Showing posts with label شخصيات أمريكية. Show all posts
Showing posts with label شخصيات أمريكية. Show all posts

Monday, July 30, 2012

تصريحات مؤسفة لمت رومني عن الربيع العربي أدلى بها عشية زيارته لإسرائيل

تصريحات أدلى بها رومني، المرشح الجمهوري للرئاسة، لجريدة إسرائيلية تدعى "إسرائيل هايوم" عشية زيارته لإسرائيل، وهي تعبر عن أجندة يمينية متشددة ليس فقط في مساندتها لإسرائيل ولكن أيضا في مواقفها ضد قضية الديمقراطية في العالم العربي وضد الثورات العربية واستخدامها مصطلحات مسيئة تنتشر بالأساس في دوائر الإسلاموفوبيا الأميركية، وفيما يلي ترجمة حرفية لأجزاء من حديثه للجريدة الإسرائيلية:

-          "الشرق الأوسط أصبح أكثر صخبا وخطورة بسبب تطورات العام الأخير".
-          "من الواضح أننا نشعر بخيبة أمل برؤية تونس والمغرب تنتخبان حكومات إسلامية. ونشعر بقلق شديد من رؤية القائد الجديد في مصر قائدا إسلاميا. أملنا أن ننقل هذه الأمم نحو رؤية أكثر حداثة للعالم وآلا تمثل تهديدا لجيرانها أو لبلدان أخرى في العالم."
-          "الربيع العربي هو تسمية غير دقيقة. لقد أصبح تطورا لمزيد من المخاوف".
-          "تهديد الإرهاب جزء من جهاد عنيف وراديكالي تشنه القاعدة ومنظمات إرهابية أخرى بما في ذلك حزب الله وحماس. ولهذا يجب أن نعترف أنه ليس عمل جماعة صغيرة من الأفراد ولكنه عمل حركة كبيرة للغاية تمثل تهديدا لسلام وأمن كوكبنا".
-          "سوف أتحد مع حلفائنا وأصدقائنا للتأكد من أن من يهددون أمن وسلام العالم يفهمون أننا متحدين في التزامنا بمنع الإرهاب والجهاد الإسلامي الراديكالي من تدمير حياتنا وسلامنا".
-          "سوف أعامل إسرائيل وفقا لكونها الصديق والحليف الذي تمثله حاليا. نحن تجمعنا ليس فقط مصالح مشتركة، ولكن أيضا قيما مشتركة. ولو كان هناك مواقف نختلف فيها، فسوف أحتفظ بهذه الخلافات للمحادثات خاصة لا للمنابر العامة. ولا أستطيع تصور الذهاب للأمم المتحدة – كما فعل أوباما – وانتقاد إسرائيل أمام العالم. أؤمن أنه كان على أوباما أن يتحدث بدلا من (نقده لإسرائيل) عن آلاف الصواريخ التي يتم إطلاقها من قطع غزة على إسرائيل".

Tuesday, April 14, 2009

العالم العربي والأخوة إيمانويل
مقال بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره

www.alaabayoumi.com

نص المقال

العالم العربي لا يعرف كثيرا عن الأخوة إيمانويل، وعندما اختار الرئيس الأميركي باراك أوباما أحد الأخوة - وهو رام إيمانويل - كبيرا لموظفي البيت الأبيض في اليوم التالي لانتخابه رئيسا لأميركا إهتم العالم العربي برام وبأبيه بنجامين الذي كان عضوا في منظمات الإرجون الإسرائيلية الإرهابية، ولكنه لم يهتم بالأخوين الآخرين إزيكيل وإريل، كما لم يهتم أيضا بالأم مارثا، وبهذا ظلت الصورة غير مكتملة والفكرة غير واضحة وفقد العالم العربي فرصة التعرف على الأخوة إيمانويل كما تسميهم وسائل الإعلام الأميركية

العالم العربي اهتم بمواقف رام إيمانويل تجاه فلسطين والعراق وباحتفال وسائل الإعلام الإسرائيلية باختياره ككبير موظفي البيت الأبيض في عهد أوباما، وهو منصب أشبه في أهميته بمنصب رئيس الوزراء في نظم رئاسية أخرى، خاصة وأن الصحف الإسرائيلية خرجت في اليوم التالي بعناوين تحتفل باختيار أوباما لإيمانويل، على غرار صحيفة معاريف التي وصفت أيمانويل بأنه "رجلنا في البيت الأبيض"

كما أهتم العالم العربي بتصريحات الأب بنجامين إيمانويل المسيئة للعرب، والتي جاءت ضمن مقابلة أجرتها معه صحيفة معاريف حيث ذكر للصحفية: "من الواضح أنه (رام) سوف يؤثر على الرئيس (أوباما) في اتجاه مساندة إسرائيل. كيف لا يفعل ذلك؟ من هو! عربي!؟ لن يذهب هناك لمسح بلاط البيت الأبيض"، وهي تصريحات مسيئة أثارت حفيظة عرب أميركا الذين طالبوا رام بالاعتذار عن تصريحات أبية، فأعتذر

ولكن هذه الأحداث تمثل في الحقيقة نهاية القصة أو جزءا متقدما للغاية من قصة لم تنتهي بعد، ولكنها ليست بدايتها، فالبداية قديمة تعود لأوائل التسعينيات أو قبل ذلك بعقود، فوسائل الإعلام الأميركية تتحدث منذ منتصف التسعينيات عن "الأخوة إيمانويل" كما أسمتهم مقالة نشرت بجريدة نيويورك تايمز الأميركية في يونيو 1997، والمناسبة كانت النجاح الذي حققه رام في إدارة بيل كلينتون حيث كان واحد من أكثر المستشارين الذي خدموا في إدارة كلينتون على الرغم من صغر سنه، والنجاح الذي حققه الأخوين الآخرين في مجال البحث العلمي والسينما

فالأخ الأكبر إزيكيل أستاذ جامعي مرموق والأخ الأصغر إيريل وكيل فنانين مشهور بهوليود حتى أن أحد كتاب المسلسلات الأميركية المشهورة صمم إحدى شخصيات مسلسله حول شخصية إريل، ويقال أيضا أن شخصية إيمانويل السياسية - والذي أصبح مستشارا لبيل كلينتون وهو في أوائل الثلاثينيات من عمره وعرف بقدراته في جمع التبرعات والحملات السياسية - دخلت الثقافة الجماهيرية الأميركية وباتت جزءا من قصص كتاب هوليود

قصة نجاح الأخوة إيمانويل - وهي موضوع مقالنا الحالي – تعود إلى الأب بنجامين الذي عمل بمنظمات الإرجون الإرهابية في إسرائيل وهاجر في الخمسينيات إلى أميركا ليختار لأبنائه أما ناشطة سياسيا، فأبوها كان ناشطا في مجال الدفاع عن حقوق العمال، وكانت مارثا بدورها نشطة في حركة الحقوق والحريات المدنية ويقال أنها تعرضت للاعتقال بسبب مشاركتها في بعض المظاهرات دفاعا عن حقوق الأقليات في أميركا

وبهذا نشأ "الأخوة إيمانويل" في بيت نشيط سياسيا واعين بما يدور حولهم، فالأم تصطحب الأبناء الصغار للمشاركة في المظاهرات، والأب نشط سياسيا، والأسرة تجتمع على العشاء كل ليلة لتحدث الأبناء في السياسة وفي الشئون العامة

وتشير وسائل الإعلام إلى أن بنجامين ومارثا اهتما كثيرا بتربية الأبناء الثلاثة، وأنهما حرصا على توعية الأبناء بالأنشطة السياسية والثقافية المختلفة بشيكاغو حيث ترعرعوا، ونصحوا الأولاد الصغار بعدم الانشغال بصغائر الأمور التي قد تشغل الأطفال في أعمارهم، فأيام العطلة مخصصة للتعلم وللنشاط الثقافي وللنهل من تراث شيكاغو وأنشطتها الثقافية الثرية

كما أن الحياة لا تخلو من هدف، هدف كبير ومعنى، لذا حرص بنجامين على اصطحاب أطفاله إلى المعابد اليهودية لتلقي التعليم الديني وإلى إسرائيل في العطلات الصيفية، كما علقت الأسرة على جدران المنزل صورا ومتعلقات لأقاربهم الذين لم يتمكنوا من الهجرة لأميركا هروبا من معاناة اليهود في أوربا لكي يقدر الأطفال دائما أميركا ويتذكروا جذورهم ومعاناة أجدادهم وأهمية دورهم ودور أميركا في منع تكرار تلك المعاناة، وبهذا الخصوص ذكر رام في إحدى المقابلات الإذاعية التي أجريت معه - عن طفولته وعن الأفكار التي أثرت فيه وهو صغير - ما يلي:

أعتقد أنها الثقافة التي تأتي – من وجهة نظري – من ثقافة مهاجرة تحاول أن تقدر ما نحصل عليه بوجودنا في هذه البلد. ففي حجرة المعيشة علق والداي صورا أبيض وأسود، حوالي 10 إلى 12 صورة شخصية لأقارب من طرفي العائلة لم يتمكنوا من القدوم إلى هذه البلد ... وفي وسط الحائط كان هناك حقيبة يد صغيرة معلقة، هذه الحقيبة هي التي حملت أوراق جدتي واثنتين من أخواتهما وهن قادمات إلى أميركا. كان هذا تذكرة من والدينا لنا كل يوم بأننا محظوظون لوجودنا في هذا البلد

هذه هي قصة الأخوة إيمانويل، لذا لم يكن مستغربا أن يتطوع رام لخدمة الجيش الإسرائيلي كمتطوع مدني خلال حرب تحرير الكويت في عام 1991، وعندما عاد أميركا التحق سريعا بحملة المرشح الرئاسي الشاب بيل كلينتون وصار من كبار مساعديه في مجال جمع التبرعات، حيث ربط رام بيل كلينتون بشبكة واسعة من الأثرياء اليهود عبر أميركا وعرفهم بكلينتون وحثهم بقوة على التبرع له

لذا يقال أن الأموال التي ساعد رام إيمانويل بيل كلينتون على جمعها حمت حملة كلينتون الرئاسية من الفشل حين اشتدت المنافسة وقلت الموارد، لذا عين رام بعدها في إدارة كلينتون وظل بالعمل بجانبه حتى أصبح واحد من أكثر السياسيين خدمة في إدارة كلينتون، وقرب نهايتها استقال ليدخل عالم المال والأعمال وينجح في تكوين ثروة مقدارها 18 مليون دولار في أربع سنوات مستفيدا بدون شك بالعلاقات الواسعة التي كونها خلال عمله بإدارة بيل كلينتون

وسرعان ما عاد رام إلى السياسة، وكان ذلك في أوائل عام 2003 كعضو في مجلس النواب الأميركي ليصير سريعا وخلال ثلاث سنوات فقط أحد أهم قيادات الديمقراطيين بالكونجرس الأميركي على الإطلاق حيث تولي في عام 2005 إدارة لجنة الديمقراطيين الانتخابية بالكونجرس The Democratic Congressional Campaign Committee (DCCC) وهي اللجنة المعنية بحشد جهود الحزب الديمقراطي للفوز بانتخابات الكونجرس من خلال العمل على اختيار المرشحين الجدد ودعم المرشحين الحاليين والتحكم في رسالة وأنشطته الحزب الانتخابية، ويعد رئيس اللجنة رابع قيادة للديمقراطيين بالكونجرس الأميركي

وبالطبع لا تخلو قصة نجاح رام إيمانويل من سلبيات، فقد عرف عنه شراسته السياسية وحرصه على جمع التبرعات السياسية والتحزب والاهتمام بالقوة السياسية الصرفة والميل إلى اليمين، لذا نظر البعض نظرة سلبية تجاهه وتجاه اختيار أوباما له ككبير لموظفي البيت الأبيض

ولكن نجاح إيمانويل أو فشله السياسي لا يعنينا هنا بقدر ما تعنينا قصة "الأخوة إيمانويل" أو "عائلة إيمانويل"، والتي تتلخص في أب صاحب قضية، وأم نشطة سياسيا، وبيئة سياسية ديمقراطية، وأطفال صغار تربو على السياسية والعمل العام منذ نعومة أظافرهم، وفكرة سياسية تحرك الأسرة جميعها، ومجتمع يهودي أميركي متكاتف حول هدفه وفكرته

وقد يقول البعض أن الهدف ظالم وأن الأدوات غير سلمية وأن القيم مختلفة وأن الغاية لا تبرر الوسيلة، ولكن وبعض النظر عن كل ما سبق تحتوي قصة الأخوة إيمانويل على عبر كثيرة ودروس عديدة لعالم عربي يطالب بحقوقه ولكن كثير من بلدانه تحرم المشاركة السياسية ولن ترحب أصلا بوجود الأخوة إيمانويل بين أبنائها

Tuesday, March 24, 2009

صانع صورة أوباما: هل خدع دايفيد أكسلرود العالم!؟
مقال بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره

www.alaabayoumi.com

نص المقال

القراءة عن دايفيد أكسلرود - كبير مستشاري الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما ومدير حملته الانتخابية - تشعرك أحيانا بأن أميركا عندما انتخبت أوباما فإنها في الحقيقة صوتت لأكسلرود أو لرجل من بنات أفكار دايفيد أكسلرود David ِAxelrod أهم خبراء العلاقات العامة والحملات السياسية داخل الحزب الديمقراطي في الوقت الراهن

وذلك لأن المقالات العديدة المنشورة عن أكسلرود في عدد من أكبر الصحف الأميركية والدولية تؤكد بلا هوادة على التشابه الكبير بين أفكار أوباما وأكسلرود وعلى دور الأخير في صناعة صورة أوباما التي خلبت أذهان الأميركيين والعالم خلال العامين الماضيين

فأكسلرود هو أقدم مساعدي أوباما ومستشاريه، فعلاقتهما تعود إلى عام 1992 عندما كان أوباما مجرد ناشط سياسي في شيكاغو، كما أن أكسلرود واحد من ثلاثة مستشارين هم الأقرب من أوباما كما تشير الصحف، وثاني هؤلاء الثلاثة هو رام إيمانويل كبير موظفي البيت الأبيض حاليا، والذي وقع أكسلرود على عقد زواجه مما يؤكد على الترابط بين أوباما وأكسلرود وإيمانويل

كما أن أكسلرود هو الرجل المسئول عن صناعة صورة أوباما في الإعلام فهو كبير مستشاريه الإعلاميين والإستراتيجيين وأكثرهم نفوذا في حملته الانتخابية الأخيرة، ويقال أن أوباما تمسك دائما بأكسلرود حتى في الفترات العصيبة التي شهدت منافسة حامية بين أوباما ومنافسته الشرسة خلال الانتخابات التمهيدية الديمقراطية - هيلاري كلينتون - والتي باتت وزيرة خارجيته حاليا، فخلال الانتخابات التمهيدية تقدمت هيلاري على أوباما في أكثر من ولاية هامة مما أشعر حملة أوباما ومساعديه بالقلق وبالحاجة للنقد والتغيير ولكن أوباما تمسك دائما بكبير مستشاريه أكسلرود ووقف خلفه

أما أخطر ما في أكسلرود وعلاقته بأوباما فهو طبيعة تفكير أكسلرود السياسي نفسه والتي تتشابه كثيرا مع الصورة التي رسمها أكسلرود لأوباما خلال الانتخابات الأخيرة

حيث تشير المقالات المختلفة التي تتحدث عن أكسلرود إلى أنه يتخصص في حملات ذات طبيعة سياسية مثالية، فهو يرى أن الأميركيين لديهم فراغ روحي سياسي، فراغ نابع من غياب المثالية في العملية السياسية وغياب القادة الكبار الملهمين من أمثال الأخوين الديمقراطيين جون وروبرت كيندي اللذين ألهما مشاعر الأميركيين في الستينيات

