراجع ظاهرة الإسلاموفوبيا داخل أميركا بسبب تصريحات أوباما الإيجابية في حق الإسلام كدين وفي حق الشعوب الإسلامية

ولكن يبدو أن خطاب الإسلاموفوبيا ونخبه والقوى السياسية الداعمة له وجدت حليفا جديدا دفع بالإسلاموفوبيا إلى أفاق بعيدة أو هوة ساحقة كان يصعب تخليها من قبل

فقد حظرت منظمات حقوقية مختلفة من صعود جماعات "كراهية تعد أكثر تطرفا من يمين الحزب الجمهوري

الجماعات السابقة تضاعفت خلال العقد الأخير وانتشرت بقوة في العامين الأخيرين بسبب الأزمة الاقتصادية الطاحنة بأميركا ومعدلات البطالة المرتفعة (حوالي 10%)، وهزائم أميركا في حروبها الخارجية، وتصاعد المنافسة الدولية لأميركا من الصين، وتراجع المكانة الأميركية في العام بشكل عام، وهي عوامل انعكست على ثقة الأميركيين في أنفسهم

ويبدو أن الأزمات السابقة أخلت بتوازن أميركا والمواطن الأميركي، لذا وقع بعضهم فريسة "لجماعات الكراهية" والتي تتشابه كثيرا مع ما "جماعات اليمين الراديكالي الأوربية"

الجماعات الأوربية انتشرت بوضوح في أوربا في أوائل العقد الحالي، وهي أحزاب تمثل امتداد للأحزاب العنصرية والفاشية والنازية الأوربية التي انتشرت في فترة ما بين الحربين العالميتين

الجماعات الأوربية الجديدة تبنت شعارات يمينية وطنية متطرفة معادية للأجانب، ولكنها رفعت في نفس الوقت شعارات الديمقراطية وحرية الرأي وحقها في تمثيل نفسها

بمعني أخر طالبت أحزاب اليمين الراديكالي الأوربي الجديد بحقها في النزول إلى الشارع وتمثيل أنفسها والعمل على السطح وخوض الانتخابات وفقا لمبادئ الديمقراطية

فلم ترفض الأحزاب الجديدة الديمقراطية أو تحاول الانقلاب عليها بل طالبت الديمقراطية الأوربية بأن تضمن لها حقها في العمل على السطح وتنظيم المظاهرات وتعبئة الناخبين لأجنداتها المتطرفة

أميركا ليست كفرنسا

الأميركيون كانوا ينظرون إلى تلك الجماعات على أنها بعيدة عن شواطئ أميركا، لذا عندما فرضت فرنسا قوانين تحد من حق مسلمات فرنسا في ارتداء الحجاب في المدارس العامة في عام 2004 كان رد الفعل الأميركي الرسمي والعام بالتندر والسخرية

بل عقد الأميركيون مئات المقارنات في وسائل الإعلام، وأرسلوا مسلمون أميركيون إلى أوربا ليشرحوا لمسلمي أوربا والعالم كيف أن أميركا لا تقبل بهذا التمييز ولا تعرف علمانية كعلمانية فرنسا ولا جماعات معادية للأجانب والمسلمين مثل فرنسا وبعض دول أوربا

الأميركيون كانوا يرون أن علمانيتهم ليست معادية للدين، وأن الحقوق والحريات المدنية والدينية مكفولة بالدستور، وأن البيئة الأميركية لا ترحب بالأحزاب اليمينية الراديكالية، وأن النظام الحزبي الأميركي لا يعرف سوى حزبين رئيسيين هما الحزب الجمهوري والديمقراطي، وأن إمكانية ظهور أحزاب يمينية راديكالية صغيرة على غرار ما يحدث في أوربا هو أمر مستبعد إن لم يكن من رابع المستحيلات

في المقابل رأي البعض أن ظروف الحزب الجمهوري الأميركي باتت متشددة بشكل يثير للقلق، وأن صعود الحزب الجمهوري خلال العقود الثلاثة الأخيرة جاء على حساب تنازله عن الوسطية والتحرك نحو مزيد من اليمينية والشعوبية والعداء للدولة

حفلات الشاي الأميركية

خلال عام 2009 عرفت أميركا ظاهرة ما عرف بحركة "حفلة الشاي" الأميركية، وهي حركة يمينية تقع سياسيا على يمين الحزب الجمهوري بسبب أفكارها الراديكالية والتي تكاد ترفض الحكومة وسياسياتها بشكل كامل

وهي حركة جماهيرية عرفت من خلال مظاهراتها وخلال قربها من سياسيين يمينيين - مثل سارة بالين - ومن خلال رفضها لمختلف سياسات الرئيس أوباما، وقد رأى البعض أن الحركة باتت تثمل الامتداد الراديكالي الأكثر شهرة لليمين الأميركي

ما نراه حاليا، هو أن جماعات "كحفلات الشاي" الأميركي والتي تلعب دوارا متزايدا في أوساط اليمين الأميركي وفي أزمة مسجد نيويورك، وأن بعض الجماعات المعادية للإسلام مثل "أوقفوا أسلمة أميركا" و"الحملات الإعلانية المسيئة للإسلام، هي جميعها مظاهر لدور اليمين الأميركي الراديكالي الجديد والذي كان يخشى من ظهوره في أميركا

ظهور تلك الحركات يعني أن ظاهرة الإسلاموفوبيا تحولت إلى "حركة جماهيرية" لها وجود على الساحة السياسة الأميركية، وتخطت حواجز ظاهرة "المقبول سياسيا" والتي تحطمت خلال حملة انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة

هذا يعني أن ظاهرة الإسلاموفوبيا أو "العداء للإسلام" تطورت خلال السنوات التسعة الأخيرة بسرعة كبيرة، حيث تحولت من كتابات وتصريحات إعلامية يطلقها بعض "خبراء الإرهاب المتشددين" قبل 11-9، إلى بعض المصطلحات في خطاب الإدارة الأميركية وكتابات الأكاديميين بعد 11-9، ثم إلى قضية سياسية في حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، ثم إلى حركة سياسة جماهيرية في الوقت الراهن

نظرة قلقة نحو المستقبل

تبلور الإسلاموفوبيا بهذا الشكل وفي فترة وجيزة نسبيا – لا تتعدى 9 سنوات - يعني أننا أمام "حيوان سياسي" ينمو بسرعة مقلقة، وإننا قد نشاهد قريبا تطورات أخرى أكثر خطورة لظاهرة الإسلاموفوبيا في أميركا

فدخول مرشحي اليمين الراديكالي للمؤسسات السياسية الأميركية الكبرى مثل الكونجرس وربما البيت الأبيض قد يساعد على تحول أفكارهم إلى سياسات معادية للإسلام والمسلمين في أميركا وخارجها عن طريق سن قوانين وتشريعات معادية للأقلية المسلمة الأميركية أو للمهاجرين المسلمين إلى الولايات المتحدة، ناهيك عن تبعاتها على السياسة الخارجية الأميركية

وهنا يشير البعض أن موجة التشريعات السلبية الخاصة بالمهاجرين غير الشرعيين في ولايات مثل أريزونا قد لا تكون سوى مقدمة لحركات جديدة تستهدف الأجانب والمهاجرين، حملات بدأت بالأميركيين من أصل لاتيني وقد تضم المسلمين والمهاجرين من بلدان مسلمة في وقت قريب

كما نخشى أن تستفحل الظاهرة خلال حملة الانتخابات الأميركية المقبلة في نهاية العام الحالي، بأن تتحول ظاهرة بناء المساجد – على سبيل المثال – أو أي مظهر إسلامي أخر – إلى قضية سياسية يتنافس عليها المرشحون

وبهذا قد نسمع قريبا عن مرشح مع بناء مسجد وأخر ضده، أو عن مرشح مع بناء مدرسة إسلامية وأخر ضده، أو مرشح يسئ للإسلام وأخر ضده

نمو الإسلاموفوبيا بهذه السرعة يستدعي التدخل بكافة الوسائل لمواجهتها، وربما يكون أضعف الإيمان حاليا هو دراسة تلك الظاهرة وجذورها وعلاقاتها البينية

فنحن نعتقد أن دراسة العلاقات التي تربط بين الفاعلين الرئيسين في ظاهرة العداء للإسلام سوف يساعدنا على الأقل في فهم كيفية نمو هذه الجماعات بسرعة، وكيف تدعم بعضها بعضا، وكيف تتعاون مع نظيرتها الأوربية

أما العمل على الأرض الأميركية لمواجهة تلك الظاهرة فسوف يحتاج لمؤسسات وجهد منظم وأموال طائلة نخشى من عدم توافرها بسهولة مما قد ينذر بمستقبل أكثر تشاؤما

Friday, March 19, 2010

The battle for Al-Azhar

By Alaa Bayoumi, AlJazeera.Net, 17 March 2010

Full Text:

The controversy surrounding the legacy of Sheikh Mohammed Sayed Tantawi, the head of the Al-Azhar mosque and university who died last week, is more complex than many would expect.

Some of his critics viewed him as the theological functionary through which the state marketed not only its brand of Islam, but also other government-sanctioned social and political policies. His supporters championed him as a reformist, particularly for women's rights. But most crucially, his sudden death has reignited the centuries-old battle over the independence of Al-Azhar, regarded as Sunni Islam's highest seat of learning.
Unlike Catholicism and Shia Islam, Sunni Islam was established and maintained through decentralised governance.

It knows no clergy and reveres no saints; in essence, Sunni Islam has maintained that there is no interlocutor between man and the divine.

Grand Sheikh

When the Al-Azhar mosque and university were first established in the late 10th century, they became the centre of study for the Quran and Arabic language, drawing scholars from throughout the Muslim Empire.

It was during the Ottoman Empire, however, that the official position for a "Grand Sheikh of the state" was created; the state appointed an Islamic scholar to this position and paid him a salary. The title had previously only been used as an honorific awarded to the most prominent Islamic scholars of the time.

In the 17th century, the Ottomans created an official position for the "Sheikh of Al-Azhar" in Egypt. Although he was selected by a committee of Al-Azhar scholars and then confirmed by the Ottoman ruler of Egypt, the sheikh enjoyed some degree of autonomy.

This autonomy was entrenched in the non-governmental institution of Waqf, or religious trusts, established early in Islamic history as a means to shield scholars from state interference, as well as provide funding to schools, social works, and even armies.

Only the Waqf's original owners were able to select its beneficiaries; the protective measures even included the provision that offspring and the state could not inherit the trust once the Waqf owner died.

It was Mohammed Ali Pasha, the Albanian officer considered to be the founder of modern Egypt, who severally weakened Al-Azhar's autonomy.

In 1812, he rejected the sheikh elected by the committee of peer scholars and appointed to the position a man to his liking.

He also moved to assert control of all Waqf revenue in order to finance his massive state building projects; in the early 19th century, one-fifth of Egyptian farm lands were designated as Waqf-sponsored.

The state's act of seizing control of Waqf was seen by many scholars as a violation of Islamic law. Under Mohammed Ali, the state also undermined the financial independence of the scholars and Muslim civil society in general.

Grand Mufti's role

Under British occupation in the early 1900s, Al-Azhar was further weakened when a position for a "Grand Mufti of the state" was created to fill the position of chief Islamic Jurist, replacing in part the powers of the sheikh of Al-Azhar.

In addition, a position of Waqf administrator was created to bring the trusts under more government control.

After the Egyptian revolution in 1952, Gamal Abdel Nasser brought the Waqf system under the government's jurisdiction; in 1961, he enacted a new law that gave the government the right to select the sheikh of Al-Azhar, in effect routing out what little was left of the position's autonomy.

In the past four decades, the powers of Al-Azhar have been divided between three government institutions: A Waqf ministry that controls the religious trusts, or the financial resources needed to secure Al-Azhar's economic independence; a Mufti institution that is part of Egypt's ministry of justice; and Al-Azhar which was downgraded to an educational institution controlled by a sheikh selected by the government.

Seeking independence?

It appears that there exist insurmountable challenges awaiting the new sheikh if he is to seek independence from government control.

Primarily, the position itself will be filled by a government appointee ultimately approved by Hosni Mubarak, the Egyptian president.

This process makes it unlikely that the new sheikh will be able to immediately and comprehensively modify the relationship with the government along two fronts: The government has to relinquish control of the Waqf and to give Al-Azhar its right to chose it leader.

Such reforms are considered by most analysts to be pipe dreams under the current Egyptian government.

It is therefore unsurprising that Tantawi was portrayed by Egyptian media as a controversial figure seen by many to have furthered a government agenda.
He supported a ban of the niqab (face veil), the building of a barrier on Egypt's border with Gaza, the Egyptian president's limitless candidacy for office, French anti-hijab (head cover) legislation, and met with Israeli leaders amid growing public opposition to normalisation of ties with Israel.

While these made him hugely unpopular domestically, he was seen in the West as an advocate of a "moderate" view of Islam that welcomes dialogue between religions.

His supporters lauded him for prohibiting violence in the name of Islam, confronting the rise of Islamist political groups, and protecting the rights of women.

Issuing Fatwas

His critics, such as the influential Sheikh Yusuf al-Qaradawi, say that Tantawi was never qualified to issue Fatwas (Islamic legal verdicts) because of his academic background.

"He [Tantawi] was a specially qualified professor of Quranic interpretation," wrote al-Qaradawi in a condolence letter last week.

"But, the Sheikh [Tantawi] entered, or was pushed to enter, the area of Fiqh [Islamic jurisprudence]. He did not prepare himself for the task. He did not study, practise, or write in Fiqh. He did not train himself in navigating through the deep waters of Fiqh.
Therefore, he was not successful in many of his hard-hitting opinions. This was the reason of my disagreement with him despite the old friendship between us."

To prevent what he says is another unqualified scholar to head Al-Azhar, Qaradawi suggested that the coming sheikh should be elected by the Muslim scholars themselves instead of being selected by the Egyptian government in line with current Egyptian law.

That is unlikely to happen.

