Showing posts with label باراك أوباما. Show all posts
Showing posts with label باراك أوباما. Show all posts

Monday, March 19, 2012


قراءة في أحدث تقارير خدمة أبحاث الكونجرس عن تأثير الثورات العربية على سياسة أميركا في المنطقة

أميركا خسرت مصر كراعي لعملية السلام وترى صعوبة في إحلال الأردن مكانها
الولايات المتحدة تستعد لتنحي أيدلوجية الإسلاميين جانبا والتركيز على سياساتهم
وإسرائيل تشعر بالعزلة وأميركا تتخوف من مسئولية تقديم مزيد من الدعم لها
أميركا تفكر في كيفية حماية مخازن الصواريخ والأسلحة غير التقليدية في سوريا في حالة سقوط نظام الأسد

في السابع من مارس الحالي أصدرت خدمة أبحاث الكونجرس – وهي الذراع البحثي للكونجرس الأميركي – دراسة بحثية هامة تعد بمثابة كشف حساب مفصل بتعبات الثورات العربية
على مصالح أميركا وسياساتها في المنطقة.

التقرير كتبه ستة من خبراء الشرق الأوسط بخدمة أبحاث الكونجرس وتناول مختلف القضايا التي تدور في عقلية صانع القرار الأميركي بخصوص الثورات العربية مثل علاقتهم بمصر وسوريا والإسلاميين ودول الخليج وإيران وتأثير الثورات على إسرائيل.

التقرير موجه بالأساس لأعضاء الكونجرس ويحتوي على تصورات وأفكار جديدة تدور في عقل صناع القرار الأميركي مما يحتم قراءتها بعناية، وفيما يلي ملخص بأهم هذه الأفكار كما وردت في التقرير.

مصالح أميركا

التقرير يبدأ بتلخيص مصالح أميركا في المنطقة والتي تتقدمها المصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية وتتذيلها قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، فالتقرير يلخص مصالح أميركا بالترتيب في قضايا ستة أساسية، وهي:

-        منع الصراعات التي تهدد حلفاء أميركا في المنطقة وعلى رأسهم إسرائيل وتهدد مصالح أميركا الأخرى.
-        حماية تدفق النفط والتجارة وهي أمور حيوية لمصالح أميركا والاقتصاد العالمي.
-        ضمان وصول وسهولة حركة الجيش الأميركي وعملياته في المنطقة ومنافذها الهامة.
-        مكافحة الإرهاب.
-        الحد من انتشار الأسلحة التقليدية وغير التقليدية.
-        دفع عجلة النمو الاقتصادي ونشر الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ويعود التقرير ليؤكد على تضارب مصالح أميركا في المنطقة، فلديها على سبيل المثال تحالفات قوية مع بعض الدول العربية ومع إسرائيل في نفس الوقت، ويقول أيضا حماية مصالح أميركا العسكرية والأمنية والاقتصادية تتعارض أحيانا كثيرة مع الدفاع عن حقوق وحريات شعوب المنطقة، وأن واشنطن نادرا ما انتصرت للحقوق والحريات على حساب المصالح – كما يشير التقرير بوضوح في صفحته الثانية.

تأثير الثورات العربية

ويقول التقرير أن سياسة أميركا في المنطقة اعتمدت لعقود على فرضيات أو تصورات سياسية معينة، وأن الثورات قوضت بعض أهم هذه الفرضيات وعلى رأسها ما يلي:

أولا: يقول التقرير أن "الجماهير التي احتلت الميادين وأسقطت النظم أسقطت معها فرضية أن الخارج يمكنه أن يفهم العالم العربي ويتعامل معه جيدا من خلال التفاعل مع النخب فقط"، وهذا يعني أن الولايات المتحدة بدأت في ادارك القيمة الكبيرة للرأي العام العربي بعد الثورة والدور الذي سوف يلعبه في التأثير على السياسات.

ثانيا: أدت الثورات إلى صعود عدد كبير من الفاعلين السياسيين الجدد وعلى رأسهم التيارات الدينية وهي تيارات لم تتعود أميركا التعامل معها.

ثالثا: أضعفت الثورات من سلطة أجهزة الأمن في الدول التي قامت بها مما يفتح الباب لصعود عدد من التحديات الأمنية كتهريب السلاح وعدم الاستقرار خاصة على الحدود وفي مناطق الأطراف.

رابعا: فتحت الثورات عدد من الملفات السياسية الصعبة للغاية وعلى رأسها ما يحدث في سوريا والتي يرى التقرير أنها القضية الأصعب والأكثر تأثيرا على أكبر عدد من توازنات القوى الدولية والإقليمية في المنطقة.

خامسا: دفعت الثورات العربية كما يرى التقرير في اتجاه تراجع ملف علمية السلام، فإسرائيل - كما يرى التقرير - باتت أقل رغبة في الدخول في مفاوضات حول التنازل عن الأراضي المحتلة لأنها لا تعرف ماذا سيحدث في المستقبل، كما أن الثورات دفعت الفلسطينيين في اتجاه الوحدة الوطنية.

هذا ناهيك عن تزامن الثورات العربية مع انسحاب القوات الأميركية من العراق في نهاية عام 2011 وصعود التوتر بخصوص الملف النووي الإيراني.

ويشير التقرير أيضا – في نصيحة إلى أعضاء الكونجرس – إلى أن قضية الكرامة بمستوياتها المختلفة من كرامة شخصية ووطنية وما تعنيه اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا تمثل أحد أهم مبادئ الثورات العربية وأنها قضية مرشحة لأن تكون محور هام لسياسات النظم العربية الجديدة في الداخل والخارج، وأنها قد تدفع القادة العرب الجدد لاتخاذ سياسات أكثر تحديا للخارج مما يحتم على الكونجرس وصناع الأميركي الوعي بذلك.

مصر

بعد انتهاء التقرير من جزءه الأول - الذي يوفر مقدمة مختصرة عن مصالح أميركا في المنطقة وتبعات الثورات العربية عليها - يفرد التقرير أجزاء خاصة للحديث عن عدد من أهم القضايا والدول المعنية مثل مصر وسوريا وإسرائيل ودول الخليج، وفيما يتعلق بمصر يشير التقرير إلى أربعة تغيرات رئيسية.

أولا: يقول التقرير أن الثورة المصرية فتحت الباب لصعود قوتين سياسيتين أساسيتين، وهما المجلس الأعلى للقوات المسلحة والإسلاميين وأن المعسكرين سوف يتنافسان معا في المدى المنظور على صياغة سياسات مصر وأن على أميركا أن تستعد لتحول السلطة بعيدا عن المؤسسات الأمنية والعسكرية والتعامل مع نخب مدنية جديدة لا تعرفها ولم تتعاون معها في المستقبل، وربما لم تكن ترغب في التعامل معها.

ثانيا: يشير التقرير إلى تعاون نظام مبارك مع أميركا في قضايا مكافحة الإرهاب وضد جماعات مثل الجماعة الإسلامية والتي أصبحت جزء من النظام السياسي حاليا، في إشارة إلى تراجع هذا الجانب من الشراكة المصرية الأميركية.

ثالثا: يقول التقرير أن "سياسة أميركا نحو مصر قد تركز بشكل أكبر على احتواء مناطق النزاع المحتملة مثل غزة وسيناء"، وذلك في سياق صعود الرأي العام المصري وأهميته ورفضه لسياسات إسرائيل في غزة، ولم يوضح التقرير ماذا يقصده بسياسة الاحتواء في تلك المنطقة وخاصة سيناء.

رابعا: يقول التقرير أن أميركا فقدت مصر كراعي إقليمي رئيسي لعلمية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، وأن الأردن قد تحاول ملء الدور المصري السابق ولكنها لا تمتلك نفس وزن مصر السياسي.

دول الخليج

يشير التقرير لدول الخليج كمنطقة تقدم فيها أميركا مصالحها الأمنية والاقتصادية على قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية، ويقول أن أميركا ترتبط بمعاهدات دفاعية هامة مع جميع دول الخليج، وأن هذه المعاهدات تتضمن التزام أميركي ضمني بالدفاع عن دول الخليج ضد أي اعتداء خارجي.

