Showing posts with label أقليات مسلمة. Show all posts
Showing posts with label أقليات مسلمة. Show all posts

Thursday, August 19, 2010

مسجد نيويورك والموجة الجديدة للعداء للإسلام في أميركا

مقال بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره

www.alaabayoumi.com

نص المقال

في اعتقادي أن قضية مسجد نيويورك وما يثار حولها من جدل في الآونة الأخيرة هي مؤشر على موجة جديدة وخطيرة من موجات العداء للإسلام – أو الإسلاموفوبيا – في أميركا، موجة ظن المتابعون - قبل سنوات قليلة - أنها بعيدة عن شواطئ القارة الأميركية

الظاهرة التي أتحدث عنها هي صعود اليمين الراديكالي الجديد في الولايات المتحدة - والذي بات واضحا خلال العامين الأخيرين – مما هوى بحركة العداء للإسلام في أميركا حاليا إلى مستويات غير مسبوقة تثير القلق

فمن كان يتصور قبل عامين أو ثلاثة أن تشهد المدن الأميركية مظاهرات تعج بالمتظاهرين المطالبين بوقف بناء مسجد وترفع شعارات تهاجم الإسلام ذاته وتطالب بخروجه من أميركا تحت أعين الإعلام الأميركي، بل ويخرج سياسيون كبار لدعم تلك المظاهرات ومطالبها ونشرها في ولايات مختلفة

وذلك حتى باتت قضية مسجد نيويورك – والذي يسعى بعض المسلمين الأميركيين لتأسيسه بالقرب من موقع أحداث 11-9 – قضية سياسية وطنية أميركية بامتياز استدعت تدخل الرئيس الأميركي، والذي دعم حق المسلمين الأميركيين في البناء المسجد، مما عرضه لهجوم واسع من الجمهوريين وعلى أعلى مستوي، قبل أن يتراجع باراك أوباما في اليوم التالي عن تصريحاته نسبيا، ويعلن انتقاده لفكرة بناء المسجد ذاتها كفكرة "غير حكيمة"

أكثر من ذلك باتت قضية مسجد نيويورك قضية انتخابية بامتياز حيث أعلن سياسيون جمهوريون في ولايات مختلفة عن معارضتهم لبناء مسجد نيويورك، مع أن قضية المسجد كان من المفترض أن تكون قضية محلية خاصة بولاية نيويورك ذاتها، ولا تمت بصلة لسياسي مرشح في ولاية جنوبية

كما أن مؤسس المسجد – الإمام فيصل عبد الرؤوف – سبق وإن احتفلت به وسائل الإعلام الأميركية لسنوات وقدمته على أنه مسلم "معتدل"، نظر لتوجهاته "الصوفية"، في مقابل التوجهات الإخوانية والسلفية وبعض التوجهات الإسلامية الحركية الأخرى التي عادة ما ينتقدها الإعلام الأميركي باعتبارها توجهات "متشددة"

كما بدأنا أيضا نسمع عن حملات إعلانية تحرض على "ترك الإسلام" وعن كنيسة أميركية تريد "حرق القرآن" في ذكرى 11-9، وعن تنامي متزايد لمنظمات معادية لوجود الإسلام في أميركا بشكل أساسي، وذلك على غرار منظمتي "أوقفوا أسلمة أميركا" و"ترحك من أجل أميركا"، وعن صلات تنظيمية تربط سياسيين أوربيين متطرفين – ينتمون لليمين الأوربي الراديكالي الجديد – كالسياسي الهولندي جريت ويلدرز - والمنظمات الأميركية سابقة الذكر

أكثر من ذلك خرج سياسيون أمريكيين كبار على غرار نوت جينجريتش – قائد ثورة الجمهوريين في عام 1994 والطامح للتنافس على مقعد الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة (2012) - وسارة بيلين – نائبة جون ماكين في انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة (2008) – لتأجيج الجدل الدائر حول مسجد نيويورك على الرغم مما ينطوي عليه من إساءة للإسلام

تطور حركة العداء للإسلام في أميركا

من يعتقدون أن التطورات الأخيرة عادية أو غير جديدة، وأن أنها مجرد ردة فعل لبناء مسجد بالقرب من موقع 11-9، أو أنها مجرد سوء فهم للإسلام والمسلمين، عليهم أن يعودوا بالذاكرة إلى الوراء بعض السنوات أو تحديدا لقبل أحداث 11-9

فمن خلال متابعتنا لظاهرة العداء للإسلام في أميركا على مدى أكثر من عقد، نعتقد أن تلك الظاهرة تنمو بمعدلات سريعة ومفاجئة – وربما صادمة

معدلات كان يصعب التنبؤ به في الماضي، مما يجعلنا نشعر بقلق جديد تجاه المستقبل

فقبل 11-9 لم تكن هناك "حركة" معادية للإسلام، ولم تكن هناك "إسلاموفوبيا"، فمستوى العداء للإسلام في تلك الفترة كان يدور حول مفاهيم وظواهر مختلفة تماما

كان الحديث في أوساط المنظمات المسلمة الأميركية المعنية والإعلام والأكاديميين عن بعض "الخبراء المتشددين" المعنيين بقضايا "الإرهاب" على غرار ستيفين إمرسون ودانيال بايبس والمرتبطين بأجندات خارجية واضحة، هذا بالإضافة إلى الحديث عن "صدام الحضارات" و"الخطر الأخضر" و"اندماج المسلمين الأميركيين" وربما "الإستشراق"

كان الأمر مختلفا تماما، ففي عقد التسعينيات كانت أميركا في زهو انتصارها في الحرب الباردة والقطبية الأحادية وثورة التكنولوجيا، كانت أميركا قوية لا تخشى أحدا

وعندما وقعت أحداث الهجوم على برج التجارة العالمي في 1993 وأوكلاهوما في 1995، توجه البعض للهجوم على الإسلام والمسلمين، وعكف البعض كإمرسون وبايبس على مهاجمة مسلمي أميركا ومنظماتهم ومحاولة ربطهم بقضايا السياسة الخارجية الأميركية كصراع الشرق الأوسط

ولكن ظل الجو العام هادئا و"تحت السيطرة"، وظل الإسلام والمسلمون في أميركا ظاهرة هادئة بعيدة عن دائرة الضوء، ظاهرة يقترب منها الخطاب السياسي الأميركي العام ببطء وتأني

فبعض المنظمات الحكومية والمدنية فتحت أبوابها أمام المسلمين وبعضها أغلقتها، لكن لم تكن قضية "وجود الإسلام والمسلمين في أميركا" قضية رأي عام أميركي، فوجودها الرئيسي كان بدوائر محدودة مهتمة ومدفوعة بأجندة خاصة سلبية أو إيجابية

قضية رأي عام

بعد 11-9 تغيرت الأمور كثيرا فقد تحولت قضية "العلاقة بين الإسلام وأميركا" إلى قضية "رأي عام أميركية" باقتدار

كما تبلور في الجدل الواسع الذي دائر بعد 11-9 تحت عنوان "لماذا يكرهوننا؟"، فهجمات 11-9 - والتي مثلت الهجوم الأكبر على الأراضي الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية - دفعت الأميركيين إلى التساؤل عن أسبابه

وبالطبع لم يكن المسلمون داخل أميركا أو خارجها مستعدين أو حتى مؤهلين بشكل كافي للارتقاء إلى مستوى الحدث أو للإجابة على هذا السؤال إجابة صحيحة وواسعة وحاسمة داخل أميركا وبلغة يفهمها الأميركيون

وحتى الآن يمكن القول أن المسلمين لم يجيبوا على السؤال السابق، فكل ما نشاهده هي محاولات محدودة – حتى لو كانت كبيرة نسبيا – لتوعية الأميركيين بموقف الإسلام والمسلمين من أحدث 11-9

بمعنى أخر فتحت أحداث 11-9 الباب على مصراعيه لكل من لديه أجندة معادية للإسلام والمسلمين لكي يروجها مستغلا جهل الأميركيين بالإسلام، وتهور قادتهم السياسيين (كما ظهر في حربي أفغانستان والعراق)، وضعف قدرة المسلمين على الرد والتعامل مع الرأي العام الأميركي

إرهاصات الإسلاموفوبيا الأميركية

في ذلك الوقت بدأت إرهاصات ظاهرة العداء للإسلام والمسلمين في الظهور، وبدأت البيئة الأميركية تتشكل لاستقبال تلك الظاهرة ورعايتها

على المستوى السياسي شنت الإدارة الأميركية حربين خارجيتين على أفغانستان والعراق مما ضمن استمرار المواجهة الدامية بين أميركا ودول عربية ومسلمة لسنوات مقبلة

كما شن بوش ووزيره عدله جون أشكروفت سلسلة حملات للتضييق على منظمات إغاثة مسلمة أميركية وبعض منظمات المسلمين الأميركيين، مما أسس لظاهرة "الخوف من الإسلام الداخلي" أو "الطابور الخامس" كما يحلو للبعض تسميتها

على المستوى الأكاديمي نشر برنارد لويس مقاله "لماذا يكرهوننا" ليؤسس لموجة أبحاث أكاديمية تنشر فكرة أن الخلاف بين أميركا والعالم الإسلامي قيمي ذا جذور بعيد وراسخة

كما انتعشت صناعة "خبراء الإرهاب" وباتت كتابات إمرسون وبايبس وغيرهم تدرس وتنشر على أوسع نطاق، وبالطبع تم ذلك برعاية المحافظين الجدد وبعض قيادات المسيحيين الصهاينة المقربين لبوش

مرحلة الإسلام الفاشي

في مرحلة تالية بدأت تحالف نخبوي يتشكل في واشنطن ويساهم في نشر ثقافة الخوف من الإسلام على أوسع نطاق دون أن يروج لها علانية ودون أن يتحول إلى حركة سياسية واضحة المعالم في الشارع الأميركي

هذا التحالف تكون من بعض كتاب المحافظين الجدد المشغولين بتبرير الحروب القائمة والمزيد منها، والمسيحيين الصهاينة المنتقدين للإسلام والداعين لسياسة أكثر تشددا في الشرق الأوسط، وخبراء الإرهاب الذي توغلوا وتوغلت كتاباتهم في المؤسسات الأمنية والسياسية الأميركية، وبعض قادة الحزب الجمهوري المنتمين للجناح الأكثر يمينية من الحزب

لذا طلت بعض التصريحات المسيئة للإسلام في خطابات الإدارة الأميركية مثل مصطلح "الإسلام الفاشي" و"الإسلام الراديكالي"

وكان ذلك إذانا بتوغل أفكار قطاع متشدد من "خبراء الإرهاب" و"المحافظين الجدد" والباحثين اليمنيين في الخطاب الرسمي للدولة

الجدل حول إسلام أوباما

يمكن القول أن أخطاء الإدارة الأميركية في العراق وداخل أميركا والتي صعدت على السطح بقوة - خلال الفترة من 2005 وحتى 2007 - غطت على خطاب الفريق السابق خلال الفترة ذاتها، حيث تراجعت الإدارة الأميركية للدفاع عن نفسها وتراجع معها أصوات اليمين الأميركي الأكثر راديكالية

ولكن خلال حملة انتخابات 2008 صعدت ظاهرة العداء للإسلام بقوة وتحولت لأول مرة لقضية رأي عام أميركي، وذلك من خلال الهجوم على جذور أوباما الإسلامية بسبب أبوه المسلم ونشأته في بلد مسلم (إندونيسيا)

حيث جعل تحالف الإسلاموفوبيا من خلفية أوباما الإسلامية هدفا لحملاته، والتي تعرضت للإسلام وجعلت منه "تهمة" تتطلب التنصل منها، كما تمكنت ظاهرة الإسلاموفوبيا ومفاهيمها من الدخول في الخطاب السياسي الأميركي على أعلى مستوى دون اعتذار أو تخفي

وبهذا أصبحنا أمام أزمة حقيقية جديدة تتمثل في تراجع ما يسميه الأميركيون بظاهرة "المقبول سياسيا"، وهي ظاهرة تحدد ما هو مقبول أو غير مقبول على مستوى الخطاب السياسي الأميركي

فنقد الإسلام بعد 11-9 كان يمثل ظاهرة "غير مقبولة" سياسيا لأنها تعرض صاحبها لنقد شديد من قبل السياسيين والإعلام ومنظمات المجتمع المدني في أميركا

لذا عندما اعترض أحد القساوسة المقربين لبوش على وصفه الإسلام بأنه "دين سلام" بعد 11-9، كان من السهل انتقاد القس وتصريحاته لأنه الخطاب السياسي الأميركي في تلك الفترة كان يرى أن وصف الإسلام وهو دين بهذه الطريقة هو "أمر غير مقبول سياسيا"

ويجب هنا الإشارة إلى أن تشكيل ما هو "مقبول" أو "غير مقبول" في الخطاب السياسي في دولة كبيرة كأميركا هو أمر في غاية الصعوبة يتطلب سنوات وربما عقود من العمل السياسي والإعلامي المنظم وعلى كافة المستويات

فالتغير في الخطاب السياسي الأميركي تجاه الأفارقة الأميركيين – على سبيل المثال – احتاج لقرون لكي تحسن

اليمين الراديكالي الجديد

كان من المفترض أن يساهم فوز أوباما بالرئاسة الأميركية في تراجع ظاهرة الإسلاموفوبيا داخل أميركا بسبب تصريحات أوباما الإيجابية في حق الإسلام كدين وفي حق الشعوب الإسلامية

ولكن يبدو أن خطاب الإسلاموفوبيا ونخبه والقوى السياسية الداعمة له وجدت حليفا جديدا دفع بالإسلاموفوبيا إلى أفاق بعيدة أو هوة ساحقة كان يصعب تخليها من قبل

فقد حظرت منظمات حقوقية مختلفة من صعود جماعات "كراهية تعد أكثر تطرفا من يمين الحزب الجمهوري

الجماعات السابقة تضاعفت خلال العقد الأخير وانتشرت بقوة في العامين الأخيرين بسبب الأزمة الاقتصادية الطاحنة بأميركا ومعدلات البطالة المرتفعة (حوالي 10%)، وهزائم أميركا في حروبها الخارجية، وتصاعد المنافسة الدولية لأميركا من الصين، وتراجع المكانة الأميركية في العام بشكل عام، وهي عوامل انعكست على ثقة الأميركيين في أنفسهم

ويبدو أن الأزمات السابقة أخلت بتوازن أميركا والمواطن الأميركي، لذا وقع بعضهم فريسة "لجماعات الكراهية" والتي تتشابه كثيرا مع ما "جماعات اليمين الراديكالي الأوربية"

الجماعات الأوربية انتشرت بوضوح في أوربا في أوائل العقد الحالي، وهي أحزاب تمثل امتداد للأحزاب العنصرية والفاشية والنازية الأوربية التي انتشرت في فترة ما بين الحربين العالميتين

الجماعات الأوربية الجديدة تبنت شعارات يمينية وطنية متطرفة معادية للأجانب، ولكنها رفعت في نفس الوقت شعارات الديمقراطية وحرية الرأي وحقها في تمثيل نفسها

بمعني أخر طالبت أحزاب اليمين الراديكالي الأوربي الجديد بحقها في النزول إلى الشارع وتمثيل أنفسها والعمل على السطح وخوض الانتخابات وفقا لمبادئ الديمقراطية

فلم ترفض الأحزاب الجديدة الديمقراطية أو تحاول الانقلاب عليها بل طالبت الديمقراطية الأوربية بأن تضمن لها حقها في العمل على السطح وتنظيم المظاهرات وتعبئة الناخبين لأجنداتها المتطرفة

أميركا ليست كفرنسا

الأميركيون كانوا ينظرون إلى تلك الجماعات على أنها بعيدة عن شواطئ أميركا، لذا عندما فرضت فرنسا قوانين تحد من حق مسلمات فرنسا في ارتداء الحجاب في المدارس العامة في عام 2004 كان رد الفعل الأميركي الرسمي والعام بالتندر والسخرية

بل عقد الأميركيون مئات المقارنات في وسائل الإعلام، وأرسلوا مسلمون أميركيون إلى أوربا ليشرحوا لمسلمي أوربا والعالم كيف أن أميركا لا تقبل بهذا التمييز ولا تعرف علمانية كعلمانية فرنسا ولا جماعات معادية للأجانب والمسلمين مثل فرنسا وبعض دول أوربا

الأميركيون كانوا يرون أن علمانيتهم ليست معادية للدين، وأن الحقوق والحريات المدنية والدينية مكفولة بالدستور، وأن البيئة الأميركية لا ترحب بالأحزاب اليمينية الراديكالية، وأن النظام الحزبي الأميركي لا يعرف سوى حزبين رئيسيين هما الحزب الجمهوري والديمقراطي، وأن إمكانية ظهور أحزاب يمينية راديكالية صغيرة على غرار ما يحدث في أوربا هو أمر مستبعد إن لم يكن من رابع المستحيلات

في المقابل رأي البعض أن ظروف الحزب الجمهوري الأميركي باتت متشددة بشكل يثير للقلق، وأن صعود الحزب الجمهوري خلال العقود الثلاثة الأخيرة جاء على حساب تنازله عن الوسطية والتحرك نحو مزيد من اليمينية والشعوبية والعداء للدولة