Thursday, October 29, 2009

مسلمو أميركا والصراع مع لوبيات واشنطن الاستئصالية
بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره
www.alaabayoumi.com

نص المقال

الحملة التي شنها بعض أعضاء الكونجرس اليمينيين في أوائل الشهر الحالي على مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) بتهمة أن المجلس يعمل على "زرع" متدربين مسلمين في لجان ومكاتب أعضاء الكونجرس "للتجسس عليهم" تستحق وقفة جادة من الجميع

الحملة تأتي بعد عشرين عاما تقريبا من جهود المسلمين الأميركيين لتنظيم أنفسهم على الصعيد السياسي والإعلامي عبر أميركا وخاصة في العاصمة واشنطن مركز القرار الأميركي السياسي والإعلامي

حيث تشير الدراسات المختلفة المتعلقة بتطور المسلمين الأميركيين السياسي أن أقلية نشطة سياسيا منهم رأت في نهاية الثمانينيات أن الوقت بات مناسبا لتفعيل جهود مسلمي أميركا على المستوى السياسي بعدما أنفقوا عقودا في أميركا في بناء مؤسساتهم الدينية والثقافية كالمساجد والمدارس الإسلامية والجمعيات الخيرية

لذا توجهت أقلية طموحة منهم إلى السياسة وقاموا ببناء عدة منظمات برز منها المجلس الإسلامي الأميركي ومجلس العلاقات الإسلامية الأميركية ومجلس الشئون العامة الإسلامية والاتحاد الإسلامي الأميركي والجمعية الإسلامية الأميركية

تبنت هذه المنظمات في غالبيتها أساليب العمل السياسي والإعلامي المعروفة في واشنطن والتي يتبعها الجميع والتي تقوم على تنظيم وتوحيد جهود المسلمين السياسية والإعلامية من الأسفل إلى أعلى - أي من المدن والقرى الأميركية وصولا إلى واشنطن

وبالطبع بعد أحدث 11/9 زادت الضغوط على مسلمي أميركا بشكل عام وعلى منظماتهم النشطة سياسيا بوجه خاص، وتم وضعهم جميعا تحت مجهر كبير، وتم استهداف منظماتهم المختلفة وعلى رأسها المنظمات الإغاثة ذات العلاقة المباشر مع دول العالم الإسلامي

وبالفعل أغلقت عدد من أكبر منظماتهم الإغاثة وقلت التبرعات بسبب الخوف وزادت حالات التمييز بشكل يفوق قدرات الأقلية المسلمة الأميركية ومنظماتها الحقوقية الناشئة وتعالت الحملة الإعلامية والسياسية ضدهم خاصة مع سيطرة تحالف المحافظين الجدد والمسيحيين الصهاينة واليمينيين المتشددين على مراكز هامة بدوائر صنع القرار السياسي والإعلامي بواشنطن خلال سنوات حكم جورج دبليو بوش

ولا نقول هنا أن مسلمي أميركا مثاليون منزهون عن الخطأ، فمنظمات مسلمي أميركا ظلت وسوف تظل لفترة منظمات جيل مؤسس، بناها مسلمون مهاجرون وأفارقة وبيض أسلموا، وهم جميعا طليعة أجيال المسلمين الأميركيين الأولى في أميركا، وبالطبع يعاني هؤلاء بشكل عام من جميع عيوب الأجيال المؤسسة في أي مجتمع، وعلى رأس تلك العيوب قلة الخبرة التنظيمية والسياسية، فالأجيال المؤسسة تأتي غالبا من المجتمع المدني ولا تأتي من منظمات السياسة والإعلام والحكم بواشنطن كحال قيادات اللوبيات الأميركية الأكثر رسوخا وتأثيرا

عموما المنظمات المسلمة الأميركية كانت تعمل على نشر أفكارها في أوساط الشباب وعلى البحث عن قيادات أصغر بينهم وعلى توطين مؤسساتها ورسالتها

كانت تبحث أيضا عن بناء جسور أفضل بين أميركا والعالم الإسلامي وعلى نشر ثقافة السلام والحوار والتعاطف بين المسلمين والأميركيين

ولكن للأسف لم تهتم لوبيات واشنطن المعادية والمتشددة لتلك المنظمات بكل ما سبق ولم ترد أن تمنح منظمات المسلمين الأميركيين الفرصة للتعلم وتطور نفسها، وذلك لسبب أساسي لا يتعلق بطبيعة تلك المنظمات وجوهرها وإنما يتعلق ببعض أهدافها الرامية إلى التأثير على سياسة أميركا تجاه الشرق الأوسط هذا إضافة إلى طبيعتها كمنظمات مسلمة تريد توعية الأميركيين بصورة الإسلام الحقيقية، وهو أمر لم يعجب المنظمات اليمينية المتشددة والتي رأت في ذلك تهديدا لنقاء القيم الأميركية التقليدية وجزء من حملة اليسار الأميركي لتحويل أميركا بعيدا عن تراثها التاريخي التقليدي كما يعرفه اليمين المتشدد

لذا بقت القيادات المسلمة دائما متهمة، ظلت دائما في عيون اللوبيات المعادية كلوبي إسرائيل وجماعات اليمين المتشددة والمسيحيين الصهاينة مدانة إلى الأبد حتى لو ثبتت براءتها

فهدف لوبيات واشنطن المعادية والاستئصالية دار دائما حول اتهام تلك قيادات مسلمي أميركا ومنظماتهم بالانتماء إلى أيدلوجية إسلامية سياسية معادية لأميركا، ثم بالانتماء لمنظمات الإسلامي السياسي الأجنبية المعروفة خارج أميركا، ثم بدعم ومساندة منظمات مسلمة تضعها أميركا على قائمة المنظمات الإرهابية، وهكذا تدريجيا حتى تتهم تلك المنظمات وقادتها بدعم القاعدة العدو اللدود لأميركا منذ 11/9

وبالطبع لا ترضى اللوبيات عن أحد، وتصنف الجميع في خانة واحدة، ولا تفرق بين أيدلوجيا وأخرى، وبين قائد مسلم أميركي وأخر، كما لا تفرق في نظرتها لجماعات الإسلام السياسي المختلفة عبر العالم العربي والإسلامي

فمع صعود أي قيادة مسلمة أميركية جديدة سياسيا أو إعلاميا يتم البحث عن خلفيها وعن المنظمات التي عملت بها وعن الصور التي ظهروا فيها في الإعلام وعن المظاهرات التي شاركوا فيها حيث تعثر اللوبيات على شبهة ولو بعيدة تضع هذا السياسي المسلم في قفص الاتهام والذي ينمو بلا حدود أو التوقف

عمليه الاتهام وإلصاق التهم هذه أو تشويه السمعة تتم بدرجة عالية من الحرفية والذكاء، كما يقوم عليها عدد كبير للغاية من المنظمات والصحفيين المتشددين والمتعاطفين مع اللوبيات

فلو شاركت في ندوة تسبقك اللوبيات إلى الندوة وترسل إلى منظميها اتهامات تشوه سمعتك، ثم تنشر الاتهامات الكاذبة نفسها في الصحف اليمينية وعلى الموقع الإلكترونية والمدونات التي لا تحصى، ولو شاركت في فعالية سياسية بواشنطن ترسل الاتهامات مرة أخرى إلى السياسي الراعي للقاء وتتصاعد الاتهامات شيئا فشيئا حتى تصير جبلا يصعب تخطيه، وهذا ما يسمى أحيانا في وسائل الإعلام الأميركية "باغتيال الشخصية"

كير هي أحد أهم المنظمات السياسية والإعلامية للمسلمين في واشنطن، ومنذ نشأتها في عام 1994 وهي محل ضغط وهدف لكبار محترفي اغتيال الشخصيات السياسية المسلمة

فنجاح المنظمة على الصعيد السياسي والإعلامي زاد من أعدائها، وقد سجلت أكبر وسائل الإعلام الأميركية سجل نجاحات كير على مدى سنوات عمرها الخمسة عشر، كما أني قرأت من المقالات التي كتبت لمهاجمة كير المئات وربما الآلاف على مدى السنوات العشر الماضية، وكنت أتوقع أن تنحسر تلك المقالات والاتهامات مع صعود الديمقراطيين إلى الحكم ومع تولي باراك أوباما الرئاسة

ولكن يبدو أن ميراث بوش ثقيل، وأن الليبراليين لا يدافعون بشكل كافي عن تلك المنظمات، وأن لوبيات واشنطن الاستقصائية لن تختفي بين عشية وضحاها، وأن الحملات تستمر وربما تتزايد، لذا أسفت لسماع اتهامات أعضاء الكونجرس لكير بزرع متدربين مسلمين بمكاتب أعضاء الكونجرس للتجسس عليهم

فكان من المفترض أن يرحب هؤلاء بالمتدربين المسلمين لأن وجودهم بالكونجرس سوف يسرع عجلة اندماج المسلمين الأميركيين في المجتمع الأميركي ومن ثم يحول دون العزلة أو التشدد إن وجدا في أوساط المسلمين الأميركيين

فأنت تسمع دائما أن أميركا تريد الحوار مع المسلمين وتريد دمج مسلمي أميركا وتريد كسر أي عزلة يعانون منهم وتريد مكافحة التشدد إن وجد، وأن أقصر طريق لتحقيق كل ما سبق – من وجهة نظر أميركا نفسها - هو المشاركة على كافة الأصعدة

ولكن يبدو أنها مشاركة مقننة، فلوبيات واشنطن الاستئصالية الاستبعادية تمارس لعبة مزدوجة وحقيرة، فهي تريد أن تعزل المخالفين لهم وتستبعدهم وتستأصلهم وتريد في نفس الوقت أن تتهمهم بالعزلة، تريد أن تلومهم على عدم المشاركة وتتهم في نفس الوقت بالخطر والتشدد وبأنهم طابور خامس إذا شاركوا

وبهذا تقضي تلك اللوبيات المنافقة على فرص الحوار والتعاون والسلام، فهي تريد أن تسيطر على واشنطن، وأن يسود بواشنطن صوت واحد فقط هو صوتها

الإيجابي في الأمر هو أن كير وجدت دعما من أعضاء كونجرس آخرين حيث كتب تجمع لأعضاء كونجرس من أصول أفريقية ولاتينية أميركية ومن خلفيات ليبرالية بيانا للدفاع عن كير في وجه معارضيها، ونحن نأمل أن تساعد جهودهم في دعم كير وغيرها من المنظمات السياسية الأميركية الأخرى

ولكن نبقى متشائمين لسببين، أولهما جهود لوبيات واشنطن الاستئصالية المتشددة التي لا تتوقف، وثانيهما موقف العالم العربي والإسلامي البعيد كثيرا عما يدور بواشنطن، فالعالم العربي يبدو مكتفيا إلى حد كبير بالتعامل مع أميركا من الخارج فقط وعلى مستوى نخبوي رسمي ومن بعيد

العالم العربي يبدو مشغولا بمشاكله الداخلية والصراعات بين جماعاته المختلفة بعضها بعضا، وبين تلك الجماعات والنظم الحاكمة لها، وكنا نأمل أن يعرف العالم الإسلامي في السنوات الأخيرة جهد أكثر وعيا بما يدور بواشنطن وبما يمكن فعله لمواجهة اللوبيات المعادية لهم في واشنطن وداخل واشنطن نفسها، ولكن أملنا هذا يبدو في الوقت الحالي ضعيفا فاترا

أخيرا نختم مقالاتنا هذه بأمر إيجابي وهو تزايد وعي الأميركيين بقضايانا وتعاطفهم معنا، وهو أمر يبدو باديا في تزايد التعاطف مع قضايا العالم العربي والإسلامي في أوساط الليبراليين والأقليات والمهاجرين والشباب والمتعلمين والجامعات بأميركا، ولعلنا نتمكن من حصد مزيد من دعمهم بقليل من الجهد والتنظيم الإضافي

لذا نعود نطالب مسلمي أميركا أنفسهم بمزيد من الجهد والمؤسسات والإصلاح، فأعداد منظماتهم مازالت قليلة، وقياداتهم محدودة، ونفوذهم السياسي قليل لا يتناسب مع إمكاناتهم البشرية، لذا نطالبهم بمزيد من الإصلاح والتطوير والتنظيم، فالتغيير يبدأ دائما من الداخل، ولعل السنوات القليلة المقبلة تشهد مفاجئات سارة

Friday, January 23, 2009

نحو مشروع ثقافي عاجل ومتكامل لتخليد ذكرى ضحايا حرب غزة أمام الضمير العالمي
مقال بقلم: علاء بيومي
يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره
نص المقال
نحن في حاجة عاجلة إلى مشروع ثقافي متكامل لتخليد ذكرى ضحايا غزة لدى الضمير العالمي، ودعوني أفسر لماذا

أولا: دعوة عاجلة

أولا: يجب أن نتحرك بسرعة قبل أن ننسى وينسى العالم ما حدث وينشغل الجميع بجهود إعادة البناء والتبرعات والمصالحة الوطنية الفلسطينية وموقف إدارة أوباما من الشرق الأوسط وغيرها من القضايا التي قد تحول الانتباه عن المأساة الإنسانية التي حلت بالقطاع وأهله

وقبل أن تخفي جهود إعادة البناء والتنظيف وإعادة الحياة إلى سيرها الطبيعي معالم الكوارث الإنسانية التي خلفتها الحرب، بما في ذلك الدمار الذي حل بالمدارس والمساجد ومؤسسات الهلال الأحمر والأمم المتحدة والمستشفيات والمنازل والحقول

فالمواطن الفلسطيني قد تضطره الظروف القاسية إلى البناء على ركام منزله وإلى إعادة حرث حقله الذي دمرته الدبابات الإسرائيلية، فقد اعتاد على التعامل بصبر وبطولية مع مصائب لا يتحملها غالبية البشر

وقبل أن يموت الجرحى متأثرين بجراحهم وأن يتفرق المصابين بين قطاع الأرض بحثا عن علاج عز في بلادهم، وأن ينشغل الإعلام بقضية الأخرى، فالإعلام العربي الذي فعل الكثير خلال الأزمة، ولكنه قد يجد نفسه قريبا مضطرا إلى مسايرة الأخبار والأحداث والجري ورائها

ولأن من ماتوا لن يعودوا ومن قطعت أوصالهم أو فقدوا أبصارهم لن يستردوها مرة أخرى، والكوارث الإنسانية التي وقعت هي عظيمة - بما في ذلك أصغرها - وتستحق كل واحدة منها أن يتوقف العالم أمامها كثيرا

ولأن مأساة غزة هي درس للإنسانية جميعها، وأن منع تكرارها بأي مكان ولأي شعب هي مصلحة بشرية

ولكي يحدث ذلك يجب تخليد ما حدث وحفره في الضمير العالمي

ثانيا: مشروع

ويكون ذلك من خلال مشروع وليس مجرد حملة دعائية أو خطاب أمام الأمم المتحدة أو من خلال برنامج أو عدة برامج تلفزيونية حوارية كانت أو إخبارية أو من خلال كتاب أو عشرات الكتب

في المقابل نحن في حاجة إلى مشروع له بداية وأهداف وخطة عملة وإطار زمني وميزانية مناسبة وآليات تنفيذ ومحاسبة

ويجب أن يكون ذلك المشروع جزء لا يتجزأ من الجهود العربية الرامية إلى مساعدة أهالي القطاع، فالمال وحده لن يحقق العدالة والمجتمع الدولي قد ينسى أو يتناسى، وأقل ما نقدمه لضحايا الحرب هو تخليد ذكراهم

ثالثا: ثقافي

ونحن هنا نتحدث عن مشروع ثقافي لا سياسي، فالمشروع الذي نقترحه غير موجه لخدمة جماعة فلسطينية ضد أخرى أو لرفع أسهم نظام عربي على أخر، فكل ما نريده هو مشروع إنساني ناضج يخاطب الضمير العالمي، مشروع يتحدث عن معاناة أهالي القطاع عندما واجهوا على مدى أكثر من ثلاثة أسابيع وهم شبه محاصرين كلية واحدا من أكبر جيوش العالم وأحدثهم تسلحا وأجرائهم في انتهاك القوانين الدولية

رابعا: متكامل

ويكون ذلك من خلال تكامل وسائط الثقافة المتعددة التي نعرفها حاليا مثل المتاحف والأفلام التسجيلية والكتب والمواقع الإلكترونية، فقد تكون البداية داخل إحدى المدارس التي دمرت أجزاء منها خلال الحرب، لنترك ما دمر منها على حاله شاهدا على ما جرى ويقام على ما بقى منها متحفا يخلد بطولات غزة خلال الحرب الأخيرة، متحف تجمع فيه ذكريات الحرب وأثارها وشهادات من بقوا على الحياة، على أن تدعم تلك الشهادات وتوثق وتروج تلفزيونيا وإذاعيا وعلى شبكة الإنترنت ومن خلال الكتب

خامسا: تخليد الذكرى

ويكون التخليد من خلال جمع صور الضحايا من جرحى ومصابين فرددا فردا، وصور منازلهم التي دمرت ومقابرهم وأكفانهم وقصص حياتهم، وشهادات من بقوا من ذويهم على قيد الحياة