ويشير التقرير إلى وجود أربعين ألف جندي أميركي في الخليج حتى بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق، حيث يتواجد 23 ألف جندي في الكويت، و7500 جندي في قطر، وخمسة آلاف جندي في البحرين، و3 آلاف جندي في الإمارات، وأعداد أقل بكثير من الجنود في كل من السعودية وعمان.

ويقول أيضا أن الوجود العسكري الأميركي في البحرين هو الأهم لأميركا في المنطقة نظرا لأهمية القاعدة العسكرية الأميركية البحرية هناك، ويشير إلى التعاون العسكري الوثيق بين أميركا ودول المنطقة، حيث تبيع أميركا للإمارات أهم ترسانة من صواريخها الدفاعية والمعروفة باسم THAAD لتمكنها من الدفاع عن نفسها ضد إيران، كما تبيع للسعودية صفقة الأسلحة الأكبر في تاريخ صفقات السلاح الأميركية حيث يقدر ثمنها بستين مليار دولار.

ويعبر التقرير عن قلق أميركي لما يجري في البحرين بسبب نشاط المعارضة السياسية الشيعية هناك، وشعور أميركا بضغوط دولية على موقفها تجاه البحرين.

ويقول أن المعارضة الكويتية هي الأصعب على الفهم و"التوصيف" لأنها تأخذ صورة اعتراضات تحدث على فترات وتهدف إلى دعم أعضاء برلمان على خلاف مع العائلة المالكة، ولكنها معارضة لا تؤثر على مصالح أميركا وأهدافها في البحرين.

ويقول أيضا أن السعودية حليف قوي لأميركا ولكن يصعب التنبؤ بسياساتها - في إشارة إلى تدخل القوات العسكرية السعودية في البحرين خلال العام الماضي.

وفيما يتعلق بقطر يذكر التقرير أن "إدارة العلاقات مع قطر أصبحت أكثر تعقيدا بسبب تحقيق قادة قطر أهدافهم الطموحة المتعلقة بالتنمية الاقتصادية بشكل تتابعي وأنهم أصبحوا أكثر ثقة وتأكيدا على الساحة الدولية"، هذا بالإضافة إلى دعم قطر لقيادات إسلامية كبيرة ودعمها الدولي "لجماعات وقيادات سنية إسلامية محافظة" مما يطرح "مخاوف معقدة" خاصة في ظل حالة التغيير والتنافس السياسي الجارية في المنطقة.

سوريا والإسلاميين وإسرائيل

بخصوص سوريا يقول التقرير أن ما يحدث في سوريا يمكن أن يغير بشكل جذري حسابات مختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين في المنطقة، وأن عواقب تغيير النظام السوري ليست مضمونة لإسرائيل، ويقول أن أميركا قد تفكر في الاستعداد لاستجابة سريعة في حالة سقوط النظام السوري تهدف إلى تأمين مخازن الصواريخ والأسلحة غير التقليدية في سوريا.

أما بخصوص الإسلاميين فهو يقول أن الأميركيين يخشون من طبيعة الأحزاب الإسلامية ومدى التزامها بالديمقراطية وبقضايا كحقوق الإنسان والمرأة والأقليات، ولكنه يعود ويقول أن تركيز أميركا على مواقف الإسلاميين في مصر يركز على نظرتهم لإسرائيل، وأن إدارة أوباما قررت أن التركيز على سياسات الإسلاميين أهم من التركيز على أيدلوجياتهم.

أما إسرائيل فالتقرير يقول أن الأحداث الجارية تزيد من شعور قادة إسرائيل بالعزلة وتضع المسئولين الأميركيين في مأزق لأنهم سيتعرضون لضغوط داخلية (من لوبي إسرائيل) لزيادة مساعداتهم الضخمة لإسرائيل وزيادة الضمانات العسكرية المقدمة لها، والتي تضمن - من بين ما تضمن - عدم تزويد أي دولة من دولة المنطقة بأسلحة قادرة على تحدي سيطرة إسرائيل العسكرية النوعية وليست الكمية، بمعني أن القوانين الأميركية تسمح بتصدير كميات كبيرة من الأسلحة للدول العربية ولكنها كثرة لا تؤثر على التفوق العسكري الإسرائيلي بسبب نوعية الأسلحة التي تمتلكها إسرائيل.

ويقول أن تدخل أميركا لمنح إسرائيل مزيد من المساعدات والضمانات سوف يجعلها في نظر العرب والرأي العام العربي مسئولة بشكل أكبر عن تصرفات إسرائيل في المنطقة مما سيزيد من أعباء السياسات الأميركية أمام الرأي العام العربي الصاعد.

وفي النهاية يقول التقرير أن إدارة أوباما تتبنى نوع من السياسة الهادئة تجاه المنطقة وشعوبها الثائرة تتجنب الظهور بمظهر الساعي للتأثير على التغيرات الجارية حتى لا تثير مزيد من مخاوف الرأي العام العربي الثائر والساعي للكرامة الوطنية والمتخوف من التدخل الأجنبي والأميركي.  

بقلم: علاء بيومي، يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره www.alaabayoumi.com

---

المصدر: تقرير "التغيير في الشرق الأوسط: تبعات على السياسة الأميركية"، خدمة أبحاث الكونجرس، 7 مارس 2012، http://www.fas.org/sgp/crs/mideast/R42393.pdf. 

Thursday, August 19, 2010

مسجد نيويورك والموجة الجديدة للعداء للإسلام في أميركا

مقال بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره

www.alaabayoumi.com

نص المقال

في اعتقادي أن قضية مسجد نيويورك وما يثار حولها من جدل في الآونة الأخيرة هي مؤشر على موجة جديدة وخطيرة من موجات العداء للإسلام – أو الإسلاموفوبيا – في أميركا، موجة ظن المتابعون - قبل سنوات قليلة - أنها بعيدة عن شواطئ القارة الأميركية

الظاهرة التي أتحدث عنها هي صعود اليمين الراديكالي الجديد في الولايات المتحدة - والذي بات واضحا خلال العامين الأخيرين – مما هوى بحركة العداء للإسلام في أميركا حاليا إلى مستويات غير مسبوقة تثير القلق

فمن كان يتصور قبل عامين أو ثلاثة أن تشهد المدن الأميركية مظاهرات تعج بالمتظاهرين المطالبين بوقف بناء مسجد وترفع شعارات تهاجم الإسلام ذاته وتطالب بخروجه من أميركا تحت أعين الإعلام الأميركي، بل ويخرج سياسيون كبار لدعم تلك المظاهرات ومطالبها ونشرها في ولايات مختلفة

وذلك حتى باتت قضية مسجد نيويورك – والذي يسعى بعض المسلمين الأميركيين لتأسيسه بالقرب من موقع أحداث 11-9 – قضية سياسية وطنية أميركية بامتياز استدعت تدخل الرئيس الأميركي، والذي دعم حق المسلمين الأميركيين في البناء المسجد، مما عرضه لهجوم واسع من الجمهوريين وعلى أعلى مستوي، قبل أن يتراجع باراك أوباما في اليوم التالي عن تصريحاته نسبيا، ويعلن انتقاده لفكرة بناء المسجد ذاتها كفكرة "غير حكيمة"

أكثر من ذلك باتت قضية مسجد نيويورك قضية انتخابية بامتياز حيث أعلن سياسيون جمهوريون في ولايات مختلفة عن معارضتهم لبناء مسجد نيويورك، مع أن قضية المسجد كان من المفترض أن تكون قضية محلية خاصة بولاية نيويورك ذاتها، ولا تمت بصلة لسياسي مرشح في ولاية جنوبية

كما أن مؤسس المسجد – الإمام فيصل عبد الرؤوف – سبق وإن احتفلت به وسائل الإعلام الأميركية لسنوات وقدمته على أنه مسلم "معتدل"، نظر لتوجهاته "الصوفية"، في مقابل التوجهات الإخوانية والسلفية وبعض التوجهات الإسلامية الحركية الأخرى التي عادة ما ينتقدها الإعلام الأميركي باعتبارها توجهات "متشددة"