وتقول المصادر المختلفة أن وعي أكسلرود السياسي تشكل في الستينيات مع حملة روبرت كينيدي الرئاسية والتي انتهت نهاية مؤسفة بمصرعه، فقد قتل كما قتل أخيه الرئيس الأميركي جون كيندي من قبل، ومنذ ذلك الحين وأكسلرود يبحث عن القادة الملهمين ويتبنى نزعة مثالية سياسية ظهرت بوضوح على حملاته الإعلامية والسياسية

خطورة هذا المنحي هو أنه يركز على شخصية المرشح لا سياساته، فهو يبحث في المرشح عن خصال شخصية لا سياسية فريدة، خصال شخصية يركز عليها خلال الحملة ويحول المرشح من مرشح سياسي يتحدث عن سياسات واضحة إلى بطل سينمائي يعجب الناس بشخصيته ويشعرون بالتعاطف معه وبأنه واحد منهم يمثل أمالهم ومعاناتهم وطموحاتهم كأبطال السينما تقريبا

فهو يحول المرشح السياسي لأسطورة يعجب الناس بجذورها وطبيعتها وخلفيتها ومعناها دون التدقيق كثيرا في مواقفها الحقيقية، لذا يرى البعض أن حملات أكسلرود هي نموذج لحملات "ما بعد الحداثة" السياسية، وهي حملات ترى أن الحداثة الأميركية والغربية فرغت الحياة من المعنى والقيمة بسبب إفراطها في التركيز على الكم والسياسة والاقتصاد والصراعات الحزبية، وأن المواطن الأميركي العادي بات تواقا لحملات ومرشحين من نوع جديد، حملات تركز على الثقافة والمشاعر والشخصية والجذور حتى ولو كانت غير ذات معنى في الواقع

وتقول المصادر أن أكسلرود تخصص في قيادة حملات سياسيين أفارقة أميركيين وسط ولايات ومدن يسيطر عليها البيض، وأنه نجح في ذلك وتخصص في الأمر حتى بها مشهورا به، وذلك لأن حملات الساسة الأفارقة الأميركيين الصاعدين الواعدين لا تخلو أبدا من رمزية ومعنى وثقافة ومفارقات تاريخية، وهي المواد الخامة التي تعيش عليها حملات أكسلرود وتنتعش

كما يقال أيضا أن أكسلرود نجح في قيادة حملات لساسة ديمقراطيين وجمهوريين على حد سواء بالتركيز على أسلوبه "ما بعد الحداثي" وإن ثبت أحيانا فشل مرشحيه بعد فوزهم في الانتخابات وأكتشف الناخبون أنهم سياسيون عاديون أو أقل من العاديين، ولكن بعضهم نجحوا وأثبتوا جدارتهم

هذا يعني أن حملات أكسلرود المثالية تخفي تحت غلافها القيمي التواق لسياسات "العصر الجميل" وجها براجماتيا صلدا وشرسا، لذا تحتوي قائمة عملائه السياسيين على قدر لا يستهان به من السياسيين المعروفين بصقوريتهم، وعلى رأسهم هيلاري كلينتون نفسها منافسة أوباما الشرسة، ورام إيمانويل صديق أكسلرود وأوباما وأحد مهندسي حملة الديمقراطيين الناجحة في انتخابات عام 2006 والمعروف بعدائه للمثاليات وجناح الحزب الديمقراطي اليساري وبحرصه على جمع التبرعات والتقرب من اليمين، وكذلك جون إدواردز المرشح الرئاسي الديمقراطي السابق والذي يتميز بحملات السياسية الداخلية المثالية وصقوريته على ساحة السياسة الخارجية

وهذا يعني أن مكانة أكسلرود الرفيعة داخل حملة أوباما الانتخابية توضح الكثير من خصائصها مثل تركيزها على شخصية أوباما وخلفيته وجذوره وبشرته ومغزى فوزه في الانتخابات والمثالية المفرطة التي لفت حملة أوباما الانتخابية الرئاسية

وهذا بالطبع يلقى بظلال من الشك على كثير من الخصال التي تميز بها أوباما وحملته الانتخابية في عيون مئات ملايين في أميركا وعبر العالم، ويؤكد مخاوف من رأوا أن أوباما شخص غامض وأن الأميركيين والعالم أفرطوا في التركيز على شخصيته ولم يركزوا بشكل كافي على سياسته المحدودة بطبيعة الأمر بحكم قصر عمر أوباما السياسي قبل وصوله إلى البيت الأبيض
ونحن هنا لا نقصد نفي الخصال السابقة عن أوباما، فأوباما كغيره من السياسيين الذين تخصص أكسلرود في قيادة حملاتهم والترويج لهم يمتلكون الخصائص الخام التي تقوم عليها حملات أكسلرود الدعائية مثل الخلفية الشخصية والجذور والتاريخ وحتى لون البشرة، ولا ننسى هنا قدرات أوباما الخطابية الفائقة، ولولا توافر تلك الخصال في مرشح كأوباما لما تمكن أكسلرود من بناء حملته الدعائية

وما نقصده هنا أمران، أولهما أنه ينبغي على الأميركيين - خاصة مسئولي الدبلوماسية العامة منهم - عدم الإفراط في التفاؤل في إمكانية أن يمثل انتخاب أوباما وما حظي به من زخم سببا كافيا لتحسين صورة أميركا وتغيير الرأي العام الدولي الناقد للسياسات الأميركية بعد نهاية عهد جورج دبليو بوش

ثانيا: أن العالم لن يصبر كثيرا على أوباما لأكثر من سبب كضيق العالم الشديد بسياسات بوش، ولأن أوباما أحاط نفسه بصقور من أمثال هيلاري كلينتون، ولأن حملات أكسلرود ما بعد الحداثية قد لا تنطلي كثيرا على العالم، فالعالم يبحث عن معني حقيقي على أرض الواقع، وسياسات أميركا واضحة لا تحتاج إلى تفسير، وبدون تغيير هذه السياسات سوف تعجز أميركا عن إضفاء أي معني جديد على سياساتها حتى لو كان هذه المعني هو "باراك أوباما" كما صوره عبقري خبراء العلاقات العامة والسياسية في الوقت الراهن دايفيد أكسلرود

Tuesday, February 24, 2009

تعيين دينيس روس واكتمال عقد الليبراليين الجدد حول أوباما
مقال بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره

www.alaabayoumi.com

نص المقال

تعيين دينيس روس مستشارا للخارجية الأميركية بخصوص منطقة الخليج وإيران لم يكن مستغربا بل جاء تأكيدا لوجهة نظر تقول بأن إدارة باراك أوباما وضعت ملف السياسة الخارجية في أيدي الليبراليين الجدد الذين لا يقلون خطورة أحيانا كثيرة عن المحافظين الجدد الذين انشغل العالم بهم خلال عهد جورج دبليو بوش

فأوباما حير العالم خلال حملته الانتخابية بسبب خلفيته السياسية غير المعروفة وخطابه البراق، ويبدو أن أوباما - ومن خلفه مستشاره دايفيد أكسلرود - باعا للعالم خطابا براقا خلال الحملة الانتخابية، خاصة وأن أكسلرود معروف بقدرته على إدارة حملات انتخابية "ما بعد حداثية" تركز على شخصية المرشح لا على سياساته حتى أنه يمتلك شركة دعاية خاصة تتخصص في تصوير مصالح الشركات الخاصة على أن مصالح سياسية عامة تخدم المجتمع

وعندما فاز أوباما فضل السلامة ووضع سياسته الخارجية في أيدي الصقور وهم كثيرون حوله، وعلى رأسهم هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية وجوزيف يايدن نائب الرئيس ورام إيمانويل كبير موظفي البيت الأبيض وريتشارد هولبروك مبعوث أفغانستان ودينيس روس مستشار الخليج وإيران

المثير في هؤلاء جميعا هو أنهم ينتمون لنفس المدرسة الأيدلوجية ويسيطرون على أهم الملفات حساسية في عهد أوباما

فهم ينتمون جميعا لتيار الليبراليين الجدد والذي يتشابه كثيرا من حيث نشأته وأفكاره مع المحافظين الجدد، فالتياران ينتميان لمجموعة "البيض الليبراليين المحافظين" الذين رفضوا انحياز الحزب الديمقراطي منذ منتصف الستينيات لليسار الجدد، وكان المحافظون الجدد – وأبرز قادتهم من اليهود الأميركيين - أقل صبرا وأكثر ضيقا بهذا الانحياز فتركوا الحزب سريعا وانضموا للحزب الجمهوري خاصة عندما يرى أن اليسار الجدد ينحاز مع الاتحاد السوفيتي والعرب ضد أميركا وإسرائيل

أما الليبراليون الجدد فكانوا أكثر صبرا، لذا قرروا البقاء في الحزب الديمقراطي وتغييره من الداخل، وبالفعل تحقق لهم ذلك منذ منتصف الثمانينيات ومع صعود جيل جديد من القادة الشباب على رأسهم بيل كلينتون وآل جور وجوزيف ليبرمان، وتمكن كلينتون من الفوز بالرئاسية الأميركية في عام 1992 وبدأ في صياغة مبادئ الكلنتونية في فترة النظام العالمي الجديد

وقد دارت الكلنتونية على مستوى السياسية الخارجية حول أفكار تتشابه كثيرا مع أفكار المحافظين الجدد وعلى رأسها إعادة صياغة النظام العالم على شاكلة ترضي أميركا، والحفاظ على الأحادية القطبية لأطول فترة ممكنة، وتفضيل سياسة خارجية أميركية أكثر تدخلية

لذا أيد المحافظون الجدد بيل كلينتون لتدخله في الصومال والبوسنة وغيرها من مناطق الصراع الساخنة في التسعينيات، ولكنهم انتقدوه لأنه كان أقل طموحا منهم وأكثر ترددا في استخدام القوة العسكرية مقارنة معهم وفضلوا عليه صقور الحزب الجمهوري الصاعدين من أمثال جون ماكين والذي انتقد كلينتون بشدة لتردده في شن حرب حاسمة ضد النظام العراقي

الفارق هنا ضئيل للغاية بين الليبراليين الجدد والمحافظين الجدد، فالفارق يدور حول رفض الليبراليين الجدد لنزعة المحافظين الجدد العسكرية المفرطة، فهم يرون أن الميل المفرط للنزعة العسكرية يضر بصورة أميركا ومصالحها، ويفضلون في المقابل تغليب الدبلوماسية أو القوة الناعمة مع الاحتفاظ بتوجه صقوري تدخلي في السياسة الخارجية لا يتردد في خوض الحروب وهي المدرسة التي تمثلها بوضوح هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية حاليا ومنافسة أوباما اللدودة في انتخابات 2008 الرئاسية

ومن يرفض هذه الفكرة عليه أن يتذكر أن الليبراليين الجدد بقيادة هيلاري وبايدن وقيادات الديمقراطيين بالكونجرس أيدوا قرار حرب العراق، ورام إيمانويل والذي يعد أحد مهندسي صعود الديمقراطيين في انتخابات 2006 قال أنه كان سيدعم غزو العراق حتى لو علم مسبقا بعدم امتلاكه أسلحة دمار شامل، كما ساند إيمانويل بشدة جوزيف ليبرمان صقر الحزب الديمقراطي الذي دعم جون ماكين في انتخابات 2008، والمعروف أن ليبرمان ترك الحزب الديمقراطي بسبب صقوريته الأول المفرطة في انتخابات عام 2006، ولكن إيمانويل كبير موظفي البيت الأبيض وأحد المقربين لأوباما ساند ليبرمان في انتخابات 2006 على حساب هاورد دين رئيس لجنة الحزب الديمقراطي الأميركي المركزية في ذلك الحين وأحد أهم زعامات تيار اليساريين الجدد داخل الحزب

ولما فاز أوباما وتحول إيمانويل لكبير موظفي البيت الأبيض قرر هاورد دين زعيم تيار اليساريين الجدد وأكبر ناقدي حرب العراق منذ عام 2004 الاستقالة بعدما تحول الحزب الديمقراطي لحزب أغلبية بفضله وبفضل التيار المعادي للحرب لا بفضل أمثال إيمانويل كما يري الكثيرون، ولكن يبدو أن ثورة هاورد دين ورثها رام إيمانويل وجوزيف بايدن وهم أحد أكثر الديمقراطيين خبرة بقضايا السياسة الخارجية ومع ذلك دعم حرب العراق في 2002 وطرح خطة لتقسيمه بعد ذلك ووصف نفسه بأنه "صهيوني

أما هولبروك فهو أحد أهم دعاة الليبرالية الجديدة على ساحة السياسة الخارجية منذ أوائل الثمانينات حيث كتب يطالب الديمقراطيين بتبني سياسة خارجية صقورية توازي تشدد الجمهوريين في عهد ريجان، وذلك لكي يتمكنوا من العودة سياسيا بقوة وسحب البساط الجماهيري من تحت أقدام الجمهوريين الأكثر تشددا ضد الإتحاد السوفيتي في ذلك الحين، لذا لم يكن مستغربا أن تمنحه إدارة هيلاري وبايدن ملف أفغانستان وهو الملف الأكثر حساسية في عهد أوباما

أما روس فاسمه يرتبط مؤخرا بتقرير متشدد صدر بخصوص إيران صادر عن مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدني ويركز على ضرورة التنسيق بين أميركا وإسرائيل بخصوص إيران، ومن المثير أن التقرير حاز بتوقيع سوزان رايس سفيرة أوباما للأمم المتحدة، وجايمس جونز مستشار السياسة الخارجية، ومنذ ذلك الحين والتوقعات تشير لتولي روس ملف إيران في إدارة أوباما بشكل من الأشكال، وصدقت هذه التوقعات بإعلان تعيين روس لمنصب مستشار الخليج وإيران في وزارة الخارجية

هذا يعني أن أوباما وضع سياسته الخارجية في أيدي الليبراليين الجدد، وفضل السلامة على المخاطرة، ومال إلى السيناريو الأكثر تشددا، والذي ينادي بسحب القوات الأميركية من العراق في أسرع وقت لا لتصحيح أخطاء الاحتلال ولكن لتحريرها من قيود العراق واستخدامها كعامل ضغط على إيران، كما وضع أوباما الملفات الأكثر صعوبة مثل إيران وأفغانستان في أيدي صقور مثل روس وهولبروك، وترك إدارتهم لبايدن وهيلاري كلينتون

أما ملف الشرق الأوسط فتركه أوباما لجورج ميتشل الأقل صقورية وربما كمحالة لطمأنة العرب، ولكنه قد يعني في الحقيقة أن أوباما يريد تحريك ملف عملية السلام فقط لا حله فأولويته هي إيران وأفغانستان

ويبدو أن الإسرائيليين أدركوا ذلك سريعا وبكفاءة فدفعوا بصقورهم إلى الأمام في الانتخابات الأخيرة بتفضيل بنيامين نتانياهو، وفي ذلك رسالة هامة وقوية لأوباما مفادها "لا تعبث معنا، فنحن لسنا معنيين بخطابك البراق، ولا نريد أن نقدم لك أي تنازلات، فرجاء لا إزعاج، وإن كنت تريد العمل معنا، فنحن كذلك نريد العمل معك ولكن بخصوص إيران

والطريف أن إعلان تعيين روس جاء بعد فوز نتانياهو رغم أن التوقعات الخاصة بترشيحه قديمة للغاية، وكأن تعيين روس جاء طمأنة لنتانياهو بأن عين أميركا والليبراليين الجدد الحقيقية هي على إيران