فقصة مثل قصة عائلة السموني التي راح منها العشرات في قصف على منزلهم في واحدة من أخطر الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب يجب أن تخلد في حجرة كاملة من حجرات المتحف وأن تجمع شهادات من بقوا من أبناء العائلة على قيد الحياة، شهاداتهم كاملة مكتوبة ومصورة ومسموعة ومرئية، ولعل تلك الحجرة تجد مكانها يوما بين أشهر متاحف العالم كشاهدة على جريمة إنسانية بشعة، وقد تتبنى مؤسسة ثقافية دولية ما ترويج تلك الحجرة وقصة عائلة السموني عالميا من خلال استضافة من بقوا منهم على قيد الحياة في عواصم العالم الكبرى ليتحدثوا عن معاناتهم للعالم بشكل مباشر

فقصة الفتاة الصغيرة التي تحدثت للإعلام العربي عن مقتل والدتها أمامها في منزل عائلة السموني بشكل أبكانا جميعا يجب أن تخلد من خلال توثيق قصتها وترجمتها بالكلمات والصوت والصورة وإرسالها للعالم

كما يجب أن توثق الحرب وكيف بدأت، ولماذا بدأت، والأسلحة التي استخدمت فيها، وشهادات المؤسسات الدولية والأطباء والنشطاء الدوليين

كل هذه الشهادات يجب أن توثق وتدون حتى ولو كان العالم العربي قد اعتاد عليها وقنط من دعم العالم له، فالمظاهرات التي شهدها العالم خلال الحرب هي أبلغ دليل على نمو التعاطف مع الشعب الفلسطيني وقضيته عبر العالم، كما أنها دليل على أن مثل هذا المشروع عليه طلب وله فائدة عظيمة وثمار متوقعة

سادسا: أمام الضمير العالمي

ولأن العالم العربي من مؤسسات إعلامية وساسة وقادة رأي وجماهير فعلوا الكثير خلال الحرب للدفاع عن أهل القطاع وتأييدهم، وأن الهدف هنا ليس حصد مزيد من الدعم العربي، وإنما توجيه رسالة إنسانية إلى العالم، لذا يجب أن يقوم على هذا المشروع من البداية خبراء يفهمون ما حدث ويشعرون بمعاناة المواطن الفلسطيني وقادرين على الحديث إلى العالم الخارجي يفهمون لغته وثقافته وأسلوب الحديث إليه

ولا يخفى على أحد أن متابعة خطاب بعض العرب المعنيين بالقضية الفلسطينية خلال الأزمة وبعدها يظهر ضعف فهم الكثيرين للخطاب الغربي ولغته وثقافته، فكثير من العرب يستخدمون مصطلحات عربية وأجنبية تسيء لهم ولقضيتهم إذا ما ترجمت للغة أوربية، لذا يجب أن ينطلق مثل هذا المشروع من البداية نحو مخاطبة الأخر لا الذات، أو لنقل أن يتبنى المشروع منذ البداية لغة إنسانية عالمية تقوم على الحقائق وتتجنب الدخول في حقوق الألغام الفكرية واللغوية والثقافية

وفي النهاية نعود لنؤكد على رسالتنا الأساسية، وهي أننا في حاجة عاجلة وملحة إلى تخصيص جزء هام من الجهود الرامية إلى مساعدة قطاع غزة وأهله من أجل تخليد ذكرى ضحايا الحرب من خلال مشروع ثقافي متكامل موجه إلى الضمير العالم يوثق معاناة أبناء القطاع خلال الحرب الأخيرة، وذلك قبل أن ننسى أو يتناسى الآخرون وقبل أن يغطى بقصد أو بغير قصد على ما جرى ويمضي الجميع في حياتهم، وكأن شيء لم يكن،،، والله الموفق


Wednesday, March 12, 2008

قارة الرب: المسيحية والإسلام وأزمة أوربا الدينية
عرض بقلم: علاء بيومي

الناشر: الجزيرة نت، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر


نص العرض

الكتاب الراهن من تأليف فيليب جينكينز أستاذ التاريخ والأديان بجامعة بنسلفانيا الأميركية وهو أكاديمي متخصص في دراسة تطور الديانة المسيحية في ظل التغيرات الاجتماعية والسياسية الدولية التي تواجهها خاصة في القارة الأوربية

ويبدو جينكينز عبر الكتاب مهموما بمستقبل المسيحية ومصالحها في القارة الأوربية مع التركيز على علاقتها بالإسلام والأقليات المسلمة بأوربا والتي يقدر جينكينز عددها بحوالي 15 مليون نسمة، فالكتاب مكتوب من وجهة نظر مسيحية مخلصة تحاول الدفاع عن مصالح المسيحية دون الوقوع في فخ التشدد مثل الكتاب اليمينيين المتشددين والذي يصورون الإسلام والمسلمين على أنهم خطر قائم ودائم، أو في فخ التفريط والذي يتعاطف مع الإسلام وينسى المسيحية ويدافع عن مسلمي أوربا ويهاجم المسيحيين المتدينين ويتغاضى عن مشاعر الجماهير الأوربية والتي كانت ومازالت تشعر بهويتها المسيحية كما يرى الكاتب

ويبدو المؤلف بجانب اهتمامه بمستقبل المسيحية معنيا بشرح أفكاره للقارئ الأميركي على وجه الخصوص فالكتاب معني بالعلاقة بين أوربا وأميركا ودور الإسلام في تلك العلاقة، كما يوجه المؤلف حديثه بشكل متكرر لوسائل الإعلام الغربية والتي يرى أنها تجهل حقيقة العلاقة السابقة

أوربا مسلمة في مواجهة أميركا مساندة لإسرائيل

ويبدأ فيليب جينكينز الكتاب بالحديث عن أسوأ المخاوف أو السيناريوهات التي يرددها الكتاب الغربيون المتشددون في يمينيتهم أو المتشددون في الدفاع عن إسرائيل، إذ يدق هؤلاء أجراس الخطر من الوجود الإسلامي في أوربا، محذرين من أن زيادة أعداد المسلمين في أوربا هي بمثابة إعادة احتلال لأوربا المسيحية من قبل المسلمين مثلما احتل المسلمون الشرق الأوسط بعد ظهور الإسلام وطردوا المسيحية من مهدها ببلاد الشرق الأوسط، فلجأت المسيحية لأوربا، واليوم يأتي المسلمون لينتقموا من ضياع الأندلس من خلال أسلمة أوربا عن طريق المهاجرين المسلمين القادمين من شمال إفريقيا وتركيا وشبه القارة الهندية والذي لا يملون الهجرة ولا الإنجاب ولا التشدد الديني والأصولية واستغلال تسامح أوربا العلمانية معهم - أوربا التي نست هويتها المسيحية فنست نفسها، وبذلك سوف يصبح المهاجرون المسلمون عن قريب متحكمين في المجتمعات الأوربية التي تعيشون فيها، وربما يفرضون على الأوربيين البيض المسيحيين دفع الجزية لهم

ومع تدين أميركا أو بقائها متدينة تدافع عن التراث المسيحي-اليهودي المشترك يرى أصحاب الرأي المتشدد السابق أن أوربا المسلمة المستعربة أو "أوريبيا" أو "أوربا-العربية" كما يسمونها ستصطدم بأمريكا المسيحية المساندة لإسرائيل خاصة فيما يتعلق بسياسة أميركا تجاه إسرائيل، وذلك لأن "أوريبيا" بدأت بالفعل تتعاطف مع العرب ضد إسرائيل

وبهذا يؤكد جينكينز على اختلاط الديني بالسياسي بالدولي في العلاقة بين الإسلام والمسيحية في الفترة الحالية، حيث تسعى بعض الأقليات المتطرفة في عصر "الحرب على الإرهاب" في تعبئة مخاوف المجتمعات الغربية من الإسلام والمسلمين مستخدمة أرخص الأكاذيب

أزمة المسيحية الأوربية

في الفصل الثاني من الكتاب يتناول جينكينز أوضاع المسيحية الأوربية ليوضح المخاطر التي تتعرض لها وكيف أن تلك المخاطر تعمق مشاعر الخوف السابقة وإن كانت لا تبررها

وهنا يستشهد جينكينز بعدد كبير من الإحصاءات التي توضح التهديدات الموجهة للمسيحية كديانة بأوربا، وهي إحصاءات توضح أن مستوى التدين المسيحي بأوربا عند أدنى مستوياته، وأن الكنائس باتت خاوية، ولا يعمل بها سوى قساوسة عجائز بعد أن عزف شباب أوربا عن الالتحاق بالمعاهد الدينية، هذا إضافة إلى سوء سمعة الكنيسة والقساوسة بعض الفضائح الكبرى العديدة التي لحقت ببعض منهم

كما تشير إحصاءات المؤلف إلى أن الأوربيين المسيحيين يرفضون الإنجاب لأسباب كثيرة تتعلق بعمل المرأة وتطور المجتمعات الأوربية الصناعي والحداثي وانتشار الفلسفات العلمانية الفردية مما يعني هرم الأوربيين المسيحيين البيض وقلة الشباب والأطفال بينهم، وتحول المهاجرون المسلمون إلى مصدر هام لتجدد المجتمعات الأوربية، كما أن غياب الأطفال في الأسر المسيحية يقلل من تدينها لأن الأطفال هم جزء أساسي من حركة التدين بالمجتمعات كما يرى جينكينز، فالأسرة التي لديها أطفال قد لا تكون متدينة ولكنها قد تحرص على الذهاب بأطفالها للكنيسة لضمان تزويدهم بالحد الأدنى من المعرفة والهوية الدينية، ولكن في ظل غياب الأطفال يصعب الوصول إلى الحد الأدنى السابق

أما الحياة العامة والسياسية بأوربا فهي تمثل مشكلة أكبر لأن السياسيين والإعلاميين الأوربيين طلقوا الدين، وباتوا ينظرون إليه نظرة رجعية ترفض حتى الإشارة إلى الدين أو إلى الله في الخطب الدينية كما يفعل السياسيون الأميركيون بشكل متكرر

ويشير جينكينز إشارة عابرة إلى اليهودية بأوربا وكيف أصابها ما أصاب المسيحية من تراجع في التدين بسبب قوى العلمانية والزواج المختلط، كما أن أعداد يهود أوربا لا تتعدى 1.5 نسمة مقارنة بخمسة عشر مليون مهاجر مسلم بأوربا

الإسلام كمحفز لعودة المسيحية

العوامل السلبية السابقة لم تعن بالنسبة لجينكينز نهاية المسيحية، إذ يتحدث في الفصلين الثالث والرابع والفصلين الأخيرين من الكتاب عن صورة مختلفة للمسيحية تبشر بعودة المسيحية الأوربية في ثوب جديد، فهو يرى أن التشاؤم بخصوص مستقبل المسيحية يرتبط إلى حد ما بموقف الإعلام والساسة الأوربيين منها، فوسائل الإعلام لا تغطي أخبار المسيحية الأوربية الإيجابية، كما أن الساسة يعانون من التطرف في علمانيتهم ومن انعزالهم عن الجماهير

حيث يرى جينكينز أن المسيحي الأوربي مازال يشعر بقدر من الانتماء للمسيحية الأوربية، مشيرا على سبيل المثال لرفض الأوربيين لانضمام تركيا للإتحاد الأوربي خوفا من أن تتحول تركيا المسلمة لأكبر دولة أوربية (من حيث عدد السكان)، وأن يتحول المسلمون إلى أقلية كبيرة نسبيا (16%) من الأوربيين في حال انضمام تركيا للإتحاد الأوربي فحين أن نسبة المسلمين بالقارة الأوربية حاليا هي 4.6% فقط، فانضمام تركيا للإتحاد الأوربي سوف يؤثر بلا شك على هوية أوربا الدينية وهو أمر يخشاه الأوربي العادي كما يرصده المؤلف ولا ينكره

بل أن جينكينز ينكر على الساسة الأوربيين موقفهم الرافض للاعتراف بدور المسيحية في الحياة العامة الأوربية، في الوقت الذي يدافع فيه هؤلاء الساسة عن الإسلام والمهاجرين والأقليات تحت شعار التعددية، وينسى هؤلاء الساسة الجذور المسيحية للأيدلوجيات والأفكار الأوربية بما في ذلك فكرة التعددية ذاتها، وأن وجود المسيحية والهوية المسيحية ضمانة لتلك الأفكار، فأمة بلا هوية تعني النسبية المطلقة وإمكانية الاعتراف بأية أفكار هدامة، فلابد لأوربا لمرجعية دينية

ويقول جينكينز أن مشكلة المسيحية في أوربا ليس ضعفها بقدر ترهلها، فالمسيحية في أوربا ينظر إليها على أنها الديانة الأم والتي ينتمي إليها أغلب الشعب خاصة وأن الدول الأوربية أكثر تجانسا دينيا على المستوى الفردي مقارنة بأميركا، كما أن الكنائس الوطنية لعبت دورا هاما في تاريخ ونشأة وتطور الدول الأوربية، لذا لا تجدد بعض الدول الأوربية غضاضة في تمويل الكنيسة والمدارس الدينية، ولكنها في نفس الوقت ترفض الحديث عن الدين في الحياة العامة والسياسية، مما يجعل النموذج الأوربي على نقيض نظيره الأميركي في هذا الجانب بوضوح

ويرى المؤلف أن المسيحية الأوربية بدورها ومكانتها السابقتين ترهلت وباتت ينظر إليها على أنها دين الأغلبية، لذا يرى أن التحديات الراهنة التي تتعرض لها المسيحية ومن بينها انتشار الإسلام والمسلمين بأوربا وتدين المهاجرين المسلمين من شأنه أن يشعر المسيحيين الأوربيين بالخطر المحدق بهم وبأنهم باتوا أقلية في مجتمعاتهم

ويرى جينكينز أن الشعور بمشاعر الأقلية والخطر والتراجع أفضل للمسيحية الأوربية من الشعور بمشاعر الأغلبية المترهلة، فشعور الأوربيين بأن المسيحية باتت ديانة الأقلية سوف يشجعهم للانضمام إليها والتكاتف حولها، وهو أمر بدأ في الحدوث بالفعل، حيث يرى جينكينز أن السنوات الأخيرة بدأت تشهد حركات إحيائية أوربية عديدة تبدأ في العادة في جماعات مسيحية أصولية صغيرة جدا، ثم تتطور وتترابط

أضف إلى ذلك دور المهاجرين المسيحيين الأسيويين واللاتينيين والأفارقة الوافدين إلى أوربا، وهم مهاجرون أكثر تدينا وأكثر حماسة للدفاع عن المسيحية ونشرها، كما يشير جينكينز إلى انتشار المسيحية في دول أوربا الشرقية، وهي دول تتجاهلها وسائل الإعلام الغربية عند حديثها عن تراجع المسيحية في أوربا، وينسى هؤلاء أن دول أوربا الشرقية مسيحية يندر وجود المهاجرين والأقليات المسلمة فيها فيما عدا بلدان وأقاليم صغيرة كالبوسنة وجد في الإسلام لأسباب تاريخية، وأن إضافة مسيحي أوربا الشرقية إلى مسيحي أوربا الغربية يعني أن المسيحية في أوربا ليست ضعيفة كما يصورها البعض

مصير المسلمين في أوربا!؟

كما يحذر جينكينز من أن الحديث عن انتشار الإسلام في أوربا هو أمر مبالغ فيه، فوسائل الإعلام تشير إلى وجود 15 مليون مسلم في أوربا، وكأن كل هؤلاء المهاجرين متدينون أو ملتزمون بالمبادئ الإسلامية، في الوقت نفسه تستخدم وسائل الإعلام الأوربية والغربية مصطلح "المسيحية" للإشارة إلى المسيحيين المتدينين فقط، وهذا يعني أن المقارنة غير عادلة