كما بدأنا أيضا نسمع عن حملات إعلانية تحرض على "ترك الإسلام" وعن كنيسة أميركية تريد "حرق القرآن" في ذكرى 11-9، وعن تنامي متزايد لمنظمات معادية لوجود الإسلام في أميركا بشكل أساسي، وذلك على غرار منظمتي "أوقفوا أسلمة أميركا" و"ترحك من أجل أميركا"، وعن صلات تنظيمية تربط سياسيين أوربيين متطرفين – ينتمون لليمين الأوربي الراديكالي الجديد – كالسياسي الهولندي جريت ويلدرز - والمنظمات الأميركية سابقة الذكر

أكثر من ذلك خرج سياسيون أمريكيين كبار على غرار نوت جينجريتش – قائد ثورة الجمهوريين في عام 1994 والطامح للتنافس على مقعد الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة (2012) - وسارة بيلين – نائبة جون ماكين في انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة (2008) – لتأجيج الجدل الدائر حول مسجد نيويورك على الرغم مما ينطوي عليه من إساءة للإسلام

تطور حركة العداء للإسلام في أميركا

من يعتقدون أن التطورات الأخيرة عادية أو غير جديدة، وأن أنها مجرد ردة فعل لبناء مسجد بالقرب من موقع 11-9، أو أنها مجرد سوء فهم للإسلام والمسلمين، عليهم أن يعودوا بالذاكرة إلى الوراء بعض السنوات أو تحديدا لقبل أحداث 11-9

فمن خلال متابعتنا لظاهرة العداء للإسلام في أميركا على مدى أكثر من عقد، نعتقد أن تلك الظاهرة تنمو بمعدلات سريعة ومفاجئة – وربما صادمة

معدلات كان يصعب التنبؤ به في الماضي، مما يجعلنا نشعر بقلق جديد تجاه المستقبل

فقبل 11-9 لم تكن هناك "حركة" معادية للإسلام، ولم تكن هناك "إسلاموفوبيا"، فمستوى العداء للإسلام في تلك الفترة كان يدور حول مفاهيم وظواهر مختلفة تماما

كان الحديث في أوساط المنظمات المسلمة الأميركية المعنية والإعلام والأكاديميين عن بعض "الخبراء المتشددين" المعنيين بقضايا "الإرهاب" على غرار ستيفين إمرسون ودانيال بايبس والمرتبطين بأجندات خارجية واضحة، هذا بالإضافة إلى الحديث عن "صدام الحضارات" و"الخطر الأخضر" و"اندماج المسلمين الأميركيين" وربما "الإستشراق"

كان الأمر مختلفا تماما، ففي عقد التسعينيات كانت أميركا في زهو انتصارها في الحرب الباردة والقطبية الأحادية وثورة التكنولوجيا، كانت أميركا قوية لا تخشى أحدا

وعندما وقعت أحداث الهجوم على برج التجارة العالمي في 1993 وأوكلاهوما في 1995، توجه البعض للهجوم على الإسلام والمسلمين، وعكف البعض كإمرسون وبايبس على مهاجمة مسلمي أميركا ومنظماتهم ومحاولة ربطهم بقضايا السياسة الخارجية الأميركية كصراع الشرق الأوسط

ولكن ظل الجو العام هادئا و"تحت السيطرة"، وظل الإسلام والمسلمون في أميركا ظاهرة هادئة بعيدة عن دائرة الضوء، ظاهرة يقترب منها الخطاب السياسي الأميركي العام ببطء وتأني

فبعض المنظمات الحكومية والمدنية فتحت أبوابها أمام المسلمين وبعضها أغلقتها، لكن لم تكن قضية "وجود الإسلام والمسلمين في أميركا" قضية رأي عام أميركي، فوجودها الرئيسي كان بدوائر محدودة مهتمة ومدفوعة بأجندة خاصة سلبية أو إيجابية

قضية رأي عام

بعد 11-9 تغيرت الأمور كثيرا فقد تحولت قضية "العلاقة بين الإسلام وأميركا" إلى قضية "رأي عام أميركية" باقتدار

كما تبلور في الجدل الواسع الذي دائر بعد 11-9 تحت عنوان "لماذا يكرهوننا؟"، فهجمات 11-9 - والتي مثلت الهجوم الأكبر على الأراضي الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية - دفعت الأميركيين إلى التساؤل عن أسبابه

وبالطبع لم يكن المسلمون داخل أميركا أو خارجها مستعدين أو حتى مؤهلين بشكل كافي للارتقاء إلى مستوى الحدث أو للإجابة على هذا السؤال إجابة صحيحة وواسعة وحاسمة داخل أميركا وبلغة يفهمها الأميركيون

وحتى الآن يمكن القول أن المسلمين لم يجيبوا على السؤال السابق، فكل ما نشاهده هي محاولات محدودة – حتى لو كانت كبيرة نسبيا – لتوعية الأميركيين بموقف الإسلام والمسلمين من أحدث 11-9

بمعنى أخر فتحت أحداث 11-9 الباب على مصراعيه لكل من لديه أجندة معادية للإسلام والمسلمين لكي يروجها مستغلا جهل الأميركيين بالإسلام، وتهور قادتهم السياسيين (كما ظهر في حربي أفغانستان والعراق)، وضعف قدرة المسلمين على الرد والتعامل مع الرأي العام الأميركي

إرهاصات الإسلاموفوبيا الأميركية

في ذلك الوقت بدأت إرهاصات ظاهرة العداء للإسلام والمسلمين في الظهور، وبدأت البيئة الأميركية تتشكل لاستقبال تلك الظاهرة ورعايتها

على المستوى السياسي شنت الإدارة الأميركية حربين خارجيتين على أفغانستان والعراق مما ضمن استمرار المواجهة الدامية بين أميركا ودول عربية ومسلمة لسنوات مقبلة

كما شن بوش ووزيره عدله جون أشكروفت سلسلة حملات للتضييق على منظمات إغاثة مسلمة أميركية وبعض منظمات المسلمين الأميركيين، مما أسس لظاهرة "الخوف من الإسلام الداخلي" أو "الطابور الخامس" كما يحلو للبعض تسميتها

على المستوى الأكاديمي نشر برنارد لويس مقاله "لماذا يكرهوننا" ليؤسس لموجة أبحاث أكاديمية تنشر فكرة أن الخلاف بين أميركا والعالم الإسلامي قيمي ذا جذور بعيد وراسخة

كما انتعشت صناعة "خبراء الإرهاب" وباتت كتابات إمرسون وبايبس وغيرهم تدرس وتنشر على أوسع نطاق، وبالطبع تم ذلك برعاية المحافظين الجدد وبعض قيادات المسيحيين الصهاينة المقربين لبوش

مرحلة الإسلام الفاشي

في مرحلة تالية بدأت تحالف نخبوي يتشكل في واشنطن ويساهم في نشر ثقافة الخوف من الإسلام على أوسع نطاق دون أن يروج لها علانية ودون أن يتحول إلى حركة سياسية واضحة المعالم في الشارع الأميركي

هذا التحالف تكون من بعض كتاب المحافظين الجدد المشغولين بتبرير الحروب القائمة والمزيد منها، والمسيحيين الصهاينة المنتقدين للإسلام والداعين لسياسة أكثر تشددا في الشرق الأوسط، وخبراء الإرهاب الذي توغلوا وتوغلت كتاباتهم في المؤسسات الأمنية والسياسية الأميركية، وبعض قادة الحزب الجمهوري المنتمين للجناح الأكثر يمينية من الحزب

لذا طلت بعض التصريحات المسيئة للإسلام في خطابات الإدارة الأميركية مثل مصطلح "الإسلام الفاشي" و"الإسلام الراديكالي"

وكان ذلك إذانا بتوغل أفكار قطاع متشدد من "خبراء الإرهاب" و"المحافظين الجدد" والباحثين اليمنيين في الخطاب الرسمي للدولة