Wednesday, November 12, 2008

تحية وداع مستحقة إلى أخر إمبراطور أميركي ... جون ماكين
بقلم علاء بيومي – مؤلف كتاب جون ماكين والشرق الأوسط والولاية الثالثة للمحافظين الجدد – للإطلاع على النص الكامل للكتاب اضغط هنا

يمكن نشر المقال الراهن مع الإشارة إلى مصدره

نص المقال

ما فعله جون ماكين في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة (2008) كان إمبراطوريا بحق لا يستحق منا إلا كل احترام وتقدير، فقد انبرى الرجل للدفاع عن الحزب الجمهوري في ظروف صعبة للغاية على الرغم من عداء الجمهوريين الطويل له، وهو أمر لا يقوم به إلا شخصيات قليلة شجاعة، وهي سمة من السمات الإيجابية العديدة التي يتمتع بها ماكين

لذا في اعتقادي أن ماكين لم يكن ليستحق الهزيمة الكبيرة التي مني بها على أيدي باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، وهذا لا يعني أن ماكين لم يكن يستحق الهزيمة، فقد استحقها باقتدار بعد أن غير كثيرا من وجهته السياسية منذ أواخر عام 2004، وتبني كثيرا من مواقف بوش والجمهوريين التي عارضها في الماضي، لذا كانت وجاءت هزيمة ماكين مستحقة، ولكن الهزيمة الكبيرة التي تعرض لها تعد ظلما لرجل مثله

وهذا مرة أخرى لا يعني أننا مساندين لماكين وأو للجمهوريين أو لمواقف ماكين السياسية، ولكنني ومن باب احترام الأخر رأيت أنه من الواجب تقديم تحية وداع مستحقة لأخر إمبراطور أميركي منتظر

فجون ماكين كما ذكرت في
مقال سابق يتمتع بخالص كثيرة تضعه باقتدار ضمن سلالة سياسية هي أقرب من سلالة الأباطرة الكبار الذين ينظرون إلى أنفسهم كأناس يصنعون تاريخ شعوبهم والعالم


أوباما كذلك ينظر لنفسه كشخص يصنع تاريخ أميركا والعالم، ولكن الفارق بين أوباما وماكين، هو أن ماكين يمتلك تاريخا هائلا، وشخصية قوية تتميز بخالص شرسة صعبة المراس تبدو كخالص المحاربين خاصة إذا ما قارناها بأوباما الأستاذ الجامعي الحالم قليل الخبرة السياسية

فماكين ثائر غاضب تعرض للأسر والتعذيب لسنوات، ينحدر من أسرة من كبار قادة البحرية الأميركية، كما أنه طيار سابق وسياسي قدير ملأ ساحات أميركا بالصخب والصراعات السياسية والتصريحات النارية على مدى أكثر من عقدين من الزمان

كما أنه بحق أخر إمبراطور أميركي، فهو وريث الجمهوريين برغبتهم في أعادة بناء العالم، ووريث مشروع العظمة الوطنية الذي تبناه المحافظين الجدد منذ منتصف التسعينيات، ووريث الريجانية، ووريث الروح الأميركية في قمة عنفوانها ورغبتها في مفاجئة الجميع وتغيير مواقفهم بين عشية وضحاها من خلال قلب قواعد اللعبة السياسية رأسا على عقب

خسارة ماكين هي خسارة كبيرة لمن يعشقون متابعة ذلك النوع من الساسة بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معهم، فالتقدير واجب حتى مع الخصوم

كما أن ماكين خسر وخسرت معه الإمبراطورية الأميركية ذاتها، فقد خاض انتخابات صعبة هل بمثابة استفتاء على روح الإمبراطورية الأميركية ومدى قدرتها على الاستمرار، وهي جريحة تعاني من نزيف اقتصادي حاد في الداخل وخسائر عسكرية كبيرة في الخارج ومشاكل أخرى عديدة

وما يزيد الأمر صعوبة على النفس هو أن ماكين كان يمكن أن يجنب نفسه الخسارة الهائلة التي تعرض لها والتي توقعها وحذر منها الكثيرون، فقد حذر عدد كبير من الخبراء السياسيين الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء من أن الحزب الجمهوري مقبل على خسارة فادحة في انتخابات 2008 بسبب سياسات بوش وقادة الحزب الجمهوري الذي ارتموا في أحضان قوى اليمين المسيحي، والذين عارضهم ماكين لسنوات

ولكن ماكين تحلى بصفات فرسان العصور الوسطي وقرر المضي قدما في طريقة ورشح نفسه في الانتخابات متبنيا أجندة تدعم حرب العراق وزيادة القوات الأميركية هناك في أوائل عام 2007، وفي وقت وصلت فيه معارضة حرب العراق إلى أدنى مستوياتها وتخلى فيه عتاة الجمهوريين عن دعمها

ولكن الإمبراطور ماكين سار في طريقه رافضا التراجع ولو لحظة، فدعم إستراتيجية زيادة القوات حتى صعدت أسهمها وصعد معها، ووجد نفسه في الانتخابات التمهيدية يواجه منافسين هم أقل منه خبرة وحكمة بكثير، ولو فاز أحدهم بترشيح الجمهوريين لتعرض لهزيمة أكبر من التي تعرض لها ماكين بدرجات، ولألتهمه أوباما والديمقراطيون بسهولة، أو لربما تغير التاريخ والتهمته هيلاري كلينتون

فأحد أسباب اختيار الديمقراطيين لأوباما هو فوز ماكين بترشيح الجمهوريين له في الانتخابات التمهيدية، وذلك لأن الديمقراطيين أدركوا أن ماكين سياسي غير عادي صعب المراس وأنه يحتاج لسياسي من نوع جديد قادر على قلب الطاولة رأسا على عقب وعلى إعادة تعريف قواعد اللعبة السياسية، لذا دفعوا بأوباما لمواجهة، وفضلوا أوباما على هيلاري كلينتون، وربما لو فاز شخص أخر غير ماكين في انتخابات الجمهوريين التمهيدية لتردد الديمقراطيون كثيرا في ترشيح أوباما، ولهذا يمكن القول أن صعود الإمبراطور ماكين خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة ساهم بشكل قوي في صعود الرئيس الأميركي الـ 44 باراك أوباما

عموما خاض الإمبراطور المجروح حربا كان غني عنها فتاريخه مليء بالمواقف السياسية الكبيرة، وهو جزء لن ينسى من تاريخ أميركا السياسي، فهو واحد من الأميركيين القلائل الذين يمكن وصفهم اليوم بالأبطال القوميين، ولكنه وعلى طريقة الكبار انبرى للدفاع الجمهوريين بعدما تخلوا عنه في عام 2000 وفضلوا عليه بوش قليل الخبرة والحيلة، وانبرى لتوحيد صفوفهم الممزقة، وفي شن حرب صعبة المراس على الديمقراطيين، حرب مليئة بالكر والفر بشكل قد لا يتقنه - وسط الجمهوريين - سوى ماكين

ولكن يبدو أن الموجات كانت عالية، وأن الصفوف كانت ممزقة والأسلحة قديمة عتيقة والجعبة خاوية أكثر مما توقع الإمبراطور ماكين، لذا هزمه جيشه وتخلى عنه مرة ثانية وأخيرة، فقد هزمه الجمهوريون في عام 2000 حين فضلوا بوش عليه، وهزموه في 2008 حينما دفعوه للأمام للتضحية به في خضم بحر هائج غاضب لا يتنبأ إلا بتحطيم من يقف أمامه

ولكن الإمبراطور أبى إلا يحارب حتى النهاية، واختار نائبته سارة بالين لإرضاء الجمهوريين من ناحية وليثبت للجميع أنه قادر كعادته على مفاجئة الجميع وزلزلة الأرض من تحت أقدام جنوده وخصومه على حد سواء

ولكن القدر لم يمهل الإمبراطور الأخير فرصة أخرى، فحكم عليه بأخر وأقسى هزائمه، لذا لا يسعنا سوى أن نقدم تحية وداع وتقدير مستحقة لأخر إمبراطور أميركي (جون ماكين) على الرغم من اختلافنا معه

-----

مزيد من المقالات عن جون ماكين

النص الكامل لكتاب جون ماكين والشرق الأوسط والولاية الثالثة للمحافظين الجدد

عرض مفصل لكتاب جون ماكين والشرق الأوسط والولاية الثالثة للمحافظين الجدد

التخويف من العرب والمسلمين في الانتخابات الرئاسية الأميركية الحالية


الإمبراطور الأميركي الأخير


حلقة برنامج "كتاب ألفته" عن كتاب جون ماكين والشرق الأوسط


فروق بين أوباما وماكين أظهرها لقاؤهما الانتخابي الأول


العراق بين قنوط أوباما وصقورية ماكين


ماكين في مواجهة دروس البروتستانت التبشيريين القاسية


من لا يحب جون ماكين؟

Thursday, November 06, 2008

آلام أوباما هي سر حب العالم له ... قراءة في سيكولوجية الرئيس الأميركي الـ44
بقلم: علاء بيومي - مؤلف كتاب باراك أوباما والعالم العربي الصادر عن مركز الجزيرة للدراسات في 4 نوفمبر 2008

لمزيد من المعلومات عن أوباما وسيرته الذاتية والعوامل التي ساهمت في تكوينه اضغط
هنا

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره
www.alaabayoumi.com

نص المقال

لماذا يحب العالم أوباما لهذه الدرجة؟ الإجابة باختصار هي لأنه أشعرهم بأنه مثلهم إنسان يعاني منقسم على نفسه مليء بالصراعات الداخلية والجراح النفسية العميقة التي لا تندمل ولكنها جعلته إنسان أفضل، بمعنى أخر شعر العالم منذ فترة بأن جراح وآلام أوباما العميقة والعديدة قد تذكره يوما بمعاناة الآخرين إذا صار رئيسا للولايات المتحدة الأميركية

فقد ولد أوباما لأب مهاجر كيني تركه وهو ابن العامين، وفضل هجره وهجر والدته صغيرة السن لكي يحصل على منحة دراسية في جامعة مرموقة، وكان في متناول حسين أوباما أن يصطحب باراك ووالدته معه إذا رضي بالدراسة في جامعة أصغر، ولكن طموح الأب المهاجر حرم أوباما إلى الأبد من أن ينشأ في حضن والده، وهو أول وأعمق جرح عاني منه أوباما

وهكذا نشأ أوباما في حضن أمه يفتقد الأمان، وسرعان ما تزوجت والدته بزوج إندونيسي اصطحبها - وباراك في السادسة من عمره - إلى إندونيسيا، ليتعرض أوباما من جديد لصدمة الغربة وترك الأهل والأصحاب والمألوف في سن صغيرة، وفي اندونيسيا تعرف أوباما على عالم جديد، حيث درس بمدارس مسلمة مختلطة وأخرى كاثوليكية، وتردد على المساجد ويقال أنه حضر صلاة الجمعة ودروس في الدراسات الإسلامية وتعلم القرآن

ويقال أيضا أن خبرة أوباما في اندونيسيا فتحت مداركه في سن صغيرة على اتساع العالم وتعدده وتنوع أعراقه وشعوبه، وأنها جعلت من أوباما طفلا أميركا حساس واسع المدارك مقارنة بنظرائه من الأطفال الأميركيين الذين تربوا وترعرعوا منغلقين على أنفسهم في مدن أميركا وقراها

ولكن القدر لم يمهل أوباما كثيرا، فسرعان ما انفصلت والدة أوباما عن زوجها الإندونيسي وأرسلت أوباما وهو في العاشرة من عمره إلى أميركا ليعيش في كنف والديها، وبهذا فقد أوباما حنان الأم والأب معا وهو ابن العاشرة

وتشير مصادر عديدة إلى أن جدي أوباما سعيا إلى تعويضه عما فقده من حنان واستقرار إذا أرسلاه لأفضل المدارس المحيلة وقاما على رعايته، ولكن جراح أوباما لم تندمل

فقد ظل أوباما يبحث لنفسه عن جذور وهوية وأصل، فرحيل الأب ترك أوباما معلقا في الهواء بلا هوية فيما عدا بشرته السمراء والتي أشعرته بأن الأميركيين من حوله ينظرون إليه نظرة مختلفة لم يفهمها أوباما حتى صار مراهقا يدرك ما يدور من حوله من صراعات بشرية غير مبررة، ويقول أوباما في مذكراته أن جدته كانت تخشى أحيانا السير في شوارع يملأها الشباب السود، وأنه أحس بخوفها هذا وتألم له وأخفاه في نفسه

أما أصدقاء أوباما السود فقد ضاعوا واحدا بعض الأخر بسبب العنصرية وسخطهم عليها حيث توجه بعضهم إلى العنف والثورة والغضب، أما أوباما فقد توجه للمخدرات والتي وقع ضحيتها لفترة

وزاد من عذابات أوباما خلال سنوات المراهقة إدراكه لجذوره الأفريقية البسيطة، فقد تصور أوباما في طفولته أنه ابن أمير أفريقي ثري كبير ومهاب، ولكن لما شب عود أوباما وتوسعت مداركه طلب من معلمة المكتبة أن تبحث له عن معلومات عن جذوره وعن قريته وقبيلته في كينيا، ويقول في مذكراته أنه عندما اكتشف حقيقة جذوره البسيطة وأنه لا ينحدر من أصول عريقة – كما ظل يحلم - ترك الكتاب مفتوحا في المكتبة وانطلق مسرعا بعدما تحطم أحد أهم أحلامه أو الأساطير التي عاش عليها لسنوات خلال طفولته

وبهذا كان أوباما على مشرفة الانهيار، فهو إنسان بلا هوية وبلا جذور، كما أنه تربي كأبيض وسط أسرة بيضاء ولكن بشرته سمراء ومحاط بمجتمع يدرك معنى العنصرية ويعاني منها، هذا إضافة إلى أبيه المفقود وأحلامه التي تبددت كالسراب

ولكن وسط الأزمة ولد أوباما الجديد، حيث أدرك أوباما الشاب الذكي العنيد أن لجوءه للمخدرات أو العنف أو الضياع لن يشفع له ولن يغني عنه شيئا، لذا قرر في المقابل أن يلزم نفسه بنظام حياتي قاسي وأن يلجأ للنجاح ليواجه به الفشل وأحلامه الضائعة وهويته المفقودة

لذا تحول أوباما المعذب إلى أوباما المبتسم المتفائل الإيجابي الذي نراه حاليا على شاشات التلفاز حاليا، تحول أوباما من مشروع إنسان فاشل أسير التناقضات الداخلية والمخدرات لإنسان حساس يريد مساعدة الآخرين

ويقول بعض النقاد الذين قرءوا وحللوا مذكرات أوباما "أحلام من أبي" والتي نشرها بعد تخرجه من جامعة هارفارد في منتصف التسعينات، أنها كشفت عن إنسان مرهف الحس حريص على الشعور بما يعانيه الآخرين من مشاعر متناقضة بشكل مفصل دقيق، إنسان مر بتجارب مختلفة في عمر صغير عمقت مشاعره وأرهفت حسه وجعلته كالرادار الحساس القادر على فهم الآخرين وإظهار تعاطفه معهم بشكل سريع

ترك أوباما جزر هاواي حيث سنوات النشأة إلى كاليفورنيا ثم نيويورك حيث أكمل دراسته الجامعة، وبعد تخرجه عمل في بعض الوظائف الجيدة المؤقتة والتي تركها سريعا لأنه كان مشغولا بالبحث عن شيء أهم من الوظيفة