حيث يرفض جينكينز النظر إلى مسلمي أوربا على أنهم كيان واحد متدين متحد، في المقابل يشير إلى العديد من المشاكل التي يواجهها المهاجرون المسلمون في أوربا وعلى رأسها البطالة والفقر والتشدد الديني وإمكانية وقوع أحدث إرهابية يقوم بها مسلمون متشددون

حيث يفرد جينكينز نصف كتابه تقريبا للحديث عن أوضاع المسلمين في أوربا والمشاكل العديدة التي يعانون منها، وكيف تحولوا في بعض الدول إلى "جيتو" معزول يعاني من الفقر والبطالة والجرائم والتمييز، مما جعلهم طبقة اقتصادية وإثنية معزولة وملئ بهم سجون بعض الدول الأوربية

وهنا يؤكد جينكينز أنه يرفض التمييز الذي يتعرض له المسلمون في أوربا أو اتهام الإسلام بالمسئولية عن مشاكلهم، فهو يرى أن المشاكل السابقة اقتصادية وسياسية بالأساس ويطالب وسائل الإعلام الغربية بعدم الزج بالإسلام عند تغطية مشاكل الأقليات المسلمة بأوربا

ولكن جينكينز يعود ويحذر من خطر مشاركة مسلمين في أنشطة إرهابية، ويقول أن من يقومون بتلك الأعمال هم قلة محدودة جدا وسط مسلمي أوربا، ولكنهم يعبرون عن وجود مشكلة في أوساط المسلمين الأوربيين، مشكلة تعود لوجود أفكار وجماعات أصولية متشددة، وإلى صعوبة التعاون المشترك بين المجتمعات الأوربية والمنظمات المسلمة الأوربية المعتدلة، حيث يشير إلى أن البحث في تاريخ بعض أشهر القيادات المسلمة الأوربية التي توصف بالمعتدلة يكشف عن دعم تلك القيادات في وقت أو أخر لأفكار أو جماعات تصنف اليوم بأنها إرهابية

كما يرى جينكينز أن الإسلام الأوربي لم يواجه بعد قوى التغيرات والأيدلوجيات المجتمعية الأوربية الرهيبة كالعلمانية والتحديث وعمل المرأة والأفكار الخاصة بالجنس والأسرة على وجه الخصوص، فبعض المهاجرين المسلمين بأوربا اليوم هم أشبه بمجموعة بشرية أوربية توقف بها الزمن منذ جيل أو جيلين ثم عادوا إلى الحياة مرة أخرى ليجدوا الدنيا قد تغيرت بشكل كبير، وما علينا سوى أن ننتظر لجيل أو جيلين أضافيين حتى يلحق مسلمو أوربا بالركب ويواجهوا التحديات التي تواجهها المسيحية الأوربية اليوم

God's Continent: Christianity, Islam, and Europe's Religious Crisis, by
Philip Jenkins, Oxford University Press, USA, 2007.

Tuesday, January 08, 2008

الإسلام والصراع على الجامعات الأميركية
مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 7 يناير 2008

نص المقال

تطفو على السطح بين حين وأخر أخبار عن حملات تشنها قيادات ومنظمات أميركية يمينية وأخرى موالية لإسرائيل تتعرض بالنقد والتجريح للإسلام والمسلمين والعرب بالجامعات الأميركية

ومن بين تلك الحملات ما يعرف "بأسبوع التوعية بالإسلامي-الفاشي" وهي حملة ينظمها الناشط اليميني المتشدد دايفيد هورويتز خلال العام الدراسي الحالي بالجامعات الأميركية لتوعية الطلاب الأميركيين بمخاطر ما يسميه "بالإسلام-الفاشي" مما استدعى نقد منظمات المسلمين والعرب الأميركيين لجهود هورويتز وحملته، هذا إضافة إلى حملة "مراقبة الحرم الجامعي" والتي أطلقها الكاتب الأميركي المتشدد دانيال بايبس في عام 2002 بهدف مراقبة أساتذة الشرق الأوسط ورؤاهم المتعلقة بأميركا وسياساتها الخارجية التي قد يختلف معها بايبس المعروف بتشدده في مساندة إسرائيل، وعلى الصعيد نفسه شن مارتن كرايمر المدير السابق لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة تل أبيب هجوما لاذعا على دارسات الشرق الأوسط بالجامعات الأميركية في أعقاب أحداث 11-9 متهما تلك البرامج بأنها "أبراج عاجية على رمال" معزولة عن الواقع وعاجزة عن التنبؤ بالإرهاب ومخاطره وسبل مواجهته ومتهمة بالتعاطف مع ناقدي أميركا

الحملات السابقة لم تكن عابرة بأي حال من الأحوال، فقد استرعت اهتمام فئات واسعة من الأميركيين، والتي رأت في تلك الحملات أحد معالم عالم ما بعد 11-9 الثقافية والأكاديمية، كما أنها وضعت الإسلام والمسلمين والعرب في قلب صراعاتها، مما يحتم علينا التساؤل حول طبيعتها وموقفها منا، فهل كان الهجوم على الإسلام والمسلمين والعرب هدفها؟ أما أن هدفا أوسع وأعم وأننا بتنا أحد ضحايا في عالم "الحرب على الإرهاب"

بين الثقافة والثقافة المضادة

الدراسات المعنية تؤكد أن مساعي الحملات السابقة للهيمنة على الجامعات الأميركية قديم يعود في جذوره لما يسمى بالصراع بين "الثقافة والثقافة المضادة" في أميركا، فالجماعات اليمينية الأميركية على مر التاريخ الأميركي ترى نفسها في موقع المدافع عن الثقافة الأميركية والحضارة الغربية والتقاليد الأميركية التقليدية الأصيلة في مواجهة "الثقافة المضادة" التي ينشرها اليسار الأميركي والتي تنادي بالتعددية وحقوق الأقليات والمهاجرين وبالانفتاح على العالم الخارجي والتعلم من ثقافاته

وقد أخذ الصراع بين الثقافة الأميركية والثقافة المضادة منحنيا جديدا في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية والتي شهدت هزيمة قوى اليمين التقليدية وانتصار اليسار الجديد وأجندته المساندة لثورة الشباب وثورة الحقوق المدنية وحقوق المهاجرين والنساء والعدالة الاجتماعية ومعارضة حرب فيتنام والمطالبة بسياسة خارجية أكثر مهادنة

هزيمة اليمين الأميركي التقليدي الساحقة في الستينات دفعته لإعادة بناء صفوفه على مستويات مختلفة، فعلى الصعيد السياسي أعاد اليمين تنظيم صفوفه وتحالفاته السياسية مما ساهم في صعوده المستمر منذ بداية الثمانينات خاصة مع تولي ريجان الحكم ومن بعده جورج بوش الأب، وفي بداية التسعينات اكتملت سيطرة اليمين الأميركي السياسية فيما عرف "ثورة المحافظين" بقيادة نوت جينجريتش والتي تمكنت من السيطرة على مجلس النواب الأميركي لأول مرة منذ عقود مستفيدة من صعود قوى المسيحيين المتدينين السياسية

وعلى الجانب الثقافي استمرت الحرب بين اليمين واليسار الأميركيين على السيطرة على "عقول وقلوب" الأميركيين، وهي سيطرة ضرورية للغاية فهي تمثل الجانب المعنوي أو الناعم للحرب السياسية القائمة على السيطرة على القواعد الجماهيرية والمؤسسات السياسية، كما أنها تعد ضامنا محوريا لديمومة تلك السيطرة من خلال التأثير على التوجهات الرئيسية للشعب الأميركي

وقد سعت الثورة اليمينية المضادة منذ السبعينات في الفوز بالحرب الثقافية من خلال عدة إستراتيجيات رئيسية يأتي على رأسها بناء أكبر عدد من المؤسسات الإعلامية اليمينية والتي توجت بشبكات تلفزيون مثل فوكس نيوز وعدد كبير من المجالات والصحف اليمينية وصعود الإذاعات اليمينية والبرامج الحوارية هذا إضافة إلى مؤسسات الإنجليكيين الأصوليين الإعلامية، مما حقق لليمين الجديد قدر لا يستهان به من المكاسب على الساحة الإعلامية

وعلى ساحة أخرى سعى اليمين الجديد لإنشاء أكبر عدد من مراكز الأبحاث اليمينية مستفيدا من التبرعات السخية القادمة من المؤسسات الخيرية اليمينية، مما أدى لصعود عدد كبير من تلك المراكز بواشنطن وعبر أميركا وعلى رأسها هيرتاج فاويندايشين، ومعهد أميركان إنتربرايز، ومعهد هوفر، ومنبر أبحاث الشرق الأوسط

وبقت ساحة ثالثة لا تقل أهمية وهي ساحة الجامعات، وهنا يرى كثيرون أنها الساحة التي استعصت على اليمين الأميركي وباتت تمثل الحلقة الأضعف من حلقات سيطرته على المؤسسات الثقافية الرئيسية بالمجتمع الأميركي

عصر الحرب على الإرهاب

استعصاء الجامعات الأميركية على الرضوخ لقوى اليمين التقليدية والجديدة، دفعتها لشن حروبا ثقافية متكررة عليها يقسمها البعض لمراحل ثلاثة رئيسية، أولها مرحلة الحرب على الشيوعية والتي وصلت قمتها في بداية الخمسينات من خلال ما يعرف الآن بالمكارثية حيث سعى اليمين لملاحقة أساتذة الجامعات بتهمة مساندة الشيوعية، أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الحروب الثقافية في الربع الأخير من القرن العشرين، والتي ركز فيها اليمين على تصوير الجامعات الأميركية على أنها معول يهدم الحضارة الأميركية من خلال ثقافتها الناقدة لتلك الحضارة ومؤسساتها التقليدية مثل الأسرة والجيش والحكومة المركزية والمؤسسات الدينية

أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة ما بعد 11-9، حيث تبنى اليمين الأميركي مبدأ أن الإرهابيين هاجموا أميركا لأنهم يكرهون القيم الأميركية، وأن الجيل الأميركي الجديد يحتاج أن يثق في قيمه وحضارته وثقافته وهويته وإلى أن يقف متوحدا وراءهم في مواجهة الإرهابيين الذي يكرهون أميركا وقيمها مستعدا للانضمام للجيش الأميركي للدفاع عنهما

حرب اليمين الأميركي للفوز بعقول وقلوب الشعب الأميركي في عصر الحرب على الإرهاب تميزت بعدد من الخصائص رصدتها مؤلفات مختلفة

أولا: أنها حرب سياسية تسعى لإحكام سيطرة اليمين على مقاليد الحكم في الولايات المتحدة من خلال السيطرة الثقافية، لذا نجد أن اليمين يرفع خلال هذه الحرب مبدأ المطالبة بجامعات أميركية متوازنة بين اليمين واليسار باعتبار أن التوازن مطلوب وقيمة في حد ذاتها، في الوقت الذي يرفضه فيه اليمين موازنة سيطرته على مؤسسات الحكم الأميركية المختلفة

ثانيا: تحالف قوي اليمين السياسية هي نفسها تقريبا المشكلة لتحالفه خلال صراع السيطرة على الجامعات الأميركية، ومن المعروف أن التحالف السابق يتكون من الإنجليكيين الأصوليين، والمحافظين الجدد، والمحافظين الرأسماليين والمعسكرين، وهي الفئات نفسها التي تمثل عصب النخبة اليمينية الحاكمة في الولايات المتحدة، والتي تترابط فيما بينها بروابط كثيرا، لذا لا عجب في أن تتردد أسماء مثل دانيال بايبس ومارتن كرايمر ودايفيد هورويتز على الصعيدين السياسي والثقافي بشكل متكرر ومترابط

ثالثا: تسعى قوى الحروب الثقافية لاستخدام السياسية وعوامل القوة السياسية لتنفيذ مهامها الثقافية، لذا نجد أن تلك الجماعات تتبنى أساليب العمل السياسي واللوبي وأدوات الاغتيال الإعلامي للشخصيات السياسية في صراعاتها الثقافية، حيث تبدأ الحملات بتسليط الضوء على مؤسسة أكاديمية أو جامعي بعين، مثل جوزيف مسعد البروفيسور المشارك بجامعة كولومبيا الأميركية، والذي تعرض لحملة واسعة من قبل تلك الجماعات حتى بات يمثل أحد رموز معاناة الأكاديميين بأميركا في فترة حروب ما بعد 11-9 الثقافية، وبعد تسليط الضوء على الجهة المستهدفة تنتشر الأخبار كالنار في الهشيم عن طريق منابر اليمين الإعلامية، ثم تتحول الحملة لقضية رأي عام ويضغط التحالف اليميني على المتبرعين والسياسيين لكي يضغطوا بدورهم على المؤسسات الأكاديمية المستهدفة، وبذلك يتحول الصراع من قضية أكاديمية يرد عليها بالرأي والرأي الأخر، إلى عمل سياسي تبرع فيه منظمات اللوبي والعلاقات العامة وشبكات الأثرياء والسياسيين، وتستخدم فيه أدوات سياسية مثل منع بعض الأساتذة الأجانب كطارق رمضان من دخول أميركا، أما هدف الحملة الأخطر فهو استصدار قوانين وتشريعات تراقب الجامعات الأميركي وتعاقبها ماليا في حالة عدم انصياعها لأجندة اليمين الثقافية

رابعا: ترفع قوى اليمين في حربها الثقافية الراهنة شعارات اليسار نفسه مع قلبها رأسا على عقب، فهي تدعي أن ما تقوم به هو من أجل حماية حقوق الطلاب والتعددية الفكرية بالجامعات وحماية الجيل الأميركي الجديد من عمليات غسيل الدماغ على أيدي أساتذة يساريين راديكاليين يكرهون أميركا

دراسات الشرق الأوسط

أما الساحة الفكرية الأهم لتلك المعارك في عصر "الحرب على الإرهاب" فهي ساحة العلوم الاجتماعية، وتحديدا ساحتي الدراسات الأميركية ودراسات الشرق الأوسط، فالقوي اليمين التقليدية تريد دراسات أميركية أقل نقدا للتراث الأميركي وأكثر تمجيدا للثقافة والهوية الأميركية بما يعبئ الجيل الأميركي الجديد لمساندة أميركا وجيشها في الحرب الراهنة

أما قوى اليمين غير التقليدية كالمحافظين الجدد فمحور اهتمامها هو الدراسات الدولية وتحديدا دراسات الشرق الأوسط والتي تمثل محور اهتمامها بشكل ملفت للنظر، حيث ترى تلك الجماعات أن دراسات المناطق والشرق الأوسط بالجامعات الأميركية باتت تكن العداء لأميركا ولإسرائيل، وتتعاطف مع أعدائهما، وتقوض قدرة أميركا على مواجهة أعدائها الخارجيين وهي مهمة كان من المفترض أن تمثل هدفا رئيسيا من وراء رعاية الجامعات الأميركية لتلك البرامج الأكاديمية، فأن لم تكن الجامعات في خدمة الدولة وأهدافها فما هي وظيفتها إذا!؟

وترى الجماعات السابقة أنها فقدت السيطرة على دراسات الشرق الأوسط منذ عقود وتحديدا بعد صعود إدوارد سعيد عدوها الأول ونظريته عن الإستشراق وما ترتب عليها من قيام علم "دراسات ما بعد الاستعمار" والذي سعى إلى تقويض العلاقة بين الجماعات الأميركية ومصالح الإمبراطورية الأميركية، حيث هاجم سعيد المستشرقون الأميركيون كبرنارد لويس معتبرا إياهم أكاديميون وضعوا علمهم في خدمة الإمبراطورية، ونجح سعيد في نقده لهم حتى بات من الصعب أن يعثر تلامذة وأتباع لويس من أمثال كرايمر وبايبس على وظائف في الجامعات الأميركية، لذا لجأ هؤلاء للجامعات التابعة للقوات المسلحة، أو لإنشاء مراكز الأبحاث الخاصة والتي لا تخضع لأي معايير أكاديمية، هذا إضافة إلى مراكز الأبحاث الإسرائيلية والتي واصلت الخط الإستشراقي في التعامل مع الشرق الأوسط