الجدل حول إسلام أوباما

يمكن القول أن أخطاء الإدارة الأميركية في العراق وداخل أميركا والتي صعدت على السطح بقوة - خلال الفترة من 2005 وحتى 2007 - غطت على خطاب الفريق السابق خلال الفترة ذاتها، حيث تراجعت الإدارة الأميركية للدفاع عن نفسها وتراجع معها أصوات اليمين الأميركي الأكثر راديكالية

ولكن خلال حملة انتخابات 2008 صعدت ظاهرة العداء للإسلام بقوة وتحولت لأول مرة لقضية رأي عام أميركي، وذلك من خلال الهجوم على جذور أوباما الإسلامية بسبب أبوه المسلم ونشأته في بلد مسلم (إندونيسيا)

حيث جعل تحالف الإسلاموفوبيا من خلفية أوباما الإسلامية هدفا لحملاته، والتي تعرضت للإسلام وجعلت منه "تهمة" تتطلب التنصل منها، كما تمكنت ظاهرة الإسلاموفوبيا ومفاهيمها من الدخول في الخطاب السياسي الأميركي على أعلى مستوى دون اعتذار أو تخفي

وبهذا أصبحنا أمام أزمة حقيقية جديدة تتمثل في تراجع ما يسميه الأميركيون بظاهرة "المقبول سياسيا"، وهي ظاهرة تحدد ما هو مقبول أو غير مقبول على مستوى الخطاب السياسي الأميركي

فنقد الإسلام بعد 11-9 كان يمثل ظاهرة "غير مقبولة" سياسيا لأنها تعرض صاحبها لنقد شديد من قبل السياسيين والإعلام ومنظمات المجتمع المدني في أميركا

لذا عندما اعترض أحد القساوسة المقربين لبوش على وصفه الإسلام بأنه "دين سلام" بعد 11-9، كان من السهل انتقاد القس وتصريحاته لأنه الخطاب السياسي الأميركي في تلك الفترة كان يرى أن وصف الإسلام وهو دين بهذه الطريقة هو "أمر غير مقبول سياسيا"

ويجب هنا الإشارة إلى أن تشكيل ما هو "مقبول" أو "غير مقبول" في الخطاب السياسي في دولة كبيرة كأميركا هو أمر في غاية الصعوبة يتطلب سنوات وربما عقود من العمل السياسي والإعلامي المنظم وعلى كافة المستويات

فالتغير في الخطاب السياسي الأميركي تجاه الأفارقة الأميركيين – على سبيل المثال – احتاج لقرون لكي تحسن

اليمين الراديكالي الجديد

كان من المفترض أن يساهم فوز أوباما بالرئاسة الأميركية في تراجع ظاهرة الإسلاموفوبيا داخل أميركا بسبب تصريحات أوباما الإيجابية في حق الإسلام كدين وفي حق الشعوب الإسلامية

ولكن يبدو أن خطاب الإسلاموفوبيا ونخبه والقوى السياسية الداعمة له وجدت حليفا جديدا دفع بالإسلاموفوبيا إلى أفاق بعيدة أو هوة ساحقة كان يصعب تخليها من قبل

فقد حظرت منظمات حقوقية مختلفة من صعود جماعات "كراهية تعد أكثر تطرفا من يمين الحزب الجمهوري

الجماعات السابقة تضاعفت خلال العقد الأخير وانتشرت بقوة في العامين الأخيرين بسبب الأزمة الاقتصادية الطاحنة بأميركا ومعدلات البطالة المرتفعة (حوالي 10%)، وهزائم أميركا في حروبها الخارجية، وتصاعد المنافسة الدولية لأميركا من الصين، وتراجع المكانة الأميركية في العام بشكل عام، وهي عوامل انعكست على ثقة الأميركيين في أنفسهم

ويبدو أن الأزمات السابقة أخلت بتوازن أميركا والمواطن الأميركي، لذا وقع بعضهم فريسة "لجماعات الكراهية" والتي تتشابه كثيرا مع ما "جماعات اليمين الراديكالي الأوربية"

الجماعات الأوربية انتشرت بوضوح في أوربا في أوائل العقد الحالي، وهي أحزاب تمثل امتداد للأحزاب العنصرية والفاشية والنازية الأوربية التي انتشرت في فترة ما بين الحربين العالميتين

الجماعات الأوربية الجديدة تبنت شعارات يمينية وطنية متطرفة معادية للأجانب، ولكنها رفعت في نفس الوقت شعارات الديمقراطية وحرية الرأي وحقها في تمثيل نفسها

بمعني أخر طالبت أحزاب اليمين الراديكالي الأوربي الجديد بحقها في النزول إلى الشارع وتمثيل أنفسها والعمل على السطح وخوض الانتخابات وفقا لمبادئ الديمقراطية

فلم ترفض الأحزاب الجديدة الديمقراطية أو تحاول الانقلاب عليها بل طالبت الديمقراطية الأوربية بأن تضمن لها حقها في العمل على السطح وتنظيم المظاهرات وتعبئة الناخبين لأجنداتها المتطرفة

أميركا ليست كفرنسا

الأميركيون كانوا ينظرون إلى تلك الجماعات على أنها بعيدة عن شواطئ أميركا، لذا عندما فرضت فرنسا قوانين تحد من حق مسلمات فرنسا في ارتداء الحجاب في المدارس العامة في عام 2004 كان رد الفعل الأميركي الرسمي والعام بالتندر والسخرية

بل عقد الأميركيون مئات المقارنات في وسائل الإعلام، وأرسلوا مسلمون أميركيون إلى أوربا ليشرحوا لمسلمي أوربا والعالم كيف أن أميركا لا تقبل بهذا التمييز ولا تعرف علمانية كعلمانية فرنسا ولا جماعات معادية للأجانب والمسلمين مثل فرنسا وبعض دول أوربا

الأميركيون كانوا يرون أن علمانيتهم ليست معادية للدين، وأن الحقوق والحريات المدنية والدينية مكفولة بالدستور، وأن البيئة الأميركية لا ترحب بالأحزاب اليمينية الراديكالية، وأن النظام الحزبي الأميركي لا يعرف سوى حزبين رئيسيين هما الحزب الجمهوري والديمقراطي، وأن إمكانية ظهور أحزاب يمينية راديكالية صغيرة على غرار ما يحدث في أوربا هو أمر مستبعد إن لم يكن من رابع المستحيلات

في المقابل رأي البعض أن ظروف الحزب الجمهوري الأميركي باتت متشددة بشكل يثير للقلق، وأن صعود الحزب الجمهوري خلال العقود الثلاثة الأخيرة جاء على حساب تنازله عن الوسطية والتحرك نحو مزيد من اليمينية والشعوبية والعداء للدولة

حفلات الشاي الأميركية

خلال عام 2009 عرفت أميركا ظاهرة ما عرف بحركة "حفلة الشاي" الأميركية، وهي حركة يمينية تقع سياسيا على يمين الحزب الجمهوري بسبب أفكارها الراديكالية والتي تكاد ترفض الحكومة وسياسياتها بشكل كامل

وهي حركة جماهيرية عرفت من خلال مظاهراتها وخلال قربها من سياسيين يمينيين - مثل سارة بالين - ومن خلال رفضها لمختلف سياسات الرئيس أوباما، وقد رأى البعض أن الحركة باتت تثمل الامتداد الراديكالي الأكثر شهرة لليمين الأميركي

ما نراه حاليا، هو أن جماعات "كحفلات الشاي" الأميركي والتي تلعب دوارا متزايدا في أوساط اليمين الأميركي وفي أزمة مسجد نيويورك، وأن بعض الجماعات المعادية للإسلام مثل "أوقفوا أسلمة أميركا" و"الحملات الإعلانية المسيئة للإسلام، هي جميعها مظاهر لدور اليمين الأميركي الراديكالي الجديد والذي كان يخشى من ظهوره في أميركا

ظهور تلك الحركات يعني أن ظاهرة الإسلاموفوبيا تحولت إلى "حركة جماهيرية" لها وجود على الساحة السياسة الأميركية، وتخطت حواجز ظاهرة "المقبول سياسيا" والتي تحطمت خلال حملة انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة

هذا يعني أن ظاهرة الإسلاموفوبيا أو "العداء للإسلام" تطورت خلال السنوات التسعة الأخيرة بسرعة كبيرة، حيث تحولت من كتابات وتصريحات إعلامية يطلقها بعض "خبراء الإرهاب المتشددين" قبل 11-9، إلى بعض المصطلحات في خطاب الإدارة الأميركية وكتابات الأكاديميين بعد 11-9، ثم إلى قضية سياسية في حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، ثم إلى حركة سياسة جماهيرية في الوقت الراهن

نظرة قلقة نحو المستقبل

تبلور الإسلاموفوبيا بهذا الشكل وفي فترة وجيزة نسبيا – لا تتعدى 9 سنوات - يعني أننا أمام "حيوان سياسي" ينمو بسرعة مقلقة، وإننا قد نشاهد قريبا تطورات أخرى أكثر خطورة لظاهرة الإسلاموفوبيا في أميركا

فدخول مرشحي اليمين الراديكالي للمؤسسات السياسية الأميركية الكبرى مثل الكونجرس وربما البيت الأبيض قد يساعد على تحول أفكارهم إلى سياسات معادية للإسلام والمسلمين في أميركا وخارجها عن طريق سن قوانين وتشريعات معادية للأقلية المسلمة الأميركية أو للمهاجرين المسلمين إلى الولايات المتحدة، ناهيك عن تبعاتها على السياسة الخارجية الأميركية

وهنا يشير البعض أن موجة التشريعات السلبية الخاصة بالمهاجرين غير الشرعيين في ولايات مثل أريزونا قد لا تكون سوى مقدمة لحركات جديدة تستهدف الأجانب والمهاجرين، حملات بدأت بالأميركيين من أصل لاتيني وقد تضم المسلمين والمهاجرين من بلدان مسلمة في وقت قريب

كما نخشى أن تستفحل الظاهرة خلال حملة الانتخابات الأميركية المقبلة في نهاية العام الحالي، بأن تتحول ظاهرة بناء المساجد – على سبيل المثال – أو أي مظهر إسلامي أخر – إلى قضية سياسية يتنافس عليها المرشحون

وبهذا قد نسمع قريبا عن مرشح مع بناء مسجد وأخر ضده، أو عن مرشح مع بناء مدرسة إسلامية وأخر ضده، أو مرشح يسئ للإسلام وأخر ضده

نمو الإسلاموفوبيا بهذه السرعة يستدعي التدخل بكافة الوسائل لمواجهتها، وربما يكون أضعف الإيمان حاليا هو دراسة تلك الظاهرة وجذورها وعلاقاتها البينية

فنحن نعتقد أن دراسة العلاقات التي تربط بين الفاعلين الرئيسين في ظاهرة العداء للإسلام سوف يساعدنا على الأقل في فهم كيفية نمو هذه الجماعات بسرعة، وكيف تدعم بعضها بعضا، وكيف تتعاون مع نظيرتها الأوربية

أما العمل على الأرض الأميركية لمواجهة تلك الظاهرة فسوف يحتاج لمؤسسات وجهد منظم وأموال طائلة نخشى من عدم توافرها بسهولة مما قد ينذر بمستقبل أكثر تشاؤما

Friday, February 26, 2010

كيف نقرأ السياسة الخارجية لباراك أوباما؟
بقلم: علاء بيومي

الناشر: مركز الجزيرة للدراسات، 25 فبراير 2009، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

كثير من الإحباط الذي يشعر به المتابعون لسياسات الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما بعد قضائه عامه الأول في الحكم نابع – في اعتقادي - من فصلهم سياسات أوباما عن سياقها الواقعي عند تحليلها

فسياسات أوباما تبدو أكثر منطقية – وربما نجاحا – لو تناولناها – كما نبرهن خلال هذا المقال - ضمن السياق الذي حدده أوباما لنفسه والذي تفرضه البيئة السياسية في واشنطن وحول العالم

السياق الأول: الحزب الديمقراطي

أوباما وصل إلى الحكم كممثل عن الحزب الديمقراطي الأميركي، والذي بات حزب أقلية منذ نهاية الستينيات، حين انقسم على نفسه بين تيارين سياسيين رئيسيين ومتناحرين،
[1] أولهما تيار محافظ سيطر على قيادات الحزب السياسية ومؤسساته، وثانيهما تيار ليبرالي تقدمي انتشر وسط شباب الحزب وناخبيه الجدد[2]

التيار المحافظ رفض التغيير السريع وخاصة على طريقة ناخبي الحزب الجدد، والذين تبنوا أجندة "اليسار الجديد" المؤيدة للأقليات والمهاجرين والأفارقة الأميركيين والعمال والفقراء والمعادية للحروب، وهي أجندة ليبرالية باقتدار جذابة براقة - مثل بعض أجزاء خطاب أوباما في الوقت الراهن، ولكنها أفكار لا يجمع عليها السياسيون الأميركيون وخاصة نخبهم، لذا عجز "اليسار الجديد" عن الدفع بأي من قادته السياسيين إلى سدة الحكم في أميركا حتى الآن
[3]

أما محافظو الحزب الديمقراطي فظلوا في صراع مع جناحه "اليساري الجديد" منذ ذلك الحين فخسروا السلطة فيما عدا أربع سنوات تولى فيها جيمي كارتر الحكم في أواخر السبعينيات، ثم وصلوا مرة أخرى إلى الحكم في عام 1992 مع بيل كلينتون والذي فاز بولاية ثانية، ولكنه مال إلى اليمين في فترة حكمه لدرجة أزعجت كثير من الديمقراطيين
[4]

ونتيجة لذلك خسر آل جور - نائب كلينتون - أمام المرشح الجمهوري قليل الخبرة والحيلة جورج دبليو بوش في انتخابات عام 2000 الرئاسية،
[5] ليقود بوش بعد توليه الحكم فترة مد جمهوري جديدة، ولمدة ثماني سنوات أهدر خلالها موارد أميركا بشكل غير مسبوق، مما دفع البعض إلى تسمية فترة حكمه "بالعقد الأميركي المفقود" أو ببداية انحسار الإمبراطورية الأميركية[6]

سنوات حكم بوش كانت بمثابة امتداد لعقود من هيمنة الجمهوريين على السياسة الأميركية ـ عقود سيطروا فيها على واشنطن والإعلام والناخبين الأميركيين

السياق الثاني: أميركا اليمينية

في هذه الظروف ظهر أوباما، وهو يدرك أنه مرشح في بلد مال إلي اليمين كثيرا، وأن قوى اليمين في أميركا مازالت نافذة، وأن غضب الأميركيين على حروب بوش وعلى الأزمة الاقتصادية دفعهم إلى اليسار إلى حين

وأن أميركا مازالت يمينية سياسيا إلى حد كبير، فحتى صعود الديمقراطيين سياسيا منذ عام 2006 ارتبط بالتفافهم وراء عدد لا بأس به من "الديمقراطيين المحافظين"،
[7] الذين جمعوا بين الأجندة المحافظة على المستويات الأخلاقية وربما على مستويات داخلية عديدة وبين أجندة خارجية رافضة لحروب بوش وإن لم تكن رافضة للحرب في حد ذاتها

لذا حذر بعض المتابعين قادة الحزب الديمقراطي من الغرور أو الزهو بانتصاراتهم في انتخابات 2006 و2008
[8]

فأميركا – وفقا لهؤلاء - تبدو متقلبة المزاج بوضوح مؤخرا، فقد أعطت الجمهوريين السيطرة على البيت الأبيض وعلى الكونجرس بمجلسيه في عام 2002 ونزعتها منهم خلال ست سنوات فقط، لتمنح النصر للديمقراطيين في المؤسسات الثلاثة السابقة مجتمعة في عام 2008

كما أن مشكلات أميركا الكبرى وعلى رأسها الأزمة الاقتصادية قد تدفع الأميركيين لقوى كالدين والوطنية والانعزالية ومن ثم اليمين
[9]