ووجد أوباما ضالته في شيكاغو حيث أعلن عن وظيفة شاغرة لمساعدة المجتمع المحلي الأسود هناك حيث تعيش تكتلات بشرية ضخمة للأفارقة الأميركيين تعاني من مشاكل داخلية - بين السود وبعضهم البعض - وخارجية - بين السود ومجتمعهم الأميركي الأكبر – عديدة

ويقول أصحاب الوظيفة أن أوباما عندما اتصل بهم تخوفوا من اسمه الغريب ومن مؤهلاته العلمية العالية التي تؤهله لوظيفة أرقى وأكثر ربحا، ولكنهم عندما تقابلوا معه وجدوا فيه الشخصية التي يبحثون عنها، وجدوا فيه إنسان يدفعه البحث عن هويته إلى الذوبان في الناس بحثا عن إجابات صعبة للأسئلة التي تدور في ذهنه

وفي شيكاغو ولد أوباما من جديدة حيث أعاد بناء هويته حتى أنه اعتنق المسيحية رغبة منه في التقرب من الكنائس والقيادات الأفريقية المسيحية هناك، كما اختلط بالفقراء وقضاياهم وتعلم عنهم وعن معاناتهم

وبعد أن عثر أوباما عن هويته أدرك بعد ثلاث سنوات قضاها في شيكاغو أنه لن يتمكن من مساعدة الآخرين بشكل حقيقي إلا إذا امتلك قدر كبير من القوة، وساعتها قرر أوباما ترك شيكاغو موطنه الجديد والتحق بأكبر جامعات أميركيا (هارفارد) ليدرس القانون تخصص قادة أميركا ورؤساءها، ولسان حاله يقول أنه عائد لشيكاغو، ولكن كإنسان جديد إنسان يدرك من هو ويدرك معاناة الآخرين وقادر على مساعدتهم

وهنا بدأت صفحة جديدة في حياة أوباما هي صفحة بحثه عن الرئاسة الأميركية، وللحديث بقية

******

مزيد من الدراسات والمقالات عن باراك أوباما

باراك أوباما والعالم العربي - نص كتاب

تهنئة إلى من راهنوا على باراك أوباما


هل نحن حقا على مشارف عصر سياسي أميركي جديد


لماذا يتمتع باراك أوباما بكل هذه الكاريزما؟


هل تراجع تأييد العرب لباراك أوباما - مقال باللغة الإنجليزية


هل أحبط باراك أوباما مسانديه؟


باراك أوباما يغلب "الليبرالية الواقعية" باختياره بايدن نائبا له


فروق بين باراك أوباما وجون ماكين أظهرها لقائهما الانتخابي الأول

العراق بين قنوط باراك أوباما وصقورية جون ماكين


معاناة باراك أوباما ومأساة الديمقراطيين في أميركا


أحلام باراك أوباما والجيل الأميركي المفقود

ترويض باراك أوباما

Wednesday, November 05, 2008


صدور كتاب "باراك أوباما والعالم العربي" عن مركز الجزيرة للدراسات

معلومات الكتاب

علاء بيومي، "باراك أوباما والعالم العربي"، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، قطر، 2008

للإطلاع على النص الكامل للكتاب إضغط
هنا

للإطلاع على بيان الجزيرة عن الكتاب إضغط
هنا

أعلن مركز الجزيرة للدراسات (الدوحة، قطر) عن صدور كتاب "باراك أوباما والعربي" والذي يتناول سيرة باراك أوباما الرئيس الأميركي الـ 44 ومواقفه تجاه أهم قضايا العالم العربي، وعلى رأسها العراق وفلسطين وإيران وقضية الديمقراطية وسياسة أميركا تجاه الدول العربية الكبرى

وتتكون الدراسة من ثلاثة أجزاء، يتناول أولها الحزب الديمقراطي الأميركي وأهم الجماعات المشكلة له والتيارات الإيدلوجية المسيطرة على سياساته الداخلية والخارجية

ويتناول الفصل الثاني من الكتاب شخصية أوباما ونشأته ومسيرته السياسية والتحديات التي ساهمت في تشكيل وعيه السياسي وأهم المستشارين المحيطين به

أما الفصل الثالث والأخير فهو أطول فصول الدراسة حيث تناول بالشرح والتحليل مواقف أوباما المفصلة تجاه عدد من أهم قضايا العالم العربي وذلك من خلال ما يتوافر عن تلك القضايا من وثائق وتقارير صحفية أميركية ودولية

وتؤكد الدراسة في خاتمتها على عدة قضايا من أهم صعوبة التنبؤ بسياسات أوباما المستقبلة بسبب حداثة عهده السياسي ونحافة سجله السياسي مما يعلي من أهمية دراسة المستشارين المحيطين بأوباما خاصة على صعيد السياسة الخارجية

وترسم الدراسة في خاتمتها سيناريو محتمل لسياسات أوباما الشرق أوسطية بناء على ما ترصده الدراسة من حقائق وتحليلات، ويقوم هذا السيناريو على التالي (لمزيد من التفصيل يرجى الإطلاع على خاتمة الدراسة)

أولا: سوف يحتل العراق المكانة الأول بين أولويات السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط

ثانيا: تأتي إيران في المرتبة التالية بين أولويات أوباما في الشرق الأوسط

ثالثا: إيجاد حل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي لا يبدو وكأنه أولوية على سياسات أوباما الشرق الأوسطية

رابعا: لن يضع أوباما قضية نشر الديمقراطية بالدول العربية بين أولوياته

خامسا: من المتوقع أن يتبنى أوباما دبلوماسية نشطة تجاه العالم والإسلامي ويقوم بتفعيل أدوات الدبلوماسية العامة، ولكنه قد يقوم بذلك بأسلوب غير مباشر من خلال تقديم المساعدات في مجالات كالتعليم والصحة ومكافحة الفقر، ومن خلال تركيز على العمل مع دول إسلامية غير شرق أوسطية

كما تؤكد الدراسة في سطورها الأخيرة على أن السنوات الأولى من ولاية أوباما سوف تكون انتقالية يركز فيها على حل المشاكل التي تمثل تهديدا لأمن أميركا وعلى رأسها العراق وإيران، على أن يدفع عجلة السلام للأمام ويتبنى سياسات واقعية تجاه الدول العربية الكبرى أملا في أن يحصل على دعمها في مواجهة إيران وفي دعم استقرار العراق، وقد تتغير تلك السياسات بمرور الوقت إذا حقق أوباما أهدافه السابقة

معلومات الكتاب

علاء بيومي، "باراك أوباما والعالم العربي"، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، قطر، 2008

للإطلاع على النص الكامل للكتاب يرجى زيارة
http://www.aljazeera.net/mritems/streams/2008/11/5/1_864459_1_51.pdf

للإطلاع على بيان الجزيرة عن الكتاب
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/2F95C079-4C81-461A-A552-8FAE9EB12341.htm

Thursday, February 28, 2008

أحلام أوباما والجيل الأميركي المفقود
مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر: الجزيرة نت، 20 فبراير 2008

نص المقال

سر الصراع الشرس والطويل بين باراك أوباما وهيلاري كلينتون على الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة هو أنه يجري بين كيانات أكبر من أوباما وهيلاري بكثير، فهو صراع بين النخب الحاكمة للحزب الديمقراطي من ناحية وللولايات المتحدة الأميركية من ناحية أخرى، بل هو صراع بين الأجيال الأميركية شاء القدر أن يجري داخل أروقة الحزب الديمقراطي في العام الحالي

صراع أجيال

جذور الصراع الحالي تعود إلى الفترة التالية للحرب العالمية الثانية والتي شهدت خروج أميركا للعالم كقوة عظمى منتصرة ذات إمكانات غير مسبوقة من حيث القوى الاقتصادية والعسكرية، فترة ولد فيها جيل جديد يحكم أميركا حاليا ويمثله سياسيون مثل هيلاري كلينتون (ولدت في عام 1947) وزوجها بيل كلينتون (ولد في عام 1946) وجورج دبليو بوش (ولد في عام 1946)

جيل عرف أميركا في أوج قوتها وهيبتها الدولية ومواردها التي لا تنضب، وسرعان ما انشغل داخليا بصراعات طاحنة كثورة الحقوق المدنية وثورة الشباب الأخلاقية وحرب فيتنام وتبعاتها الكارثية

وهي صراعات قسمت الجيل السابق لفريقين متناحرين لا يتقابلان، يسار جديد توجه للحزب الديمقراطي تقوده الحركات النسوية والنخب الليبرالية المتحررة أخلاقيا والجماعات المعادية للحروب، ويمين ارتمي في حضن أثرياء الجنوب والرافضين لميراث ثورة الحقوق المدنية والمساندين للتشدد العسكري والجماعات المسيحية المتدينة متصاعدة النفوذ

وبدخول السبعينات دخلت أميركا داخليا مرحلة الحروب الثقافية التي شهدت انقساما حزبيا حادا بين الطرفين السابقين وصعودا متناميا في قوي اليمين الأميركي والتي دانت لها السيطرة منذ عام 1980، فبعد أن شهدت فترة ما بين الحربين صعودا مستمرا للحزب الديمقراطي واليسار الأميركي وصل قمته في فترة الستينات الصاخبة بدأ الجمهوريون في تنظيم أنفسهم وتحالفهم الجديد والذي ساهم في عودتهم للسلطة مع ريجان في عام 1980

ويقول البعض أن تأثير ريجان على السياسة الأميركية كان طاغيا إذا استطاع توسيع خيمة الجمهوريين وتحالفاتهم الجماهيرية بتقوية تحالفهم مع الجماعات المتدينة وبتشدده على ساحة السياسة الخارجية مما ساهم في اجتذاب صقور الديمقراطيين والليبراليين كالمحافظين الجدد

ومنذ عام 1980 لم يحكم أميركا رئيس ديمقراطي سوى بيل كلينتون، والذي حكم أميركا لثمانية سنوات فشل بعدها في الدفع بنائبه آل جور لسدة الحكم، ويقول البعض أن حكم كلينتون لم يكن سوى تأكيد لسيطرة الجمهوريين، ففي عام 1994 وبعد تولي كلينتون الرئاسة بعامين فقط منى الديمقراطيون بهزيمة ساحقة في مجلس النواب أدت إلى وقوعه تحت سيطرة الجمهوريين بنسبة كبيرة (فارق 25 مقعدا) عن الديمقراطيين، كما مال كلينتون كرئيس لليمين بتركيزه على قضايا مثل الحد من الإنفاق الحكومي وتشجيع التجارة الدولية وتنشيط دور أميركا في التدخل العسكري في حل الصراعات الدولية عبر العالم

ولذلك يري البعض أن الكلينتونية هي صورة انهزامية للمد الليبرالي، صورة يعترف فيها الديمقراطيون بسيطرة الجمهوريين الساحقة على مجريات السياسية الأميركية وبأن ليس أمامهم سوى المهادنة والميل لليمين قليلا أو لما يسمى بيمين الوسط لعلهم يتمكنون من الفوز بأصوات المعتدلين الجمهوريين وتقديم الأجندة الديمقراطية الليبرالية على استحياء بعض سنتيمترات إلى الأمام

ويرى الكثيرون أن هيلاري وريثة الكلينتونية الشرعية خاصة وأن خطابها تعتليه مسحات واضحة من التشدد خاصة على الساحة الخارجية، كما أن خطابها الداخلي ليبرالي متحزب بشكل واضح ومستعد بشراسة لمهاجمة الجمهوريين وإذاقتهم مرارة الهزيمة السياسية وتلقينهم أحد دروس فترة الحروب الثقافية، وهي حرب تشبه حرب الخنادق، والتي تعتمد بالأساس على إستراتيجية الكر والفر وإلحاق أكبر قدر من الخسائر بالعدو قبل العودة للتخندق من جديد وبأقصى سرعة

عصر الحروب المفتوحة

ولكن البعض يرى أن إستراتيجية هيلاري والتي تعكس عقلية جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية والمؤمنين بالكلينتونية في الحزب الديمقراطي لم تعد صالحة للفترة الحالية، بل أنها باتت معزولة عن حقيقة التحولات الكبرى التي تعصف بالحزبين الجمهوري والديمقراطي والسياسية الأميركية حاليا

حيث يرى هؤلاء أن أخطاء جورج دبليو بوش الكارثية خاصة في العراق أدخلت السياسة الأميركية في عصر جديد من الصراعات السياسية يمكن تسميته بعصر الحرب المفتوحة

فعلى مدى سنوات حكمه دافع بوش بقوة عن أجندة النخب الحاكمة للحزب الجمهوري وهي أجندة تقوم على خدمة أثرياء الجنوب والبروتستانت التبشيريين والجماهير اليمينية الأكثر تشددا من خلال إفساح المجال أمام شركات الطاقة الأميركية للعمل بلا قيود، وخفض الضرائب على الأثرياء، والتشدد العسكري على الساحة الخارجية، والميل لليمين الأخلاقي والديني على الساحة الداخلية

ويقول البعض أن الأخطاء الكبرى التي ارتكبها بوش في إدارة أميركا وحرب العراق أضرت ضررا بالغا بأجندة النخب السابقة والتي بات ينظر إليها على أنها نخب غير أمينة ولا تتمتع بالكفاءة اللازمة ناهيك عن المصداقية لقيادة أميركا

ونتيجة لذلك بات على تلك النخب أن تفسح المجال لفئتين، أولهما فئة النخب الاقتصادية والثقافية الجديدة المتصاعدة منذ أوائل التسعينات وخاصة أثرياء قطاع التكنولوجيا والخدمات المالية وصناعة الترفية، وهي نخب تنتمي لعصر ما بعد التصنيع أو ما بعد الحداثة وتحمل أفكار وتطلعات مختلفة إلى حد كبير عن أثرياء الجنوب والطاقة المسيطرين على الحزب الجمهوري

فنخب التكنولوجيا والترفيه والخدمات المالية نخب ثرية باتت تتمتع بنفوذ مالي وسياسي كبير يسعى أوباما وهيلاري وجون ماكين لحصده، نخب تميل أكثر لليسار، كما أنها أيضا تؤمن بأفكار جديدة فهي أقل تشددا من الناحية الحزبية، فهي أكثر إيمانا بقضايا كالبيئة وتحسين التعليم والحالة العامة للاقتصاد الأميركي وصورة أميركا عبر العالم وأكثر انجذابا للخطاب السياسي الأكثر رقيا وذكاء كخطاب أوباما

أما الفئة الثانية فهي الفئة التي تعرف بالجيل الأميركي المفقود وهم الجيل الأميركي الذي ولد بين عامي 1961 و1976 كما يحدده البعض، وهو جيل لم يعش صراعات الستينات، كما أنه ترعرع في ظرف أقل ثراء من جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث واجه الجيل الأميركي المفقود مشاكل ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية وتردي المدارس الحكومية وانشغال الساسة الأميركيين بالصراعات الحزبية والسياسية

لذا لا يرى هذا الجيل أنه ممثل سياسيا، كما يرفض سياسات جيل هيلاري وبيل كلينتون وجورج بوش والتي يرى أنها سياسات حزبية مؤلدجة تهمل قضاياه

ويقول البعض أن هذا الجيل ظل ضائعا مهملا ومنعزلا حتى دفعته أحداث 11-9 للمشاركة، ونظرا لعدم حزبيته مال لبوش واليمين في البداية ثم شعر بتطرفه فعاد وانقلب على اليمين ومال بشكل أكبر لليسار، وبات يبحث عن ممثل له في الانتخابات القادمة مستفيدا من قوته المتصاعدة، والتي تعود لإتقانه استخدام الإنترنت وأدوات الاتصال الحديثة مقارنة بالجيل القديم، وهي تقنيات باتت ذات قدرة كبيرة على جمع التبرعات وحشد تأييد الرأي العام في الانتخابات