الإسلام في قلب حرب شرسة

وبهذا وجد الإسلام والمسلمون والعرب أنفسهم في قلب حرب قديمة متجددة للسيطرة على عقول وقلوب الشعب الأميركي خلال عصر "الحرب على الإرهاب" في ساحة أهم قلاع الفكر الليبرالي المنفتح بالولايات المتحدة آلا وهي الجامعات التي تلعب دورا شديد الأهمية في صياغة مستقبل أميركا من خلال صياغة فكر الجيل الأميركي الجديد، وهي حرب يرى البعض أن قوي اليمين الأميركيين استخدمت فيها استراتيجيات عدائية بالغة تقوم على التنبؤ بنوايا الخصم وإضفاء خصال الشر عليها بغض النظر عن توافر الأدلة، والسعي لردع الخصوم من خلال حشد أكبر قدر من مصادر القوة، وإجهاد الخصم من خلال الهجوم المتواصل عليه، والتشويش على الرأي العام الأميركي وعلى قدرته على فهم نوايا واستراتيجيات قوي اليمين الحقيقية، وتوحيد الصف الأميركي الداخلي من خلال التخويف من عدو خارجي يترصد بأميركا وعملاء له بالداخل إلى حد اتهام بعض أساتذة الجامعات الأميركية بعداء أميركا والتعاطف مع الإرهابيين

------

مقالات ذات صلة

إسلاموفوبيا أحزاب اليمين الراديكالي الأوربية الجديدة

صعود الإسلاموفوبيا بالمجتمعات الغربية: قراءة في أهم المظاهر والأسباب

الإستشراق الأسود: الأصول والإشكاليات

النخب الغربية وإعاقة اندماج مسلمي الغرب

مسلمو وعرب أميركا بين تبعات 11/9 والثورة اليمينية المضادة

صورة الإسلام في أميركا بعد خمس سنوات على 11/9

Saturday, October 21, 2006

صعود الإسلاموفوبيا بالمجتمعات الغربية: قراءة في أهم المظاهر والأسباب
مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 12 أكتوبر 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

المراجعة السريعة لتكرار ظهور مصطلح الإسلاموفوبيا في بعض أشهر الجرائد الغربية يكشف عن الزيادة المضطرة في استخدامه خلال السنوات الخمس الأخيرة بشكل عام وفي العام الحالي بشكل خاص

استخدام وسائل الإعلام الغربية لمصطلح الإسلاموفوبيا يرتبط في العادة بعدة ظواهر مثل وقوع أو إحباط أحداث إرهابية تستهدف المجتمعات الغربية مما يثير تساؤل الغربيين حول وجود توجهات معادية للغرب وسط الأقليات المسلمة بالبلدان الغربية، وحول توجهات المجتمعات الغربية ذاتها تجاه الإسلام والمسلمين

ويرتبط ظهور المصطلح في آونة أخرى بالجدل الدائر داخل المجتمعات الغربية ذاتها حول طبيعة تلك المجتمعات وهوياتها ومواقف النخب السياسية الغربية من تلك القضايا، وما إذا كانت مشاريع النخب الغربية اليسارية المنادية بالتعددية والانفتاح الثقافي على المهاجرين والأقليات هي مشاريع مفيدة للغرب أم إنها أضرت به كما يرى أصحاب التوجهات اليمينية المنادون بالعودة إلى التراث الثقافي التقليدي للغرب
كما ارتبط استخدام المصطلح بردود أفعال العالم الإسلامي تجاه بعض الإساءات التي تعرض لها الإسلام من قبل شخصيات ومؤسسات غربية مختلفة كما حدث ردا على الرسومات الدانمركية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم في أوائل العالم الحالي وردا على تصريحات بابا الفاتيكان في حق الإسلام مؤخرا

ظاهرة الإسلاموفوبيا

شيوع مصطلح الإسلاموفوبيا هو في حقيقته انعكاس لتنامي ظاهرة يبحث لها الغرب عن تسمية، وقد يختلف البعض حول دقة المصطلح، ولكن هناك شعور متزايد بالظاهرة نفسها

ظاهرة الإسلاموفوبيا ترتبط بتنامي المشاعر السلبية تجاه الإسلام والمسلمين في المجتمعات الغربية وتشكيل هذه المشاعر أسسا لانطلاق سلوكيات غربية مجحفة بحقوق الأطراف المسلمة

ظاهرة الإسلاموفوبيا على المستوى الفكري ترتبط بنظرة اختزالية للإسلام كدين وكثقافة حيث تصور الإسلام كمجموعة محدودة وجامدة من العقائد التي تحض على العنف والرجعية والنظرة السلبية للآخر وترفض العقلانية والمنطق وحقوق الإنسان، وهي معتقدات يؤكد المصابون بالإسلاموفوبيا أنها إنعاس مباشر لرسالة الإسلام نفسها كما تظهر في القرآن الكريم وفي سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم

وينظر المصابون بالإسلاموفوبيا للمسلمين على أنهم مجموعة واحدة تؤمن بتشدد بالفهم الاختزالي السابق للإسلام، ومنخرطون في حركة سياسية عالمية لفرض هذه الرؤية على الآخرين في حرب حضارية لا تتوقف

وانطلاقا من الرؤى السابقة يرى المصابون بالإسلاموفوبيا أن العداء للإسلام والمسلمين والتحيز ضدهم أمر طبيعي ورد فعل تلقائي على طبيعة المسلمين الشريرة، لذا يساندون التمييز ضد المسلمين وحشد قوى الغرب في حرب ضد الإسلام وأتباعه

وبالطبع تمثل المعتقدات السابقة أساسا لتصرفات تمييزية ضد المسلمين، وقد تأخذ هذه التصرفات صورة المطالبة بسياسات تحد من حقوق وحريات مسلمي الغرب المدنية، أو تخضعهم لمراقبة متزايدة من قبل السلطات الأمنية، وقد تأخذ صورة انتشار لمشاعر سلبية تجاه المسلمين داخل المجتمعات الغربية كرفض العيش بجوار جيران مسلمين ورفض بناء المساجد والمؤسسات المسلمة، وقد تنفجر أحيانا في صورة أحداث عنف وتمييز وجرائم كراهية ضد المسلمين، وهي أحداث توثقها بعض المنظمات المسلمة ومنظمات الحقوق المدنية الغربية

قراءات مختلفة لأسباب الصعود

هناك قراءات مختلفة لأسباب صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا خلال الآونة الأخيرة، فهناك قراءة ثقافية ترى أن صعود الإسلاموفوبيا هو انعكاس لمشاعر سلبية عميقة مدفونة في وعي المواطن الغربي ضد الإسلام والمسلمين، وتعبير عن تحيز تاريخي وثقافي ضد الإسلام كدين وضد المسلمين حضارة

هناك قراءة ثانية ترى أن ظاهرة الإسلاموفوبيا هي نتاج لبعض الأحداث الدولية التي أثرت بقوة على العلاقات بين العالم الإسلامي والمجتمعات الغربية خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأس هذه الأحداث هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 الإرهابية وما تبعها من هجمات إرهابية - رفع مرتكبوها شعارات إسلامية – ضربت مجتمعات غربية مختلفة مثل أسبانيا وبريطانيا

هذا إضافة إلى بعض المشكلات الثقافية الدولية التي أثرت سلبا على العلاقات الإسلامية – الغربية مثل أزمة الرسوم الدانمركية، وأزمة تصريحات البابا بنديكت السادس عشر، وأزمة الحجاب بفرنسا، وتصريحات بعض القيادات الغربية الدينية والسياسية المسيئة للمسلمين

القراءة الثالثة – وليست الأخيرة – المطروحة في هذا المجال هي قراءة سياسية اقتصادية ترى أن صعود الإسلاموفوبيا خلال السنوات الأخيرة هو انعكاس لبعض التغيرات المجتمعية الكبرى التي لحقت بالمجتمعات الغربية والإسلامية خلال العقود الأخيرة، وعلى رأس هذه التحولات تراجع قوى اليسار الغربي التقليدية والتي سادت خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وصعود وقوى اليمين الثقافي والديني في الغرب والعالم الإسلامي خلال الفترة ذاتها

يعيب القراءة الثقافية لظاهرة الإسلاموفوبيا طبيعتها القدرية، والتي تكاد تفترض أن الخلاف الثقافي بين المسلمين وأبناء المجتمعات الغربي هو خلاف حتمي، وتكاد تعفي المسلمين من مسئولية فهم المجتمعات الغربية وتفاصيل ما يدور بهذه المجتمعات وسبل توعيتها بصورة الإسلام الصحيحة خاصة في ظل تنامي أعداد المسلمين بالدول الغربية، وانفتاح أعداد متزايدة من أبناء تلك المجتمعات على فهم الإسلام والمسلمين، وتنامي قوى العولمة والاتصالات بما يسهل عملية التواصل مع الآخر وتوعيته

ويعيب القراءة الثانية أنها قد تقتصر على الأحداث المادية وتصورها منزوعة عن سياقها وكأنها ولدت لحظيا وليست نتاجا لتراكمات حدثت عبر عقود

لذا تمثل القراءة الثالثة أسلوبا أكثر ديناميكية لفهم أسباب صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا في المجتمعات الغربية خلال العقود الأربعة الأخيرة، وهي قراءة ترى أن للمسلمين والعرب دورا يمكن أن يلعبوه للتأثير على مسار تلك الظاهرة الخطيرة

نحو قراءة ديناميكية للظاهرة

القراءة الثالثة لأسباب صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا تعود بنا إلى أوائل النصف الثاني من القرن العشرين وهي فترة وصلت فيها التيارات اليسارية إلى قمة سيطرتها على المجتمعات الغربية وراحت تنشر أجندتها الناقدة للتراث الغربي التقليدي باعتباره تراثا منغلقا على الذات، وراحت في المقابل تطالب بالانفتاح على الأخر الديني والعرقي والوطني من خلال أفكار وبرامج سياسية ترحب بهذا الأخر في المجتمعات الغربية ذاتها وتضمن له حقوقا ومزايا مختلفة

السيطرة الثقافية لليسار الغربي كانت انعكاسا للسيطرة السياسية لشرائح يسارية بات ينظر لها اليوم على أنها قوى تقليدية متراجعة النفوذ، وعلى رأس تلك القوى الحركات العمالية والمؤسسات النقابية والسياسية المعبرة عنها، هذا إضافة إلى طبيعة السياسات الدولية خلال تلك المرحلة ووجود الإتحاد السوفيتي كدولة عظمى تمثل التيار اليساري وتنشر أفكاره وسياساته عبر العالم بما في ذلك العديد من بلدان العالم الثالث

سيطرة اليسار داخل المجتمعات الغربية وعلى المستوى الدولي والتي تبلورت بنهاية الحرب العالمية الأولى ووصلت إلى قمتها في ستينات القرن العشرين لم تدم طويلا، فمنذ بداية السبعينات شهدت المجتمعات الغربية والساحة الدولية العديد من المتغيرات الكبرى التي أضعفت اليسار وبرامجه

فعلى المستوى الاقتصادي بدأت المجتمعات الغربية في التحول من الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد الخدمات ثم إلى اقتصاد المعلومات كما زاد التنافس الاقتصادي الدولي بين الدول الغربية بعضها بعضا من ناحية، وبين الدول الغربية وبعض القوى الدولية الصاعدة - كبعض بلدان آسيا - من ناحية أخرى

تغير أنماط الإنتاج وزيادة مستوى المنافسة الدولية أثر على المجتمعات الغربية من الداخل حيث أفقد اليسار الغربي تدريجيا الثقل السياسي للعمال كشريحة انتخابية وفكرية، كما عمق من بعض المشكلات الاقتصادية التي ضربت تلك المجتمعات كالبطالة وركود الحراك الاجتماعي وتراجع حجم الطبقة الوسطى

في المقابل تحركت الأحزاب اليمينية الغربية لتحدي قوي اليسار على مستويين، أولهما مخاطبة مخاوف الفئات التي تأثرت سلبيا بالتغيرات الاقتصادية السابقة، وثانيهما نقد أجندة اليسار الناقدة للتراث الغربي التقليدي وتصوير هذه الأجندة على أنها علامة على عدم ولاء اليسار الغربي لمجتمعاته، وعلى تسامح اليسار مع الأقليات والأجانب الذين سرقوا من الغربيين وظائفهم

في المقابل شهدت الساحة الدولية تغيرات كبرى ساهمت في تراجع اليسار الغربي، وعلى رأس هذه التحولات سقوط الإتحاد السوفيتي وفشله كنموذج سياسي واقتصادي، وتعرض القوى اليسارية عبر العالم لتحديات اقتصادية وسياسية مختلفة ومن بينها هزيمة قوى اليسار بالشرق الأوسط مما ساعد بدوره في صعود قوى اليمين بالمنطقة

في ظل هذه البيئة وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتي رأتها بعض قوى اليمين الغربية المتطرفة كفرصة لترويج نظرية طرحتها منذ سقوط الإتحاد السوفيتي ترى أن الغرب في حاجة لعدو جديد يتوحد ضده، وأن الإسلام مرشح للعب هذا الدور أكثر من أي وقت مضى خاصة وأن الإسلام دين أجنبي وأن للمسلمين وجود متنامي بالمجتمعات الغربية مما يجعلهم هدفا سهلا للعنصرية الجديدة

دور اليمين الإسلامي

القراءة السابقة لأسباب صعود وانتشار الإسلاموفوبيا بالمجتمعات الغربية مؤخرا ترى أن للمسلمين دورا يمكن أن يلعبوه في مواجهة تلك الظاهرة، وعلى رأس هذا الدور التحالف – على المدى البعيد - مع قوى اليسار الغربي لإحياء الأجندة اليسارية القائمة على نشر قيم العدالة الاجتماعية واحترام حقوق الآخرين والأقليات

ويكون ذلك عن طريق فهم طبيعة هذه الأجندة وما تعنيه على المستويات المتخلفة والتوفيق الإيجابي غير التلفيقي بين عناصر تلك الأجندة والفكر الإسلامي على مختلف المستويات بما في ذلك المستويات الفكرية والأخلاقية، والواضح هنا أن قوى اليمين الإسلامية هي أقرب من قوى اليسار الغربية في أجندتها السياسية والاقتصادية مقارنة بقوي اليمين، وأن هناك بعض الخلافات الثقافية المتعلقة بقضايا الأسرة والعلاقات الاجتماعية التي تشكل نقاط تعارض بين اليمين الإسلامي واليسار الغربي، وأن علاج هذا التعارض يتطلب مزيد من الفهم من قبل الجانبين

أما على المديين القريب والمتوسط فيمكن للعالم الإسلامي لعب دورا في مكافحة الإسلاموفوبيا على مستويين أساسيين، أولهما تبني بعض البرامج العلمية المنظمة لتوعية المواطن الغربي على نطاق واسع ومدى طويل نسبيا بصورة الإسلام والمسلمين الصحيحة، والواضح هنا أن العالم الإسلامي مازال يفتقر بوضوح لتلك البرامج بعد مرور خمس سنوات على أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001