السياق الثالث: أوباما والبحث عن "وسط اليسار"

لذا تبنى أوباما نفسه - منذ البداية - أجندة مالت إلى "الوسط" أو إلى "وسط اليسار" الأميركي، وهي أجندة عبر عنها بوضوح خلال حملته الانتخابية

أجندة أوباما "الوسطية" نالت إعجاب كثير من الديمقراطيين لأنها كانت بمثابة الأمل في أن يمتلكوا "وسط" السياسة الأميركية من جديد، فالديمقراطيون أدركوا جيدا أن بقائهم في الحكم لا يتوقف على رضا قواعدهم الجماهيرية الليبرالية بقدر ما هو مرهون بالقدرة على سحب البساط من تحت أقدام الجمهوريين

لذا ظل الديمقراطيون يمنون أنفسهم بوجه ديمقراطي جديد مثل أوباما يتبنى أجندة تجمع بين اليمين واليسار
[10]

وجه جديد لا يحمل إرث الماضي وصراعاته، سياسي يمكن أن يعيد الديمقراطيين إلى حزب الأغلبية من جديد، ويغير صورتهم إلى صورة الحزب الوسطي القادر على حماية أميركا وإيجاد حلول عملية لمشاكلها المختلفة

ويبدو أن أوباما كان الفارس المنتظر، فهو وجه جديد غير معروف يتبنى خطابا براقا يجمع بين تناقضات السياسة الأميركية المختلفة، وهو ليبرالي يدافع عن حقوق الشواذ ولكنه في نفس الوقت متدين لا يجد غضاضة في الحديث عن تدينه، وهو أسود من أم بيضاء يتحدث عن المصالحة العرقية، وهو معارض لحرب العراق لا يعارض الحروب في حد ذاتها
[11]

الأفكار السابقة كانت رسالة أوباما منذ البداية، فرغبة أوباما "المثالية" في تخطي تناقضات السياسة الأميركية، كان بمثابة سعي حثيث وواعي لتوسيع خيمة الديمقراطيين السياسية وتمكينهم من إعادة السيطرة على وسط السياسة الأميركية من جديد
[12]

السياق الرابع: الظروف الدولية والانحسار الأميركي

من المهم أيضا التذكرة بأن أوباما انتخب لحظة انحسار نفوذ أميركا الدولي كقطب العالم الأوحد،
[13] وهو نفوذ قائم على دعائم ثلاثة أساسية، وهي قوة الاقتصاد والجيش الأميركيين، ثم النفوذ السياسي

والواضح هنا أن الأزمة الاقتصادية الدولية الأخيرة ألحقت ضررا بالغا بالأساس الاقتصادي للقوة الأميركية، وأسرعت بعملية انحسار النفوذ الأميركي العام بشكل غير متوقع، وذلك لأن الأزمة الاقتصادية أفقدت ثروة أميركا كدولة وشعب ترليونات الدولارات التي تبخرت مع الأزمة، وأثقلت ميزانيتها بالديون، وحدت من قدرتها على الإنفاق، وزعزعت ثقة العالم في عملتها
[14]

نتيجة لما سبق تراجعت الدعامة الاقتصادية للقوة الأميركية واضطرت الدول الغربية إلى إفساح المجال أمام قوى جديدة صاعدة لقيادة العالم اقتصاديا وعلى رأسها الصين والهند والبرازيل، وتحولت قيادة النظام الاقتصادي العالمي من مجموعة الثمانية إلى مجموعة العشرين
[15]

على المستوى السياسي أثبتت حروب بوش الصعوبة الكبيرة التي يواجهها الجيش الأميركي في الفوز بحروب خارج أرضه، كما كشفت أيضا عن عيوب خطيرة في التخطيط والرؤية والقدرة على خوض الحروب الطويلة

وبالطبع تضرر نفوذ أميركا السياسي إلى حد كبير نتيجة لما سبق، فقد بدت أميركا في نهاية حكم بوش سيئة السمعة والصورة جماهيريا على الأقل، كما تبدو حاليا أكثر احتياجا لدعم القوى الكبرى مثل الصين وروسيا في التعامل مع إيران وكوريا الشمالية، وأكثر اعتمادا على دول حلف الناتو في التعامل مع أفغانستان

أخطر منذ ذلك تشير استطلاعات الرأي الأميركية إلى ارتفاع غير مسبوق في نزعة العزلة الدولية لدى الشعب الأميركي لدرجة تفوق شعور الأميركيين بالعزلة والانكفاء على الداخل خلال حرب فيتنام
[16]

في ظل الظروف السابقة بدت مهمة أوباما في علاج مشاكل أميركا أصعب بكثير، فعلى عكس كلينتون تولي أوباما حكم أميركا في فترة كساد وانحسار وانكسار، وبات على أوباما القيام بمهمة صعبة للغاية، فعليه الظهور بمظهر القوي في ظل موارد أقل، وعليه تحسين صورة أميركا في العالم بدون الظهور بصورة الضعيف

هذا يعني أن أوباما مقيدا في حركته، وأن عليه القبول ببعض السياسات البرجماتية التي تفرضها عليه محدودية موارد أميركا من ناحية ورغبته في الحفاظ على هيبتها ونفوها من ناحية أخرى

السياق الخامس: أسلوب صناعة القرار

في ظل السياقات الأربعة السابقة، رأي البعض أن فوز أوباما في الانتخابات كان بمثابة ثورة بلا ثوار،
[17] فأوباما فاز في انتخابات حملت شعار التغيير، ولكنه سرعان ما أحاط نفسه على مستوى السياسة الخارجية بشخصيات براجماتية وواقعية إن لم تكن صقورية[18]

فنائبة جون بايدن لا يمكن أن يوصف بالثورية ولا هو وجه جديد أو من دعاة التغيير، فهو براجماتي إلى حد كبير، وجزء من المؤسسة السياسية الأميركية منذ السبعينيات

وكبير موظفي البيت الأبيض رام إيمانويل أكثر صقورية وتحزبا من بايدن حيث اشتهر بدعمه لحرب العراق وبتحزبه الواضح

كما احتفظ أوباما بوزير دفاع ولاية بوش الثانية روبرت جايتس، وأعطي وزارة الخارجية لهيلاري كلينتون المعروفة بصقوريتها

وأحاط نفسه بعدد متزايد من الصقور مثل ريتشارد هولبروك مبعوث أوباما لأفغانستان، ودينيس روس مستشار الرئيس "للمنطقة الوسطى" بمجلس الأمن القومي، والجنرال السابقة جايمس جونز كمستشار للأمن القومي الأميركي

وتبدي مقالات نشرت عن صناعة قرار السياسة الخارجية الأميركية في عهد أوباما تعجبها من هذا العدد الكبير من المستشارين والخبراء الكبار الذين أحاط بهم أوباما نفسه في مجال السياسة الخارجية، ورأي البعض أن قبول أوباما بهذا الوضع خطأ ينذر بصدام وصراع هؤلاء السياسيين مع أوباما أو مع بعضهم البعض
[19]

ومع ذلك وبعد مرور عام على حكم أوباما أبدى كثيرون إعجابهم بأسلوب صناعة القرار الخارجي داخل الإدارة الأميركية، حيث رأي هؤلاء أن أوباما نجح في فرض أسلوبه على الجميع، وأن أوباما ينصت للجميع وأنه حريص على التعلم وعلى فهم القضايا المختلفة كما يفهمها مستشاروه ووزراءه الكبار
[20]

ويرى هؤلاء أن أوباما نجح إلى حد كبير في صناعة السياسة الخارجية خلال عامه الأول، فلم يعرف العام الماضي صراعات تذكر بين مستشاري أوباما الكبار، كما أنه لم يعرف التسريبات إلا نادرا،
[21] كما أن أوباما ظهر بشكل مستمر كصانع قرار قوي وواعي، واستطاع الحد من جموح كثير من مستشاريه الكبار مثل هيلاري كلينتون، والتي بدت مستسلمة – إلى حد كبير - في منصبها كوزيرة للخارجية