حفلات الشاي الأميركية

خلال عام 2009 عرفت أميركا ظاهرة ما عرف بحركة "حفلة الشاي" الأميركية، وهي حركة يمينية تقع سياسيا على يمين الحزب الجمهوري بسبب أفكارها الراديكالية والتي تكاد ترفض الحكومة وسياسياتها بشكل كامل

وهي حركة جماهيرية عرفت من خلال مظاهراتها وخلال قربها من سياسيين يمينيين - مثل سارة بالين - ومن خلال رفضها لمختلف سياسات الرئيس أوباما، وقد رأى البعض أن الحركة باتت تثمل الامتداد الراديكالي الأكثر شهرة لليمين الأميركي

ما نراه حاليا، هو أن جماعات "كحفلات الشاي" الأميركي والتي تلعب دوارا متزايدا في أوساط اليمين الأميركي وفي أزمة مسجد نيويورك، وأن بعض الجماعات المعادية للإسلام مثل "أوقفوا أسلمة أميركا" و"الحملات الإعلانية المسيئة للإسلام، هي جميعها مظاهر لدور اليمين الأميركي الراديكالي الجديد والذي كان يخشى من ظهوره في أميركا

ظهور تلك الحركات يعني أن ظاهرة الإسلاموفوبيا تحولت إلى "حركة جماهيرية" لها وجود على الساحة السياسة الأميركية، وتخطت حواجز ظاهرة "المقبول سياسيا" والتي تحطمت خلال حملة انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة

هذا يعني أن ظاهرة الإسلاموفوبيا أو "العداء للإسلام" تطورت خلال السنوات التسعة الأخيرة بسرعة كبيرة، حيث تحولت من كتابات وتصريحات إعلامية يطلقها بعض "خبراء الإرهاب المتشددين" قبل 11-9، إلى بعض المصطلحات في خطاب الإدارة الأميركية وكتابات الأكاديميين بعد 11-9، ثم إلى قضية سياسية في حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، ثم إلى حركة سياسة جماهيرية في الوقت الراهن

نظرة قلقة نحو المستقبل

تبلور الإسلاموفوبيا بهذا الشكل وفي فترة وجيزة نسبيا – لا تتعدى 9 سنوات - يعني أننا أمام "حيوان سياسي" ينمو بسرعة مقلقة، وإننا قد نشاهد قريبا تطورات أخرى أكثر خطورة لظاهرة الإسلاموفوبيا في أميركا

فدخول مرشحي اليمين الراديكالي للمؤسسات السياسية الأميركية الكبرى مثل الكونجرس وربما البيت الأبيض قد يساعد على تحول أفكارهم إلى سياسات معادية للإسلام والمسلمين في أميركا وخارجها عن طريق سن قوانين وتشريعات معادية للأقلية المسلمة الأميركية أو للمهاجرين المسلمين إلى الولايات المتحدة، ناهيك عن تبعاتها على السياسة الخارجية الأميركية

وهنا يشير البعض أن موجة التشريعات السلبية الخاصة بالمهاجرين غير الشرعيين في ولايات مثل أريزونا قد لا تكون سوى مقدمة لحركات جديدة تستهدف الأجانب والمهاجرين، حملات بدأت بالأميركيين من أصل لاتيني وقد تضم المسلمين والمهاجرين من بلدان مسلمة في وقت قريب

كما نخشى أن تستفحل الظاهرة خلال حملة الانتخابات الأميركية المقبلة في نهاية العام الحالي، بأن تتحول ظاهرة بناء المساجد – على سبيل المثال – أو أي مظهر إسلامي أخر – إلى قضية سياسية يتنافس عليها المرشحون

وبهذا قد نسمع قريبا عن مرشح مع بناء مسجد وأخر ضده، أو عن مرشح مع بناء مدرسة إسلامية وأخر ضده، أو مرشح يسئ للإسلام وأخر ضده

نمو الإسلاموفوبيا بهذه السرعة يستدعي التدخل بكافة الوسائل لمواجهتها، وربما يكون أضعف الإيمان حاليا هو دراسة تلك الظاهرة وجذورها وعلاقاتها البينية

فنحن نعتقد أن دراسة العلاقات التي تربط بين الفاعلين الرئيسين في ظاهرة العداء للإسلام سوف يساعدنا على الأقل في فهم كيفية نمو هذه الجماعات بسرعة، وكيف تدعم بعضها بعضا، وكيف تتعاون مع نظيرتها الأوربية

أما العمل على الأرض الأميركية لمواجهة تلك الظاهرة فسوف يحتاج لمؤسسات وجهد منظم وأموال طائلة نخشى من عدم توافرها بسهولة مما قد ينذر بمستقبل أكثر تشاؤما

Thursday, October 29, 2009

مسلمو أميركا والصراع مع لوبيات واشنطن الاستئصالية
بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره
www.alaabayoumi.com

نص المقال

الحملة التي شنها بعض أعضاء الكونجرس اليمينيين في أوائل الشهر الحالي على مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) بتهمة أن المجلس يعمل على "زرع" متدربين مسلمين في لجان ومكاتب أعضاء الكونجرس "للتجسس عليهم" تستحق وقفة جادة من الجميع

الحملة تأتي بعد عشرين عاما تقريبا من جهود المسلمين الأميركيين لتنظيم أنفسهم على الصعيد السياسي والإعلامي عبر أميركا وخاصة في العاصمة واشنطن مركز القرار الأميركي السياسي والإعلامي

حيث تشير الدراسات المختلفة المتعلقة بتطور المسلمين الأميركيين السياسي أن أقلية نشطة سياسيا منهم رأت في نهاية الثمانينيات أن الوقت بات مناسبا لتفعيل جهود مسلمي أميركا على المستوى السياسي بعدما أنفقوا عقودا في أميركا في بناء مؤسساتهم الدينية والثقافية كالمساجد والمدارس الإسلامية والجمعيات الخيرية

لذا توجهت أقلية طموحة منهم إلى السياسة وقاموا ببناء عدة منظمات برز منها المجلس الإسلامي الأميركي ومجلس العلاقات الإسلامية الأميركية ومجلس الشئون العامة الإسلامية والاتحاد الإسلامي الأميركي والجمعية الإسلامية الأميركية

تبنت هذه المنظمات في غالبيتها أساليب العمل السياسي والإعلامي المعروفة في واشنطن والتي يتبعها الجميع والتي تقوم على تنظيم وتوحيد جهود المسلمين السياسية والإعلامية من الأسفل إلى أعلى - أي من المدن والقرى الأميركية وصولا إلى واشنطن

وبالطبع بعد أحدث 11/9 زادت الضغوط على مسلمي أميركا بشكل عام وعلى منظماتهم النشطة سياسيا بوجه خاص، وتم وضعهم جميعا تحت مجهر كبير، وتم استهداف منظماتهم المختلفة وعلى رأسها المنظمات الإغاثة ذات العلاقة المباشر مع دول العالم الإسلامي

وبالفعل أغلقت عدد من أكبر منظماتهم الإغاثة وقلت التبرعات بسبب الخوف وزادت حالات التمييز بشكل يفوق قدرات الأقلية المسلمة الأميركية ومنظماتها الحقوقية الناشئة وتعالت الحملة الإعلامية والسياسية ضدهم خاصة مع سيطرة تحالف المحافظين الجدد والمسيحيين الصهاينة واليمينيين المتشددين على مراكز هامة بدوائر صنع القرار السياسي والإعلامي بواشنطن خلال سنوات حكم جورج دبليو بوش

ولا نقول هنا أن مسلمي أميركا مثاليون منزهون عن الخطأ، فمنظمات مسلمي أميركا ظلت وسوف تظل لفترة منظمات جيل مؤسس، بناها مسلمون مهاجرون وأفارقة وبيض أسلموا، وهم جميعا طليعة أجيال المسلمين الأميركيين الأولى في أميركا، وبالطبع يعاني هؤلاء بشكل عام من جميع عيوب الأجيال المؤسسة في أي مجتمع، وعلى رأس تلك العيوب قلة الخبرة التنظيمية والسياسية، فالأجيال المؤسسة تأتي غالبا من المجتمع المدني ولا تأتي من منظمات السياسة والإعلام والحكم بواشنطن كحال قيادات اللوبيات الأميركية الأكثر رسوخا وتأثيرا

عموما المنظمات المسلمة الأميركية كانت تعمل على نشر أفكارها في أوساط الشباب وعلى البحث عن قيادات أصغر بينهم وعلى توطين مؤسساتها ورسالتها

كانت تبحث أيضا عن بناء جسور أفضل بين أميركا والعالم الإسلامي وعلى نشر ثقافة السلام والحوار والتعاطف بين المسلمين والأميركيين

ولكن للأسف لم تهتم لوبيات واشنطن المعادية والمتشددة لتلك المنظمات بكل ما سبق ولم ترد أن تمنح منظمات المسلمين الأميركيين الفرصة للتعلم وتطور نفسها، وذلك لسبب أساسي لا يتعلق بطبيعة تلك المنظمات وجوهرها وإنما يتعلق ببعض أهدافها الرامية إلى التأثير على سياسة أميركا تجاه الشرق الأوسط هذا إضافة إلى طبيعتها كمنظمات مسلمة تريد توعية الأميركيين بصورة الإسلام الحقيقية، وهو أمر لم يعجب المنظمات اليمينية المتشددة والتي رأت في ذلك تهديدا لنقاء القيم الأميركية التقليدية وجزء من حملة اليسار الأميركي لتحويل أميركا بعيدا عن تراثها التاريخي التقليدي كما يعرفه اليمين المتشدد

لذا بقت القيادات المسلمة دائما متهمة، ظلت دائما في عيون اللوبيات المعادية كلوبي إسرائيل وجماعات اليمين المتشددة والمسيحيين الصهاينة مدانة إلى الأبد حتى لو ثبتت براءتها

فهدف لوبيات واشنطن المعادية والاستئصالية دار دائما حول اتهام تلك قيادات مسلمي أميركا ومنظماتهم بالانتماء إلى أيدلوجية إسلامية سياسية معادية لأميركا، ثم بالانتماء لمنظمات الإسلامي السياسي الأجنبية المعروفة خارج أميركا، ثم بدعم ومساندة منظمات مسلمة تضعها أميركا على قائمة المنظمات الإرهابية، وهكذا تدريجيا حتى تتهم تلك المنظمات وقادتها بدعم القاعدة العدو اللدود لأميركا منذ 11/9

وبالطبع لا ترضى اللوبيات عن أحد، وتصنف الجميع في خانة واحدة، ولا تفرق بين أيدلوجيا وأخرى، وبين قائد مسلم أميركي وأخر، كما لا تفرق في نظرتها لجماعات الإسلام السياسي المختلفة عبر العالم العربي والإسلامي

فمع صعود أي قيادة مسلمة أميركية جديدة سياسيا أو إعلاميا يتم البحث عن خلفيها وعن المنظمات التي عملت بها وعن الصور التي ظهروا فيها في الإعلام وعن المظاهرات التي شاركوا فيها حيث تعثر اللوبيات على شبهة ولو بعيدة تضع هذا السياسي المسلم في قفص الاتهام والذي ينمو بلا حدود أو التوقف

عمليه الاتهام وإلصاق التهم هذه أو تشويه السمعة تتم بدرجة عالية من الحرفية والذكاء، كما يقوم عليها عدد كبير للغاية من المنظمات والصحفيين المتشددين والمتعاطفين مع اللوبيات

فلو شاركت في ندوة تسبقك اللوبيات إلى الندوة وترسل إلى منظميها اتهامات تشوه سمعتك، ثم تنشر الاتهامات الكاذبة نفسها في الصحف اليمينية وعلى الموقع الإلكترونية والمدونات التي لا تحصى، ولو شاركت في فعالية سياسية بواشنطن ترسل الاتهامات مرة أخرى إلى السياسي الراعي للقاء وتتصاعد الاتهامات شيئا فشيئا حتى تصير جبلا يصعب تخطيه، وهذا ما يسمى أحيانا في وسائل الإعلام الأميركية "باغتيال الشخصية"

كير هي أحد أهم المنظمات السياسية والإعلامية للمسلمين في واشنطن، ومنذ نشأتها في عام 1994 وهي محل ضغط وهدف لكبار محترفي اغتيال الشخصيات السياسية المسلمة

فنجاح المنظمة على الصعيد السياسي والإعلامي زاد من أعدائها، وقد سجلت أكبر وسائل الإعلام الأميركية سجل نجاحات كير على مدى سنوات عمرها الخمسة عشر، كما أني قرأت من المقالات التي كتبت لمهاجمة كير المئات وربما الآلاف على مدى السنوات العشر الماضية، وكنت أتوقع أن تنحسر تلك المقالات والاتهامات مع صعود الديمقراطيين إلى الحكم ومع تولي باراك أوباما الرئاسة

ولكن يبدو أن ميراث بوش ثقيل، وأن الليبراليين لا يدافعون بشكل كافي عن تلك المنظمات، وأن لوبيات واشنطن الاستقصائية لن تختفي بين عشية وضحاها، وأن الحملات تستمر وربما تتزايد، لذا أسفت لسماع اتهامات أعضاء الكونجرس لكير بزرع متدربين مسلمين بمكاتب أعضاء الكونجرس للتجسس عليهم

فكان من المفترض أن يرحب هؤلاء بالمتدربين المسلمين لأن وجودهم بالكونجرس سوف يسرع عجلة اندماج المسلمين الأميركيين في المجتمع الأميركي ومن ثم يحول دون العزلة أو التشدد إن وجدا في أوساط المسلمين الأميركيين

فأنت تسمع دائما أن أميركا تريد الحوار مع المسلمين وتريد دمج مسلمي أميركا وتريد كسر أي عزلة يعانون منهم وتريد مكافحة التشدد إن وجد، وأن أقصر طريق لتحقيق كل ما سبق – من وجهة نظر أميركا نفسها - هو المشاركة على كافة الأصعدة

ولكن يبدو أنها مشاركة مقننة، فلوبيات واشنطن الاستئصالية الاستبعادية تمارس لعبة مزدوجة وحقيرة، فهي تريد أن تعزل المخالفين لهم وتستبعدهم وتستأصلهم وتريد في نفس الوقت أن تتهمهم بالعزلة، تريد أن تلومهم على عدم المشاركة وتتهم في نفس الوقت بالخطر والتشدد وبأنهم طابور خامس إذا شاركوا

وبهذا تقضي تلك اللوبيات المنافقة على فرص الحوار والتعاون والسلام، فهي تريد أن تسيطر على واشنطن، وأن يسود بواشنطن صوت واحد فقط هو صوتها

الإيجابي في الأمر هو أن كير وجدت دعما من أعضاء كونجرس آخرين حيث كتب تجمع لأعضاء كونجرس من أصول أفريقية ولاتينية أميركية ومن خلفيات ليبرالية بيانا للدفاع عن كير في وجه معارضيها، ونحن نأمل أن تساعد جهودهم في دعم كير وغيرها من المنظمات السياسية الأميركية الأخرى

ولكن نبقى متشائمين لسببين، أولهما جهود لوبيات واشنطن الاستئصالية المتشددة التي لا تتوقف، وثانيهما موقف العالم العربي والإسلامي البعيد كثيرا عما يدور بواشنطن، فالعالم العربي يبدو مكتفيا إلى حد كبير بالتعامل مع أميركا من الخارج فقط وعلى مستوى نخبوي رسمي ومن بعيد

العالم العربي يبدو مشغولا بمشاكله الداخلية والصراعات بين جماعاته المختلفة بعضها بعضا، وبين تلك الجماعات والنظم الحاكمة لها، وكنا نأمل أن يعرف العالم الإسلامي في السنوات الأخيرة جهد أكثر وعيا بما يدور بواشنطن وبما يمكن فعله لمواجهة اللوبيات المعادية لهم في واشنطن وداخل واشنطن نفسها، ولكن أملنا هذا يبدو في الوقت الحالي ضعيفا فاترا

أخيرا نختم مقالاتنا هذه بأمر إيجابي وهو تزايد وعي الأميركيين بقضايانا وتعاطفهم معنا، وهو أمر يبدو باديا في تزايد التعاطف مع قضايا العالم العربي والإسلامي في أوساط الليبراليين والأقليات والمهاجرين والشباب والمتعلمين والجامعات بأميركا، ولعلنا نتمكن من حصد مزيد من دعمهم بقليل من الجهد والتنظيم الإضافي

لذا نعود نطالب مسلمي أميركا أنفسهم بمزيد من الجهد والمؤسسات والإصلاح، فأعداد منظماتهم مازالت قليلة، وقياداتهم محدودة، ونفوذهم السياسي قليل لا يتناسب مع إمكاناتهم البشرية، لذا نطالبهم بمزيد من الإصلاح والتطوير والتنظيم، فالتغيير يبدأ دائما من الداخل، ولعل السنوات القليلة المقبلة تشهد مفاجئات سارة

Friday, October 24, 2008

التخويف من العرب والمسلمين في الانتخابات الرئاسية الأميركية الحالية
بقلم علاء بيومي

الناشر:
صحيفة البديل المصرية

نص المقال

العنصرية التي يتعرض لها العرب والمسلمون في موسم الانتخابات الرئاسية الأميركية الحالية والتي ظهرت على شاشات التلفاز عبر العالم ضمن تغطيتها للانتخابات أكدت مخاوف من حذروا لسنوات من أن العنصرية الموجهة حاليا ضد العرب والمسلمون في أميركا تنتمي لنوع خطير ومقلق للغاية ليس فقط بسبب انتشارها وتغاضي الساسة الأميركيون عنها ولكن - وهو الأهم - لأن تلك العنصرية باتت مقبولة مبررة لا تحرك لها نسبة كبيرة من الأميركيين ساكن