المهمة الثانية هو التعاون مع الأقليات المسلمة بالدول الغربية في تأهيل وتدريب أكبر عدد من السفراء المدنيين القادرين على تقديم صورة الإسلام الصحيحة للمواطن الغربي بشكل يومي ومحلي ومؤسسي منظم، فبدون عدد كافي من هؤلاء السفراء وبدون اضطلاعهم بدورهم المنتظر في التواصل مع نظرائهم الغربيين على أرض المجتمعات الغربية ذاتها تكاد تكون مواجهة الإسلاموفوبيا أمرا بعيد المنال إن لم يكن مستحيلا

-----

مقالات ذات صلة

الإستشراق الأسود: الأصول والإشكاليات

النخب الغربية وإعاقة اندماج مسلمي الغرب

صورة الإسلام في أميركا بعد خمس سنوات على 11/9

مسلمو وعرب أميركا بين تبعات 11/9 والثورة اليمينية المضادة

سبل مكافحة الإسلاموفوبيا في البيئة الأمريكية

Saturday, October 14, 2006

الإستشراق الأسود: الأصول والإشكاليات


مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
جريدة الحياة، 14 أكتوبر 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

ارتبط الإستشراق في ذهن القارئ العربي بالعنصرية الأوربية والغربية البيضاء ومساعيها لتبرير سيطرتها على الشرق من خلال وضعه في قوالب فكرية تضفي العقلانية على هذه السيطرة وتصور الطرف الشرقي على أن طرف يستحق السيطرة عليه ويبحث عنها ويرحب بها

في المقابل تتناول هذه المقالة نوعا مختلفا من الإستشراق - يندر الحديث عنه في الأوساط الأكاديمية العربية أو الغربية - وهو الإستشراق القادم من بعض فئات الأفارقة الأمريكيين بالولايات المتحدة الأمريكية، والمعروف اصطلاحا باسم "الاستشراق الأسود" لتمييزه عن الإستشراق السائد والنابع من الحضارة الغربية البيضاء

هناك علامات استفهام عديدة ومثيرة ترتبط بهذه الفئة من الإستشراق خاصة لكون "الإستشراق الأسود" صادر عن أبناء مجموعة بشرية (الأفارقة الأمريكيين) عانت تاريخيا من الاضطهاد والعبودية على أيدي مناصري المستشرقين البيض، كما يحضرنا سؤال أخر يتعلق بأسباب صعود هذه الظاهرة في الفترة الحالية؟ والأسباب التي دفعت بعض الأقلام الأفريقية الأمريكية للانضمام إلى الحملة المضادة للإسلام والمسلمين في الوقت الراهن، ومغزى هذا كله

ميلاد الإستشراق الأسود

على مزروعي أستاذ الدراسات الأفريقية ذو الشهرة الدولية والمقيم حاليا بالولايات المتحدة استخدم مصطلح "الإستشراق الأسود" في مقال نشر له في ربيع عام 2000 بدورية تعرف باسم الأستاذ الأسود The Black Scholar في حديثه عن سلسلة حلقات تلفزيونية تسجيلية عن إفريقيا للأكاديمي الأفريقي الأمريكي المعروف هنري لويس جاتس جونيور أستاذ الدراسات الأفريقية الأمريكية بجامعة هارفرد وهي أكبر الجامعات الأمريكية على الإطلاق

مزروعي رأي أن حلقات جايتس والتي صدرت بعنوان "عجائب العالم الأفريقي" تضمنت مغالطات فكرية عديدة ولوم غير مبرر للعرب وللأفارقة على حساب التساهل مع أطراف أخرى بما في ذلك الدول الغربية والولايات المتحدة ودور هذه الأطراف في الصعوبات التي تواجهها الشعوب الأفريقية بصفة عامة والأفارقة الأمريكيين بصفة خاصة في الوقت الحالي

حيث رأي مزروعي أن حلقات جايتس تميزت بالانتقائية، وامتلأت بغلطات في الترجمة، وبالغت في تصوير دور العرب والأفارقة في تجارة العبيد ومحاولة إعفاء الغرب من مسئوليته بهذا الخصوص، كما أقحمت إسرائيل بشكل غير مفهوم في السلسلة الوثائقية، كما نظرت نظرة سطحية عامة للشعوب الأفريقية تصورها على أنها شعوب شريرة باعت أبنائها في المهجر (الأفريقيين الأمريكيين)

كل هذه الملاحظات دفعت مزروعي إلى التساؤل حول ما إذا كانت سلسلة جايتس التلفزيونية هي بمثابة لحظة "ميلاد الاستشراق الأسود

وما يجعلنا نفتح هذه القضية مرة أخرى وبعد مرور ست سنوات على صدور مقال علي مزروعي هو محتوى كتاب "الإسلام والأمريكي الأسود: نظرة نحو الإحياء الثالث" لأستاذ الدراسات العربية والإسلامية بجامعة مشيجان شرمان جاكسون والمشهور في الأوساط المسلمة الأمريكية باسم "عبد الحكيم جاكسون

الكتاب المعني بصفة عامة بحاضر ومستقبل الإسلام في الولايات المتحدة ودور الأفارقة أو السود الأمريكيين – كما يسميهم جاكسون – بهذا الخصوص خصص فصلا كاملا – وهو الفصل الثالث – للحديث عن خطر الإستشراق الأسود في مساهمة علمية متميزة لعلها تكون بداية للدراسة الجادة لظاهرة الإستشراق الأسود، دفعتنا لكتابة هذا المقال

هدفه وأسباب ظهوره

يقول شرمان جاكسون أن "الاستشراق الأسود يسعى إلى تصوير العالم العربي/ الإسلامي على أنه سابق ومقلد للغرب في تاريخ اللاحق (الغرب) المعادي للسواد"

بمعني أخر يسعى الإستشراق الأسود لتصوير الإسلام والمجتمعات المسلمة والعربية على أنهم معادون للسود عداءا سابقا على عداء العنصرية البيضاء للسود، كما يرى مناصرو هذا الاتجاه أن الإسلام والمسلمين في أمريكا – خاصة الأفارقة الأمريكيين المسلمين – هم ورثة لهذا العداء الإسلامي الدفين (المفترض من قبلهم) ضد السود، وبهذا يقطع هؤلاء الطريق على انتشار الإسلام في أمريكا بصفة عامة وفي أوساط الأفارقة الأمريكيين بصفة خاصة

وفي محاولة لتفسير أسباب نشأة وصعود الإستشراق الأسود، يشير جاكسون إلى ثلاثة أسباب، أولها ديني يرتبط بانتشار الإسلام في أمريكا والذي ينظر إليه من قبل بعض الجماعات الدينية الأفريقية الأمريكية غير المسلمة على أن مكسب للإسلام وخسارة لها

السبب الثاني ثقافي يرتبط بالصراع بين الأفارقة الأمريكيين المسلمين وغير المسلمين على إصلاح وتطوير الثقافة الأفريقية الأمريكية، وقدرة الأفارقة الأمريكيين المسلمين على إدخال مفاهيم ثقافية جديدة على الثقافة الأفريقية الأمريكية بشكل يقلق منافسيهم

السبب الثالث هو انتشار شعور في أوساط الأفارقة الأمريكيين بأن الإسلام الأمريكي لم يخاطب قضاياهم بدرجة كبيرة وذلك نتيجة لعدم توجيه المسلمين الأمريكيين – وخاصة المهاجرين منهم – لقدر كافي من الاهتمام بقضايا الأفارقة الأمريكيين، وخاصة قضايا مكافحة العنصرية وتنمية المجتمعات الأفريقية الأمريكية المحلية وعلاج مشاكلها، هذا إضافة إلى عدم تمكين الأفارقة الأمريكيين المسلمين من البروز كسلطات دينية ذات نفوذ واسع في أوساط المسلمين الأمريكيين مما زاد الشعور في أوساط الأفارقة الأمريكيين بصفة عامة بأن الإسلام الأمريكي لا يخاطب قضاياهم

وهنا يتبني شرمان جاكسون نظرة متميزة لأسباب صعود الإستشراق الأسود حيث يرى أن المسلمين أنفسهم ساهموا في صعوده بعدم تركيزهم بشكل كافي على مخاطبة قضايا الأفارقة الأمريكية، وذلك بالطبع دون أن يعفي المستشرقين الأفارقة الأمريكيين من مسئوليتهم في صعود ظاهرة "الاستشراق الأسود" الثقافية السلبية الخطيرة

كما يؤكد شرمان جاكسون على طبيعة الإستشراق الأسود السلبية وكيف أنه لا يرتبط بمشروع استعمار كالمشروع الذي ارتبط به الإستشراق الغربي التاريخي، كما يشير إلى أن الاستشراق الغربي ساعد على ظهور الاستشراق الأسود لأنه مهد أمامه البيئة الفكرية المناسبة والتي ساعدت على تصوير الإسلام والمسلمين والعرب بصورة سلبية بالمجتمع الأمريكي

ولكنه يقول أن الأفارقة الأمريكيين كانوا ينظرون تاريخيا نظرة إيجابية للمسلمين والعرب بحكم أن بلاد الشرق عانت من الاستعمار كما عاني الأفارقة الأمريكيين من العبودية، ولكن هذه النظرة الإيجابية بدأت تتراجع منذ منتصف عقد الستينات والذي شهد زيادة معدلات هجرة المسلمين والعرب إلى الولايات المتحدة، حيث بدأ بعض الأفارقة الأمريكيين في تصوير المسلمين والعرب على أنهم شركاء مع الغرب في نظام العبودية بهدف تحدي انتشار أفكار المسلمين السود في الأوساط الأفريقية الأمريكية

تعريفه ومصادره/ أنواعه

يقول شرمان جاكسون إن نقد المسلمين نقدا موضوعيا ليس عيبا أو أمرا ممنوعا، ولكن مشكلة الإستشراق تكمن في أنه "تخيل، وتحيز، وإيديولوجية" ضد الإسلام والمسلمين، إذ يتعامل الإستشراق الأسود مع الإسلام والحضارة الإسلامية تعاملا انتقائيا يهدف إلى تصوير الإسلام على أنه "خطر مساوي إن لم يكن أكبر" من العنصرية البيضاء، وذلك من خلال تقديم قراءة غير موضوعية للإسلام وللحضارة الإسلامية تدعي بأن الحضارة الإسلامية سبقت الحضارة الغربية في استعباد الأفارقة، بل أن الإسلام هو الذي قام بتصدير العنصرية ضد السود إلى الغرب

ويقسم جاكسون مصادر أو أنواع الإستشراق الأسود إلى ثلاثة فئات (قومي، وأكاديمي، وديني)

بالنسبة للإستشراق القومي، يقول جاكسون أنه يرتبط بالحركات الوطنية الأفريقية المنتشرة في أوساط الأفارقة الأمريكية وهي حركات فكرية تتسم بتمركزها حول الذات الأفريقية وبمحاولتها النظر للعالم بعيون أفريقية ونقد السود المتأثرين بالثقافة الغربية

ويقول جاكسون أن بعض كتابات هذا التيار كما تمثلها كتابات موليفي كينتي أسانتي تدعي أن الروح الأفريقية تعارض الإسلام بطبيعتها، وأن العرب هم سبب انهيار الحضارة الأفريقية، كما تدعي أن العرب سيطروا على الإسلام بشكل عنصري وأن الإسلام يتساوى مع العنصرية البيضاء

ويقول جاكسون أن الأفكار السابقة تتجاهل كون العربية هوية مفتوحة لاعتمادها على اللسان في مقابل الهوية الغربية وهي هوية مغلقة قائمة على العرق، كما أنها تتجاهل أن الخضوع للإسلام خضوع إرادي تطوعي في مقابل الخضوع للعنصرية البيضاء القسري، كما تتجاهل سيطرة أعراق غير عربية على الإسلام وعلى رأسها الأتراك، وتتجاهل حفاظ العرب على الحضارة الأفريقية كما هو الحال بمصر

النوع الثاني هو الإستشراق الأكاديمي، ويمثله كما يرى جاكسون الأكاديمي هنري لويس جايتس جونيور، كما ظهر في سلسلة الحلقات التلفزيونية التي أنتجها بعنوان "عجائب عالم إفريقيا" والتي أشرنا إلى نقد على مزروعي لها في بداية المقال

ويقول جاكسون أن جايتس يسعى في حلقاته إلى إعادة صياغة صورة إفريقيا لدى الأفارقة الأمريكيين، إذ يدعي أن العرب هدموا حضارة النوبة عند بناء جمال عبد الناصر للسد العالي، كما يهاجم جيتس الأفارقة المسلمين لأنهم لا يقدمون هويتهم الأفريقية على هويتهم المسلمة، حيث يرى جيتس أنه الواجب على الأفارقة تقديم هويتهم العرقية على هوياتهم الأخرى (كالهويات الدينية والوطنية)، وهنا يستغرب جاكسون من عدم تعرض جيتس لعلاقة الأديان الأخرى بالاستعمار والإستشراق الأبيض

النوع الثالث ديني يحاول تصوير العنصرية على أنها مشكلة مسلمة أفريقية قبل أن تكون مسلمة أو مسيحية أمريكية مدعيا أن العنصرية وجدت وسط المسلمين الأفارقة أولا، ويضرب جاكسون مثالا بكتابات ريتشارد برنت تيرنر، ويقول أن تيرنر يحاول تصوير الإسلام على أنه تهديد للعلاقة بين الأعراق في أمريكا، كما يتجاهل مشكلة العنصرية في أمريكا وينظر للإسلام على أنه هو المشكلة، وبذلك يتجاهل تيرنر – كما يرى جاكسون – دور الإسلام الإيجابي في دعم المقاومة الأفريقية للعنصرية البيضاء في أمريكا

الخاتمة

ختاما يجب التأكيد على هدف هذا المقال الرامي إلى إبراز نوع مغاير من الإستشراق يندر الحديث في الكتابات العربية، وذلك على أمل أن يمثل المقال حافزا للتعمق في دراسة الإستشراق الأسود وغيره من الظواهر والحركات الفكرية وغير الفكرية المؤثرة على صورة الإسلام والمسلمين في أمريكا، كما نود إبراز بعض الخلاصات الفكرية التي من شأنها المساعدة على تحقيق هدف المقال، وهي

ضرورة التفرقة بين الإستشراق الأسود كحركة فكرية معادية للمسلمين وجماهير الأفارقة الأمريكيين بالولايات المتحدة، وهي أقلية أمريكية تحتوي على جماعات ومنظمات عديدة مساندة لقضايا المسلمين والعرب بالولايات المتحدة، فالوعي بالإستشراق الأسود لا يعني اتخاذ موقف سلبي تجاه الأفارقة الأمريكيين والذين ينحدر منهم ثلث المسلمين في أمريكا على الأقل

علاج الإستشراق الأسود يكون بالتعمق في دراسته وفهمه وفهم دوافعه والرد عليه فكريا وأكاديميا

يرى شرمان جاكسون أن إهمال المسلمين والعرب خاصة المهاجرين منهم للولايات المتحدة لقضايا الأفارقة الأمريكيين ولكفاحهم ضد العنصرية البيضاء يعد أحد العوامل المحفزة للإستشراق الأسود بصفة خاصة وأحد العوامل المعيقة لانتشار الإسلام وسط الأفارقة الأمريكيين بصفة عامة وهي قضية هامة يجب تداركها وعلاجها

هناك حاجة – يبرزها كتاب جاكسون – إلى مراجعة التراث الفكري الإسلامي المعاصر فيما يتعلق- خاصة الأفارقة الأمريكيين – وذلك للتأكد من خلو هذا التراث من أي تركات سلبية تاريخية وأخرى حديثة قد يكون الاستعمار قد تركها على الفكر العربي والإسلامي المعاصر