الملهم المنتظر

ويرى المتابعون أن صعود النخب الجديدة وأخطاء إدارة بوش والتي أدت لهزيمة الجمهوريين الساحقة في انتخابات عام 2006 جعلت ساحة السياسة الأميركية مفتوحة على مصراعيها قابلة لصعود قيادات وأفكار جديدة تعيد تعريف القوى الحاكمة لأميركا

ويلوم الكثيرون على الديمقراطيين عدم استغلالهم الكافي لعصر الحروب السياسية المفتوحة حتى الآن حيث يرى هؤلاء أن الساسة الديمقراطيين مازالوا يعيشون بعقلية حروب الخنادق والكر والفر والتي أدت إلى هزيمتهم في انتخابات عام 2004 حين حاول جون كيري مواجهة جورج دبليو بوش بأجندة باهتة لا هي ليبرالية منفتحة ولا يمينية متشددة مما أدى لهزيمته

كما يرى هؤلاء أن انتصار الديمقراطيين في انتخابات عام 2006 لم يكن نتيجة لأفكار جديدة أو قيادات متميزة قدموها فغالبية الأميركيين تجهل أسماء قيادات الديمقراطيين في الكونجرس، وحتى باراك أوباما ذاته لا يمتلك الصيت الكافي لدى الشعب الأميركي، ولعل هذا سبب تفوق هيلاري عليه في بعض جولات السباق فهي أشهر منه على المستوى الأميركي

لذا لم ينتخب الأميركيون الديمقراطيين في عام 2006 بقدر ما أرادوا إسقاط الجمهوريين، مما يترك انتخابات العام الحالي مفتوحة أمام جميع الاحتمالات

وفي ظل هذا السياق يصور البعض أوباما على أن المنقذ المنتظر والرجل القادر على قيادة الحزب الجمهوري في ساحة الحروب المفتوحة وإلحاق هزيمة ضخمة بالجمهوريين تعيد تعريف حدودهم السياسة وتعيد بناء القواعد الجماهيرية للحزب الديمقراطي

ويرى هؤلاء أن هيلاري سوف تعجز عن القيام بتلك المهمة بحكم أنها معروفة بحزبيتها وحدتها الكفيلة بتوحيد الجمهوريين ضدها

أحلام أوباما

أما أوباما فهو مختلف كثيرا، فهو معروف بخطابه الذي يركز على الوحدة ويرفض الانقسام، وبحديثه الخلاق الجذاب القادر على إقناع الكثيرين، وبتوجهاته السياسية الليبرالية على الساحة الخارجية مقارنة يهيلاري التي أيدت حرب العراق وتميل للتشدد مما يجعل أوباما أكثر قدرة على جذب أصوات الجماعات الرافضة للحرب، كما أن أوباما يميل لليمين وللتوجهات المحافظة على الساحة الداخلية مقارنة بهيلاري فأوباما أكثر تدينا ومحافظة منها مما يجعله أكثر قدرة على اجتذاب أصوات المتدينين والجمهوريين المعتدلين

كما أن أوباما المولود في عام 1961 ينتمي للجيل الأميركي المفقود الذي مازال يبحث عن أحد يمثله، ولو تم انتخابه من قبل الديمقراطيين فسوف يساعد الحزب الديمقراطي على الفوز بأصوات هذا الجيل في الانتخابات الرئاسية، وسوف يكون في حالة فوزه بالرئاسة الأميركية في نوفمبر المقبل أول رئيس أميركي ينتمي لهذا الجيل ويعبر عن قضاياه بعد سيطرة جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية على السياسة الأميركية منذ عام 1992

كما أن أوباما يخوض الانتخابات بإستراتيجية جديدة تميزه عن هاورد دين الذي هزمه جون كيري في انتخابات عام 2004، وذلك لأن دين – الذي حقق نجاحا كبيرا قبل هزيمته - قدم نفسه على أنه صوت من لا صوت لهم في الحزب الديمقراطي كما أستطاع بناء حركة سياسية باتت مؤثرة في الحزب الديمقراطي وهو نفس الشيء الذي يفعله أوباما حاليا فهو يجذب إليه أصوات جديدة لم تصوت من قبل، ولكن أوباما حرص على آلا يقع في أخطاء هاورد دين والذي بالغ في يساريته بشكل قلص قواعده الجماهيرية، أما أوباما فيحرص على تقديم نفسه كرجل يحلم بتوحيد أميركا وتخطي الفوارق السياسية والعنصرية

ولكن هناك من يخشى على أوباما وأحلامه، فالنخب الصاعدة في أفق الحزب الديمقراطي نخب ثرية قد لا تهتم بأجندة الطبقات الفقيرة والمتوسطة، كما أن أوباما قليل الخبرة ولا يمتلك سوى خطابه الرائع وأحلامه بتخطي الفوارق الاقتصادية والعنصرية والسياسية في أميركا، وهناك من يخشى من أن تستغل القوى الرافضة للتغيير في أميركا خطاب أوباما وأحلامه كدليل في حل ذاتها على تخطي تلك الفوارق دون إعطاء أوباما فرصة للتغيير الحقيقي، فلكي يحقق أوباما أحلامه عليه مواجهة النخب التقليدية المسيطرة على الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري بنخبه وآلته السياسية والإعلامية الطاحنة والتي لن تتواري عن القضاء على أحلام أوباما والجيل الأميركي المفقود
----

مقالات ذات صلة

ترويض باراك أوباما

Sunday, February 17, 2008

نورمان بودهوريتز وإستراتيجية بوش والحمل الإسرائيلي
مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، فبراير 2008

نص المقال

مؤتمر أنابوليس وزيارة بوش للمنطقة والهجمة الإسرائيلية الشرسة على قطاع غزة تحثنا على قراءة كتابات وأفكار نورمان بودهوريتز أحد أهم مؤسسي تيار المحافظين الجدد لما يتميز به من شجاعة في الاعتراف بأفكار سياسية يمينية يصعب العثور عليها في مكان أخر خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط

أسد المحافظين الجدد

حياة وأفكار نورمان بودهويتز يرى فيهما البعض تأريخا لتطور تيار المحافظين الجدد فكريا وسياسيا، فبودهوريتز هو ابن لبان يهودي هاجر لأميركا هربا من اضطهاد أوربا لليهود، وتمكن في الثلاثينات من عمره رئاسة تحرير مجلة كومنتاري الصادرة عن اللجنة اليهودية الأميركية، وهي إحدى أكبر المنظمات اليهودية الأميركية، وكان هدف المجلة هو السعي لإيجاد قناة ثقافية يهودية أميركية تربط يهود أميركا فكريا بعضهم البعض وبمثقفي المجتمع الأميركي، ومن ثم تقود عملية اندماج اليهود المهاجرين في مجتمعهم الجدد

كما لم يخيب كومنتاري الآمال المعقودة عليه وعلى جيله من المثقفين اليهود الأميركيين فقد تحولت كومنتاري في أوائل الستينات وتحت قياده إلى منبر يستقطب كبار المفكرين اليساريين بأميركا، ولكن بمرور الوقت بدأ بودهوريتز يشعر بمشكلة مع اليسار الأميركي الجديد خاصة مع شعوره القوي بالحاجة للدفاع عن إسرائيل بعد حرب عام 1967، وشعوره بخطر صعود اليسار السياسي الأميركي الجديد في الستينات، وبأن ذلك اليسار الجديد بات معاديا لإسرائيل ولأميركا وقيمها التقليدية إلى حد كبير، وأن محاربة هذا اليسار ضرورة أولية لكي يتمكن بودهوريتز من تحقيق أهدافه السياسية الأخرى

لذا تحولت كومنتاري ومعها بودهوريتز تدريجيا نحو اليمين، ولم يكن تحولهما صامتا أو خافتا بل كان ثائرا غاضبا كعادة بودهوريتز والذي يتميز في كتاباته بعدم تردده في كيل النقد لخصومه الفكريين لدرجة أقلقت أصدقائه قبل أعدائه، حيث يؤكد بودهوريتز في مذكراته على أن طموحه يمثل بالنسبة له شهوة عارمة يصعب التحكم فيه تفوق "الشهوة الجنسية" وفقا لتعبيره، ورغبته في الظهور والشهرة والثناء لا تشبع، وأن معاركه الفكرية كالمعارك الحربية لا تنتهي إلا بسفك دماء خصومه والقضاء عليهم، ولعل ذلك ما دفع بعض الصحفيين بتلقيبه "بأسد المحافظين الجدد"

حروب بودهوريتز

وتقوم حروب بودهوريتز على إستراتيجية فكرية يكررها باستمرار، إستراتيجية تقوم على الشعور بوجود عدو خارجي خطير يهدد الولايات المتحدة ويحتاج لحرب عالمية ضده، لذا يسمى بودهوريتز الحرب الباردة بالحرب العالمية الثالثة، وينادي في كتاب جديد نشره في عام 2007 بأن أميركا تخوض من 11-9 الحرب العالمية الرابعة ضد ما يسميه "بالإسلام الفاشي"، وفي الحالتين يرى بودهوريتز أن أعداء أميركا دوليين أصحاب أجندة دولية ورغبة في الدمار العالمي وهزيمة أميركا وإسرائيل، كما يرى أن أميركا ليس أمامها بديل سوى حشد كل قواها لمحاربة العدو الخارجي في حرب لا هوداه فيها، فحروب بودهوريتز لا تعترف إلا بالهجوم المستمر لإجبار العدو على التراجع والانهيار في أقرب فرصة

ويعود تلك الأفكار إلى إيمان بودهوريتز أن القوى العالمية الكبرى تهاونت في مقاومة النازية خلال فترة ما بين الحربين العالميتين مما ساعد هتلر على شراء مزيد من الوقت لناء جيشه وارتكاب ما ارتكبه خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية من جرائم

لذا انتقد بودهوريتز كارتر بسبب مساعيه للحوار مع السوفيت ومهادنته لهم مما سمح بسقوط أفغانستان في يد السوفيت، كما انتقد بودهوريتز رئيس الوزراء السابق بنيامين نتانياهو على مهادنة عرفات والاستمرار في "عملية السلام" التي يعارضها بودهوريتز

الدفاع عن بوش والحرب العالمية الرابعة

وتشير الكتابات الصحفية أن بودهوريتز لم يلتق بوش إلا مرات قليلة جدا، وهذا يعني أن نفوذ بودهورتيز لدى بوش وعلاقته بإدارته تتخطى العلاقات المباشرة لتصل إلى ما غير ذلك، فعديد من أهم رموز المحافظين الجدد هم من أصدقاء وتلاميذ وإتباع بودهوريتز، ويكفي هنا الإشارة إلى أن إليوت إبرامز نائب مستشار الأمن القومي الأميركي هو زوج لإحدى بنات بودهوريتز

ويكن بودهوريتز قدرا كبيرا من الاحترام لبوش وسياساته ويدافع عنهما باستمرار، وذلك لأن بوش كما يرى بودهوريتز أول رئيس أميركي خلال فترة الحرب العالمية الرابعة، حيث يحلو لبودهوريتز تشبيه بوش بالرئيس الأميركي السابق هاري ترومان، والذي حكم أميركا في الفترة من 1945 إلى 1953، ليكون أول رئيس يحكم أميركا في الفترة التالية لنهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة والتي يطلق عليها بودهوريتز الحرب العالمية الثالثة، ويشيد بودهوريتز بعظمة ترومان لأنه أعد أميركا لخوض الحرب الباردة

ولكنه يقول أن أميركا لم تنتصر في الحرب الباردة إلا بعد ثلاثة عقود من ولاية ترومان، وأن استعداد ترومان للحرب العالمية الثالثة لا يقارن باستعداد بوش للحرب العالمية الرابعة، وهنا يشيد بودهوريتز بالتغييرات التي أدخلها بوش على سياسة أميركا في بداية الحرب العالمية الرابعة والتي بدأت في 11 سبتمبر 2001، ويطلق على تلك التغييرات في العادة اسم "عقيدة بوش" والتي تقوم على النظر للحرب على الإرهاب على أنها حرب عالمية تستغرق أجيالا وتتطلب مواجهة الجماعات الإرهابية والدول المساندة لها بشكل استباقي إجهاضي عسكري أحيانا والسعي لنشر الديمقراطية عبر العام كخير وسيلة لهزيمة الدكتاتوريات والتي تمثل السبب الأساسي لصعود الإرهاب كما يرى بودهوريتز

ويرى بودهوريتز أن أفكار بوش السابقة عبقرية وأنها تمثل نقلة نوعية في السياسة الخارجية الأميركية، وأن بوش لم يكتف بتقليد سابقيه، بل قام بإجراء تعديلات كبيرة على السياسة الخارجية الأميركية سوف يتبعها من يأتي بعده

ويقول بودهوريتز أن التحديات التي يواجهها تطبيق عقيدة بوش عبر العالم خاصة في العراق لا يجب أن تقلق مسانديه للأسباب التالية، أولا أن أي سياسية بها تكتيكات وبها إستراتيجية عامة، وأن مساندي بوش قد يختلفوا معه في بعض التحركات التكتيكية، ولكن ذلك لا يجب أن يدفعهم إلى الخلاف معهم لأنهم لا يدركون إستراتيجيته العامة الشاملة والتي سوف تقود للنجاح في النهاية

وثانيا: لأن أعداء أميركا عبر العالم وخاصة الدول الديكتاتورية سوف تسعى لإفشال إستراتيجية بوش وسياساته خوفا على مصالحهم، وهو شيء متوقع يجب أن ينتبه له مساندي بوش ولا يقلقهم

ثالثا: أن أي سياسة معرضة للاختلاف حولها النابع من الاختلاف الطبيعي في وجهات النظر، وأن الخلاف مع بوش في بعض سياساته في العراق مثل سياسة عزل البعثيين بعد غزو العراق هو خلال طبيعي نابع من اختلاف وجهات النظر وليس خلافا جوهريا يفترض الصواب أو الخطأ المطلقين

لا وجود لعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية

أما أحد أهم أسباب إعجاب بودهوريتز ببوش فهو موقف الأخير من عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، وذلك لأنه بودهوريتز - وهو من المعارضين المتشددين لأوسلو - يرى أن لا سلام يمكن تحقيقه بين العرب وإسرائيل خلال هذه الفترة عن طريق المفاوضات، وذلك لإيمانه بأن المسلمين والعرب يكرهون إسرائيل ولا يريدون بقاءها ويريدون التخلص منها في أقرب فرصة، وأن اتفاقاتهم معها ليست إلا هدنة يشتري بها العرب الوقت والدعم للاستعداد لإزالة إسرائيل، ولتشويه صورة إسرائيل من خلال إرسال الفلسطينيون أطفالهم للموت أمام كاميرات الإعلام، وحمل المصابين لكاميرات التلفزيون لتصوريهم

ويرى بودهويتز أن لا يوجد اختلاف بين ياسر عرفات ومحمود عباس أو أحمد قريع فالأخيرين هم من رجال عرفات وساندو سياساته لسنوات، وأن تضليل الإسرائيليين بإقناعهم بالتعايش مع اليهود في سلام هو بمثابة وضع الحمل مع الأسد، وأن لابد وأن يأتي يوم لينقض فيه الأسد الفلسطيني على الحمل الإسرائيلي الذي لا يريد سوى السلام والبقاء على أرض أجداده