بمعني أخر المجتمع الأميركي لا يخلو من عنصرية موجهة ضد جماعات مختلفة لأسباب عديد بعضها عنصري والبعض الأخر اقتصادي أو ثقافي، ولكن المؤسف هنا أن الثقافة السياسية الأميركية ترفض تلك العنصريات وتسارع لانتقادها والنأي عنها في حالة ظهورها على السطح، ولكن للأسف لا يحدث الشيء نفسه عند الإساءة للعرب أو المسلمين، وكأن الإساءة لهم باتت أمرا مقبولا تحت غطاء ما يسمي بمواجهة "أعداء أميركا" أو "الحرب على الإرهاب

وبالطبع ما يحدث حاليا لم يظهر بين يوم وليلة، بل تراكم عبر سنوات وإن لم يكن عقود، فمنذ نهاية الحرب الباردة وهناك من يحاولون استخدام الإسلام والمسلمين والعرب كعدو جديد يوحدون أميركا ضده في فترة ما بعد سقوط الإتحاد السوفيتي، وجاءت أحداث 11-9 لتعطي دفعة قوية لهؤلاء، حتى أن صموئيل هنتينجتون الكاتب الأميركي المعروف كتب في 2004 كتاب بعنوان "من نحن؟ تحديات الهوية الوطنية الأميركية" يتحدث فيه صراحة عن حاجة الأميركيين وهويتهم الوطنية لعدو خارجي يتحدون ضده وعن إمكانية أن يحتل الإسلام والمسلمون هذا الدور

وبالطبع تلقفت تلك الدعاوي مجموعات سياسية أميركية ناشطة سياسيا وذات أجندات معادية للمسلمين والعرب لأسباب مختلفة كبعض المتطرفين من مساندي إسرائيل في أميركا، وبعض المحافظين الجدد، وبعض قادة البروتستانت التبشيريين، وبعض غلاة الجمهوريين واليمينيين في أميركا

وللأسف لم يمتلك مسلمو وعرب أميركا الإمكانات السياسية أو الإعلامية لمواجهة تلك الجماعات، ولم يتحرك العالم العربي أو الإسلامي لتنظيم مبادرات علاقات عامة جادة لمواجهة ما بات يعرف بالإسلاموفوبيا أو ظاهرة التخويف من الإسلام والمسلمين في أميركا، والتي تنال أيضا من العرب والدول العربية والإسلامية وكل ما له علاقة بالمسلمين والعرب من قريب أو بعيد في أميركا، فيكفي أن ترتدي ثوبا أو تحمل اسما أو تتمتع بملامح مشابهه لعربي أو لمسلم لكي تتحول لضحية محتملة للإسلاموفوبيا

ما حدث هذا العام أو على مدى العامين السابقين، هو أنه ولأول مرة ينحدر مرشح رئاسي أميركي من أصول مسلمة، وهو باراك حسين أوباما المرشح الرئاسي الديمقراطي، والذي ينحدر من أصول مسلمة بحكم أن أباه (حسين أوباما) مسلم، وذلك على الرغم من أن حسين ترك باراك وعمره عامين، وأن باراك لم يتربى كمسلم وأنه اعتنق المسيحية بعد تخرجه من الجامعة

وكان من المفترض أن تتحول جذور أوباما المسلمة لميزة لا عيب في الفترة الحالية بحكم أن صورة أميركا في العالم الإسلامي تعاني كثيرا، وأن أوباما يتمتع بشعبية دولية واسعة عبر العالم وليس في العالمين العربي والإسلامي فقط، ولكن ولأسباب عديدة تحولت خلفية أوباما المسلمة لأحد أهم أسباب الهجوم عليه، فالبيئة السياسية الأميركية التي يسيطر عليها التحزب والعنصرية الموجودة في بعض قطاعات المجتمع الأميركي وجماعات المصالح المتشدد لم تجد غضاضة في اللجوء لأحط الأساليب للهجوم على أوباما

وقد وصلت الحملة على أوباما وجذوره المسلمة إلى حد اتهام أوباما بإخفاء إسلامه ضد مؤامرة إسلامية كبرى لتقويض أميركا من الداخل من خلال انتخاب رئيس مسلم يخفي إسلامه ويعمل على تدمير أميركا فور فوزه بالرئاسة، وقد وصلت الحملة لمستويات مقلقة دفعت أوباما إلى إطلاق مواقع إلكترونية تنفي إسلامه وإلى إرسال مبعوثين إلى ناخبين أميركيين في ولايات هامة استهدفتهم تلك الحملات - كاليهود الأميركيين في فلوريدا - لنفي الشائعات السابقة، كما حرص أوباما على النأي بنفسه عن كل ما هو مسلم أو إسلامي في أميركا

وللأسف تنكشف أبعاد جديدة للحملة كل يوم، حيث تشير استطلاعات الرأي أن 12% من الأميركيين مازالوا يعتقدون أن أوباما مسلم، وأن الحملة بدأت منذ 2004 تقريبا حيث رأي بعض معارضي أوباما أن جذوره المسلمة وخلفيته الأجنبية (لكون أبوه كيني أسود مهاجر) وقلة معرفة الأميركيين به يمثلون جميعا فرصة للتشكيك في أوباما وفي خلفيته، ولما أعلن أوباما ترشيح نفسه للرئاسة الأميركية عن الحزب الديمقراطي في أوائل عام 2007 لم يتردد خصومه في استغلال الشائعات نفسها، حتى أن حملة هيلاري كلينتون فصلت أحد موظفيها بسبب ترويجه لتلك الشائعات، كما أصدرت منظمات يهودية أميركية كبرى بيانا تنتقد فيه بعض اليهود الأميركيين وبعض مساندي إسرائيل الذين يشاركون في تلك الحملات

ولكن مع الأسف استمرت الحملات حتى كشفت وسائل الإعلام الأميركية مؤخرا عن توزيع 28 مليون نسخة من فيلم وثائقي مسيء للإسلام يدعى (obsession) على ناخبين أميركيين في ولايات أميركية مفصلية خلال شهر سبتمبر الماضي كمؤشر خطير على ما وصلت إليه حملة الهجوم على أوباما و"التخويف من العرب والمسلمين" من مستويات غير مسبوقة ومقلقة

عموما ساهم في تلك الحملة موقف أوباما نفسه الذي انتقد تلك الحملات وما تمثله من إساءة للمسلمين والإسلام ولكنه فضل النأي بنفسه والابتعاد عن كل ما هو مسلم أو إسلامي بدل من اتخاذ موقف شجاع وإيجابي في الدفاع عنهم، حتى أن كيث أليسون أول عضو كونجرس أميركي مسلم (ديمقراطي عن ولاية مينسوتا) اشتكى لوسائل الإعلام من أن حملة أوباما ألغت بعض الأنشطة الرامية للتقريب بين أوباما ومسلمي أميركا خوفا من تبعاتها على حملة أوباما للفوز بالرئاسة الأميركية

وبالطبع تشير مصادر مختلفة إلى وقوف بعض غلاة الجمهوريين وراء تلك الحملة، خاصة وأن المرشح الجمهوري جون ماكين ونائبته سارة بالين لم يترددا شخصيا في محاولة تشويه سمعة أوباما وربطه "بالإرهاب" في سقوط وتدني سياسي مخيف

وللأسف يستخدم ماكين منذ أكثر من عقد لمصطلحات وأفكار مسيئة للإسلام والمسلمين، حيث يربط بين التشدد والراديكالية بالإسلام كدين في خطابه السياسي، كما يردد بعض أفكار الجماعات الأميركية المتشددة التي تنظر للعلاقات الدولية كصراع "أجيال مع عدو إسلامي يسعى لبناء خلافة إسلامية ضد الغرب" ويستخدم تلك الأفكار في النظر لعلاقات أميركا الخارجية خاصة تجاه الشرق الأوسط

كما لم تتحرك حملة ماكين لمواجهة الإساءة ضد المسلمين والعرب القادمة من أروقة الجمهوريين وأبواقهم خاصة في أوساط البروتستانت التبشيريين ومساندي إسرائيل والمحافظين الجدد ودعاة عسكرة السياسة الخارجية الأميركية

وبهذا يجد المسلمون والعرب الأميركيون أنفسهم بين مرشح ديمقراطي وهو باراك أوباما يخشى الدفاع عنهم وينأى بنفسهم عن كل ما يربطه بهم وبين مرشح جمهوري لا يتردد في استغلال موجة "التخويف منهم" في مهاجمة خصمه السياسي لأغراض انتخابية

عموما، لو فاز ماكين في الانتخابات فلن تبشر مواقفه السابقة بعلاقة إيجابية تربطه بالمسلمين والعرب في أميركا أو خارجها، خاصة وأن مواقفه السياسية تجاه قضاياهم الرئيسية لا تبشر بالخير فهي تعد امتدادا واضحا لسياسات جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد

أما في حالة فوز أوباما بالرئاسة فسوف ينبغي عليه فعل الكثير للتكفير عن موقفه الراهن والذي يصعب وصفه بالشجاعة أو الإيجابية، وأنا أعتقد أن المتابعين لمواقفه في العالمين العربي والإسلامي سوف يتعاملون معه بحذر للتأكد من أنه لن يتحول كغيره من الساسة الأميركيين كأسير لجماعات المصالح الأميركية المعنية بالشرق الأوسط وسياسات أميركا السابقة البعيدة كثيرا عن مصالح وحقوق الشعوب المسلمة والعربية

أما العبء الأكبر والأهم في مواجهة الإسلاموفوبيا فيقع على المسلمين والعرب أنفسهم داخل أميركا وخارجها، وأعتقد أنهم يتقاسمون اللوم والمسئولية مع غيرهم، فنحن نترك للآخرين فرصة الإساءة إلينا والهروب بتلك الإساءة بلا عواقب أو تبعات، ونقف مكتوفي الأيدي متحسرين بين عرب ومسلمون أميركيون يفتقرون للقدرة على مواجهة ما يحدث، وكيانات عربية وإسلامية دولية ضخمة - من دول وشعوب ومنظمات - تبدو وكأنها تكتفي بمراقبة ما يحدث عن بعد، ولعل ما يجري بالانتخابات الحالية هو جرس إنذار للجميع يدعوهم لضرورة التحرك لمواجهة وضع خطير ومتفاقم

Wednesday, March 12, 2008

قارة الرب: المسيحية والإسلام وأزمة أوربا الدينية
عرض بقلم: علاء بيومي

الناشر: الجزيرة نت، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر


نص العرض

الكتاب الراهن من تأليف فيليب جينكينز أستاذ التاريخ والأديان بجامعة بنسلفانيا الأميركية وهو أكاديمي متخصص في دراسة تطور الديانة المسيحية في ظل التغيرات الاجتماعية والسياسية الدولية التي تواجهها خاصة في القارة الأوربية

ويبدو جينكينز عبر الكتاب مهموما بمستقبل المسيحية ومصالحها في القارة الأوربية مع التركيز على علاقتها بالإسلام والأقليات المسلمة بأوربا والتي يقدر جينكينز عددها بحوالي 15 مليون نسمة، فالكتاب مكتوب من وجهة نظر مسيحية مخلصة تحاول الدفاع عن مصالح المسيحية دون الوقوع في فخ التشدد مثل الكتاب اليمينيين المتشددين والذي يصورون الإسلام والمسلمين على أنهم خطر قائم ودائم، أو في فخ التفريط والذي يتعاطف مع الإسلام وينسى المسيحية ويدافع عن مسلمي أوربا ويهاجم المسيحيين المتدينين ويتغاضى عن مشاعر الجماهير الأوربية والتي كانت ومازالت تشعر بهويتها المسيحية كما يرى الكاتب

ويبدو المؤلف بجانب اهتمامه بمستقبل المسيحية معنيا بشرح أفكاره للقارئ الأميركي على وجه الخصوص فالكتاب معني بالعلاقة بين أوربا وأميركا ودور الإسلام في تلك العلاقة، كما يوجه المؤلف حديثه بشكل متكرر لوسائل الإعلام الغربية والتي يرى أنها تجهل حقيقة العلاقة السابقة

أوربا مسلمة في مواجهة أميركا مساندة لإسرائيل

ويبدأ فيليب جينكينز الكتاب بالحديث عن أسوأ المخاوف أو السيناريوهات التي يرددها الكتاب الغربيون المتشددون في يمينيتهم أو المتشددون في الدفاع عن إسرائيل، إذ يدق هؤلاء أجراس الخطر من الوجود الإسلامي في أوربا، محذرين من أن زيادة أعداد المسلمين في أوربا هي بمثابة إعادة احتلال لأوربا المسيحية من قبل المسلمين مثلما احتل المسلمون الشرق الأوسط بعد ظهور الإسلام وطردوا المسيحية من مهدها ببلاد الشرق الأوسط، فلجأت المسيحية لأوربا، واليوم يأتي المسلمون لينتقموا من ضياع الأندلس من خلال أسلمة أوربا عن طريق المهاجرين المسلمين القادمين من شمال إفريقيا وتركيا وشبه القارة الهندية والذي لا يملون الهجرة ولا الإنجاب ولا التشدد الديني والأصولية واستغلال تسامح أوربا العلمانية معهم - أوربا التي نست هويتها المسيحية فنست نفسها، وبذلك سوف يصبح المهاجرون المسلمون عن قريب متحكمين في المجتمعات الأوربية التي تعيشون فيها، وربما يفرضون على الأوربيين البيض المسيحيين دفع الجزية لهم

ومع تدين أميركا أو بقائها متدينة تدافع عن التراث المسيحي-اليهودي المشترك يرى أصحاب الرأي المتشدد السابق أن أوربا المسلمة المستعربة أو "أوريبيا" أو "أوربا-العربية" كما يسمونها ستصطدم بأمريكا المسيحية المساندة لإسرائيل خاصة فيما يتعلق بسياسة أميركا تجاه إسرائيل، وذلك لأن "أوريبيا" بدأت بالفعل تتعاطف مع العرب ضد إسرائيل

وبهذا يؤكد جينكينز على اختلاط الديني بالسياسي بالدولي في العلاقة بين الإسلام والمسيحية في الفترة الحالية، حيث تسعى بعض الأقليات المتطرفة في عصر "الحرب على الإرهاب" في تعبئة مخاوف المجتمعات الغربية من الإسلام والمسلمين مستخدمة أرخص الأكاذيب

أزمة المسيحية الأوربية

في الفصل الثاني من الكتاب يتناول جينكينز أوضاع المسيحية الأوربية ليوضح المخاطر التي تتعرض لها وكيف أن تلك المخاطر تعمق مشاعر الخوف السابقة وإن كانت لا تبررها

وهنا يستشهد جينكينز بعدد كبير من الإحصاءات التي توضح التهديدات الموجهة للمسيحية كديانة بأوربا، وهي إحصاءات توضح أن مستوى التدين المسيحي بأوربا عند أدنى مستوياته، وأن الكنائس باتت خاوية، ولا يعمل بها سوى قساوسة عجائز بعد أن عزف شباب أوربا عن الالتحاق بالمعاهد الدينية، هذا إضافة إلى سوء سمعة الكنيسة والقساوسة بعض الفضائح الكبرى العديدة التي لحقت ببعض منهم

كما تشير إحصاءات المؤلف إلى أن الأوربيين المسيحيين يرفضون الإنجاب لأسباب كثيرة تتعلق بعمل المرأة وتطور المجتمعات الأوربية الصناعي والحداثي وانتشار الفلسفات العلمانية الفردية مما يعني هرم الأوربيين المسيحيين البيض وقلة الشباب والأطفال بينهم، وتحول المهاجرون المسلمون إلى مصدر هام لتجدد المجتمعات الأوربية، كما أن غياب الأطفال في الأسر المسيحية يقلل من تدينها لأن الأطفال هم جزء أساسي من حركة التدين بالمجتمعات كما يرى جينكينز، فالأسرة التي لديها أطفال قد لا تكون متدينة ولكنها قد تحرص على الذهاب بأطفالها للكنيسة لضمان تزويدهم بالحد الأدنى من المعرفة والهوية الدينية، ولكن في ظل غياب الأطفال يصعب الوصول إلى الحد الأدنى السابق

أما الحياة العامة والسياسية بأوربا فهي تمثل مشكلة أكبر لأن السياسيين والإعلاميين الأوربيين طلقوا الدين، وباتوا ينظرون إليه نظرة رجعية ترفض حتى الإشارة إلى الدين أو إلى الله في الخطب الدينية كما يفعل السياسيون الأميركيون بشكل متكرر

ويشير جينكينز إشارة عابرة إلى اليهودية بأوربا وكيف أصابها ما أصاب المسيحية من تراجع في التدين بسبب قوى العلمانية والزواج المختلط، كما أن أعداد يهود أوربا لا تتعدى 1.5 نسمة مقارنة بخمسة عشر مليون مهاجر مسلم بأوربا