------

مقالات ذات صلة

صورة الإسلام في أميركا بعد خمس سنوات على 11/9

سبل مكافحة الإسلاموفوبيا في البيئة الأمريكية

تفسير جديد لأسباب إنتشار الإسلام بين الأفارقة الأمريكيين

Monday, September 11, 2006

صورة الإسلام في أميركا بعد خمس سنوات على 11/9

مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 11 سبتمبر 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

أحد أهم الأسئلة المطروحة في الذكرى السنوية الخامسة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 هو كيف أثرت تلك الأحداث وتبعاتها خلال السنوات الخمسة الأخيرة على نظرة الأميركيين تجاه الإسلام والمسلمين

هذا إضافة إلى التساؤل حول طبيعة العوامل التي ساهمت في صياغة تلك النظرة خلال السنوات الخمس التي باتت تفصلنا عن الحدث التاريخي الهام

التحيزات الدفينة

قبل الشروع في إجابة السؤالين السابقين ينبغي أن نذكر أنفسنا بأن صورة الإسلام في أميركا هي نتاج لعوامل ثقافية وسياسية بعيدة الجذور، فعلى المستوى الثقافي تبرز دراسات علم الإستشراق أن الإسلام والمسلمين - والعالم غير الغربي عموما - يعانون كثيرا من التشويه والإجحاف في عقلية المواطن الغربي والأميركي نتيجة لتحيزات دينية وفكرية وثقافية تاريخية دفينة

وعلى المستوى السياسي عانت صورة العربي سياسيا لعقود نتيجة للصراع العربي الإسرائيلي، وعانت صورة المسلمين بأميركا سياسيا منذ وقوع الثورة الإسلامية بإيران في أواخر السبعينات على أقل تقدير، حيث رأي أميركا في الثورة الإيرانية تهديدا لمصالحها الإستراتيجية بالمنطقة تحت شعار إسلامي، هذا إضافة إلى ترشيح عدد متزايد من الأكاديميين والسياسيين الأميركيين للإسلام للعب دور العدو الدولي الجديد للولايات المتحدة بعد سقوط الإتحاد السوفيتي، وهي ترشيحات زادت وتيرتها خلال العقد الماضي، وأصبح ينظر إليها حاليا - من قبل بعض السياسيين الأميركيين - على أنها نبوءات موفقة كان ينبغي الانتباه لها بدرجة أكبر

عموما أحداث سبتمبر والسنوات الخمس الماضية أضافت للتحيزات السابقة الدفينة عدد إضافي من العوامل والمتغيرات التي تركت تأثيرا واضحا على صورة الإسلام والمسلمين بأميركا، والتي نلخصها هنا في خمسة عوامل رئيسية

الجهل كمصدر للتحيز

أولا: مختلف الاستطلاعات التي أجريت عن رأي الأميركيين تجاه الإسلام والمسلمين أوضحت أن ثلثي الأميركيين على الأقل يفتقرون للمعرفة الكافية بالإسلام والمسلمين، وأن الأميركيين الذين يعرفون الإسلام بدرجة كافية أو الذين يمتلكون أصدقاء ومعارف مسلمين يمتلكون أكثر إيجابية تجاه الإسلام والمسلمين، أكثر من ذلك أثبتت الاستطلاعات أن ارتفاع مستوى المواطن الأميركي التعليمي يؤثر إيجابيا على نظرته للإسلام والمسلمين

هذا يعني أن الجهل بصفة عامة والجهل بالإسلام بصفة خاصة يقودان إلى التحيز والعداء، فالجهل يترك المواطن الأميركي فريسة لتحيزات الإعلام ولأجندة الجماعات السياسية ذات المصالح الضيقة ولتقلبات الأحداث الدولية

معتقدات وأزمات وخصائص ديمغرافية

ثانيا: تنتشر مشاعر سلبية عن الإسلام خلال الفترة الحالية في أوساط نسبة لا يستهان بها من الأميركيين تتراوح بين 20-33% في الأوقات العادية، وترتفع إلى 25-40% في أوقات الأزمات

هذه المشاعر السلبية ترتبط بمعتقدات وخصائص ديمغرافية وظروف سياسية معينة، فعلى جانب المعتقدات ترتبط صورة الإسلام السلبية في عقلية المواطن الأميركي بأفكار نمطية معنية على رأسها الإعتقاد بأن الإسلام يحض على العنف وعلى إضطهاد المرأة وعلى كره أبناء الأديان الأخرى والحد من حقوقهم وحرياتهم

وفيما يتعلق بالعوامل الديمغرافية تنتشر الرؤى السلبية عن الإسلام بدرجة أكبر في أوساط أبناء التيار اليميني المحافظ وخاصة كبار السن منهم، ويتركز هؤلاء جغرافيا في ولايات الجنوب والوسط الأميركي وفي المناطق الزراعية والبعيدة عن المدن، في حين يميل أبناء التيار الليبرالي والشباب وسكان المدن للنظر بشكل أكثر إيجابية تجاه الإسلام

وعلى جانب الظروف السياسية هناك إرتباط واضح وقوي بين فترات الأزمات الدولية - خاصة الأزمات المتعلقة بأحداث إرهابية - وبين تردي صورة الإسلام والمسلمين لدى الشعب الأميركي، حيث تؤدى تلك الأحداث لقفزة في التغطية الإعلامية السلبية للإسلام والمسلمين، كما تزيد بوضوح من دعاوي التمييز ضد مسلمي أميركا ومن قابلية الشعب الأميركي للموافقة على تحويل تلك الدعاوى لسياسات أمنية حقيقية

وعلى الصعيد نفسه أثرت بعض سياسات الإدارة الأميركية تجاه العالم الإسلامي – كالحرب على العراق – على صورة الإسلام والمسلمين بأميركا، حيث أثبت إستطلاعات مختلفة أن مؤيدي الحرب على العراق أكثر قابلية للنظر سلبيا تجاه الإسلام والمسلمين، وقد يرتبط هذا بالطبع بالدعاية السلبية التي تصاحب الحروب وما شابهها من السياسات

جماعات سياسية متحيزة

ثالثا: صورة الإسلام في أميركا لا تتشكل في بيئة محايدة، فهناك دور واضح لبعض الجماعات الأميركية النشطة سياسيا وإعلاميا والتي تروج لأجندات سياسية وفكرية متحيزة ضد الإسلام والمسلمين، وعلى رأس تلك الجماعات ثلاثة فرق رئيسية

الفرقة الأولى تضم المحافظين الجدد، وهي فئة يصعب تحديد موقفها من الإسلام والمسلمين لسبب أساسي وهو صعوبة تحديد من ينتمون إليها على الرغم من الكتابات العديدة التي تعريفها، وبصفة عامة يمكن تقسيم هذه الفئة من حيث موقفها من الإسلام والمسلمين إلى ثلاثة تيارات أساسية، أولها تيار عام يضم غالبية أبناء هذه الفئة ويتميز بالتركيز المبالغ فيه على العالم الإسلامي والاندفاع نحو استخدام القوة لتطبيق رؤاهم بخصوص العالم الإسلامي ونحو النظر لبعض الجماعات المسلمة على أنهم عدو أميركا الأساسي، ويمكن القول أن نفوذ هذه الفئة وأفكارها أوجدا جوا من الشك والخوف غير المسبوق تجاه المسلمين، كما أنتجا سياسات ذات تبعات كارثية على صورة الإسلام وعلى رأسها حرب العراق

الفئة الثانية - وهي أقلية ضمن تلك المجموعة - ساندت مساعي الإدارة الأميركية الحالية قصيرة العمر وضعيفة الموارد لدفع قوى الديمقراطية في العالم الإسلامي، ويلاحظ أن هذه الفئة رفعت شعارات تطالب بمشاركة الجماعات الإسلامية في العملية السياسية بالعالم الإسلامي مما أوجد حالة حراك نسبي في الخطاب السائد بواشنطن تجاه ما هو إسلامي لفترة قصيرة، وهذا لا يعني أن تلك الفئة أقل تحيزا تجاه الإسلام والمسلمين، ولكن خطابها الديمقراطي إمتلك أبعادا إيجابية يجب رصدها

الفئة الثالثة تضم بعض الجماعات المتطرفة في مساندة إسرائيل وهي تربط المحافظين الجدد بقوى لوبي إسرائيل التقليدية، ويمكن الإشارة إلى منبر أبحاث الشرق الأوسط والذي يرأسه الباحث الأميركي المتشدد دانيال بايبس كنموذج لتلك الفئة، وهي فئة رافضة لفكرة نشر الديمقراطية، وتروج لأجندة شديدة التطرف مفادها ترويج أسوء الأفكار النمطية عن المسلمين في شكل إنتاج يبدو أنه فكري أو بحثي رصين، ومن تلك الأفكار إضطهاد المسلمين للمرأة وللأقليات الدينية، وحض الإسلام على العنف وكراهية الآخرين

الفرقة الثانية من الجماعات السياسية المتحيزة ضد الإسلام والمسلمين هي جماعات لوبي إسرائيل، ويلاحظ هنا أن بعض الإستطلاعات أثبتت بصفة عامة وجود إرتباط بين مساندة إسرائيل والقابلية للنظر سلبيا تجاه الإسلام والمسلمين، هذا إضافة إلى نشاط اللوبي المذكور في أوقات الأزمات – كحرب لبنان الأخيرة – لقمع أي خطاب إيجابي عن الحقوق المسلمة العربية، كما كشفت دراسات وتقارير متواترة عن جهات مختلفة أن لوبي إسرائيل ينشط بصفة مستمرة وراء الستار لتهميش وعزل مسلمي وعرب أميركا على المستوى السياسي والعام بالولايات المتحدة خوفا من أن يؤدي نفوذهم المتزايد تدريجيا لتوعية الأميركيين بحقيقة ما يجري بالشرق الأوسط ومن ثم إضعاف التأييد الشعبي الأميركي المتآكل لإسرائيل

الفرقة الرئيسية الثالثة هي الجماعات المسيحية المتدينة والتي تشكل نسبة لا يستهان بها من أصوات الحزب الجمهوري تقدر أحيانا بحولي 40%، وترتبط هذه الفئة بالتشويه الذي تتعرض له صورة الإسلام بأميركا على أكثر من مستوى، أولها أن أبناء اليمين الأميركي المحافظ أكثر قابلية للنظر سلبيا للإسلام كما أفادت مختلف الإستطلاعات، كما تشير تقارير مختلفة أن بعض الأفكار والكتابات المنتشرة على نطاق واسع في أوساط اليمين الأميركي المتدين – مثل الكتابات التي تدور حول نبوءات أخر الزمان الإنجليكية – تحتوي على تصورات تضع غالبية المسلمين والعرب في معسكر أعداء المسيح والمسيحية

ثانيا: شنت بعض قيادات اليمين الأميركي المتدين حملة على الإدارة الأميركية بسبب وصفها الإيجابي للإسلام كدين في أعقاب 11-9، ثالثا: أقدمت بعض قيادات اليمين الأميركي المتدين واسعة النفوذ مثل بات روبرتسون وجيري فالويل وفرانكلين جرام على توجيه إساءات مباشرة وقوية للإسلام كدين على أهم وسائل الإعلام الإميركية، رابعا: تلعب وسائل الإعلام اليمينية العلمانية مثل قناة فوكس نيوز والدينية مثل القنوات والإذاعات المسيحية دورا واضحا في ترويج الأفكار الناقدة للإسلام وللمسلمين

مواقف النخب السياسية الأميركية

رابعا: تتميز مواقف النخب السياسية الأميركية تجاه ما يتعرض له المسلمون والعرب من تشويه وتمييز بالتضارب على أقل تعبير، فبينما حرصت أقلية بين النخب السياسية الليبرالية على نقد ظاهرة الإسلاموفوبيا (العداء للإسلام والمسلمين) لم تقدم غالبية أعضاء النخبة السياسية الأميركية حلولا واضحة للتعامل مع تلك الظاهرة أو مع ما يتعرض له المسلمون من تمييز في الولايات المتحدة، بل تسابقت غالبية تلك النخب على تسجيل أهداف سياسية مستغلين مشاعر العداء للإسلام والمسلمين بالمجتمع الأميركي كما حدث في مواقف عديدة مثل حادثة "موانئ دبي" وخلال الحرب الإسرائيلية على لبنان

أما فيما يتعلق بموقف الإدارة الأميركية نفسها فقد حرصت في أكثر من مناسبة على الفصل بين الإسلام ومعتقدات الإرهابيين، ولكنها في نفس الوقت إستخدمت مصطلحات مثل "الإسلام الراديكالي" والإسلام الفاشي" في وصف معتقدات الإرهابيين، وهي مصطلحات غير محددة التعريف تربط بين الإسلام والإرهاب خاصة لدى المواطن الأميركي العادي الذي يفتقر للمعرفة الكافية وللقدرة على فهم المغزى المحدد لتلك المصطلحات

المبادرات المسلمة والعربية لتحسين الصورة

خامسا: فيما يتعلق بموقف المسلمين والعرب في أميركا وخارجها تجاه ما تتعرض له صورة الإسلام والمسلمين من تشويه خلال السنوات الخمسة الأخيرة، يلاحظ بوضوح غياب أي مبادرات كبرى تهدف للتعامل مع هذه الظاهرة من داخل الولايات المتحدة الأميركية نفسها

ففي الوقت الذي أنفقت فيه أميركا مئات الملايين من الدورلات لإنشاء محطات تلفزيون وإذاعات ومطبوعات وبرامج مختلفة لكسب عقول وقلوب المسلمين والعرب في ظل خطط ذات أساس علمي قوي وتوجه سياسي ضعيف ومضطرب، لم يتمكن المسلمون والعرب في أميركا وخارجها حتى الآن من القيام بمبادرات موازية من حيث الحجم أو الهدف أو المدى أو التخطيط العلمي، فمبادرات المسلمين والعرب الأميركيين محدودة بحكم محدودية إمكانياتها، ومبادرات العالم الإسلامي متفرقة بحكم إختلاف جهات تنظيمها، ومحدودة أيضا فحتى الآن لم تطلق أي دولة عربية وإسلامية خطة عامة لتحسين صورة الإسلاميين والمسلمين في أميركا من خلال خطة علاقات عامة وسياسية تطبق على مدى زمني كافي

خاتمة

الضغوط السلبية السابقة لم تمنع من ظهور مبشرات إيجابية على رأسها زيادة رغبة الأميركيين في التعرف على الإسلام والمسلمين، وإعتراف غالبية الأميركيين (الثلثين) بعدم إمتلاكهم معرفة كافية عن الإسلام، واتساع رقعة التعاطف مع المسلمين والعرب في أوساط ليبرالية أميركية دينية وعلمانية مختلفة بما في ذلك جماعات حقوقية كبرى، وأخرى معنية بحقوق الأقليات وبنشر السلام، وتشكل العوامل السابقة فرص إيجابية حقيقية هامة يمكن حصادها لو تم ذلك من خلال جهد عملي منظم يتناسب في حجمه وإمكانياته مع حجمة التحدي الذي تواجهه صورة الإسلام والمسلمين في أميركا حاليا

-----

مقالات ذات صلة

مسلمو وعرب أميركا بين تبعات 11/9 والثورة اليمينية المضادة

الخطاب المسلم الأمريكي السائد

سبل مكافحة الإسلاموفوبيا في البيئة الأمريكية

تفسير جديد لأسباب إنتشار الإسلام بين الأفارقة الأمريكيين

حاضر الهوية المسلمة الأمريكية

Friday, July 07, 2006

الخطاب المسلم الأمريكي السائد
بقلم: علاء بيومي

الناشر:
جريدة الحياة، 8 يوليو 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للنشر