ويشير بودهوريتز أكثر من مرة في مقالاته إلى ابنته الإسرائيلية والتي تعيش في إسرائيل منذ أكثر من ربع قرن أكثر تشددا منه، وإلى ابنها الذي يخدم في الجيش الإسرائيلي أكثر تشددا من كليهما، وأن اليهود المتدينين الذي يخدمون في الجيش الأميركي أكثر تشددا منهم جميعا

ويقول أن أحلام رابين بالسلام كانت واهية، وأن تخيلات بيريز أوهي منها، وأن الحل يكمن في إسرائيل قوية على حدود آمنة لا تلتزم بحدود عام 1967 الواهية

ويقول أنه وجد ضالته في شارون ومن خلفه بوش، لذا دعا بودهوريتز ابنته للثقة في شارون وفي خطته للانسحاب الأحادي من غزة وفي حائط الفصل الذي يبنيه، خاصة وأن بوش من وراءه

إسهام بوش

ويرى بودهوريتز أن عظمة بوش وتأثيره على مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو قدرته على تغيير السياق العام الذي يجري فيه الصراع والمفاوضات، حيث رفض بوش كما يرى بودهوريتز أن يحذو حذو سابقيه في المساواة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في المسئولية عن العنف حيث دأبت إدارة بيل كلينتون على مطالبة الفلسطينيين والإسرائيليين بوقف دوامة العنف ولومهما معا على استمرارها، ولكن بوش – كما يشيد بودهوريتز – تخلى عن ذلك، وحمل الفلسطينيين مسئولية وقف العنف وطالبهم بتغيير قيادتهم وتبني قيادة ترفض "العنف والإرهاب" بشكل مطلق قبل بداية المفاوضات

وبهذا غير بوش مسار الصراع العربي الإسرائيلي بوضعه المسئولية كاملة على الفلسطينيين، ولما طرحت "خارطة الطريق" وفكرة "اللجنة الرباعية" وهي مبادرات يكرهها بودهوريتز لأنها تأتي من وزارة الخارجية الأميركية والأمم المتحدة والتي يرى أنها كيانات معادية لإسرائيل، حرص بوش على آلا تفرض تلك الكيانات سقف زمني معين على إسرائيل

هذا إضافة إلى سعي بوش لنشر الديمقراطية بالشرق الأوسط، وهي مبادرة يساندها بودهوريتز بكل طاقته ويدافع عنها، حيث يرى أن العرب ومسانديهم يروجون لمقولة أسطورية تقول أن إحلال السلام بين العرب والإسرائيليين هو حجر الأساس لبناء السلام والاستقرار ومكافحة العداء لأميركا في الشرق الأوسط، وهي مقولة يرفضها بودهوريتز والذي يرى أن الشرق الأوسط منطقة غير مستقرة لأسباب كثيرة على رأسها وجود الديكتاتوريات، وعادة ما يضرب بودهوريتز المثل بحروب المنطقة خلال العقود الأخيرة، حيث يقول أن الشرق الأوسط شهد منذ تأسيس إسرائيل عدد كبير من الحروب، وأن كثير من تلك الحروب والصراعات لا يرتبط بإسرائيل، وأنه بعضها - مثل الحرب العراقية الإيرانية - أوقع ضحايا أكثر من الذي أوقعتهم جميع حروب العرب مع إسرائيل

لذا يرى أن عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بشكلها الراهن لن تؤدي للسلام ولن تؤدي لاستقرار الشرق الأوسط، بل ستضع الحمل مع الأسد ليس أكثر، وأنه لا حل أمام إسرائيل سوى تقوية نفسها لمواجهة كراهية العرب لها والتي يؤكدها إعلانهم "الجهاد" ضدها بشكل متكرر، وأن تستمر إسرائيل في بناء قوتها حتى تحدث المفاجأة التاريخية ويقتنع العرب بإسرائيل، فالسلام بين العرب وإسرائيل يتوقف لدى بودهوريتز على عامل واحد وهو تغير موقف العرب وقلوبهم إيجابيا تجاه إسرائيل

وفي الخاتمة نؤكد على أننا حرصنا على عرض أفكار بودهوريتز بأكبر قدر من الأمانة العلمية بغض النظر على موقفنا منها، أما التعليق فنتركه للقارئ
----
مقالات ذات صلة

Wednesday, February 06, 2008

من لا يحب جون ماكين؟
مقال: بقلم علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 5 فبراير 2008

نص المقال

سؤال يجب أن يوجه للجمهوريين أنفسهم فهم الذي عارضوا ماكين لسنوات وفضلوا عليه جورج دبليو بوش في انتخابات عام 2000 الرئاسية على الرغم من قدرات ماكين الشخصية والسياسية، والآن عادوا ليتحدوا من حوله على استحياء بعد أن بات في السبعين من عمره على أمل أن يحميهم من هزيمة يخشونها في الانتخابات الرئاسية المقبلة (نوفمبر 2008)، ولسانهم حالهم يقول: كنا نتمنى آلا نلجأ لجون ماكين

سؤال يحمل مفارقة تتطلب البحث في شخصية جون ماكين وعلاقة بحزبه الجمهوري وقياداته خاصة بعد أن أصبح ماكين أهم المتنافسين على ترشيح الحزب الجمهوري في الانتخابات التمهيدية الراهنة وأوفرهم حظوظا للفوز بهذا الترشيح

محارب من سلالة محاربين

خلفية جون ماكين الشخصية تجعله بطلا في عيون الكثير من الأميركيين كما هو الحال بالفعل، فماكين المولود في عام 1936 ينحدر من عائلة شغلت مناصب رفيعة بالبحرية الأميركية، فوالده قائد عسكري كبير قاد القوات الأميركية في بعض فترات حرب فيتنام، وجده قائد معروف، وماكين نفسه طيار سابق بالبحرية الأمريكية وأستاذ بكلياتها، رفض الاستمرار في التدريس وفضل الحرب، حيث شارك في حرب فيتنام، وتعرض لأكثر من مخاطرة كادت أن تودي بحياته، ونجا منها بأعاجيب باتت تدرس لطلبة البحرية الأميركية لتدريبهم على التعامل من الأزمات

ولكن ذلك لم يحمي ماكين من الوقوع في الأسر لخمس سنوات ونصف لدى قوات كوريا الشمالية والتي أذاقته مختلف أنواع التعذيب خاصة بعدما علمت أنه ابن قائد العمليات العسكرية الأميركية ضدهم وبعدما رفض إفراجهم عنهم خوفا من أن يستغلوا ذلك كوسيلة للدعاية عنهم، فلما رفض حيلتهم تشددوا في تعذيبه، حتى حاول الانتحار وذكر فيما بعد أن تعذيبهم له أوصله في لحظات لنقطة الانهيار

ورغم التعذيب والظروف القاسية خرج ماكين من الحرب برؤى سياسية عميقة ناقدة لواشنطن، حيث شعر بالشفقة على الفيتناميين من الأسلحة الفتاكة التي كان تلقيها عليهم الطائرات الأميركية، كما شعر في أكثر من مناسبة أن السياسيين الأميركيين بواشنطن كانوا لا يدركون ما يحدث على أرض الواقع ومع ذلك يتحكمون في مسار الحرب عن بعد حتى أنهم قيدوا أيدي قيادات الجيش الأميركي فلم يتركوا لهم حرة القضاء على العدو بالشكل الذي يرونه مناسبا ولا هم أعادوهم لأميركا وكفوهم وجنودهم شرور الحرب

وخلال سنوات وقوعه في الأسر تحول ماكين لبطل قومي خاصة في ظل معاناته وبسبب أسرته العريقة المشهورة، لذا لم يتعجب كثيرون من أن تلقى سيرة ماكين الذاتية نجاحا كبير وتساعده في حملته الانتخابية خلال عام 2000، حتى أن هوليود حولت سيرة ماكين الذاتية لأحد أفلامها

ساعد في ذلك طبيعة شخصية ماكين نفسها، فهو شخص واثق من نفسه حاد الطباع إلى حد ما، فضل الرياضات العنيفة كالملاكمة والمصارعة في أيام شبابه، وصاحب الحسناوت، وتزوج من عائلات ثرية، وعرف بمزاجه المتقلب ولسانه السليط والذي تطاول به على الرؤساء وزملائه بمجلس الشيوخ الأميركي وقادة اليمين المسيحي المتدين

وعرف فوق كل ذلك بشخصيته المستقلة واستعداده لمخالفة جميع أعضاء حزبه في مجلس الشيوخ إذا تطلب الأمر، وهو ما حديث مع ماكين في أكثر مناسبة

نائب جون كيري

الخصائص السابقة جعلت من ماكين أحد أشهر الساسة الأميركيين على الإطلاق وأكثرهم نفوذا، كما أكسبته احترام الكثير من الديمقراطيين والمستقلين، حتى يشاع أن ماكين كان اختيار السيناتور الديمقراطي جون كيري الأول كنائب له في انتخابات عام 2004 الرئاسية في مواجهة جورج بوش وديك تشيني، ولما رفض ماكين عرض كيري تحول الأخير إلى جون إدواردز

وفي تلك الفترة خرج ماكين للجماهير ليعلن مساندته لجورج دبليو بوش ولسياساته مما رفع أسهم ماكين عالية في أوساط الحزب الجمهوري وساهم أيضا في حشد الدعم خلف حملة جورج دبليو بوش الرئاسية (2004)

ولكن العوامل السابقة والتي جعلت من ماكين بطلا قوميا أميركا وأحد أشهر الساسة الأميركيين على الإطلاق لم تشفع لماكين لدى أبناء حزبه وخاصة القيادات المتدينة والأكثر محافظة في أوساط الحزب الجمهوري

فماكين معروف بمواقفه المحافظة دينيا والداعمة للتجارة الحرة وللحد من الإنفاق الحكومي والحد من برامج الرفاهية وهي جميعها مواقف جمهورية هامة

ولكن ماكين في نفس الوقت يحمل كثير من الأفكار المستقلة عن أبناء حزبه، كما يمتلك إصرارا وقدرة على معارضة الحزب وقيادة مشاريع سياسية ناجحة داخل مجلس الشيوخ ضد إرادة غالبية الجمهوريين

فماكين شارك مع السيناتور الليبرالي المعروف راسل فاينجولد في وضع وتمرير قوانين تحد من سيطرة المال على الانتخابات الأميركية في أوائل عام 2001، وهو تشريع أغضب قادة الحزب الجمهوري المعروف بأنه حزب الأثرياء

كما عارض ماكين سوء إدارة الرئيس جورج دبليو بوش ووزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد لحرب العراق في أكثر من مناسبة، وعارض معسكر جوانتانامو واستخدام القوات الأميركية للتعذيب في استجواب المعتقلين، وهي مواقف أثارت حفيظة الجمهوريين ضده خاصة وأن ماكين يمتلك مصداقية كبيرة لدى الشعب الأميركي فيما يتعلق بهذه القضايا لكونه سجين حرب سابق، وجرأته في معارضة الجمهوريين بخصوص قضايا كالتعذيب كانت بمثابة صفعات سياسية قوية للجمهوريين

كما عرف ماكين بمواقفه الداعمة للحد من استخدام الأسلحة الصغيرة، ولمساندته تشريعات تسمح للمهاجرين غير الشرعيين بالحصول على الجنسية الأميركية بشروط كحل لمشكلة الهجرة غير الشرعية بأميركا، كما يطالب بجهود أميركية أكبر على ساحة حماية البيئة ومواجهة مخاطر الاحتباس الحراري وهي جهود عارضتها إدارة بوش لفترة طويلة

وهذا يعني أن فوز ماكين بالرئاسة الأميركية سوف يعني وصول رئيس جمهوري للحكم يمتلك أجندة بها العديد من البنود الليبرالية التي تتعارض مع أجندة الحزب، وهو أمر أكسب ماكين عداء غلاة المحافظين والذين مازلوا يقفون ضده حتى الآن، وذلك من أمثال ثلاثي الإعلام اليميني المحافظ المعروف شون هانيتي وآن كالتر ورش ليمبو وهم من أشهر الكتاب والمذيعين والذي مازالوا يجاهرون برفض جون ماكين ممثلا لهم حتى يومنا هذا

أكثر من ذلك عرف ماكين بعلاقته العدائية وانتقاداته العلنية اللاذعة لبعض أكبر قيادات قوى اليمين المسيحي المتدين في أميركا (البروتستانت التبشيريين) من أمثال القس الراحل جيري فالويل، والقس بات روبتسون، حيث وصفهم ماكين بعدم التسامح

ويقول البعض أن علاقة ماكين السلبية بقادة اليمين المسيحي المتدين الذي ارتمى بوش في أحضانهم وتحدث إليهم بلغتهم على أنه واحد منهم كانت القشة التي قسمت ظهر البعير وساهمت في فوز بوش وهزيمة ماكين في انتخابات عام 2000 بعد أن كان ماكين متقدما على بوش في أوائل الانتخابات بحكم أن الولايات التي شهدت انتخابات تمهيدية في بداية السباق الرئاسي كانت ليبرالية إلى حد ما وسمحت بتصويت الليبراليين والمستقلين لصالح ماكين، ولكن مع مضي عجلة الانتخابات التمهيدية إلى الأمام ودخول الانتخابات مراحلها المتقدمة واحتكام الجمهوريين لولايات الوسط والجنوب والتي تعرف أغلبيات جمهورية أكثر تدينا ومحافظة مال البروتستانت التبشيريون لبوش فمالت كافته وفاز بالانتخابات وفشل ماكين وكان عمره في ذلك الوقت في أوائل السينات

إعادة اكتشاف جون ماكين

أما الآن وبعد ثمانية سنوات كاملة وبعد أن بات جون ماكين عجوزا في الحادية والسبعين من عمره، يرى البعض أن الجمهوريين أعادوا اكتشاف ماكين، وأن ماكين أعاد اكتشافهم، وأن الطرفين دخلا معا في زواج كاثوليكي خلال موسم الانتخابات الحالي تمليها الضرورة

فالخسائر التي مني بها الجمهوريون في انتخابات عام 2006 التشريعية، وتراجع شعبيتهم وشعبية رئيسهم وتردى الأوضاع في العراق، وضعف الاقتصاد الأميركي وقدرته على خلق وظائف جديدة على مدى السنوات الأخيرة، جعلت الأميركيين ينظرون للجمهوريين على أنهم حزب متشدد تحركه الأيدلوجية لا الوقائع، حزب يرفض الإنصات لصوت الحقيقة مفضلا الاستجابة لقواعده الجماهيرية المتشددة ولقادته المؤلدجين

هذه الصورة المقلقة للجمهوريين وامتلاك الديمقراطيين لمرشحين ليبراليين على غرار بارك أوباما قادرين على جذب أصوات الناخبين المستقلين من الحزبين دفعت الجمهوريون للبحث عن شخصية جمهورية قادرة على مواجهة أوباما والمد الديمقراطي الليبرالي، شخصية قوية ترضى غرورهم السياسي خاصة على الساحة الخارجية، ومستقلة تمكنهم من الفوز بأربع سنوات إضافية في البيت الأبيض

ويبدو أن ماكين المصمم على أن يصبح رئيسا لأميركا رغم تقدمه في العمر لم يتردد في قبول الفرصة، حيث بادر ماكين من جانبه لإعادة تقديم نفسه للناخبين الجمهوريين مبتدأ بإصلاح علاقته مع قادة اليمين المسيحي المتدين

كما تمكن ماكين من الحصول على دعم المحافظين الجدد حيث يضم بين مستشاريه بعض أهم قادتهم مثل ويليام كريستول وماكس باوت وروبرت كاجين، حيث بات ماكين يمثل بالنسبة لهم بطلا يتغنون باسمه بعد موقفه الداعم لزيادة القوات الأميركية بالعراق

ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن بعض أشد المحافظين الجدد تشددا في مساندة إسرائيل مثل مارتن كرايمر ودانيال بايبس ونورمان بدوهوريتز دعموا رودي جولياني والذي خرج من السباق الرئاسة مؤخرا، أما الثلاثي كريستول وباوت وكاجين فقد وجدوا ضالتهم في جون ماكين، وذلك لأنهم كان من أشد المعارضين لوزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد خلال فترة تدهور الأوضاع في العراق والتي سبقت انتخابات عام 2006 وأدت لهزيمة الجمهورية ولاستقالة رامسفيلد

حيث رأى هؤلاء أن إصرار رامسفيلد على تحقيق النصر بالعراق بأقل عدد من الجنود الأميركيين ورفضه إرسال مزيد من القوات هناك هو سبب رئيسي لتدهور الأوضاع الأمنية بالعراق، وقد وجود هؤلاء تأييدا ودعما قويا من ماكين والذي وقفا مدافعا عن سياسة زيادة القوات ورفض الانسحاب من العراق أو التفكير في خفض القوات هناك، وهي مواقف لم تكن مقبولة سياسيا في ذلك الحين، ومع ذلك ساندها ماكين حتى تحققت، ومع تحسن الأوضاع الأمنية في العراق نسبيا خلال الشهور الأخيرة رأي المحافظون الجدد أن مطالبتهم بزيادة عدد القوات الأميركية كانت في محلها وتحول ماكين بطلا لهم

أضف إلى ذلك مواقف ماكين الداعمة لإسرائيل والتي تحمل الفلسطينيين عبء توقف عملية السلام، وتطالبهم بوقف العنف كشرط للاستمرار في المفاوضات، كما يقف ماكين موقفا متشددا ضد إيران حيث يرى أنه لن يسمح لإيران بامتلاك أسلحة بامتلاك أسلحة نووية حتى لو أضطر لمهاجمتها عسكريا

ولكن مواقف ماكين المتشددة السابقة قد لا تكون كافية لحصد رضا قواعد الحزب الجماهيرية المتحفظة والمتشددة والتي يبدو أن مرغمة على الاستمرار في دعم ماكين خلال الانتخابات التمهيدية المقبلة انطلاقا من قاعدة أفضل الشرين، ولكن بعضهم مثل كالتر وهانيتي وليمبو ما زالوا يحذرون من خطورة التضحية بالأيدلوجية والمبادئ من أجل الوصول إلى سدة الحكم، فهل يضطر الجمهوريين لكي يحافظوا على كرسي الرئاسة أن ينتخبوا رئيسيا ينتقدهم علينا وينظر إليهم سلبيا في مرات عديدة؟ سؤال لن يجب عليه سوى الجمهوريون أنفسهم

-----

مقالات ذات صلة

صعود وسقوط مايك هاكابي

هيلاري كلينتون ... سيدة القصر الحديدية ترويض أوباما

مِتْ رومني: هل يأتي بجديد؟

جولياني: بوش المعدل

جون إدواردز بين إعلاء القيم الليبرالية وتجاهل معاناة الفلسطينيين

Sunday, February 03, 2008

صعود وسقوط مايك هاكابي
مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 2 فبراير 2008، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

التعرف على شخصية مايك هاكابي –أحد المتنافسين على تمثيل الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة - مفيد رغم حظوظه الضعيفة في الفوز بترشيح الجمهوريين، إذ ترتبط أهمية هاكابي السياسية بعلاقته الوثيقة بقوى البروتستانت التبشيريين السياسية واسعة النفوذ بأميركا

ولكونه يمثل –كما يرى كثيرون– جيلا جديدا من قيادات اليمين الأميركي المسيحي المتدين تتميز بقدر من التسامح والفكر الجديد الأمر الذي ساهم في صعود نجم هاكابي، ولكنه في نفس الوقت يروج لأفكار غاية في التشدد خاصة على صعيد السياسة الخارجية لدرجة تدعو للسخرية المخلوطة بالأسى والحسرة وتتنبأ بسقوطه عاجلا أو آجلا

رجل مسيحي متدين
هاكابي يعد مرشحا مثاليا لقوى اليمين المسيحي المتدينة بالولايات المتحدة والتي تعرف اختصارا باسم "البروتستانت التبشيريين". فهو قس سابق وخريج جامعة دينية، ومدافع صادق عن قضايا اليمين المسيحي المتدين على المستوى الأخلاقي وعلى رأسها قضيتا منع الإجهاض وحظر زواج الشواذ. فسجله ومواقفه الداعمة لتلك القضايا واضحة على عكس مرشح مثل مت رومني والذي يحاول خطب ود البروتستانت التبشيريين في الانتخابات الحالية، ولكنه يمتلك سجلا مختلطا بين دعم ورفض الإجهاض

كما أن صاحبنا يتحدث عن الدين والتدين وحاجة أميركا لهما بجراءة وصراحة يحسد عليها، ويؤكد على رفضه نظرية التطور وإيمانه بوجود خالق للكون وبدور الدين والإنجيل في حياة الأمة والمواطن الأميركي

وقد عمل هاكابي بداية حياته بمنظمات اليمين المسيحي بإحدى منظمات جيمس روبنسون، وهو أحد قيادات تيار البروتستانت التبشيريين وأحد مهندسي صعود التيار السياسي والإعلامي منذ سبعينيات القرن العشرين. ويقول روبنسون عن هاكابي إن "معتقداته تشكل شخصيته، وشخصيته سوف تشكل سياساته، وحياته كلها صيغت وفقا للقيم الأخلاقية الأصيلة" وهو أمر يجعل هاكابي يتفوق في نظر البروتستانت التبشيريين على مرشح مثل جون ماكين الذي سبق له وانتقد بعض أكبر قادة التيار السابق مثل القس الراحل جيري فالويل الذي وصفه ماكين بعدم التسامح

جيل جديد من قادة البروتستانت الإنجليكيين
ولكن العوامل السابقة مجتمعة لم تشفع لهاكابي لدى قادة البروتستانت التبشيريين حيث تشير تقارير مختلفة إلى تردد قادة التيار في دعم هاكابي لدرجة حيرته شخصيا، فهو الشخص الأكثر انتماء لهم وتعبيرا عن قضاياهم.
ويرجع البعض أسباب هذا التردد إلى أن هاكابي يمثل جيلا جديدا من قادة اليمين المسيحي المتدين بأميركا بشكل لا يرضي قادة التيار، وإن كان يغري شبابه وجيله الجديد

ويشير هؤلاء إلى أن قيادة تيار البروتستانت التبشيريين السياسي تمر بالفترة الحالية بمرحلة إحلال وتجديد لأسباب طبيعة وأخر سياسية. فغالبية قادة التيار أصابهم الهرم وبعضهم قضى نحبه مثل جيري فالويل، والكثيرون منهم تقدموا في العمر وباتوا عاجزين عن لعب دور سياسي. كما أنهم باتوا يمثلون جيلا قديما تقليديا ينتمي لعهد ولى، جيل غريب إلى حد كبير عن أجيال البروتستانت الشابة والتي نشأت في عصر الإنترنت وملت الإنصات إلى أفكار كبار قادة التيار التي باتت تقليدية

وهنا تأتي أهمية هاكابي المولود عام 1955 والذي يتميز بلباقة الحديث وخفة الظل والقدرة على عزف الموسيقى، فالرجل يحلو له الحديث عن ماضيه مع البدانة وكيف تخلص من وزنه الزائد عن طريق ممارسة الرياضة حتى أنه ألف كتابا عن إنقاص الوزن، كما أنه ينتهز الفرصة لعزف الموسيقى مع الفرق المحلية بالمدن التي يزورها كوسيلة مجانية للدعاية عن حملته الانتخابية

وهي خصائص شخصية تجعل الرجل مرشحا جذابا لدى شباب البروتستانت التبشيريين، أضف إلى ذلك طبيعة الأفكار التي يطرحها عن الدين خلال حملته السياسية، فهاكابي مرشح متدين يؤمن بدور الدين في الحياة العامة والسياسية ولا يتردد في الدفاع عنه، ولكنه في نفس الوقت يحاول القيام بذلك بأسلوب غير مباشر

فهو يتحدث عن الدين كمصدر للقيم والأخلاق، ويتفادى المبالغة في الحديث عن قضايا اليمين المسيحي التقليدية مثل رفضهم الإجهاض وحقوق الشواذ، ويفضل التركيز على قضايا الاقتصاد والعرق والبيئة حيث يرى أن دور الدين الأهم هو في الدفاع عن حقوق الفقراء والمهاجرين ورفض العنصرية وحماية البيئة، وهي أفكار تزيد من جاذبيته في عيون الجيل الجديد من البروتستانت التبشيريين

وينطلق في ذلك من خلفيته الشخصية فهو ينحدر من أسرة فقيرة حيث عمل أبوه رجل إطفاء، وترعرع هاكابي فقيرا في نفس مدينة الرئيس السابق بيل كلينتون وتدعى مدينة الأمل بولاية أركنساس، وهو أمر يدفع العديد من وسائل الإعلام إلى المقارنة بينهما بسبب انتمائهما لنفس المدينة وإجادتهما العزف على الأدوات الموسيقية وخلفيتهما المتواضعة

وتمكن هاكابي باجتهاده من خوض مجال العمل السياسي حتى صار حاكما لأركنساس فترتين ركز خلالهما على إصلاح البنية التحتية بالولاية من طرق ومدارس وجامعات. وهي خاصية إضافية تميزه عن قادة تيار البروتستانت التبشيريين المنحدرين من أصول دينية، فغالبيتهم رجال دين تحولوا للسياسة بين عشية وضحاها. أما هاكابي فقد تحول للسياسة تدريجيا من خلال اختبار جاد وهو تولي مسؤولية ولاية كاملة، لذا يقدم نفسه على أنه صاحب أطول خبرة تنفيذية وسط مرشحي الرئاسة الجمهوريين الحاليين. فمرشح مثل جون ماكين هو مجرد سناتور اعتاد على التشريع لكنه يفتقد خبرة الإدارة التنفيذية التي يكتسبها حكام الولايات والتي تمثل إعدادا هاما لحكم أميركا

تهديد التحالف الجمهوري
العوامل السابقة دفعت بعض شباب البروتستانت التبشيريين إلى مساندة هاكابي من خلال إنشاء مواقع إلكترونية مساندة له جذبت آلاف الناخبين البروتستانت التبشيريين، وهو الأمر الذي جذب الأضواء إلى هاكابي ومكنه من احتلال المركز الأول بين المرشحين الجمهوريين بالانتخابات التمهيدية التي عقدت بولاية أيوا في الثالث من يناير/ كانون الثاني الماضي. كما تمكن الرجل منذ ذلك الحين من احتلال أماكن متقدمة وسط المرشحين الجمهوريين بسباق الانتخابات الحالي رغم ضعف الإمكانات المادية لحملته الانتخابية والتي تقدر بحوالي مليوني دولار فقط مقارنة بـ53 مليونا جمعها المليونير مت رومني وثلاثين مليونا لرودي جولياني و28 مليونا لجون ماكين، ومع ذلك تمكن هاكابي من صناعة اسم لنفسه ومن الفوز بنسب لا يستهان بها من أصوات الجمهوريين مما سلط مزيدا من الأضواء السياسية عليه

لذا وصف ويليام كريستول -أحد أهم قادة تيار المحافظين الجدد ومحرر مجلة ذا ويكلي ستاندار- هاكابي بأنه قاد أفضل حملة انتخابات جمهورية حتى الآن، مشيدا بقدراته السياسية وذلك رغم أن كريستول من مؤيدي جون ماكين

ولكن أزمة هاكابي الأساسية مع قادة تيار البروتستانت التبشيريين بصفة خاصة والجمهوريين بصفة عامة، تكمن في أجندته الاقتصادية

فالرجل بنجاحاته السابقة يمثل تهديدا للتحالف القائم بين البروتستانت التبشيريين والحزب الجمهوري منذ سبعينيات القرن العشرين، وهو تحالف قائم على دعم قادة البروتستانت التبشيريين للرأسمالية ولأجندة الجمهوري التي تميل للأثرياء بدعمها لخفض الضرائب وقوى الاقتصاد الحر والرأسمالية التي ترفض أجندة اليسار الأميركية المنادية بحقوق العمال والفقراء

ولكن هاكابي المنحدر من أصول فقيرة ينتقد بشكل معتاد السياسيين بواشنطن والرأسماليين في وول ستريت، ويرى أنهما معا مسؤولان عن معاناة المواطن. ويرى أن الدين يجب أن ينحاز أكثر لحقوق الفقراء والمستضعفين، وهي أفكار تجذب عددا لا يستهان بهم من البروتستانت التبشيريين المقدرة أعدادهم بحوالي خمسين مليون مواطن ثلثهم من الفقراء كما تشير بعض التقارير، مما يعني أن انتشار دعوة هاكابي وسط هؤلاء قد يهدد بتفكك تحالف الجمهوريين مع البروتستانت التبشيريين وهو أمر ترفضه قيادات الجمهوري العلمانية والمتدينة

تشدد مضحك مبك
أفكار هاكابي السابقة والتي تبدو متحررة مرنة ليبرالية إلى حد ما، لم تمنعه من الحديث عن عدد آخر من الأفكار التي تثير السخرية لما تحتويه من تناقض بين عناوينها الليبرالية المنفتحة ومضامينها المتعصبة

ففي الساحة الداخلية -على سبيل المثال- يرفض هاكابي حرمان أبناء المهاجرين غير الشرعيين من الحصول على الخدمات الحكومية المدعومة من قبل الدولة، ويرى أن حرمانهم من تلك الخدمات بمثابة عقاب لهم على جرم لم يرتكبوه. كما يطالب بإصلاح نظام الهجرة الذي يسهل على أصحاب الأعمال الحصول على العمالة الأجنبية التي يحتاجونها، ولكنه يطالب في نفس الوقت بمواقف متشددة كإغلاق الحدود مع الجنوب إغلاقا كاملا للحيلولة دون قدوم المهاجرين غير الشرعيين. كما يعارض القوانين المتعلقة بالحد الأدنى للأجور للعمال الأجانب، ويرى ضرورة السماح باستقدامهم قانونيا لملء الوظائف البسيطة بأجور زهيدة

ولعل الأفكار السابقة لا تقارن في تناقضاتها بأفكاره على ساحة السياسة الخارجية، فهو على السبيل المثال يبدو ليبراليا في المطالبة بزيادة المساعدات لدول العالم وذلك لإيجاد فرص عمل وحياة كريمة للشعوب الأجنبية انطلاقا من القيم الدينية التي يؤمن بها، ورغبة منه في حماية تلك الشعوب من الوقوع ضحايا للتطرف أو الدكتاتوريات.
على الجانب الأخر يرفض هاكابي أن تتخلى إسرائيل -التي زارها تسع مرات- عن الأراضي الفلسطينية أو السورية المحتلة حماية لأمنها قائلا إنه يجب منح الفلسطينيين دولة، ويمكن أن تقوم هذه الدولة في مصر أو السعودية "فالدول العربية بها أراض شاسعة وإسرائيل في حاجة للأراضي التي احتلتها لحماية أمنها"

كما يدعو مواطنيه لفهم حقيقة الحرب التي تحاربها أميركا الآن ضد من يسميهم "الإسلاميين الإرهابيين أو الراديكاليين" وهو يستخدم تلك المصطلحات بشكل متكرر وبإهمال يدعوان إلى القلق العميق، ويقول إن الحرب السابقة "عقائدية" بالأساس يشنها الإرهابيون للقضاء على أميركا والأميركيين بشكل كامل "لأن أميركا تحب الحياة وهم يحبون الموت"