الإسلام كمحفز لعودة المسيحية

العوامل السلبية السابقة لم تعن بالنسبة لجينكينز نهاية المسيحية، إذ يتحدث في الفصلين الثالث والرابع والفصلين الأخيرين من الكتاب عن صورة مختلفة للمسيحية تبشر بعودة المسيحية الأوربية في ثوب جديد، فهو يرى أن التشاؤم بخصوص مستقبل المسيحية يرتبط إلى حد ما بموقف الإعلام والساسة الأوربيين منها، فوسائل الإعلام لا تغطي أخبار المسيحية الأوربية الإيجابية، كما أن الساسة يعانون من التطرف في علمانيتهم ومن انعزالهم عن الجماهير

حيث يرى جينكينز أن المسيحي الأوربي مازال يشعر بقدر من الانتماء للمسيحية الأوربية، مشيرا على سبيل المثال لرفض الأوربيين لانضمام تركيا للإتحاد الأوربي خوفا من أن تتحول تركيا المسلمة لأكبر دولة أوربية (من حيث عدد السكان)، وأن يتحول المسلمون إلى أقلية كبيرة نسبيا (16%) من الأوربيين في حال انضمام تركيا للإتحاد الأوربي فحين أن نسبة المسلمين بالقارة الأوربية حاليا هي 4.6% فقط، فانضمام تركيا للإتحاد الأوربي سوف يؤثر بلا شك على هوية أوربا الدينية وهو أمر يخشاه الأوربي العادي كما يرصده المؤلف ولا ينكره

بل أن جينكينز ينكر على الساسة الأوربيين موقفهم الرافض للاعتراف بدور المسيحية في الحياة العامة الأوربية، في الوقت الذي يدافع فيه هؤلاء الساسة عن الإسلام والمهاجرين والأقليات تحت شعار التعددية، وينسى هؤلاء الساسة الجذور المسيحية للأيدلوجيات والأفكار الأوربية بما في ذلك فكرة التعددية ذاتها، وأن وجود المسيحية والهوية المسيحية ضمانة لتلك الأفكار، فأمة بلا هوية تعني النسبية المطلقة وإمكانية الاعتراف بأية أفكار هدامة، فلابد لأوربا لمرجعية دينية

ويقول جينكينز أن مشكلة المسيحية في أوربا ليس ضعفها بقدر ترهلها، فالمسيحية في أوربا ينظر إليها على أنها الديانة الأم والتي ينتمي إليها أغلب الشعب خاصة وأن الدول الأوربية أكثر تجانسا دينيا على المستوى الفردي مقارنة بأميركا، كما أن الكنائس الوطنية لعبت دورا هاما في تاريخ ونشأة وتطور الدول الأوربية، لذا لا تجدد بعض الدول الأوربية غضاضة في تمويل الكنيسة والمدارس الدينية، ولكنها في نفس الوقت ترفض الحديث عن الدين في الحياة العامة والسياسية، مما يجعل النموذج الأوربي على نقيض نظيره الأميركي في هذا الجانب بوضوح

ويرى المؤلف أن المسيحية الأوربية بدورها ومكانتها السابقتين ترهلت وباتت ينظر إليها على أنها دين الأغلبية، لذا يرى أن التحديات الراهنة التي تتعرض لها المسيحية ومن بينها انتشار الإسلام والمسلمين بأوربا وتدين المهاجرين المسلمين من شأنه أن يشعر المسيحيين الأوربيين بالخطر المحدق بهم وبأنهم باتوا أقلية في مجتمعاتهم

ويرى جينكينز أن الشعور بمشاعر الأقلية والخطر والتراجع أفضل للمسيحية الأوربية من الشعور بمشاعر الأغلبية المترهلة، فشعور الأوربيين بأن المسيحية باتت ديانة الأقلية سوف يشجعهم للانضمام إليها والتكاتف حولها، وهو أمر بدأ في الحدوث بالفعل، حيث يرى جينكينز أن السنوات الأخيرة بدأت تشهد حركات إحيائية أوربية عديدة تبدأ في العادة في جماعات مسيحية أصولية صغيرة جدا، ثم تتطور وتترابط

أضف إلى ذلك دور المهاجرين المسيحيين الأسيويين واللاتينيين والأفارقة الوافدين إلى أوربا، وهم مهاجرون أكثر تدينا وأكثر حماسة للدفاع عن المسيحية ونشرها، كما يشير جينكينز إلى انتشار المسيحية في دول أوربا الشرقية، وهي دول تتجاهلها وسائل الإعلام الغربية عند حديثها عن تراجع المسيحية في أوربا، وينسى هؤلاء أن دول أوربا الشرقية مسيحية يندر وجود المهاجرين والأقليات المسلمة فيها فيما عدا بلدان وأقاليم صغيرة كالبوسنة وجد في الإسلام لأسباب تاريخية، وأن إضافة مسيحي أوربا الشرقية إلى مسيحي أوربا الغربية يعني أن المسيحية في أوربا ليست ضعيفة كما يصورها البعض

مصير المسلمين في أوربا!؟

كما يحذر جينكينز من أن الحديث عن انتشار الإسلام في أوربا هو أمر مبالغ فيه، فوسائل الإعلام تشير إلى وجود 15 مليون مسلم في أوربا، وكأن كل هؤلاء المهاجرين متدينون أو ملتزمون بالمبادئ الإسلامية، في الوقت نفسه تستخدم وسائل الإعلام الأوربية والغربية مصطلح "المسيحية" للإشارة إلى المسيحيين المتدينين فقط، وهذا يعني أن المقارنة غير عادلة

حيث يرفض جينكينز النظر إلى مسلمي أوربا على أنهم كيان واحد متدين متحد، في المقابل يشير إلى العديد من المشاكل التي يواجهها المهاجرون المسلمون في أوربا وعلى رأسها البطالة والفقر والتشدد الديني وإمكانية وقوع أحدث إرهابية يقوم بها مسلمون متشددون

حيث يفرد جينكينز نصف كتابه تقريبا للحديث عن أوضاع المسلمين في أوربا والمشاكل العديدة التي يعانون منها، وكيف تحولوا في بعض الدول إلى "جيتو" معزول يعاني من الفقر والبطالة والجرائم والتمييز، مما جعلهم طبقة اقتصادية وإثنية معزولة وملئ بهم سجون بعض الدول الأوربية

وهنا يؤكد جينكينز أنه يرفض التمييز الذي يتعرض له المسلمون في أوربا أو اتهام الإسلام بالمسئولية عن مشاكلهم، فهو يرى أن المشاكل السابقة اقتصادية وسياسية بالأساس ويطالب وسائل الإعلام الغربية بعدم الزج بالإسلام عند تغطية مشاكل الأقليات المسلمة بأوربا

ولكن جينكينز يعود ويحذر من خطر مشاركة مسلمين في أنشطة إرهابية، ويقول أن من يقومون بتلك الأعمال هم قلة محدودة جدا وسط مسلمي أوربا، ولكنهم يعبرون عن وجود مشكلة في أوساط المسلمين الأوربيين، مشكلة تعود لوجود أفكار وجماعات أصولية متشددة، وإلى صعوبة التعاون المشترك بين المجتمعات الأوربية والمنظمات المسلمة الأوربية المعتدلة، حيث يشير إلى أن البحث في تاريخ بعض أشهر القيادات المسلمة الأوربية التي توصف بالمعتدلة يكشف عن دعم تلك القيادات في وقت أو أخر لأفكار أو جماعات تصنف اليوم بأنها إرهابية

كما يرى جينكينز أن الإسلام الأوربي لم يواجه بعد قوى التغيرات والأيدلوجيات المجتمعية الأوربية الرهيبة كالعلمانية والتحديث وعمل المرأة والأفكار الخاصة بالجنس والأسرة على وجه الخصوص، فبعض المهاجرين المسلمين بأوربا اليوم هم أشبه بمجموعة بشرية أوربية توقف بها الزمن منذ جيل أو جيلين ثم عادوا إلى الحياة مرة أخرى ليجدوا الدنيا قد تغيرت بشكل كبير، وما علينا سوى أن ننتظر لجيل أو جيلين أضافيين حتى يلحق مسلمو أوربا بالركب ويواجهوا التحديات التي تواجهها المسيحية الأوربية اليوم

God's Continent: Christianity, Islam, and Europe's Religious Crisis, by
Philip Jenkins, Oxford University Press, USA, 2007.

Wednesday, December 12, 2007

مسلمو وعرب أميركا .. وقفة مع نقد الذات
بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 12 ديسمبر 2007

نص المقال

النقد الذاتي عادة من علامات النضج والثقة في النفس يجب تشجيعها لدي أي جماعة أو كيان بشري ما دامت تتم بنية حسنة، وبهدف التجميع لا التفريق، والنصح لا الذم، والتشجيع لا تثبيط الهمة

كما أن مسلمي وعرب أميركا أقلية هامة تفخر بكونها حلقة صلة بين كيانين هائلين – أميركا من ناحية والعالمين العربي والإسلامي من ناحية أخرى، كما تفخر بسعيها للجمع بين أفضل ما يمثله الكيانين من قيم مستفيدة بما تمتلكه موارد بشرية تتميز بالشباب وبالتعليم وبالتعددية وبجذورها العربية والإسلامية الراسخة وبالعيش داخل مجتمع غربي متقدم، وهي ظروف يصعب توافرها في لدى عدد كبير من الجماعات المسلمة أو العربية أو الأميركية الأقل حظا

من هذا المنطلق رأينا أن ننظر في مقالنا هذا داخل المجتمع المسلم والعربي الأميركي ذاته للوقوف على عدد من القضايا المحورية التي تمثل تحديات ضخمة نابغة من داخل مسلمي وعرب أميركا أنفسهم، والتي يجب التوقف أمامها لدورها في التأثير سلبا أو إيجابا مستقبل مسلمي وعرب أميركا كأقلية ذات رسالة هامة كما يؤمن أبناءها

المثير في التحديات التي نود التحديث عنها في مقالنا هذا – كما سنرى تباعا – أنها تمثل ثنائيات ضخمة وتوازنات صعبة أمام المجتمعات المسلمة والعربية بشكل عام عبر العالم، تنعكس على الأقلية المسلمة والعربية الأميركية بشكل واضح، وتحتاج لسنوات وربما لعقود لعلاجها

وقد رأينا هنا أن نسلط الضوء عليها إيمانا بأن الشعور بالمشكلة وتوصيفها توصيفا دقيقا هما أول خطوات علاجها

العلماني في مقابل الديني

الثنائية الأولى هو ثنائية العلمانية في مقابل التدين، فالواضح أن الأقلية المسلمة والعربية في أميركا مرت بمرحلة تدين منذ سبعينات القرن الماضي قادت إلى صعود ما يسمى بالمنظمات والتجمعات المسلمة الأميركية والتي باتت تشكل نسبة لا يستهان بها من مؤسسات وكيانات المسلمين والعرب في أميركا، وذلك على حساب المنظمات الثقافية والعرقية واللغوية التي كانت تمثل تلك الأقليات والتي تراجعت نسبيا خلال الفترة ذاتها

ويعود ذلك لأسباب مختلفة ليس هنا محل الاستفاضة فيها، فهي لا تختلف كثيرا عن أسباب صعود الدين والتدين في العالمين العربي والإسلامي بل وفي العالم الغربي ذاته خلال نفس الفترة، فالتيارات الدينية تعيش مرحلة صعود منذ أربعة عقود عبر العالم، والأقلية المسلمة والعربية الأميركية لا تمثل استثناءا في ذلك

ما هو استثنائي هو أن الخطاب السائد في أوساط المسلمين والعرب الأميركيين خطاب يدعو للوحدة في ظل الضغوط الراهنة، كما يدعو للتعالي عن المشاكل التي قسمت العالمين العربي والإسلامي وعلى رأسها الصراع العلماني - الديني، وللاستفادة من خبرة التعايش الأميركي في هذا المجال، فجزء كبير من التيار الليبرالي السائد في أميركا تيار علماني بالأساس ولكن الكثير من أبنائه تخطو ثنائية العلمانية في مقابل الدين، وباتوا من مناصري حرية العقيدة بغض النظر عن طبيعتها، والتسامح بغض النظر عن الطرف الضعيف، وذلك في مقابل التيارات الأميركية المتشددة والتي تنظر للأخر نظرة سلبية مغلقة بغض النظر عن خلفيتها ولأسباب مختلفة بعضها ديني والأخر علماني وكثير منها عنصري رافض للأخر المختلف بشكل عام

هذا يعني أن بعض الجماعات الأميركية الليبرالية تمثل نموذجا يجب الاستفادة منه في التعايش بين الديني والعلماني، وتوفر دروسا يجب تعلمها من قبل بعض القيادات المسلمة والعربية المتشددة في هذا المجال، فالمعايش لمسلمي وعرب أميركا وهمومهم يصعب عليه آلا يمر يوما من الأيام بعربي أو مسلم علماني ينظر نظرة دونية لأخيه المتدين على أساس أن تدينه يمثل الرجعية والانعزال، وذلك بغض النظر عن الخلفية التعليمية والوظيفية للشخص المتدين ودرجة نشاطه السياسي والمدني

في المقابل ينظر بعض المسلمين والعرب المتدينين المتشددين إلى أخيهم العلماني على أنه الأخر الذي لا ينتمي لملتهم والداعي للانحلال والتفريط، وذلك بغض النظر عن قناعاته الشخصية ومدى نشاطه في دعم حقوق وقضايا مسلمي وعرب أميركا

وينسى الطرفان الظروف والهموم المشتركة التي يمر بها المسلمون والعرب في أميركا، والنموذج الذي تقدمه بعض الجماعات الأميركية الليبرالية في التعايش، وبأن هدف الأيدلوجيات السليمة المختلفة - الديني منها أو العلماني - هو توحيد البشر لا تفريقهم، وتقويتهم لا إضعافهم، وتشجيعهم على الانفتاح والتعايش لا الانغلاق والتحارب

الأبناء في مقابل الآباء

الكل يعلم أن مستقبل المسلمين والعرب في أميركا كأقلية مستقرة مندمجة قوية يتوقف على قدرة الجيل الراهن من قادتهم على الدفع بالجيل الثاني الشاب لمواقع القيادة على مختلف المستويات، وذلك لدرجة أن نجاح المنظمات المسلمة والعربية الأميركية ينظر إليه أحيانا بمعيار قدرة تلك المنظمات على اجتذاب الشباب إليها وتوليتهم مواقع قيادية فيها بأكبر قدر ممكن وفي أقصر فترة زمنية ممكنة، وذلك ضمن معايير أخرى لا تقل أهمية

وكثير ما تسمع الآباء المسلمين والعرب في أميركا يقولون أن السبب الرئيسي لبقائهم في الولايات المتحدة وتحملهم آلام الغربة ومشاكلها وقسوة الحياة بالمجتمع الأميركي الرأسمالي هو حرصهم على ضمان مستقبل أفضل لأبنائهم، وأن يبنوا في أبنائهم ما عجزوا عن تحقيقه، وأن يترجموا ذلك على المستوي الجماعي بمستقبل أفضل للمسلمين والعرب في أميركا وعبر العالم

في المقابل تجد وللأسف أن بعض شباب المسلمين والعرب في أميركا يمتلكون أفكار خرافية إن لم تكن عنصرية عن ماضيهم العربي والمسلم، وعن المهاجرين الجدد والجيل الأول (آبائهم) من مسلمي وعرب أميركا الذي كان سببا رئيسيا في وجدوهم من الأصل

ويعود ذلك لأسباب مختلفة تعود بشكل كبير لعقدة الشعور بالنقص التي يعاني من بعض المسلمين والعرب تجاه كل ما هو أميركي أو غربي وهي عقدة تعود بشكل كبير للماضي الاستعماري وتغذيها التيارات الأميركية والغربية العنصرية التي تحارب الأقليات والمهاجرين والمسلمين والعرب، وهي جماعات تنظر نظرية دونية للأخر وتطالبه بالانصهار لا بالاندماج، وتستخدم أدوات جماهيرية ضخمة ومؤثرة كالإعلام لترويج أفكارها على نطاق واسع وزرعها في عقول وقلوب المقيمين بأميركا بما في ذلك المهاجرين منهم

لذلك تجد أن بعض الآباء المسلمين والعرب لا يتوقفون عن نقد خلفيتهم وأبناء عشيرتهم أمام أبنائهم وبخلع كافة الصفات السلبية عليهم، وبتغذية مشاعر الاستعلاء لدي أبنائهم تجاه كل ما هو مسلم وعربي وأشعارهم بأنهم قادرين على قيادة القطيع المسلم والعربي بأقل جهد وهم مازالوا في مهدمهم، ثم يعود هؤلاء الآباء للتعجب من أن أبنائهم الأميركيين الذي أنفقوا حياتهم في رعايتهم باتوا نقمة عليهم لا نعمة، وباتوا تجسيدا لمشاعر الاستعلاء التي زرعوها فيهم منذ الصغر

ولعل علاج تلك المشكلة يتطلب حلا جماعيا يبدأ من الأسرة، ويقوم على تزويد الجيل الثاني بروافد ثقافية مستمرة تربطه بماضيه المسلم والعربي بشكل متوازن عقلاني لا تبريري ولا استعلائي، روافد تضمن زرع خصال القيادة الجماعية الرحيمة والمتوازنة في أبناء الجيل الثاني من مسلمي وعرب أميركا بشكل يضمن حماية مصالح الجيلين الأول والثاني على حد سواء والأجيال القادمة كذلك