نص المقال

الوقوف على الخصائص المميزة للخطاب السائد في أوساط المسلمين الأمريكيين مهمة صعبة لأسباب مختلفة على رأسها تنوع المسلمين الأمريكيين وانتشارهم عبر الولايات المتحدة والتي هي بلد أشبه بقارة منه بدولة، والندرة النسبية للدراسات الخاصة بمسلمي أمريكا، وهي ندرة ترتبط بحداثة عهد المسلمين الأمريكيين كجماعة متميزة وذات وجود واضح في الدوائر العامة الأمريكية، وهو وجود بدأ في التبلور تدريجيا منذ ستينيات القرن العشرين

هذا إضافة إلى صعوبة مهمة تحديد الخطاب السائد لدى جماعة ما لكونها مهمة نظرية تستدعي الإلمام العميق بثقافة تلك الجماعات وظروفها وبتنوعات فئات الخطاب السائد في أوساطها وفي أوساط الجماعات الفرعية المكونة لها

في المقابل هناك جسد متنامي من الدراسات التي تتناول المسلمين الأمريكيين حاليا والذين بلغ عددهم قرابة سبعة مليون نسمة وباتوا يمثلون محل اهتمام إعلامي وسياسي وشعبي أمريكي متزايد على مدى العقدين الأخيرين بشكل عام ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 على وجه الخصوص

تأتي هذه الدراسات من قبل مراكز الدراسات الإسلامية والعربية بالجامعات الأمريكية، ومن قبل الأعداد المتزايدة من الأكاديميين والكتاب المسلمين المقيمين في الولايات المتحدة، ومن قبل مراكز الأبحاث الأمريكية الخاصة والحكومية والتي باتت معنية بشكل متزايد بالوجود المسلم الأمريكي منذ 11/9 انطلاقا من أجندات فكرية وسياسية متنوعة ومتعارضة

ويستوقفنا هنا دراسة مختصرة وإن كانت متميزة صدرت مؤخرا عن معهد الولايات المتحدة للسلام تحت عنوان "تنوع المسلمين في الولايات المتحدة"، وهي من إعداد قمر الهدى وهو جامعي مسلم عمل في السابق كأستاذ للدراسات الإسلامية بكلية بوسطن الأمريكية ويعمل حاليا كباحث في برنامج الدين وصناعة السلام بمعهد الولايات المتحدة للسلام

أهمية الدراسة – وهي محور هذا المقال – تنبع من ثلاثة أسباب أولها صدورها عن معهد الولايات المتحدة للسلام وهو مؤسسة حكومية مستقلة غير حزبية أنشئها ويمولها الكونجرس الأمريكي بهدف العمل على نشر ثقافة حل الصراعات بالطرق السلمية

صدور الدراسة عن هذه الهيئة الرسمية يعطيها أهمية بحكم أنه يسمح لها بدرجة متميزة من الانتشار والمصداقية وبحكم أنها تأتي ضمن جهود المعهد للبحث عن طرق إيجابية لدمج الإسلام والمسلمين في أمريكا ضمن مساعيه لنشر ثقافة السلام واللاعنف في محيط العلاقات الإسلامية الأمريكية، وقد تبلورت هذه الجهود في مبادرة خاصة يرعاها المعهد تحت عنوان "مبادرة العالم الإسلامي" تركز على البحث عن مثل تلك الطرق الإيجابية

السبب الثاني هو كون المؤلف أكاديميا مسلما مما يبشر بوجود جيل متنامي من الأكاديميين المسلمين المتواجدين بالجامعات ومراكز الأبحاث الأمريكية والمعنيين بدراسة قضايا الإسلام والمسلمين في أمريكا وتقديمها بالشكل والأسلوب المناسبين لصناع القرار والرأي العام بالولايات المتحدة

السبب الثالث وهو الذي دفعنا لكتابة هذا المقال هو أن الدراسة كررت - عن قصد أو دون قصد - ما يعد – من وجهة نظرنا - بمثابة عناصر متكررة أو خصائص مميزة للخطاب المسلم في أمريكا أو للخطاب المسلم الأمريكي

فالدراسة حاولت تغطية أكبر عدد من الأفكار والمعلومات عن مسلمي أمريكا في مساحة صغيرة (19 صفحة من القطع الكبير)، لذا بدأ المؤلف بملخص عام يتحدث عن تعداد مسلمي أمريكا وتنامي رغبتهم في المشاركة في الحياة العامة الأمريكية والاندماج الإيجابي بالمجتمع الأمريكي، ثم تحدث عن تبعات أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 على مسلمي أمريكا وعلى الجدل الدائر في أوساطهم حول هويتهم الأمريكية، ثم خصص الجزء الأكبر من دراسته للتعريف بمؤسسات مسلمي أمريكا الرئيسية ودور كل منها ومنهجها في تشجيع اندماج المسلمين الإيجابي بالمجتمع الأمريكي

ويقسم قمر الهدى المنظمات المسلمة الأمريكية الكبرى إلى فئات مختلفة وفقا لطبيعة نشاطها، فهناك منظمات معنية بشكل أساسي بالحفاظ على الهوية الدينية والثقافية لمسلمي أمريكا، وفئة ثانية تضم المنظمات المعنية بالحياة العامة والسياسية، وفئات أخرى تضم منظمات نسوية ومهنية أو غيرها من الفئات التي تعبر عن اهتمامات سبعة مليون مسلم أمريكي

وفي خاتمة الدراسة يؤكد المؤلف على حقيقتين أساسيتين أولهما إجماع المنظمات المسلمة الأمريكية الكبرى على إدانة الإرهاب والتطرف وعلى ضرورة السعي لمكافحتهما، وثانيهما سعي تلك المنظمات لتشجيع مشاركة المسلمين الأمريكيين في الحياة العامة الأمريكية على مختلفة المستويات – سواء كانت دينية أو ثقافية أو مهنية أو سياسية – كخير ضمانة لبناء قنوات إيجابية يعبر من خلالها مسلمو أمريكا عن احتياجاتهم ومخاوفهم ومطالبهم ويحققون الاندماج الإيجابي - الذي ينشدونه - في المجتمع الأمريكي

وبدون الإسهاب في تفاصيل الدراسة، رأينا أن نقدم – في بقية هذا المقال - قراءة في أسلوب الدراسة في التعامل مع المسلمين الأمريكيين والذي نعتقد – كما ذكرنا من قبل – أنه يلخص عدد من أهم خصائص الخطاب المسلم الأمريكي والتي نلخصها هنا في ثلاثة خصائص أساسية

الخاصية الأولي هي أن الخطاب المسلم الأمريكي هو خطاب مؤسسات بالأساس، وهذا لا يهمل دور عدد متنامي من الأكاديميين والمفكرين والنشطاء المسلمين، ولكنه يبرز الدور المحوري للمنظمات المسلمة الأمريكية الكبرى، وهي محورية تعود لعدة أسباب مميزة للخبرة المسلمة الأمريكية

على رأس هذه الأسباب طبيعة المجتمع الأمريكي ذاته كمجتمع عملاق يتمتع بحرية سياسية كبيرة وبقوانين تحد من تدخل الدولة في حياة المجتمع وخاصة في حياة الأقليات الدينية، وقد أدى الحد من دور الدولة إلى تقوية المجتمع بسبب الحرية وبسبب حرمان المجتمع النسبي – ضمن النظام الرأسمالي – وحرمان المنظمات الدينية شبة الكامل – ضمن النظام العلماني - من المساعدات الحكومية، لذا اضطرت المؤسسات الدينية - وهي عصب الأقلية المسلمة الأمريكية - إلى الاعتماد على الذات في توفير مواردها، وذلك عن طريق القرب من الجماهير والسعي لتلبية طلباتها وحصد مساندتها ودعمها

هذه الخاصية الهامة فرضت على المنظمات المسلمة الأمريكية عدم النخبوية ودفعتها إلى القرب بأكبر قدر ممكن من الجماهير والتعبير عنها بمصداقية عنها، كما أنها أشعرت الجماهير المسلمة الأمريكية بأن منظماتهم تمثلهم وتعبر عن حاجاتهم وطموحاتهم

أما عملقة المجتمع الأمريكي فقد دفعت مختلف الجماعات الأمريكي سواء دينية أو علمانية أو إثنية أو غير ذلك لمحاولة تعظيم مصالحها من خلال تنظيم أنفسها في شبكة معقدة ومتشابكة من المؤسسات

لذا سعى المسلمون الأمريكيون منذ بداية مرحلة استيطانهم بأمريكا في ستينات القرن العشرين في بناء أكبر عدد من المؤسسات الدينية والثقافية التي تمثلهم، والتي قد يصل عددها الآن إلى أكثر من 2500 مؤسسة غالبيتها مؤسسات دينية وتعليمية وثقافية إضافة إلى أقلية من المنظمات السياسية والمعنية بالحياة العامة الأمريكية

وبمرور الوقت نمى على السطح شبكة صغيرة من المنظمات المسلمة الأمريكية المعنية بالشئون العامة التي باتت تسعى لتمثيل الصوت المسلم الأمريكي خاصة على الصعيد السياسي والإعلامي عبر الولايات المتحدة، وأصبحت هذه المنظمات وأنشطتها وخطابها بابا هاما لفهم الخطاب المسلم الأمريكي والوقوف عليه

كما ساعد نمو المنظمات السياسية بدوره على زيارة رغبة المسلمين الأمريكيين في بناء مزيد منها، لأن احتكاك المسلمين بالحياة السياسية والعامة الأمريكية كشف لهم مدي حاجتهم لمنظمات قوية تمثلهم في المجتمع الأمريكي المليء بجماعات المصالح واللوبيات العملاقة

الخاصية الثانية وهي وجود إجماع شبه كامل في أوساط المسلمين الأمريكيين على ضرورة المشاركة في الحياة السياسية والعامة بالولايات المتحدة والاندماج بالمجتمع الأمريكي، هذا الإجماع تحقق لأسباب مختلفة من بينها دور المنظمات المسلمة الأمريكية وقدرتها على فتح قنوات تواصل مع مؤسسات الدول والمجتمع الأمريكي الرئيسية

فتح هذه القنوات أعطى الجماهير المسلمة الأمريكية شعورا تدريجيا بالأمل وبوجود فرصة للتأثير من خلال أدوات العمل العام المتاحة، وهي قناعة تمثل خطوة محورية على طريق الشعور بالاندماج، لذا تشير أحدث الاستطلاعات الخاصة بتوجهات المسلمين الأمريكيين نحو المشاركة في الحياة العامة الأمريكية – ومن بينها استطلاع أجراه مشروع المسلمين في الساحات العامة الأمريكية التابع لجامعة جورج تاون – إلى أن معدلات الرغبة في المشاركة في مسلمي أمريكا تفوق حاجز التسعين في المائة، وهي بدون شك نسبة مرتفعة تبرهن على وجود الإجماع الذي تحدثنا عنه سابقا

سبب أخر يتعلق بطبيعة مسلمي أمريكا كأقلية تضم نخبة من أصحاب الخبرات القادمين من العالم الإسلامي بحكم قوانين الهجرة الأمريكية التي شجعت هجرة آلاف الطلاب والخبراء المسلمين سنويا لسد حاجات سوق العمل الأمريكي للخبراء المتخصصين، وبمرور الوقت استوطن آلاف المهاجرين المسلمين أمريكا وباتت وطننا لهم، وباتوا بخلفياتهم التعليمية والمهنية العالية أقلية متميزة راغبة في الانفتاح على المجتمع الأمريكي بحكم انفتاح المسلمين الأمريكيين اليومي كأفراد على أرقى مؤسسات المجتمع الأمريكي التعليمية والاقتصادية، ويمكن هنا الإشارة إلى أن متوسط المستوي التعليمي بين المسلمين الأمريكيين يفوق متوسط المستوى التعليمي العام داخل المجتمع الأمريكي

كما يلاحظ هنا أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتبعاتها القاسية لم تضعف هذا الإجماع، بل يمكن القول أنها قوته، ولكنها مع الأسف قوت – في الوقت ذاته - من نفوذ أقليات أمريكية متحيزة ضد مشاركة المسلمين والعرب النشطة في الحياة السياسية والعامة الأمريكية، ويجب هنا الإشارة إلى أن جهود هذه الجماعات السلبية لن تضر بعجلة اندماج المسلمين الأمريكيين وحدهم فضررها الأكبر سوف يعود على المجتمع الأمريكي ذاته والذي سيخسر تدريجيا إسهامات العديد من المستوطنين المسلمين الأمريكيين وغيرهم من الأقليات الأمريكية التي تعاني من موجات العداء للهجرة والمهاجرين المتزايدة بأمريكا خلال الفترة الراهنة

الخاصية الثالثة والأخيرة ترتبط بالتعددية داخل المجتمع المسلم الأمريكي ذاته، حيث يلاحظ أن التنوع العرقي والإثني واللغوي والمذهبي يمثل أحد أهم خصائص المسلمين الأمريكيين، وهو تنوع يتطلب خطابا يعكسه ويضع حلولا له، ويمكن القول أن المنظمات المسلمة الأمريكية الكبرى باتت حريصة على أن تتبنى هذا التنوع كخطاب وكسياسية داخل بنيتها الداخلية وممثليها، كما باتت القدرة على التعامل مع التنوع تمثل شرطا ضروريا لنجاح المنظمات المسلمة الأمريكية

ويقول البعض أن سعة القارة الأمريكية ساعدت الأمريكيين تاريخيا على التعامل مع التعددية والتنوع، فأمريكا بل واسع مترامي الأطراف ومن لا يعجبه العيش في مدينة ما يمكنه أن يرحل إلى أي مدينة أمريكية أخرى والمدن الأمريكية عديدة، وقد لا يمتلك المسلمون الأمريكيون – وخاصة المهاجرون الجدد منهم – مثل هذه الرفاهية، كما أن الضغوط السياسية والإعلامية التي يخضعون لها قد تزيد من انقساماتهم الداخلية بحكم أن بعض هذه الضغوط تسعى بشكل واضح لفرض رؤى معينة على المسلمين الأمريكيين وتقوية الجماعات المساندة لتلك الرؤى

لكن الضغوط الخارجية لا يجب أن تمنعنا من إدراك أن التعامل مع التنوع هو واجب مفروض على المسلمين الأمريكيين من الداخل قبل الخارج، وأن أفضل سبل التعامل مع هذا التنوع هو تطوير أفكار مسلمة أمريكية جديدة تشرح للمسلمين كيف يتعاملون مع الأخر داخل المجتمع المسلم الأمريكي وخارجه

وفي الخاتمة يمكن القول أن الخطاب السائد في أوساط مسلمي أمريكا حريص على التعبير عن احترامه للتعددية والتنوع والتسامح والحرية كقيم أساسية للمسلمين الأمريكيين، وهي قيم يجب دعمها بتطوير مزيد من الأفكار وبناء مزيد من المنظمات المعنية بحماية هذه القيم ونشرها في أوساط مسلمي أمريكا بصفة عامة وفي المحيط الأمريكي العام بشكل عام خاصة خلال الفترة الراهنة التي تشتد فيها الحاجة لنشر وإعلاء تلك القيم

-----

مقالات ذات صلة

سبل مكافحة الإسلاموفوبيا في البيئة الأمريكية

الإسلام والأمريكي الأسود: نظرة تجاه الإحياء الثالث

مسلمو أمريكا بعد أربع سنوات على 11/9

المسلمون والتعددية الأمريكية منذ 11 سبتمبر

حاضر الهوية المسلمة الأمريكية