ومن المثير هنا أن هاكابي لا يتحدث عن السياسة الخارجية بشكل كاف، ويشير الكثيرون إلى ضعف معرفته بها. ولما طلبت منه مجلة "الشؤون الخارجية" الأميركية المعروفة الكتابة عن رؤيته للسياسة الخارجية كتب مقالة هي أشبه بخطبة عصماء، فهو يقول مثلا إن باكستان تحصل على مساعدات كثيرة من أميركا وإن تلك المساعدات يجب أن تعطي أميركا الحق في مهاجمة "الإرهابيين" الموجودين على أرض باكستان عسكريا في أي وقت وبالصورة التي تراها أميركا مناسبة

كما أنه يتحدث عن العراق وعن رغبته في التعاون مع "مجالس الصحوة" السنية هناك كنموذج للقوى الإسلامية المعتدلة التي يرفضها ولكنه يقبل التعامل معها ومع مثيلاتها عبر العالم انطلاقا من قاعدة أفضل الشرين، وهو في ذلك يتحدث بأسلوب يشعر القارئ بأنه (هاكابي) لا يدري الكثير عن العراق أو العالم الإسلامي أو حتى عن السياسة الخارجية الأميركية وتبعاتها

----

مقالات ذات صلة

Saturday, January 19, 2008

هيلاري كلينتون ... سيدة القصر الحديدية
مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 19 يناير 2008

نص المقال

هل من الممكن أن تتحول النعمة إلى نقمة والقوة إلى مصدر ضعف؟ وهل من الممكن أن تتحول مظاهر القوة السياسية المتعددة إلى لعنة تطارد صاحبها وتحد من طموحه السياسي؟ وهل يحتاج السياسي إلى الخبرة والذكاء بقدر حاجته إلى الكاريزما وموهبة الفوز بإعجاب الجماهير وتعاطفهم؟

أسئلة هامة تتردد بكثرة في وسائل الإعلام الأميركية والدولية عند تغطيتها لأخبار حملة السيناتور هيلاري كلينتون - سيدة البيت الأبيض السابقة وعضو مجلس الشيوخ الراهنة والساعية للفوز بترشيح حزبها الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأميركية (نوفمبر 2008) - في مواجهة مجموعة من ذكور الحزب الأشداء يتقدمهم السيناتور الملهم باراك أوباما ذو الكاريزما الربانية والقدرة الطبيعية على الحديث المسترسل الذي يخلب الأذهان، والسيناتور السابق جون إدواردز والذي يصفه البعض "بولد الحزب الديمقراطي الذهبي" لما يتميز به من وسامه في الملامح تجعله أشبه بفتيان السينما الأميركية بالإضافة إلى ذكاءه الحاد ولكنته الجنوبية وتركيزه على قضايا الداخل الأميركي

عندما يطغى العقل على القلب

مصادر قوة هيلاري – المولودة في عام 1947 - عديدة وقديمة تعود إلى شخصيتها ومواهبها الفطرية فهي تنحدر من أسرة متوسطة الحال، وتمكنت - بذكائها وعملها الدائم ورغبتها في التحدي وإثبات نفسها كامرأة قادرة على التفوق على أقوى الرجال – من التقدم الدراسي والنشاط السياسي في سن مبكرة في دوائر الحزب الجمهوري والذي مالت إليه في البداية بحكم طبيعة أسرتها المحافظة

كما تمكنت من قيادة النشاط الطلابي كطالبة جمهورية في بداية دراستها الجامعية، ثم قررت ترك اليمين والتوجه لليسار تماشيا مع قناعاتها الشخصية وخبرتها الذاتية في عصر ثورة الحقوق المدنية الأميركية، كما غذت أفكارها بتجارب سياسية من خلال المشاركة في الحملات السياسية والرئاسية في عمر صغير، ولذا لما طلب منها إلقاء خطاب التخرج بجامعتها كأول طالبة يطلب منها ذلك نال خطابها اهتماما إعلاميا كبيرا بعدما صفق لها الحضور لسبعة دقائق متواصلة إعجابا بخطابها الجريء، والذي تضمن انتقادات لاذعة لسيناتور أميركي تحدث قبلها في الحفل الجامعي، وبذلك بنت هيلاري نفسها منذ البداية كأنثى حديدية تربو إلى أعلى المناصب وإلى منازلة أقوى الرجال

وسرعان ما التحقت هيلاري بدراسة القانون بجامعة يال الأميركية حيث تميزت بأبحاثها في مجال الدفاع عن حقوق الأطفال والتي أصبح بعضها مراجع قانونية هامة، كما التحقت بوظائف قانونية هامة بواشنطن، ولذا لما عرض بيل كلينتون عليها الزواج رفضته أكثر من مرة لأنه كانت تريد التركيز على مستقبلها بواشنطن، ويقال أن بيل لم يمل من تكرر عرضه، وفي إحدى المرات تزامن عرض بيل مع فشل هيلاري في اجتياز امتحان الحصول على رخصة ممارسة المحاماة بالعاصمة الأميركية واشنطن، وهي صدمة أفقدت هيلاري توازنها ودفعتها لإعادة التفكير في حياتها، ورأي أنها اعتادت تغليب عقلها على قلبها باستمرار، وأنها في حاجة إلى أن تنصت إلى قلبها وتسير ورائه ولو لمرة، وفي تلك اللحظة قررت هيلاري الزواج من بيل كلينتون

المرأة الحديدية

زواج هيلاري رودهام من بيل كلينتون لم يلغ عقلها، فقد استمرت هيلاري في عملها كمحامية عندما كان يعمل بيل حاكما لولاية أركانساس، ويقول البعض أن راتب هيلاري في تلك المرحلة كان يفوق راتب بيل بأضعاف، وإلى أنها اختيرت في تلك الفترة كواحدة من أفضل 100 محامي على مستوى الولايات المتحدة، كما أنها صبرت على نزوات زوجها العاطفية المتكررة

فخلال فترة حكم بيل كلينتون لإركانساس تعرض لاتهامات مختلفة بإقامة علاقات جنسية غير مشروعة، ويقال أن هيلاري ضاقت كثيرا بتلك الاتهامات وفكرت أحيانا في الطلاق ولكنها غلبت عقلها على قلبها وفضلت الاستمرار في زواجها وهو أمر حير الكثيرين

فهيلاري تقدم نفسها كامرأة متحررة وكمناصرة لحقوق النساء تطالب بمساواة المرأة مع الرجل وترفض معاملة المرأة أو الزوجة غير العادلة، فكيف ترضى لنفسها الحياة مع رجل كثير النزوات مثل بيل كلينتون، بل إنها غطت على تلك النزوات إلى حد سعيها إلى تقويض حجج النساء اللاتي اتهمن زوجها، والظهور مع بيل كلينتون أمام عدسات الكاميرا للدفاع عنه وعن زواجهما، والاستمرار في زواجهما بعد اعترافه بإقامة علاقات غير شرعية في فضائح شغلت أميركا والعالم كفضيحة مونيكا لوينسكي

ويقول البعض أن هيلاري صبرت في البداية لأنها لم تكن تريد أن تتحمل عبئ تربية ابنتهما الوحيدة تشيلسي المادي والمعنوي وحدها وهو تفسير تقليدي، ويقول البعض أنها حافظت على زواجها لطموحها السياسي وحتى لا يؤثر الطلاق على تطلعاتها وأهدافها المستقبلية

وهنا يتهم البعض هيلاري وبيل كلينتون بأنها سعيا للسيطرة السياسية منذ البداية وللعودة للبيت الأبيض مرة أخرى تحكم فيها هيلاري، ولما لا حيث يرى كثيرون أن هيلاري لم تكن زوجة رئيس عادية، فقد كانت بمثابة شريكة له في الحكم، وتولت قيادة مبادرات سياسية هامة مثل خطة التأمين الصحي التي سعت لترويجها في أوائل ولاية بيل كلينتون الأولى ولكنها فشلت، ويشير البعض إلى أن كلينتون لم يجد غضاضة في الاعتراف بدور هيلاري الهام في رئاسته معتبرا أن أميركا عندما اختارته رئيسا لها فقد اختارت معه رئيسة ثانية وهي هيلاري مع فارق واحد، وهو أن أميركا تدفع راتب رئيس واحد فقط للرئيسين بيل وهيلاري، حتى أن بعض الصحفيين اعتادوا على تسميتهما بالرئيس "بيلاري"

وقبل نهاية رئاسة بيل كلينتون رشحت هيلاري نفسها لعضوية مجلس الشيوخ عن إحدى أهم الولايات الأميركية (نيويورك)، وفازت بالمنصب مرتين متتاليتين حتى الآن، ونجحت في المرتين في جمع تبرعات ضخمة، وفي إنفاق أموال سياسية هائلة للفوز بالمنصب مرتين، إلى الحد الذي أغضب مسانديها قبل معارضيها بسبب يدها السياسية الثقيلة في انتخابات باتت محسوبة لها خاصة في ولايتها الثانية

وخلال فترة خدمتها بمجلس الشيوخ الأميركي شاركت هيلاري في عضوية لجان هامة مثل لجنتي القوات المسلحة والميزانية، وباتت تمثل واحدة من أهم قادة ورموز الحزب الديمقراطي بالولايات المتحدة

سيدة القصر

وعندما دخلت هيلاري سباق الرئاسة الأميركية (2008) حملت معها جعبة مليئة بالأسلحة وموارد القوة السياسية الفتاكة، فهي الأكثر جمعا للتبرعات بين المرشحين الديمقراطيين، والأكثر شهرة، والأكثر حظوظا بالفوز بالانتخابات وفقا لاستطلاعات الرأي المختلفة، وبجوارها يقف أهم زعيم ديمقراطي بالولايات المتحدة - بيل كلينتون - والذي شفي نسبيا من أمراض القلب التي منعته من النشاط السياسي المكثف خلال موسم انتخابات عام 2004 الرئاسية، ومن خلفه يقف عدد كبير من مستشاريه ومسانديه وحلفائه السياسيين الأقوياء، فبيل كلينتون كان ومازال أهم عقل بالحزب الديمقراطي الأميركي خلال السنوات الأخيرة

كما تدخل هيلاري سباق الانتخابات الرئاسية بسنوات خبرتها في القصر أو البيت الأبيض، حيث يقال أنها زارت أكثر من تسعين دولة عندما كانت سيدة أميركا الأولى، كما تتسلح هيلاري بمواقف سياسية متوازنة تضع نصب عينيها الفوز بالرئاسة أولا ثم الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي ثانيا، وهو أمر مثير للدهشة حيث يرى البعض أن هيلاري تبنت من البداية مواقف أميل للوسط واليمين مقارنة باليسار خاصة على مستوى السياسة الخارجية حيث ساندت قرار حرب العراق ورفضت الاعتذار عن ذلك، وساندت التراجع الأميركي عن نشر الديمقراطية بالشرق الأوسط، ونادت بزيادة قوات الجيش الأميركي وتسليحه، وتشددت ضد إيران بتصويتها على قرار يعتبر "الحرس الثوري الإيراني" منظمة إرهابية وهو قرار رفضه أوباما وإدواردز

وهي جميعها مواقف أقرب من اليمين عن اليسار، ويقول البعض أن هيلاري فعلت ذلك لأنها سيدة تريد أن تظهر بمظهر القوة في مواجهة مرشحين من الذكور، أو لأنها تريد أن تسحب بساط القوة والتشدد من تحت أقدام الجمهوريين في عصر الحرب على الإرهاب، أو لأنها لم تكن مشغولة منذ البداية بإرضاء القواعد الليبرالية واليسارية للحزب الديمقراطي - والتي تضع قضية حرب العراق على قمة أولوياتها - بقدر ما حرصت على إعداد نفسها للفوز بالرئاسة الأميركية في مواجهة الجمهوريين في نوفمبر 2008

معضلة القوة المفرطة

مظاهر القوة العديدة السابقة أضرت بهيلاري في سباق الرئاسة الحالي كما يرى البعض وأدت إلى خسارتها أمام أوباما في انتخابات ولاية أيوا الأميركية التمهيدية، وهي خسارة عوضتها هيلاري في انتخابات ولاية نيوهامشير والتي فازت فيها مجددة أمالها في الفوز بترشيح الديمقراطيين للرئاسة الأميركية

وفي تفسيرهم لأسباب خسارة هيلاري في أيوا يشير العديد من المحللين إلى مظاهر القوة السابقة وكيف أضرت بهيلاري، فوجود بيل كلينتون ومستشاريه ورائها جعلها تظهر كملكة على وشك أن تورث عرش الجمهورية الأميركية، كما أن وجود بيل بجوارها يذكر الناخبين بقدراته الخطابية الفائقة وابتسامته وقدرته على كسب تعاطف مستمعه وقلوبهم، وهي قدرات تفتقر إليها هيلاري التي تخاطب العقول لا القلوب والتي تمتلك كثير من الخصوم السياسيين لما هو معروف عنها من مواقف سياسية سابقة، كما أن صورة المرأة الحديدية والمتشددة على ساحة الأمن القومي في عصر الحرب على الإرهاب أفقدتها تعاطف القوى المعارضة للحرب والتي تمثل بعض أهم قواعد الحزب الديمقراطي الجماهيرية في الفترة الحالية

هيلاري والشرق الأوسط

معضلة المرأة الحديدية تنسحب على مواقف هيلاري تجاه الشرق الأوسط أيضا، ففي عام 1998 حظيت هيلاري كلينتون باستقبال حافل من قبل سها عرفات زوجة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في الأرضي الفلسطينية المحتلة، وهي زيارة عرضت هيلاري لسخط اللوبي الموالي لإسرائيل في أميركا والذي عارض مواقف هيلاري المساندة لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وعندما دخلت هيلاري السباق على عضوية مجلس الشيوخ الأميركي في العام التالي رأي البعض أن هيلاري أعادت صياغة مواقفها المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي سعيا منها لكسب ود لوبي إسرائيل في نيويورك وعبر أميركا، حيث أعلنت تأييدها لاعتبار القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، كما طالبت بنقل السفارة الأميركية إلى هناك، كما ركزت على نقدها لمناهج التعليم الفلسطينية باعتبارها تنشر الكراهية وتعلم الأطفال الفلسطينيين كراهية الإسرائيليين مطالبة بمراقبة ومكافحة خطاب "العداء للسامية" في أوساط الفلسطينيين

كما أصبحت هيلاري ضيفة هامة ودائمة على مؤتمرات لجنة الشئون العامة الأميركية الإسرائيلية (الإيباك) السنوية – وهي أكبر منظمات لوبي إسرائيل، حيث سعت في خطابتها هناك إلى التأكيد على أن علاقة أميركا بإسرائيل تقوم على إيمانهما بقيم مشتركة كالديمقراطية وحقوق الإنسان، كما عبرت تأييدها لحائط الفصل الذي تبنيه إسرائيل، وعلى نقدها لقرارات محكمة العدل الدولة الرافض له، كما عارضت هيلاري نتائج الانتخابات الفلسطينية الأخيرة وطالبت بتدخل الدول العربية لتأييد قيادة فلسطينية تساند عملية السلام القائمة على اتفاقات أوسلو بما يضمن إلى اتفاق نهائي ينهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كما أكدت هيلاري على أنها تسعى للحوار المباشر مع نظم معادية كإيران بهدف معرفتها من الداخل ومعرفة كيف يمكن "هزيمتها"

-----

مقالات ذات صلة

مِتْ رومني: هل يأتي بجديد؟

جولياني: بوش المعدل 2008

جون إدواردز بين إعلاء القيم الليبرالية وتجاهل معاناة الفلسطينيين

ترويض أوباما