الجماهير في مقابل السلطة

الثنائية الثالثة والأخيرة – التي نود الحديث عنها في مقالنا هذا - تتعلق بقيادات المسلمين والعرب في أميركا وبعلاقة تلك القيادات بالجماهير التي ينبغي عليهم تمثيلها وبقدرتهم على ذلك التمثيل، فقدرة القيادات المسلمة والعربية على القيادة خاصة على المستوي السياسي تتوقف على قدرتها على العمل من داخل المؤسسات الأميركية السياسية الكبرى وعلى أن تتحول بمرور الوقف لجزء لا يتجزأ من تلك المؤسسات، فلا يمكن بناء لوبي مسلم وعربي أميركا قوي اعتمادا على قيادات تربت وترعرعت خارج الولايات المتحدة أو بعيدا على مؤسسات المجتمع المدني الأميركي، فلو أردت أن تبني عيادة طبية ناجحة فعليك أن تحضر العاملين بها من كليات الطب ومعاهد التمريض، وكذلك لو أردت أن تبني لوبي مسلم وعربي أميركي قوي فعليك أن تحضر قياداته من البيت الأبيض والوزارات الأميركية والكونجرس

ولكن بشرط أساسي وهو أن تعبر تلك القيادات عن القواعد الجماهيرية المسلمة والعربية الأميركية وأن تنتمي إليها وتتواضع لها وأن تبحث عنها وعن قضاياها وتمثلها وآلا تستعلي عليها وتتقوي عليها بخلفياتها وخبراتها

والواضح هنا أن الأقلية المسلمة والعربية الأميركية مستهدفة وأن بعض الأقليات الأميركية المتشددة مصرة على تفرقة صفها وشق وحدتها من الداخل من خلال التدخل بموارد إعلامية ومالية وسياسية ضخمة لدعم طرف مسلم أو عربي على أخر، وهي حقيقة لا تخفيها تلك الجماعات والتي تتحدث بشكل متكرر عن رغبها في دعم جماعات مسلمة وعربية أميركية معينة ضد جماعات ومنظمات أخرى انطلاقا من أجندة تلك الجماعات الأميركية المتشددة، والتي تريد أن تصيغ الأقلية المسلمة والعربية الأميركية على شاكلتها بحيث تحولها من خلال قادتها إلى مسخ لا يدعم إلا ما تريده تلك الجماعات، والتي لا تناصر مسلمي وعرب أميركا إلا قليلا، والتي قد تدعم مصالح جماعات ونخب ودول مناهضة لهم في كثير من الأحيان

وبذلك يجد مسلمو وعرب أميركا أنفسهم أمام معادلة صعبة تخيرهم بين الاعتماد على قيادات نجحت في التوغل في المؤسسات الأميركية على حساب بيع نفسها وقضاياها وأبناء جلدتها، وبين الاعتماد على قيادات تعبر عنها وعن قضاياها ولكنها تفتقر للخبرة الكافية التي تؤهلها للدفاع عن تلك القضايا والمصالح بشكل فعال وناجح

حل سهل ممتنع

في نهاية هذا المقال يجب التأكيد على حقيقة هامة تعرضنا لها في بداية هذا المقال وعبر فقراته المختلفة، وهي أن التحديات السابقة لا تقتصر على مسلمي وعرب أميركا وحدهم فهي تحديات تشاركهم فيها أقليات أمريكية أخرى مرت بظروفهم ومعاناتهم بشكل متطابق تقريبا، بل وتشاركهم فيها المجتمعات المسلمة والعربية بدرجة كبيرة، والتي لم تتمكن بعضها من إيجاد حلولا شافية للتحديات الكبرى الثلاثة السابقة

وهذا يعني أن علاج تلك التحديات سيطول، فهي ثنائيات يستحيل حلها بين عشية وضحاها، وقد يعيش مسلمو وعرب أميركا بها لسنوات وربما لعقود، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن علاج مشكلة فرد ما تحتاج لسنوات، فما بالك بعلاج مشكلة جماعة متنامية جديدة متغيرة تحيى ظروف صعبة ومتقلبة كالأقلية المسلمة والعربية في أميركا

كما أن تلك التحديات ليست بغريبة عن مسلمي وعرب أميركا وقادتهم، فهم واعون بها بكل تأكيد، وإنما أردنا من مقالنا هذا المساعدة في التوصيف وتشجيع البحث عن حلول، والحل سهل ممتنع يحتاج إلى تشخيص دقيق حاولنا بدايته في مقالنا هذا، فهو حل يلخص الخبرة المسلمة والعربية الأميركية القائمة على الجمع بين الماضي والحاضر، بين العربي والإسلامي من ناحية والأميركي من ناحية أخرى، بين القدرة على التعلم من التراث العربي والإسلامي والاستفادة من خبرة التعايش الأميركي وعدم الوقوع في فخي التشدد أو التفريط

مقالات ذات صلة

الخطاب المسلم الأمريكي السائد

مسلمو وعرب أميركا بين تبعات 11/9 والثورة اليمينية المضادة

صعود الإسلاموفوبيا بالمجتمعات الغربية: قراءة في أهم المظاهر والأسباب

إسلاموفوبيا أحزاب اليمين الراديكالي الأوربية الجديدة

النخب الغربية وإعاقة اندماج مسلمي الغرب

لماذا رفضت وسائل الإعلام الأمريكية إعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول؟

Wednesday, June 20, 2007

هل فشل مسلمو وعرب أميركا في الإندماج؟

بقلم: علاء بيومي

الناشر:
جريدة البديل المصرية، 11 يونيو 2006

نص المقال

هناك من ينادي بفشل مسلمي وعرب أميركا في الإندماج بالمجتمع الأميركي لأسباب مختلفة، حيث يرى البعض بأن الحديث عن الإندماج في المجتمع الأميركي هو حديث غير مقبول من أساسه، إذ يؤمن هؤلاء لأسباب إيدلوجية دينية أو علمانية متباينة أن أميركا لن تقبل لعربي أو مسلم بالإندماج فيها بشكل يحفظ له هويته ويضمن له الدفاع بحرية عن قضايا أمته العادلة

في المقابل يرى بعض العلمانيين العرب المتشددين أن الحديث عن إندماج الأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية بشكل يحفظ لهم هوياتهم وحقوقهم الدينية هو درب من التطرف أو التخلف أو كليهما معا، والذي يحمل المجتمعات الغربية فوق طاقتها، ويرى هؤلاء أن بقاء المسلمين والعرب في أميركا يحتم عليها الإنصهار لا الإندماج ثقافيا وسياسيا، وأن المطالبة بغير ذلك هو تطرف لن يقود سوى إلى الفشل

ولا تختلف الرؤى السابقة كثيرا عن رؤى بعض الجماعات الأميركية التي ترفض إندماج المسلمين والعرب في أميركا حيث ترى الجماعات العنصرية وبعض الجماعات المتشددة في مساندة إسرائيل أن سعي المسلمين والعرب للإندماج الإيجابي في المجتمع الأميركي هو مؤامرة سياسية تهدف إلى السيطرة على المجتمع الأميركي وفرض أجندات المسلمين والعرب على أميركا وسياستها، لذا يرى هؤلاء أن التحديات الطبيعية التي تواجه إندماج المسلمين والعرب في أميركا هي براهين حتمية على عدم قدرتهم على الإندماج في مجتمع غربي متقدم كالمجتمع الأميركي

ولو قلنا أن الرؤى السابقة متطرفة لا تعكس واقع مسلمي وعرب أميركا ومسيرة إندماجهم في المجتمع الأميركي، لكان ينبغي علينا البحث عن رؤى بديلة، وللعثور على تلك الرؤى رأينا أن نتفق مع القارئ أولا على بعض المسلمات المنطقية التي ينبغي أن تحكم نظرتنا نحو التجمعات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة

أول هذه المسلمات أن الهجرة حالة لا تقتصر على المهاجر وحده ولكنها ظاهرة بشرية واسعة الإنتشار يتعرض لها كل إنسان والذي لابد وأن يشعر في وقت من الأوقات بالغربة أو الإغتراب عما يدور حوله لأسباب مختلفة سياسية أو ثقافية أو إقتصادية ... ألخ، فمن منا لم يعاني الغربة وهو جالس وسط أهله أحيانا؟ ومن في العالم العربي اليوم وسماواته مليئة بالفضائيات لا يتعرض لثقافات وأفكار أجنبية أو جديدة بشكل يومي، هذا يعني ان الهجرة تكاد تكون ظاهرة عامة يعيشها بشكل مستمر أبناء عصر العولمة بدرجات مختلفة

المسلمة الثانية أن الغربة تفرض التغير، والتغيير قد يكون للأفضل أو للأسوأ، وأن الأنسان العاقل لابد وأن يبحث عن الأفضل لنفسه، ويكون ذلك بإنتقاء ما هو إيجابي من ماضيه وحاضره ومستقبله، وتجنب ما هو سلبي، خاصة وأن الطبيعة البشرية لا تعترف بالكمال، وأن لكل مجتمع مزاياه وعيوبه

بناء على ذلك يفترض على مسلمي وعرب أميركا بناء توليفة جديدة من القيم والأفكار التي تجمع بين ما هو إيجابي في ماضيهم العربي وحاضرهم الأميركي، وتتجنب ما هو سلبي، وهذا هو تقريبا تعريف الإندماج والذي يختلف عن الإنصهار، حيث يرى دعاة الإنصهار في المجتمع الأميركي أنه يتحتم على المهاجرين الجدد التخلي عن كل ما يربطهم بماضيهم من أجل أن يذوبوا بشكل كامل في حاضرهم الأميركي، في حين يشجع دعاة الإندماج المهاجرين الجدد على الإنتقاء بحرية بين ماضيهم وحاضرهم بحثا عن الأفضل

لذا يلاقي دعاة الإنصهار الأميركيين معارضة واسعة من قبل فئات أميركية مختلفة والتي عادة ما تذكرهم بأن أميركا مجتمع من المهاجرين إزدهر بالخبرات والكفاءات التي أحضرها المهاجرون إليه من مجتمعاتهم القديمة، وأن التقدم الذي تعيشه أميركا اليوم مدينا لعشرات الآلاف من أصحاب الكفاءات الذين تستقدمهم أميركا كل عام لسد حاجات سوق عملها المتنامي، وأن توقف تدفق هؤلاء المهاجرين الأكفاء هو بداية تراجع أميركا

المسلمة الثالثة هي أن الإندماج ذو شقين، أولهما قائم على سعي المهاجر للإندماج، وثانيهما قائم على موقف مجتمع المهجر ونخبه الحاكمة من ذلك الإندماج، فالهجرة والإندماج هما حالتان تفاعليتنان قد تصيران إلى الأفضل أو إلى الأسوأ، لذا يتحتم علينا أن نسأل أنفسنا سؤالا هاما، وهو: كيف نعد المهاجر العربي والمسلم لإندماج أفضل في المجتمع الأميركي بشكل يحفظ له هويته ويجعله عنصرا فاعلا مفيدا في مجتمعه الجديد وسفيرا لقضايا أمته العربية والمسلمة العادلة، ويقودنا هذا الحديث إلى السؤال عن مقومات الإندماج الرئيسية لمسلمي وعرب أميركا والتي نقسمها لثلاثة مقومات رئيسية، أولها مقومات نابعة من الوطن الأم، وثانيها مقومات نابعة من طبيعة الأقلية المسلمة والعربية ذاتها، وثالثها تتعلق بموقف المجتمع الأميركي وخاصة نخبه الحاكمة من الأقليات المسلمة والعربية الأميركية

دور الوطن العربي

المجتمعات العربية تنفق على أبناءها الكثير من تعليم ورعاية صحية وتنشئة قبل تقديمهم كمهاجرين أكفاء للولايات المتحدة، كما تزرع ظروف الحياة الصعبة في بعض المجتمعات العربية قيم العمل والكفاح الجاد لدى المهاجر العربي، هذا إضافة إلى تشجيع بعض المجتمعات العربية لأبناءها على السفر والمغامرة لأسباب مختلفة كالمجتمعات الساحلية، كما ترسل الدول العربية أبنائها للدراسة في أميركا، حيث يعد هؤلاء الطلاب رافدا هاما لتجديد دماء الأقليات المسلمة والعربية بشكل مستمر، ناهيك عن أن غالبية المنظمات المسلمة والعربية القائمة حاليا في الولايات المتحدة قامت على أكتاف الحركات الطلابية

على الجانب الأخر تعاني بعض المجتمعات العربية من مخاطر الهويات المنغلقة لأسباب دينية أو علمانية متباينة، وهي هويات تزرع في المؤمنين بها مشاعر إستعلاء وإنغلاق ورفض للأخر لا مبرر لها، كما تعاني المجتمعات العربية من ضعف معرفتها بالمجتمع الأميركي كمجتمع بشكل عام وندرة مصادر المعرفة الصحيحة عن هذا المجتمع هذا إضافة إلى إهمال قضية إعداد المهاجر وبناء قنوات إتصال بينه وبين وطنه خلال وجوده في مهجره، فمازالت غالبية الدول العربية تعتمد نوع من الدبلوماسية النخوبية والتي تقصر عمل المؤسسات الدبلوماسية العربية في أميركا على التواصل مع المؤسسات الأميركية الرسمية وعدم الإكتراث بتعبئة الأقليات المسلمة والعربية في المهجر أو التواصل معها

ولا يخفى على أحد القول أن حالة الإحتقان والتوتر السياسي التي تسيطر على علاقة الولايات المتحدة بالعالمين العربي والإسلامي منذ عقود تلقي بظلال سلبية عميقه على علاقة المهاجر المسلم أو العربي بمجتمعه الجديد

دور الأقليات المسلمة والعربية الأميركية

تتميز الأقليات المسلمة والعربية الأميركية في الوقت الراهن بتوحدها حول عدد من القضايا الهامة كالحقوق المدنية وتوضيح الصورة وتحسين سياسة أميركا الخارجية تجاه العالمين العربي والإسلامي، وهي قضايا دخلت في السنوات الأخيرة بيت كل مسلم وعربي بأميركا، ساعد على ذلك نمو المنظمات المسلمة والعربية الأميركية المستمر، هذا إضافة إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر الطاحنة التي كان لها الفضل في إضعاف التوجهات الإنعزالية في أوساط مسلمي وعرب أميركا، حيث أقنعت تبعات تلك الأحداث القاسية المسلمين والعرب المقيمين في أميركا بأن الإندماج النشط هو السبيل الوحيد للبقاء في ذلك المجتمع

هذا إضافة إلى طبيعة الأقلية المسلمة والعربية الأميركية ذاتها والتي تتميز بإرتفاع المستوى التعليمي والمادي نسبيا، فنسبة لا يستهان بها من مسلمي اميركا هم من أصحاب الكفاءات العلمية والمهنية الذين استعانت بهم أميركا لسد احتياجات سوق عملها

على الجانب الأخر مازالت الأقليات المسلمة والعربية تعاني من ندرة القيادات السياسية والإعلامية القادرة على تمثيل مصالحها لدى مؤسسات المجتمع الأميركي الكبرى والتي تمتلك في نفس الوقت حسا عاليا بقضايا ومصالح تلك الأقليات وتمتلك الشجاعة الكافية للدفاع عن تلك القضايا في دوائر السياسية والإعلام الأميركية، ساعد على ذلك الضعف النسبي للمؤسسات المسلمة والعربية النابع من قلة هذه المؤسسات وإفتقارها للموارد، وقد يعود ذلك إلى أن المهاجرين المسلمين والعرب قادمين أساسا من مجتمعات لا تشجع التنظيم السياسي، لذا تعاني أعداد كبيرة من المهاجرين المسلمين والعرب من ضعف مستويات نشاطهم السياسي ومن ثم مهاراتهم السياسية

دور المجتمع الأميركي

أميركا - كمجتمع قائم على المهاجرين ومر بثورة حقوق مدنية قوية - ترحب بالمهاجرين إلى حد كبير، فالتوجهات الليبرالية بالمجتمع الأميركي قوية وهي تشجع الهجرة وترحب بالمهاجرين، هذا إضافة إلى أن المدن الأميركية الكبيرة عالية التعديدة العرقية والإثنية بشكل يشعر المهاجر الجديد بأنه ليس غريبا بتلك المدن خاصة وأن المواطن الأميركي بشوش اجتماعي

على الجانب الأخر تعاني أميركا خلال السنوات الأخيرة من أوبئة خطيرة تهديد ميراثها كمجتمع يرحب بالمهاجرين وعلى رأس تلك الأوبئة إرتفاع صوت الجماعات اليمينية المعارضة للهجرة وللمهاجرين، وزيادة الفجوة بين الفقراء والأغنياء والتي تعصر الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي ينتمي إليها المهاجرون، هذا إضافة إلى موقف بعض النخب المسيطرة كالنخب اليمينية المتشددة واللوبي الموالي لإسرائيل تجاه الهجرات والأقليات المسلمة والعربية بشكل خاص وتجاه العالمين العربي والإسلامي بشكل عام

أضف إلى ذلك الهجمة الشرسة خلال السنوات الأخيرة على حقوق وحريات المسلمين والعرب في أميركا وعلى صورتهم في وسائل الإعلام الأميركية، والتضييق عليهم في الوظائف وفي إستخراج تصاريح الهجرة والتجنيس، وهي هجمة دفعت أعداد ليست بقليلة إلى ترك الولايات المتحدة والعودة إلى أوطانهم بعد أن أقنعتهم بأن أميركا لم تعد مجتمع الفرصة المفتوح كما كانت في الماضي