في المقابل أبدى فريق أخر استيائهم من أسلوب أوباما السابق، حيث رأى إليوت إبرامز - المسئول السابق في إدارة بوش عن ملف الديمقراطية والشرق الأوسط بمجلس الأمن القومي وأحد أهم رموز المحافظين الجدد - أن أوباما أنفرد مع رام إيمانويل ومع مبعوثه لعملية السلام جورج ميتشل بصناعة السياسة الأميركية تجاه عملية السلام في العام الماضي، وبالطبع لم يكن إبرامز راضيا عن تلك السياسة ولا عن أسلوب صناعتها ولا عن دور أوباما
[22]

سادسا: مبادئ أوباما

في هذا السياق تنبى أوباما سياسة خارجية مازالت في طور التشكيل، ولم تكتمل بعد جميع معالمها لقصر المدة وعدم اكتمال التطبيق،
[23] وإن كان هذا لا يمنعنا من الإشارة إلى بعض أهم تلك المعالم

أولا: أوباما يؤمن باستخدام القوة أو الحرب كخيار أخير، وهو يرى أن الحرب جزء ضروري من التاريخ البشري المفتقد للكمال
[24]

ولعل حرب أفغانستان هي نموذج أوباما للحرب العادلة، فهو يرى أنها فرضت على أميركا بعد 11-9، وذلك على عكس حرب العراق والتي عارضها منذ البداية
[25]

ويبدو أوباما هنا متسقا مع وعوده قبل الفوز بالرئاسة الأميركية، حيث عبر عن رغبته في الانسحاب من العراق بشكل نهائي وتدريجي، كما عبر عن رغبته في تحقيق النصر في أفغانستان باعتبارها حرب أميركا الحقيقة ضد القاعدة

ثانيا: يؤمن أوباما بالعمل الدولي، فهو يهدف إلى تقوية المؤسسات الدولية المختلفة وإلى بناء التحالفات وإلى دعوة دولة العالم المختلفة إلى تحمل مسئولياتها تجاه قضايا عديدة لا تقتصر على الأمن
[26]

وتظهر هنا رغبة أوباما في الحوار مع قوى كالصين وروسيا، وفي التعاون الدولي في قضايا المناخ، وفي دعمه لجهود الحد من انتشار الأسلحة النووية

ثالثا: ينادي أوباما بضرورة فتح الباب بشكل مستمر إمام الخصوم أو النظم المعارضة للسياسات الأميركية من أجل العودة إلى المجتمع الدولي، ويكون ذلك من خلال الدبلوماسية المباشرة مع النظم المعارضة وتجنب الدخول في صراعات مباشرة متعجلة معها ومن خلال السعي إلى بناء تحالفات دولية لمواجهتها ثم الضغط عليها بوسائل مختلفة كالعقوبات الاقتصادية والسياسية أولا مع عدم استبعاد الحرب كخيار بديل
[27]

وتمثل إيران الخيار الأبرز في هذا السبيل، حيث يقاوم أوباما – كما يرى البعض
[28] - الضغوط الرامية إلى الدفع بأميركا في مواجهة مسلحة مع إيران في الوقت الراهن، ويفضل في المقابل الدبلوماسية والردع وبناء التحالفات الدولية وفرض العقوبات تجنبا للحرب

رابعا: انطلاقا من المبدأ السابق يبدو أوباما أكثر واقعية وبرجماتية في التعامل مع قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، فهو يريد إلزام أميركا بتطبيق تلك المعايير أولا، ومطالبة الآخرين بالالتزام بها ثانيا، وترك الباب مفتوحا أمام الدول الديكتاتورية لتحسين سجلها
[29]

سابعا: في نقد اليسار واليمين لسياسات أوباما

مبادئ أوباما السابقة وتطبيقاتها خلال عامه الأول لم تسلم من نقيد اليمين واليسار على حد سواء

حيث عارض اليمين الأميركي رسائل أوباما الدبلوماسية إلى إيران وتردده في دعم المعارضة الإيرانية لنتائج الانتخابات الرئاسية (يونيو 2009)، كما عارضوا توجهه الدبلوماسي وسعيه لبناء تحالف دولي ضد إيران، ورأوا في ذلك مضيعة للوقت
[30]

وعلى المنوال نفسه عارضوا رفض أوباما خطط بوش السابقة لإقامة حائط صاروخي في شرق أوربا (بولندا والتشيك)، ورأوا في ذلك إضعافا لأميركا ولموقفها الإستراتيجي
[31]

ورفضوا أيضا لغة أوباما الدبلوماسية نحو الصين وإحجامه عن نقد سجلها الداخلي
[32]

كما رفضوا ضغط أوباما على إسرائيل ومطالبته الحكومة الإسرائيلية بوقف المستوطنات، ورأوا أنه ساهم في رفع توقعات عباس والفلسطينيين مما وضع عباس نفسه في موقف حرج، كما أنه لم يفهم طبيعة الأوضاع داخل إسرائيل وصعوبة الضغط على تحالفها الحكومي الهش
[33]

وقد رأي اليمنيون في السياسات السابقة خطرا على نفوذ أميركا، وتنازلات غير مبررة، وإضعاف لصورتها في عيون العالم
[34]

ورأي بعضهم أن أوباما لا يمتلك منهجا واضحا أو أيدلوجية أو خطة بعيدة المدى، وأن حديثه عن الدبلوماسية والعمل الدولي هو حديث عن أدوات يفتقر لرؤية شاملة، وأنه حديث لم يختبر بجدية خاصة في حالة إيران
[35]

أما على اليسار، فقد انتقد الليبراليون أوباما لأسباب مختلفة وعلى رأسها عدم إغلاقه لمعسكر جوانتانامو، وإرساله مزيد من الجنود الأميركيين إلى أفغانستان، وإشعاله عجلة الحرب في باكستان، ولتجنبه إثارة قضايا الديمقراطية وحقوق في التعامل مع النظم الديكتاتورية حول العالم، ولأن سياسته لم ترتق لمستوى خطابه البراق وبددت أكثر حذرا وترددا
[36]

ثامنا: تبريرات مؤيدو أوباما

أما مؤيدو أوباما فقد رصدوا الأسباب التالية لتأييده

أولا: أن أوباما نجح في تغيير خطاب السياسة الخارجية الأميركية إلى حد كبير، وأن النجاح الخطابي هذا هام لأنه غير صورة أميركا في عيون العالم، وغير لهجة الخطاب السياسي داخل واشنطن ومال كثيرا إلى الجانب الدبلوماسي والدولي، كما ترك تبعات سياسية يصعب إنكارها خاصة على صعيد خفض حدة التنافس والصراع مع قوى كروسيا والصين
[37]

ثانيا: أوباما واجه ضغوطا كثيرا للتشدد في سياسته ضد روسيا والصين وإيران، وأن أوباما نجح في مواجهة تلك الضغوط ورفض الدفع في بلاده في مواجهات أخرى وخاصة في مواجهة عسكرية ضد إيران
[38]

ثالثا: أوباما يصنع قراره الخارجي بحكمة وتريث ويصبر ويستمع للآخرين كما يبحث عن طرق وسط،
[39] ويضرب هؤلاء بقرار إرسال مزيد من القوات الأميركية إلى أفغانستان نموذجا على الأسلوب الجديد لصناعة السياسة الخارجية الأميركية في عهد أوباما، حيث استغرق أوباما فترة طويلة في اتخاذ القرار، وحرص على سماع أراء مختلف مستشاريه، ورفض الضغوط المفروضة عليه من قبل الجمهوريين لاتخاذ قرار سريع ومتشدد[40]

رابعا: يرى مؤيدو أوباما أن الظروف الدولية لم تسعفه، فعلى سبيل المثال تبدو الظروف بالشرق الأوسط أكثر تعقيدا واستعصاء، فالفلسطينيون منقسمون بشكل غير مسبوق، وكذلك الإسرائيليون، مما يترك أميركا بلا شريك قوي قادر على اتخاذ قرارات سياسية جريئة تدفع عملية السلام إلى الأمام