وفي الخاتمة يجب أن نؤكد على أن قدرة المهاجر المسلم والعربي على الإندماج الإيجابي في المجتمع الأميركي هي مسئولية مشتركة يتحملها المهاجر والمجتمعات العربية والمسلمة والمجتمع الأميركي والذي أغلقت بعض نخبه الحاكمة عقولها وقلوبها مؤخرا أمام المسلمين والعرب

Wednesday, November 08, 2006

أسباب ودلالات تحول المسلمين الأمريكيين نحو اليسار والحزب الديمقراطي


بقلم: علاء بيومي

الناشر:
جريدة الرياض، 8 نوفمبر 2006

نص المقال

ظاهرة تحول المسلمين الأمريكيين نحو اليسار باتت ظاهرة واضحة للعيان بعد ان اظهر احدث استطلاع لآراء الناخبين المسلمين الأمريكيين - والذي اجراه مجلس العلاقات الاسلامية الأمريكية (كير) في شهر اغسطس الماضي - ان 42% من الناخبين المسلمين الأمريكيين يساندون الحزب الديمقراطي في مقابل 17% فقط من المسلمين الأمريكيين الذين عبروا عن مساندتهم للحزب الجمهوري

وكان استطلاع اجراه مركز ابحاث أمريكي مسلم تابع لجامعة جورج تاون الأمريكية قبيل انتخابات عام 2004 الأمريكية الرئاسية قد اظهر ان 50% من المسلمين الأمريكيين يميلون نحو الحزب الجمهوري في مقابل شعور 12% فقط من المسلمين الأمريكيين بالانتماء للحزب الجمهوري

تحول المسلمين الأمريكيين نحو اليسار يبدو جديداً ومثيراً لسببين رئيسيين على الاقل أولهما كون المسلمين الأمريكيين يميلون للمحافظة على الجانبين الاجتماعي والاخلاقي مما يجعلهم اكثر ميلاً لمساندة اجندة اليمين الأمريكي المحافظة اخلاقياً، أما السبب الثاني فهو مساندة اول كتلة انتخابية مسلمة أمريكية للمرشح الجمهوري للرئاسة جورج دبليو بوش في انتخابات عام 2000

مساندة المسلمين الأمريكيين لبوش في عام 2000 وتحولهم نحو اليسار مؤخراً هي مفارقة تدفع البعض الى التساؤل حول ماذا كان تحول المسلمين نحو اليسار هو رد فعل على سياسات الادارة الأمريكية تجاههم خاصة وان استطلاعات آراء المسلمين الأمريكيين تؤكد انهم يعارضون حرب العراق وسياسة الادارة الأمريكية تجاه الشرق الاوسط ويشعرون بالاستياء تجاه اوضاع الحقوق والحريات المدنية خلال الفترة الحالية وتجاه موقف الادارة الأمريكية تجاه تلك القضايا

في المقابل يمكن القول ان تحول المسلمين الأمريكيين نحو اليسار لا يبدو غريباً او مستحدثاً للأسباب التالية

أولاً: استطلاع كير اظهر ان مسلمي أمريكا يميلون نحو اليسار كحركة سياسية ايدلوجية اكثر من ميلهم نحو الحزب الديمقراطي كمؤسسة تعبر عن هذا التوجه، فعندما سأل الاستطلاع المشاركين فيه عن انتمائهم الحزبي ذكر 42% من الناخبين المسلمين الأمريكيين انهم ديمقراطيون، في المقابل ذكر 17% انهم جمهوريون، في حين فضل 28% من الناخبين المسلمين الأمريكيين الحياد ولكن عندما سأل الاستطلاع نفسه الناخبين المسلمين حول الحزب الاكثر استجابة لقضايا المسلمين ومصالحهم، عبر 38% من الناخبين عن اعتقادهم بأنه الحزب الديمقراطي هو الاكثر استجابة لمصالح المسلمين، في حين رأى 12% ان الحزب الجمهوري هو الاكثر استجابة، وفضل 28% من الناخبين المسلمين الحياد مرة اخرى

هذا يعني أن المسلمين الأمريكيين لا يعولون آمالاً كبيرة على أي من الحزبين الرئيسيين او على امكانية ان تغير الاحزاب الأمريكية الكبرى الاوضاع الحالية، وهو شعور يعكس شعور فئات واسعة من الشعب الأمريكي والتي باتت ترى ان النظام السياسي الأمريكي يعكس مصالح وقضايا اقليات نخبوية اكثر من مصالح الاغلبية الشعبية

ثانيا: الأسباب السابقة توضح ان مساندة المسلمين الأمريكيين لليسار هي مساندة للتحالفات والحركات السياسية المشكلة لتحالف اليسار الليبرالي بالولايات المتحدة اكثر من كونها مساندة للحزب الديمقراطي نفسه وقياداته ومؤسساته الداخلية

ويبرر ذلك موقف عدد متنام من الجماعات اليسارية الأمريكية التي وقفت مواقف ايجابية مساندة للمسلمين الأمريكيين خلال السنوات الأخيرة وعلى رأس تلك الجماعات اكبر منظمات الحقوق والحريات المدنية الأمريكية، ومنظمات العدالة والسلام الدولية، والكنائس والجماعات الدينية الليبرالية، والأقليات، وتشكل الجماعات السابقة معا القواعد الجماهيرية لتحالف اليسار الأمريكي وهي قواعد ابقى وأهم من بنية الحزب الديمقراطي ذاته، فهي قواعد جماهيرية حقيقية تعبر عن نبض فئات جماهيرية هامة بالمجتمع الأمريكي

ثالثا: في المقابل عانى المسلمون الأمريكيون كثيرا خلال السنوات الأخيرة من التحالفات المكونة للتيار اليميني المحافظ وعلى رأسها بعض قيادات التيار الإنجليكي التي افرطت في الإساءة الى الإسلام، وكتاب المحافظين الجدد الذين افرطوا في دق طبول الحرب الموجهة تجاه العالم الإسلامي ولصق مصطلح العداء بجماعات ومفاهيم اسلامية مختلفة، هذا اضافة الى بعض الفئات المحافظة ذات الأجندات العنصرية والرافضة للأجانب والتي تشددت في رفض الأجانب والآخر

في المقابل موقف قيادات الحزب الجمهوري بالإدارة الأمريكية والكونجرس في اغلب الأحيان موقفا صامتا تجاه تلك الجماعات وتجاه اساءاتها وهجماتها المتكررة على الإسلام والمسلمين، وهو موقف لم تختلف عنه كثيرا قيادات الحزب الديمقراطي، ولكن يمكن القول ان الحزب الديمقراطي ضم بين فئاته القيادية - وخاصة في الكونجرس - ولو على مستويات اقل نفوذا - عددا اكبر من المسؤولين الذين عبروا عن مساندتهم لمسلمي امريكا في مناسبات مختلفة

رابعا: وبالطبع لا يجب اغفال التأثير الذي تركته بعض سياسات الإدارة الأمريكية الحالية خاصة على صعيد الحقوق والحريات المدنية وحرب العراق

وقد تشرح الظواهر السابقة مجتمعة اسباب ميل المسلمين الأمريكيين المتزايد نحو اليسار، وهو تحول هام سوف تكون له انعكاساته العميقة في المستقبل على مستويين اساسيين، اولهما داخلي يتعلق بالمسلمين الأمريكيين، وذلك لأن علاقة المسلمين الأمريكيين المتنامية مع قوى اليسار الأمريكي سوف تدفع مسلمي امريكا ومنظماتهم تدريجيا لتبني قضايا تلك الجماعات على مستوى الحقوق المدنية وحقوق الانسان والمهاجرين وحقوق العمال والفقراء وقضايا البيئة، وهي قضايا سوف تمثل اضافة هامة لأجندة مسلمي امريكا وقد تترك بصمات هامة على فهم المسلمين الأمريكيين لهويتهم كجماعة امريكية وعلى القيم المختلفة التي تسود الحياة المسلمة الأمريكية

ثانيا: بالنسبة لجماعات اليسار الأمريكي فسوف تشكل علاقاتها القوية مع المسلمين الأمريكيين اختبارا صعبا لموقف تلك الجماعات من قضايا الحريات والتعددية والتنوع في سياق علاقة الغرب بالإسلام والمسلمين، وبدون شك سوف تخضع جماعات اليسار المختلفة لضغوط متزايدة من قبل قوى اليمين الأمريكي والغربي الرافضة لنمو الأقليات المسلمة بالغرب، حيث ترى بعض الجماعات الغربية اليمينية الراديكالية ان المسلمين مختلفين بدرجة تحتم استثنائهم من قيم التعددية والمساواة الغربية، وتتهم تلك الجماعات قوى اليسار بارتكاب خطأ تاريخي في الانفتاح على الأقليات المسلمة، وهي اتهامات يتوقع لها الزيادة في الفترة الحالية وفي المستقبل المنظور

الأسباب والدلالات السابقة مجتمعة تعطي ظاهرة توجه المسلمين الأمريكيين المتزايد نحو اليسار اهمية خاصة وتجعلها امرا يستحق الانتباه والمتابعة خلال وبعد موسم الانتخابات الأمريكية الراهنة، فعلاقة المسلمين الأمريكيين المتزايدة بقوى ومنظمات اليسار الأمريكي هي احدى اهم الخبرات الجوهرية التي يمرون بها كأقلية مسلمة بدولة غربية رئيسية خلال المرحلة التاريخية الراهنة

-----

مقالات ذات صلة

Tuesday, November 07, 2006

مسلمو أميركا والانتخابات: 2006
مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
إسلام أون لاين، 7 نوفمبر 2006

نص المقال

يهدف المقال الراهن إلى تسجيل بعض أهم الظواهر المرتبطة بمشاركة المسلمين الأميركيين في فعاليات موسم الانتخابات الأميركية الراهنة والمزمع عقدها في السابع من نوفمبر الحالي، وعلى رأس تلك الظواهر روح النشاط والتعبئة التي دبت في أوساط المسلمين الأميركيين قبيل الانتخابات والتي رصدتها وسائل إعلامية أميركية مختلفة، وإمكانية أن تسفر الانتخابات عن فوز أول مسلم بعضوية الكونجرس الأميركي، وظاهرة تحول المسلمين الأميركيين نحو اليسار ونحو الحزب الديمقراطي والتي أكدتها استطلاعات حديثة لأراء الناخبين المسلمين الأميركيين، كما يسعى المقال للخروج بعدد من الدلالات المتعلقة بمستقبل المسلمين الأميركيين السياسي بناءا على مستوي نشاطهم بالانتخابات الراهنة

عودة الروح

وسائل الإعلام الأميركية التي تناولت أخبار مشاركة مسلمي أمريكا في فعاليات موسم الانتخابات الفيدرالية الحالي أجمعت على روح النشاط والتعبئة السياسية التي بثتها الانتخابات في صفوف المسلمين الأمريكيين، حيث أشار تقرير لوكالة ريليجيوس نيوز سيرفيس نشر مؤخرا إلى توقع مراقبين بأن يقوم المسلمون الأمريكيون بالتصويت "بأعداد كبيرة غير معتادة هذا العام"، كما نشرت جريدة ستار تلغرام (الصادرة بولاية تكساس) مقالا بعنوان "الناخبون المسلمون قد يغيرون دفة الانتخابات المتقاربة" في إشارة إلى تنامي أعداد الناخبين المسلمين الأميركيين وقدرتهم على التأثير على نتائج بعض المعارك الانتخابية المتقاربة، أما جريدة واشنطن تايمز – المعروفة بتوجهها اليميني المحافظ - فقد نشرت مقالا يقول في مقدمته أن "الناخبين المسلمين الأمريكيين يمثلون كتلة انتخابية شابة ومتعلمة وثرية وتميل نحو الديمقراطيين في نوفمبر المقبل"، وذلك في معرض تغطية الجريدة لنتائج استطلاع علمي صدر حديثا عن منظمة مسلمة أميركية – وهي مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) – حول توجهات الناخبين المسلمين الأميركيين

وسائل الإعلام الأميركية التي غطت استعدادات مسلمي أميركا للانتخابات رصدت بعض أسباب روح النشاط والتعبئة السياسية التي دبت في أوساط مسلمي أميركا ومنظماتهم قبيل الانتخابات، وعلى رأس تلك الأسباب ما يلي

عدم رضا فئات واسعة من المسلمين الأميركيين على سياسات الإدارة الأميركية الراهنة بخصوص عدد من القضايا التي تهمهم وعلى رأسها قضايا الحقوق والحريات المدنية وسياسة أميركا الخارجية تجاه الشرق الأوسط والعالم الإسلامي بشكل عام

تأثر المسلمين الأميركيين بحالة التعبئة العامة داخل المجتمع الأميركي استعدادا للانتخابات المقبلة والتي ترتبط بقضايا هامة وعلى رأسها حرب العراق وسياسات الإدارة الأميركية وقيادات الجمهوريين بالكونجرس، هذا إضافة إلى توقع البعض أن يتمكن الحزب الديمقراطي من إنهاء سيطرة الجمهوريين على الكونجرس أو أحد مجلسيه خلال الانتخابات الراهنة مما يعطيها أهمية تاريخية خاصة ويزيدها إثارة سياسية

أشارت وسائل الإعلام لجهود مختلفة تقوم بها منظمات مسلمة أميركية قديمة معروفة وأخرى جديدة غير معروفة لتسجيل الناخبين وتوعيتهم سياسيا وتشجيعهم على الانتخابات، ويلاحظ هنا انتشار هذه المنظمات ونموها بشكل مستمر يصعب معه تتبعها وإحصاءها

ينشط المسلمون الأميركيون ببعض الدوائر التي ينافس فيها سياسيون معروفون بتصريحاتهم ومواقفهم المعادية للمسلمين، كما هو الحال بالدائرة الثالثة بولاية نيويورك حيث يعمل بعض الناخبون المسلمون على إسقاط النائب بيتر كينج الذي ادعى في تصريحات سابقة متكررة أن غالبية مساجد أميركا يديرها "متشددون"

ذكرت مؤسسة مسلمة أميركية وهي الاتحاد المسلم الأميركي (AMA) أن هناك 35 مرشحا مسلما ينافسون في الانتخابات الراهنة على مناصب مختلفة مما يمثل سببا إضافيا لتعبئة المسلمين الأمريكيين خلال موسم الانتخابات الحالي

أشارت تقارير أخرى لنشاط المسلمين الأميركيين في مجال التبرع لمرشحيهم المفضلين، ويظهر هنا أهمية وجود منظمات مسلمة تعمل على رصد تلك التبرعات والتي تذهب غالبيتها بشكل مباشر للمرشحين دون رصدها من قبل المؤسسات المعنية

أول عضو مسلم بالكونجرس

إضافة إلى الأسباب السابقة أبرزت وسائل الإعلام الأميركية سببا إضافيا من نوع خاص لنشاط المسلمين السياسي خلال موسم الانتخابات الحالي، وهو يتعلق بإمكانية أن تسفر الانتخابات الراهنة عن فوز أول مسلم بعضوية مجلس النواب الأميركي

السياسي المرشح لذلك هو كيث أليسون مرشح الحزب الديمقراطي لعضوية مجلس النواب الأميركي عن الدائرة الخامسة بولاية مينيسوتا، وقد ولد أليسون في الرابع من أغسطس 1963 في مدينة ديترويت بولاية مشيجان لعائلة أفريقية أميركية نشطة في حركة الحقوق والحريات المدنية، واعتنق أليسون الإسلام خلال دراسته الجامعية وهو في التاسعة عشر من عمره، وفي عام 1987 انتقل أليسون إلى ولاية مينيسوتا لدراسة القانون بإحدى جامعاتها حيث تخرج في عام 1990 وتوجه بعد ذلك إلى مزاولة المحاماة حتى تم انتخابه في عام 2002 لعضوية مجلس نواب ولاية مينيسوتا عن إحدى أكثر دوائر الولاية تعددية عرقية وإثنية

وخلال موسم الانتخابات الحالي خلى مقعد الدائرة الخامسة بولاية مينيسوتا، وهي دائرة معروفة بتوجهها الليبرالي، وهو توجه مكن النواب الديمقراطيون من السيطرة الكاملة على تمثيل الدائرة بمجلس النواب الأميركي منذ عام 1963، مما جعل الدائرة ذات بريق خاص في عيون السياسيين الديمقراطيين لأن فوز سياسي ديمقراطي ما بترشيح الحزب الديمقراطي بالدائرة ذات التوجه الليبرالي القوي يكاد يضمن له الفوز بالانتخابات العامة، ويكاد أيضا يضمن له الفوز في سنوات أخرى مقبلة عديدة، فالتنافس على تمثيل الدائرة هو تنافس داخل الحزب الديمقراطي بالأساس

وفي 21 سبتمبر 2006 فاز أليسون بترشيح الحزب الديمقراطي بنسبة 41% من الأصوات بعد انتصاره على ثلاثة مرشحين ديمقراطيين آخرين، حيث تميز أليسون – كما تشير تقارير صحفية – بكاريزميته وبمعرفته الجيدة بقضايا دائرته، وقد أعطى الفوز السابق دفعة قوية لكيث أليسون لكي يكون أول مرشح أفريقي أمريكي وأول مرشح مسلم يمثل الدائرة الخامسة بمينيسوتا بمجلس النواب الأميركي

ويخوض أليسون الانتخابات العامة المقرر عقدها في السابع من نوفمبر الحالي بأجندة ليبرالية تقدمية تركز على قضايا مثل زيادة ميزانية المدارس العامة وحماية الحقوق الحريات المدنية وحقوق المشردين والفقراء ورفع الحد الأدنى للأجور وحماية البيئة هذا إضافة إلى معارضته للحرب على العراق

ويواجه أليسون منافسة قوية نسبيا من مرشح جمهوري ومن مرشح أخر مستقل، وقد حاول منافسو أليسون مهاجمة خلفيته وتاريخه من خلال الربط المشوه بينه وبين جماعة "أمة الإسلام" وزعيمها لويس فرقان ومحاولة اتهام أليسون بالعداء للسامية، كما حول البعض اتهام أليسون بمساندة منظمات مسلمة أميركية متشددة وبتبني أجندة إسلامية متطرفة

وهي تهمة تعرض لها مرشح مسلم أخر لمجلس مدينة أناهيم بجنوب ولاية كاليفورنيا يدعى بلال دالاتي، حيث تعرض دالاتي وهو مرشح جمهوري لهجوم شرس من قبل زملاء له داخل الحزب الجمهوري نفسه، والذين أثاروا تساؤلات حول ولاء دالاتي ووطنيته بعد أن ساند سياسيين انتقدوا سياسات الرئيس جورج دبليو بوش بالعراق، كما انتقدوا مشاركة دالاتي في مظاهرة سلمية طالبت بوقف فوري لإطلاق النار في الهجوم الإسرائيلي على لبنان، على الرغم من مشاركة العديد من المسلمين والمسيحيين واليهود في المسيرة نفسها

وقد دافع قادة مسلمي كاليفورنيا ومنظماتهم عن دالاتي والذي أعلن مؤخرا عن تغيير توجهه الحزبي، كما دافع قادة مسلمي مينيسوتا وأمريكا عن أليسون معبرين عن دعمهم للمرشحين بناء على أجندتهما الإيجابية المدافعة حقوق المواطن الأميركي ومطالبين الناخبين الأميركيين بعدم الانزلاق وراء دعاوى العنصرية والتشويه التي يروجها بعض السياسيين لأغراض سياسية

في المقابل رأت وسائل إعلام أميركية مختلفة في معرض تغطيتها لأخبار حملة كيث أليسون ودلالات فوزه المحتمل في الانتخابات كأول عضو كونجرس مسلم أميركي إلى أن فوز أليسون سوف يترك أثار إيجابية على مسلمي أميركا فسوف يمثل نقلة نوعية كبيرة في تاريخ مشاركة مسلمي أميركا السياسية، كما سيرسل رسالة مليئة بالأمل في أوساط المسلمين الأميركيين وخاصة الشباب منهم، أما على المستوى العام فسوف يمثل فوز أليسون شهادة في حق النظام السياسي الأميركي، كما سيعجل أليسون سفيرا هاما لتقريب وجهات النظر بين صانع القرار الأميركي ورؤى ومصالح مسلمي الولايات المتحدة

خصائص الناخب المسلم الأميركي

السبب الأكثر إيجابية لزيادة نشاط المسلمين الأميركيين السياسي خلال موسم الانتخابات الجاري يرتبط بخصائص الناخبين المسلمين الأميركيين أنفسهم وهي خصائص تكشف عنها الاستطلاعات المعنية، ومن بينها استطلاع أجراه مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) في أواخر شهر أغسطس الماضي

حيث كشف استطلاع كير أن الناخبين المسلمين الأميركيين يتميزون بعدد كبير من الخصائص الإيجابية على رأسها أعمارهم الصغيرة حيث تتراوح أعمال 67% من الناخبين المسلمين الأميركيين المسجلين بالسجلات الانتخابية الأميركية بين 25-54 عاما، هذا إضافة إلى ارتفاع مستوى مسلمي أميركا التعليمي حيث يحمل 62% من الناخبين المسلمين الأميركيين شهادات جامعية على الأقل وهو ما يمثل ضعف المتوسط العام بالمجتمع الأميركي

كما يتميز الناخبون المسلمون الأميركيون برغبة قوية بالمشاركة السياسية والاندماج بالمجتمع الأميركي، حيث يصوت 89% منهم باعتياد، ويتطوع 42% منهم للمساعدة في مؤسسات المجتمع المدني الأمريكي وذلك مقارنة بنسبة 29% فقط من الأميركيين

كما أشار الاستطلاع إلى أن الناخبين المسلمين الأميركيين يتركزون في 12 ولاية رئيسية وهي ولايات كاليفورنيا (20%)، ألينيوي (8.9%)، نيويورك (8.6%)، تكساس (7%)، نيوجرسي (6.8%)، مشيجان (6.7%)، فلوريدا (6.4%)، فيرجينيا (6.3%)، ميرلاند (3.1%)، أوهايو (3%)، بنسلفانيا (2.9%)، ومينيسوتا (2.8%) مما يزيد من فرص المسلمين الأميركيين في التأثير على نتائج الانتخابات التي تدار بتلك الولايات

مستقبل المسلمين الأميركيين السياسي

أشار استطلاع كير إلى وجود توجه متزايد في أوساط مسلمي أميركا خلال الفترة الحالية لمساندة الحزب الديمقراطي (42%) مقارنة بالحزب الجمهوري (17%)، في حين عبرت نسبة لا يستهان بها من الناخبين المسلمين الأميركيين عن استقلاليتهم الحزبية (28%)

ويلاحظ هنا أن توجه المسلمين الأميركيين السياسي والأيدلوجي نحو اليسار هو في جزء منه ردا على سياسات الإدارة الأميركية الجمهورية الحالية تجاه عدد من قضاياهم وعلى رأسها قضايا الحقوق المدنية وسياسة أميركا تجاه الشرق الأوسط، كما يلاحظ أن بعض القادة المسلمين الأميركيين يفضلون النظر للناخبين المسلمين الأميركيين على أنهم ناخبين يرتبطون بقضاياهم أكثر من ارتباطهم بحزب معين مما يعطيهم حرية الحركة لمساندة تلك القضايا

في نهاية هذا المقال يجب الإشارة إلى أن المظاهر الإيجابية السابقة لنشاط مسلمي أمريكا السياسي خلال موسم الانتخابات الحالي لم تحدث في فراغ ولكنه وقعت في بيئة مليئة بالتحديات والضغوط وحملات التشويه التي استهدفت مسلمي أمريكا وصورتهم ومؤسساتهم خلال السنوات الخمس الأخيرة على أقل تقدير، ولكن على الجانب المشرق تمكن المسلمون الأمريكيون من بث روح النشاط والتعبئة السياسية في أوساطهم مرة أخرى رغم التحديات، ويعني ذلك أن مسلمي أميركا يمتلكون العديد من عناصر القوة والإرادة الداخلية وعلى رأسها أعمارهم الشابة ومستويات تعليمهم العالية وقدراتهم التنظيمية المتزايدة والتي يمكن أن تساعدهم في مسيرتهم الطويلة والصعبة فنشاط مسلمي أميركا في الانتخابات الحالية ليس إلا خطوة إيجابية على طريق طويل وشاق يتحتم عليهم قطعه

-----

مقالات ذات صلة

أين أخطأ اليمين الأميركي؟

مهمة الديمقراطيين الصعبة في الانتخابات الأميركية الراهنة

مسلمو وعرب أميركا بين تبعات 11/9 والثورة اليمينية المضادة

تحول المسلمين الأمريكيين نحو اليسار ونحو الداخل: مظاهر وأسباب

قضايا الناخب المسلم الأمريكي في انتخابات 2004

ماذا يعني فوز بوش وخسارة كيري للمسلمين الأمريكيين؟

أهداف مسلمي وعرب أمريكا من المشاركة في انتخابات 2004

الصوت المسلم الأمريكي فيما وراء تأييد كيري ومعارضة بوش

أهمية الصوت المسلم الأمريكي في انتخابات عام 2004

Friday, October 06, 2006

النخب الغربية وإعاقة اندماج مسلمي الغرب


مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
جريدة الحياة، 7 أكتوبر 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

ملف اندماج الأقليات المسلمة بالمجتمعات الغربية ملف مفتوح ذو أهمية متزايدة في الحياة السياسية والعامة بالبلدان الغربية لأسباب مختلفة على رأسها طبيعة السياسات الدولية الراهنة والتركيز المتزايد على الصراع بين دول غربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وبعض الجماعات التي ترفع شعارات إسلامية

هناك أيضا عوامل ترتبط بالنمو المتزايد للأقليات المسلمة بالدول الغربية خلال العقود الأربعة الأخيرة والتي شهدت تصاعدا متزايدا لنفوذ جماعات يمينية علمانية وأخرى دينية بأوربا والولايات المتحدة، وهي جماعات تعادي التراث الليبرالي الذي انتشر بالغرب منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ووصل لمداه وقمة نفوذه في ستينات القرن العشرين

هذه العوامل المختلفة دفعت البعض لمحاولة تسييس قضية اندماج مسلمي الغرب والنظر لها من منظور أمنى سياسي باعتبارها تهديدا لأمن الغرب ولمصالح بعض الأقليات السياسية كالأقليات الموالية لإسرائيل، وباعتبارها تهديدا للنسيج الثقافي والحضاري بالدول الغربية كما تراه أحزاب اليمين الغربي متزايدة النفوذ

وفي ظل هذا التسييس بات من الصعب أن نقف على دراسات موضوعية تحاول أن تدرس الأسباب الحقيقية التي تشجع أو تعيق اندماج مسلمي الغرب

فالمنطقي أن عملية اندماج أي أقلية بمجتمع ما تخضع لظروف مختلفة بعضها نابع من داخل الأقلية ذاتها وبعضها نابع من داخل المجتمع الجديد المستقبل لها

وبسبب الندرة النسبية للدراسات المعنية بخصائص الأقليات المسلمة بالبلدان الغربية وبسبب التسييس المتزايد لهذه القضية في السنوات الخمس الأخيرة على أقل تقدير، والضعف النسبي لأصوات المسلمين الغربيين القادرة على توضيح صورتهم الحقيقية، تحاول أعداد متزايدة من الدراسات الغربية اليمينية تصوير معوقات اندماج الأقليات المسلمة بالمجتمعات الغربية على أساس أنها معوقات قادمة من داخل تلك الأقليات وتعود إلى خصائص الأقليات المسلمة العقائدية والاجتماعية والسياسية

وبالطبع لا ينبغي لأحد إنكار أن الخصائص الداخلية لمسلمي الغرب تؤثر على استعدادهم للاندماج، ولكن في نفس الوقت يجب إدراك حقيقة بديهية تبدو غائبة أحيانا وهي أن الاندماج عملية تعتمد على طرفين وليس طرف واحد، وهما الأقلية الجديدة الساعية للاندماج، والمجتمعات المستقبلة المرحبة بهذا الاندماج

ومن هذا المنطلق ينبغي تخصيص عدد متوازي من الدراسات للوقوف على موقف المجتمعات الغربية من الأقليات المسلمة القادمة، وخاصة موقف النخب السياسية الحاكمة في تلك المجتمعات، فنفوذ هذه النخب يسمح لها بالتأثير على قدرة الأقليات المسلمة على الاندماج بمجتمعاتها الغربية لأسباب عديدة هامة

فالنخب الغربية لديها القدرة على التأثير على موقف المجتمعات الغربية والرأي العام الغربي من الأقليات المسلمة القادمة ومن الإسلام، كما تمتلك القدرة على صياغة السياسات التي من شأنها التعجيل من هذا الاندماج أو إعاقته

ولو أخذنا الحالة الأمريكية كمثال لوجدنا أن مراكز أبحاث العاصمة الأمريكية واشنطن نادرا ما تركز على دور النخب الحاكمة بأمريكا في تشجيع أو إعاقة اندماج مسلمي أمريكا، وقد يعود ذلك لأسباب مختلفة من بينها أن الثقافة السياسية الأمريكية ترفض بشكل عام تقسيم المجتمع إلى نخب أو طبقات وتنظر لهذه المفاهيم على أنها مفاهيم اشتراكية تتناقض مع الثقافة الرأسمالية الليبرالية والتي تنادي بالمساواة في الفرص أمام الجميع

هذا إضافة إلى أن مراكز الأبحاث الأعلى صوتا بواشنطن واقعة تحت تأثير واضح لليمين الأمريكي، فمركز هريتاج فاويندايشين والذي يعد أحد أعرق مراكز الأبحاث اليمينية بواشنطن والولايات المتحدة عادة ما يروج لندوات ومواضيع شديدة الانغلاق من حيث فهمها للإسلام والمسلمين والأقليات المسلمة، على غرار "صراع مع الغرب: المحفزات الدينية وإستراتيجيات الجهاد"، و"ميراث الجهاد: الحرب المقدسة الإسلامية ومصير غير المسلمين"، و"الفاشية والإسلامية والعداء للسامية"، و"الإستراتيجيات الجهادية في الحرب على الإرهاب"

في المقابل هناك أقلية من الدراسات المنصفة التي حاولت الوقوف على حقيقة موقف النخب الغربية من الأقليات المسلمة، ونشير هنا - على سبيل المثال - إلى دراسة صدرت مؤخرا عن مجلة فورين أفاريز "شئون دولية" في عدد سبتمبر/ أكتوبر 2006 من المجلة تحت عنوان "فرنسا ومسلموها"، وهي من تأليف إحدى محررات المجلة، وتدعى ستيفاني جيري

وتركز الدراسة على فرنسا نظرا للعمق التاريخي لوجود الهجرات المسلمة بها وحجم هذه الهجرات والتحديات التي تواجهها، حيث تذكر المؤلفة في بداية الدراسة أن "علماء الاجتماع الفرنسيين يعتقدون أن اندماج المسلمين في المجتمع الفرنسي تقدم بشكل جيد"، وأن غالبية المسلمين الفرنسيين "يتبنون المعايير الثقافية الأوربية ويدعمون القيم الجمهورية الفرنسية"

ولكنها تعود وتأكد أن اندماج المسلمين في فرنسا يواجه تحديات كبيرة على رأسها "عدم الثقة العميقة في الإسلام" من قبل النخب الفكرية الفرنسية، وكون "الركود الاقتصادي (بفرنسا) ضاعف مشكلات" الأقليات والمهاجرين، كما تؤكد المؤلفة أن "المشكلة الأكبر هي أن الجدل حول كيفية تخفيف الصعوبات التي تواجه اندماج مسلمي فرنسا أصبح جدلا متشددا أيدلوجيا بعد أن تم إختطافة من قبل مفكرين وسياسيين منعزلين عن الواقع"، كما تقول أن "العداء للإسلام في فرنسا ... هو ظاهرة فكرية تدفعها النخب وتنبع من أيدلوجيات عنصرية أكثر من (دواعي) عدم الأمن

وبعد سرد هذه الحجج تبدأ المؤلفة في التعامل معها كل على حدى، حيث تذكر أن النخب الفرنسية تعاني من تحيز تاريخي قديم ضد الإسلام، وأن نسبة البطالة في أوساط المهاجرين المسلمين وصلت خلال العقود الثلاثة الأخيرة إلى 30% مقارنة بنسبة 10% في أوساط الشعب الفرنسي، وأن الكساد الاقتصادي أوقف الحراك الاقتصادي والاجتماعي بفرنسا لذا وجد المهاجرون أنفسهم محاصرون في نفس المدن الفقيرة التي عاش فيها العمال الفقراء في الستينات لأن الأوضاع الاقتصادية الراكدة منعتهم من الحراك إلى مدن أفضل

لذا ترى المؤلفة أن موقف المهاجرين المسلمين نحو الاندماج في المجتمع الفرنسي أكثر تأثرا بالظروف الاقتصادية والاجتماعية مقارنة بالعوامل الأيدلوجية الدينية

أما المشكلة الأكبر التي تواجه المهاجرين المسلمين في فرنسا - بعد ما يتعرضون له من تمييز اقتصادي واجتماعي - فهي انغلاق الطبقة السياسية الحاكمة أمامهم وعدم سعيها لدمجهم في الحياة السياسية الفرنسية

حيث تشير ستيفاني جيري إلى أن البرلمان الفرنسي الذي يبلغ عدد مقاعده 908 مقعدا لا يضم سوى نائبين مسلمين فقط انضما إليه في عام 2004، كما أن نسبة المسلمين بين القيادات المحلية المنتخبة بفرنسا لا تتعدى 2.4 %، لذا يؤمن نصف الفرنسيين - وفقا لاستطلاعات حديثة - أن "الطبقة السياسية الفرنسية ليست متنوعة بشكل كافي، وأن هناك حاجة لضم مسلمين إلى البرلمان"

وتقول المؤلفة أن الحكومة الفرنسية لم تقدم "عروضا محددة" لعلاج المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المهاجرون المسلمون، كما تشير إلى أن فشل الأحزاب الكبيرة في التعامل مع قضية دمج المسلمين ترك الساحة خالية للجماعات الفرنسية اليمينية المتشددة، لذا تعبر المؤلفة عن خشيتها من أن استمرار التمييز وصمت النخب السياسية وصعود اليمين المتشدد قد تمثل معا عوامل ضغط تدفع المسلمين الفرنسيين للوقوع فريسة الأيدلوجيات المتطرفة

حديث ستيفاني جيري عن موقف النخب الفرنسية من اندماج مسلمي فرنسا قد يدفعنا لمقارنته مقارنة سريعة بحالة أخرى وهي موقف النخب الأميركية من اندماج مسلمي الولايات المتحدة، وذلك على سبيل المقارنة وإثراء البحث، وهنا يجب الإشارة إلى الملاحظات التالية

أولا: بعض النخب الأميركية باتت تلعب دورا متزايدا في إعاقة اندماج المسلمين بالولايات المتحدة، وعلى رأس هذه النخب بعض قيادات التيار الإنجليكي المتدين النشطة سياسيا، حيث أشارت تقارير صحفية ودراسات مختلفة إلى أن قيادات هذه النخب رفضت وصف الرئيس الأميركي للإسلام بعد أحداث 11/9 بأنه "دين سلام" إلى درجة أن بعض هذه القيادات تطوعت للإساءة للإسلام كدين في أكبر وسائل الإعلام الأميركية لضمان عدم النظر إليه إيجابيا من قبل الشعب الأميركي

ثانيا: هناك خط متواصل من التقارير الصحفية والكتابات التي تحدثت عن دور لوبي إسرائيل في تشويه صورة مسلمي أميركا ومؤسساته وقياداته لدى دوائر صنع القرار والرأي العام بالولايات المتحدة

ثالثا: النخب السياسية الأميركية لم تقم حتى الآن بدورها المنتظر في مواجهة موجة العداء للإسلام المتزايدة بالولايات المتحدة، بل أن بعض هذه النخب تنساق أحيانا وراء دعاوى التمييز ضد المسلمين والعرب لتحقيق أهداف سياسية مختلفة كما حدث في حادثة "شركة موانئ دبي" في أوائل العام الحالي

في المقابل يجب الإشارة إلى وجود نقاط ومساحات إيجابية في مواقف النخب الأميركية تجاه دمج الإسلام والمسلمين كما يظهر في موقف فئات متزايدة من النخب الليبرالية الفكرية والأكاديمية المنصفة، وهو أمر نتمنى أن ينسحب على فئات أوسع بالمجتمع الأميركي والمجتمعات الغربية، وقد يتحقق ذلك نسبيا من خلال المطالبة بمزيد من الدراسات الموضوعية المنصفة التي تحاول دراسة موقف المجتمعات الغربية والأقليات المسلمة من قضية الاندماج على قدم المساواة

----

مقالات ذات صلة

صورة الإسلام في أمريكا بعد خمس سنوات على 11/9

مسلمو وعرب أمريكا بين تبعات 11/9 والثورة اليمينية المضادة

الخطاب المسلم الأمريكي السائد

العرب وتحديات الهوية الوطنية بعد 11/9

سبل مكافحة الإسلاموفوبيا في البيئة الأمريكية

Sunday, September 10, 2006

مسلمو وعرب أميركا بين تبعات 11/9 والثورة اليمينية المضادة


بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 10 سبتمبر 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

تمثل الذكرى السنوية الخامسة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 الإرهابي والتي تحل في الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول الحالي فرصة هامة للوقوف على أهم خصائص ردة فعل الولايات المتحدة حكومة وشعبا تجاه مسلمي وعرب أميركا (من مواطنين ومهاجرين)، وذلك لأن المسافة الزمنية – خمس سنوات – التي تفصلنا عن الأحداث تعطينا قدرة على المقارنة وتمييز ردود الأفعال الرئيسية عن نظيرتها الهامشية

عصر المد الليبرالي

وإذا كانت العودة إلى الوراء وقراءة التاريخ مفيدتان في فهم ما يجري في الواقع المعاصر، فحري بنا البحث عن جذور أقدم لما يمر به المسلمون والعرب في أميركا من ظروف في الفترة الحالية، وقد يمثل عام 1965 - على وجه التحديد - وعقد الستينات - بشكل عام - نقطة مثالية لسرد قصة الجيل الراهن من مسلمي وعرب أميركا

ففي عقد الستينات دخلت الولايات المتحدة الأميركية مرحلة تاريخية جديدة يمكن وصفها بمرحلة "المد الليبرالي"، والتي ثار فيها المجتمع الأميركي – وخاصة أجياله الشابة – على بعض التقاليد والمؤسسات التقليدية السلبية داخل المجتمع الأميركي، وعلى رأسها مؤسسات العبودية والعنصرية الموجهة ضد السود والأقليات والمهاجرين بالمجتمع الأميركي، والنزعة العسكرية الإمبريالية في السياسية الخارجية الأميركية كما تمثلت في حرب فيتنام

وفي عام 1965 أجرت الحكومة الأميركية تعديلات جوهرية على قوانين الهجرة سمحت بدخول أعداد متزايدة من المهاجرين القادمين من مختلف بلدان العالم – بما في ذلك الدول المسلمة والعربية – إلى الولايات المتحدة والاستقرار فيها، وذلك في جو سادت فيه النزعات الثقافية المنادية بالتعددية واحترام حقوق وحريات وخصوصيات المهاجرين والأقليات وغير الممثلين سياسيا

ويعود لقوانين عام 1965 - والظروف الثقافية والسياسية التي سمحت بسنها - فضل كبير في قدوم واستقرار الجيل الراهن من مسلمي وعرب أميركا وهو جيل يختلف بدرجة كبيرة عن الهجرات العربية إلى أميركا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وهي هجرات غلب على أبناءها الديانة المسيحية، كما أتت إلى الولايات المتحدة في مرحلة تبنت فيها أميركا سياسة أكثر صرامة تجاه دمج الأقليات عرفت باسم "بوتقة الصهر" والتي سادت خلال النصف الأول من القرن العشرين

وفي المقابل جاء مهاجرو الستينيات من بلدان مسلمة وعربية مختلفة ليجدوا بيئة أميركية أكثر احتراما للتعددية الثقافية وللحقوق والحريات المدنية في ظل تطور واضح في وسائل الاتصال والمواصلات سمح للمهاجرين الجدد بالحفاظ على روابط أقوى مع أوطانهم الأم، وقد ساعدت الظروف السابقة مسلمي وعرب أميركا على بناء بنية متزايدة من المؤسسات الثقافية والدينية – تقدر حاليا بأكثر من ألفي مؤسسة – للحافظ على هوياتهم الثقافية والدينية ومصالحهم السياسية والعامة

الثورة اليمينية المضادة

ولكن إذا كان عقد الستينيات قد شهد أوج المد الليبرالي وحركات التعددية الثقافية بالولايات المتحدة فإنه شهد أيضا ميلاد حركات مقاومة يمينية أميركية محافظة سعت تدريجيا لإحداث "ثورة مضادة" ضد "المد الليبرالي" وهو ثورة رأى المتابعون أنها وقعت في أوائل التسعينات فيما عرف باسم "ثورة الجمهوريين" التي وقعت في عام 1994

الثورة اليمينية المضادة لم تكن لتتحقق دون توافر عدد كبير من العوامل الثقافية والسياسية والديمغرافية داخل أميركا وعلى المستوى الدولي، فعلى المستوى الدولي شهد عقد الستينيات هزيمة لأنظمة علمانية واشتراكية عبر العالم – خاصة في الشرق الأوسط – كما بدأت حركات دينية محافظة في الصعود سياسيا وثقافيا عبر العالم – بما في ذلك أميركا - بداية من السبعينات، وفي الثمانينات دخلت الاشتراكية ونموذجها السوفيتي الأهم مرحلة إعياء كبرى توجت بانهيار الإتحاد السوفيتي وانتصار أميركا في الحرب الباردة

وفي الداخل الأميركي ساهم عدد كبير من التغيرات الكبرى في تراجع مكانة اليسار وصعود اليمين تدريجيا على مختلفة الأصعدة، فعلى الصعيد الاقتصادي ساهم التحول من الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد الخدمات واقتصاد المعلومات في تراجع قوة ونفوذ العمال ونقاباتهم والتي كانت تمثل نواة أساسية لتعبئة قوى اليسار الأميركي الجماهيرية والسياسية، كما زادت الفجوة بين الفقراء والأغنياء في أميركا بشكل مضطرد، ففي عام 2005 بلغت ما تمتلكه أغني 20% من الأسر الأميركية نسبة 50.4 % من الدخل الأميركي وهي النسبة الأعلى منذ عام 1967، كما بلغ عدد الأميركيين الذين لا يمتلكون تأمينا صحيا 46.6 مليون أميركي، وفي العام نفسه بلغ متوسط دخل رؤساء الشركات 262 مرة مقارنة بدخل العامل العادي، وذلك مقارنة بـ 24 مرة فقط في عام 1965

على المستوى السياسي ساهمت الفجوة المتزايدة بين الفقراء والأغنياء في زيادة الفجوة بين توجهات النخب السياسية - التي يمولها الأثرياء - وتوجهات غالبية الشعب التي تعجز عن مجاراة إمكانيات ونفوذ الأثرياء، حيث تشير إحصاءات أحد مراكز الأبحاث الأميركية المستقلة المعنية بتتبع تأثير المال على السياسية الأميركية إلى أن 237 ألف متبرع تبرعوا في انتخابات عام 2002 التشريعية بنسبة تقدر بحوالي 83% من مجموع التبرعات السياسية التي جمعت في تلك الانتخابات – والتي تقدر بحوالي 873 مليون دولار أميركي - مع العلم بأن نسبة هؤلاء المتبرعين لا تتعدى أكثر من 0.08 % من مجموع الشعب الأميركي

وعلى المستوى الديمغرافي استقبلت أميركا منذ السبعينات أكثر من 34 مليون مهاجر، كما تمركز الأفارقة الأميركيين والأقليات في المدن الكبرى خاصة في الشمال الشرقي وولايات الغرب الليبرالية مثل كاليفورنيا مما أدى لنزوح عدد متزايد من السكان البيض من تلك المدن واستقرارهم في الضواحي وفي ولايات الجنوب التي شهدت صعودا متزايدا للحركات المسيحية الدينية، والتي اتحدت مع أثرياء الجنوب الذين زادوا غنى ومع قيادات الحزب الجمهوري المحافظة للقيام بثورة ضد قيادات الحزب الديمقراطي والنخب الثقافية الليبرالية التي لم يرض عنها المسيحيون المحافظون

وقادت التطورات السابقة تدريجيا إلى فوز الجمهوريين بأغلبية مقاعد مجلس النواب الأمريكي لأول مرة منذ عقود في عام 1994، كما حقق الجمهوريون سيطرة كاملة على الكونجرس بمجلسيه والبيت الأبيض في عام 2002 حيث بدأ الساسة الجمهوريون في فرض أجندة تبطل ما حققه الليبراليون خلال العقود الأربعة السابقة، وعلى رأس بنود الأجندة المحافظة خفض الضرائب والحد من برامج الرفاهية وخصخصة برامج الضمان الاجتماعي

وعلى المستوى الثقافي قادت الثورة اليمينية المضادة إلى ما أطلق عليه البعض اسم "الحرب المدنية الثانية" والتي هدفت لإبطال إنجازات أجندة الليبراليين المنادية بالتعددية الثقافية، حيث طالب المحافظون تدريجيا بالحد من الهجرات ورفض التعددية الثقافية وفرض التراث الغربي في صورته الإنجلوساكسونية البروتستاتينية، والحد من النقد الذي توجهه الجماعات اليسارية للتراث الغربي التقليدي المحافظ، هذا إضافة إلى الدفع بأجندة المحافظين دينيا على مستويات فكرية وسياسية مختلفة مثل مكافحة الإجهاض ورفض الاعتراف بحقوق الشواذ وتحدي نظرية "النشوء والتطور"

11/9 الأزمة والعدو الجديد

في وقت وصلت فيه أمواج الثورة المضادة ارتفاعات غير مسبوقة، وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتمنح أصحاب الأجندات الثقافية والاجتماعية والسياسية المنغلقة عاملين هامين إضافيين ساعدا على تقوية مواقفهم المتشددة ضد المهاجرين والأقليات والأجانب بصفة عامة وضد المسلمين والعرب بصفة خاصة

العامل الأول هو الشعور بالأزمة والتهديد والخوف الناتج عن هجمات 11/9 الإرهابية، وهنا يؤكد البعض – مثل ميشيل واكر مؤلفة كتاب "امنعوهم" المتعاطف مع المهاجرين والصادر عن مطابع بابليك أفاريز الأميركية في مايو الماضي – إلى أن الأميركيين عادة ما يسيئون التصرف في أوقات الأزمات، وهي عادة سيئة كررها الأميركيون بشكل متكرر كما حدث ضد المهاجرين الألمان في الحرب العالمية الأولى وضد المهاجرين اليابانيين في الحرب العالمية الثانية

العامل الثاني هو بلورة دور المسلمين كعدو بديل للإتحاد السوفيتي، وهنا يجب الإشارة إلى كتاب الأكاديمي والمفكر الأميركي واسع النفوذ صموئيل هنتينجتون الصادر في عام 2004 بعنوان "من نحن: تحديات الهوية الوطنية الأميركية" والذي عبر فيه صراحة عن اعتقاده بأن الأميركيين يتوحدون بشكل أقوى حول هويتهم الوطنية في أوقات الأزمات وضد الأعداء المشتركين، مؤكدا على إمكانية أن يلعب "الإسلاميون المسلحون" - والذين لم يعرفهم في كتابه بشكل دقيق أو محدد - دور العدو الجديد الذي يوحد الأميركيين ضده

إضافة إلى العوامل السابقة وقعت أحدث سبتمبر/أيلول في فترة كساد اقتصادي أمريكي، وفي وقت صعدت فيه قوى المسيحيين المتدينين السياسية بما يحمله بعض قياداتهم من رؤى سلبية تجاه المسلمين وتجاه الشرق الأوسط تماشيا مع إيمانهم بنبوءات آخر الزمان الإنجليكية، وفي فترة صعود لنفوذ المحافظين الجدد داخل أروقة السياسة الخارجية الأميركية بتركيزهم المبالغ فيه على العالم الإسلامي والشرق الأوسط، وقد ساعدت العوامل السابقة مجتمعة على مضاعفة أثر أحداث سبتمبر/ أيلول 2001 على مسلمي وعرب أميركا

تبعات خمس سنوات

شكلت العوامل السابقة ردة فعل الولايات المتحدة حكومة وشعبا تجاه المسلمين والعرب منذ 11/9 على النحو التالي

أولا: فيما يتعلق بصورة الإسلام والمسلمين توضح الاستطلاعات المختلفة أن مشاعر التمييز والعداء ضد المسلمين تنتشر في نسبة تتراوح بين 20-33% من الأميركيين، وتتراوح النسبة ذاتها بين 25-40% في أوقات الأزمات

ثانيا: على مستوى الحقوق المدنية استمرت حوادث التمييز ضد مسلمي أميركا في ارتفاع بشكل مضطرد، وإن كان أقل في نسبة الارتفاع السنوي مقارنة بالفترة التالية للهجمات، هذا إضافة إلى دخول مؤسسات الدولة الأميركية نفسها سباق المنافسة بين أهم مصادر التمييز ضد مسلمي أميركا

ثالثا: على المستوى السياسي لم تقدم القيادة السياسية الأميركية عروضا محددة للتعامل مع ما يتعرض له الإسلام والمسلمون من تشويه، ففي الوقت الذي حرصت فيه الإدارة على مديح الإسلام كدين والفصل بينه وبين معتقدات الإرهابيين استخدمت الإدارة أوصاف مثل "الإسلاميين الراديكاليين" و"الإسلاميين الفاشيين" ربطت بشكل غير واضح أو محدد - خاصة لدى المواطن الأميركي العادي ضعيف المعرفة بالإسلام - بين الإرهابيين والإسلام

رابعا: على المستوى الاجتماعي دفعت الضغوط السابقة بعض المسلمين للعزلة أو إنهاء "حلمهم الأميركي" طواعية بمغادرة أميركا، كما دفعت البعض للتملص من الإسلام كهوية ومن المسلمين كجماعة وكحركة سياسية

على الجانب الإيجابي يمكن الإشارة إلى الظواهر التالية

أولا: حافظ مسلمو وعرب أميركا ومنظماتهم الرئيسية على خطاب وموقف اندماجي إيجابي رافض للعزلة والتهميش، وذلك في وجه الانعزاليين والمتملصين

ثانيا: بدا واضحا خلال السنوات الخمس الأخيرة أن المسلمين والعرب الأميركيين يقفون في نفس الخندق وتربطهم علاقات وثيقة مع جماعات أميركية ليبرالية دينية وأخرى علمانية كان لها الفضل في ترسيخ التسامح كقيمة أساسية داخل المجتمع الأميركي، وذلك مثل منظمات الأقليات والحقوق والحريات المدنية وجماعات السلام، ويعني هذا أن المسلمين والعرب الأميركيين - إذا توفرت لديهم الموارد الكافية خلال السنوات المقبلة – سوف يشاركون شراكة كاملة مع دعاة التسامح والتعددية بالمجتمع الأميركي في ترسيخ تلك القيم مرة أخرى بالولايات المتحدة

-----

مقالات ذات صلة

ملامح الجيل الأميركي الحاكم

الخطاب المسلم الأمريكي السائد

العرب وتحديات الهوية الوطنية الأمريكية بعد 11/9

سبل مكافحة الإسلاموفوبيا في البيئة الأمريكية

لماذا رفضت وسائل الإعلام الأمريكية إعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول؟