خامسا: يذكر مؤيدو أوباما خصومه بإرثه الثقيل، فهو لم يبدأ حربي أفغانستان والعراق وإنما ورثهما، كما أنه ورث سياسة خارجية مثقلة بالديون وبأعباء الأزمة الاقتصادية في الداخل والخارج، مما يعني أن اللحظة التاريخية لم تكن مواتية لتغيير كبير في سياسة أميركا
[41]

سادسا: يؤكد مساندو أوباما على فكرة أن للسياسات الأميركية تبعات، فالانسحاب الفوري من العراق – والذي يرفضه أوباما – قد يؤدي إلى انهيار النظام السياسي العراقي الهش، والحال نفسه ينطبق على أفغانستان والتي تجاور بلد نووي يعاني هو الأخر من عدم الاستقرار السياسي
[42]

خاتمة: حدود وسطية أوباما

بقى لنا أن نركز على عدد من الدروس الأساسية المستفادة من تحليلنا السابق

أولا: يجب النظر إلى أوباما كرئيس ساعي لحلول وسط ترضي اليمين واليسار الأميركيين، وهي حلول مفروضة على أوباما لاعتبارات أو قيود داخلية وخارجية عديدة يصعب التخلص منها، كما أنها لن ترضي الجميع، وإن يتوقع لها أن تكون أقل صقورية من سياسات اليمين الأميركي، وأقل مثالية من سياسات اليسار
[43]

ثانيا: وسطية أوباما هذا لا تعني عدم ارتكابه لأخطاء وتغليبه الواقعي على المثالي، ولعل تراجعه أمام إسرائيل فيما يتعلق بالمستوطنات، واعترافه بهذا التراجع وقوله أنه لم يكن يدري حجم الصعوبات الخاصة بعمليه السلام، وأنه لم يكن "ليرفع التوقعات" لو علم بحجم "المشاكل السياسية على الطرفين"،
[44] مثالا على تغليب أوباما للاعتبارات البرجماتية الواقعية قصيرة النظر على التغيير الجذري بعيد النظر

ثالثا: السعي إلى الوسطية عملية صعبة للغاية، فهي عمليه تدريجية طويلة تنذر بنفاذ صبر المعارضين والمؤيدين على حد سواء
[45]

كما أن السياسة الأميركية لا تعرف وسطا واحدا، فالوسطية بين اليسار واليمين الأميركيين ليست نقطة واحدة واضحة للجميع يسهل الوصول إليها، فهي على العكس مساحة متحركة يصعب الإمساك بها، وهذا يعني أن أوباما في مساعيه للوسطية قد يتحرك يمينا أكثر من اللازم كما فعل بيل كلينتون قبله، وهو سيناريو خطير يجب الحذر منه ومراقبته
[46]

خاصة أن أمام أوباما تحديات سياسة ضخمة وعلى رأسها التعامل مع إيران وعلاقته بقوى كروسيا والصين وإمكانية فشل الحرب الأميركية في باكستان وأفغانستان وتدهور الأوضاع هناك، وهي ملفات صعبة قد تنذر بفشل الدبلوماسية الأوباماوية وتبني أوباما مواقف أكثر تشددا
[47]

رابعا: خطاب أوباما يحتوي على قدر كبير من المثالية والأخلاقية وسياساته لا تخلو من قدر كبير من الواقعية والبرجماتية، والخطر هو أن يستمر أوباما في تقديم تبريرات أخلاقية ومثالية لسياساته المختلفة حتى لو انزلقت نحو اليمين أو نحو التشدد والصقورية
[48]

[1] Thomas B. Edsall, “The Implosion Of the Democrats; And Why Prospects for a Party Revival Are Bleak,” The Washington Post, 20 Nov 1994, C3.
Daniel Larison, “Battling Over What's Left,” American Conservative, 18 June 2007, Vol. 6, No. 12, 16.
[2] Norman Podhoretz, “Life of His Party; How Bill Clinton saved the Democrats,” National Review, 13 Sept 1999, Vol. LI, No. 8.
[3] Thomas B. Edsall, “Show of Party Unity Masks Scars of Ideological Battle; Center Wins Day in Democrats' Tug of War,” The Washington Post, 13 July 1992, A1.
Kurt Shillinger, “Democrats' Bugbear: Who Are We, Anyway?,” Christian Science Monitor, 26 August 1996, 1.
[4] Leon Hadar, “Symbolic Bow to a New Geo-Political Balance; Obama's Conciliatory Stance is Part of an Effort to Adjust American Position in the Asia-Pac,” The Business Times Singapore, 24 Nov 2009.
[5] Peter Beinart, “A Fighting Faith,” The New Republic, 13 Dec 2004, 17.
Larison, “Battling Over What's Left.”
[6] Jeffrey Kuhner, “A Decade of Decline” The Washington Times, 1 Jan 2010.
Christopher Layne and Benjamin Schwarz, “After the Pax,” Los Angeles Times, 29 Sept 2009, 25.
Timothy Garton Ash, “Obama's Beijing Balancing Act Points to the New Challenge for the West,” The Guardian, 19 Nov 2009, 31.
[7] Michael Lind, “A warning for Democrats?,” Salon.com, 9 June 2009.
[8] Michael Lind, “A warning for Democrats?.”
[9] Michael Lind, “A warning for Democrats?.”
[10] Ken Brociner, “The Left's Identity Crisis,” In These Times, Nov 2007, 38.
[11] Sullivan, “The new face of America.”
E. J. Dionne Jr., “Obama’s Eloquent Faith,” The Washington Post, 30 June 2006.
Jonathan Chait, “Obama Nation: Liberating Democrats from the Clinton’s Siege Mentality,” The New Republic, 13 Feb 2008.
[12] E.J. Dionne, “Obama's Centre-Left Two-Step; The President's Goal is to Create a Durable Coalition that Excludes Only the Far Right,” The Toronto Star, 26 May 2009, A23.
[13] Andrew Sullivan, “America Wakes up to the Shift in Global Power,” The Sunday Times (London), 6 Dec 2009, 21.
[14] Peter Goodspeed, “Future Shock; America's Pre-Eminence in World Affairs Fading,” National Post (Canada), 26 Dec 2009, A18.
Christopher and Schwarz, “After the Pax.”
[15] Clark Campbell, “Rich Nations Give India and China More Sway in IMF,” The Globe and Mail (Canada), 26 September 2009, A19.
[16] Andrew Sullivan, “America Wakes up.”
[17] Horace G Campbell, “Obama and the Revolutionary Moment without Revolutionaries: Reflections on the Electoral Victory of Barack Hussein Obama,” The Tennessee Tribune, 22-28 Jan 2009, A5 Vol. 20 No. 4.
[18] Paul Richter, “No Sure Things for Obama Advisors; The President Fills out his Foreign Policy Team Largely with Centrists, Overlooking Many Liberal Loyalists,” Los Angeles Times, 11 Feb 2009, A14.
E. J. Dionne Jr., “Obama's Bush Doctrine,” The Washington Post, 28 Nov 2008, A29.
[19] Doyle McManus, “Reality and a Team of Rivals, “Los Angeles Times,” 26 July 2009, A33.
Jon Ward, “An 'Empire of Envoys'; Policy Patchwork Confusing, Unclear,” The Washington Times, 25 August 2009.
[20] Michael Crowley, “The Decider: Who Runs U.S. Foreign Policy?,” The New Republic, 12 August 2009, 24.
[21] Doyle McManus,” Reality and a Team of Rivals.”
[22] Elliott Abrams, “All Process, No Peace: The Obama Administration Needs to Press the Reset Button on Its Middle East Diplomacy,” The Weekly Standard, 25 Jan 2010, Vol. 15, No. 18.
[23] David E. Sanger, “Obama Embraces 'Just war' Belief; Over 11 Months, Policy has Evolved and Taken on a Much Harder Edge,” The International Herald Tribune, 12 Dec 2009.
[24] David Brooks, “Obama’s Foreign Policy: A Cold War Liberal Hones His Doctrine,” The Oregonian, 16 Dec 2009.
E. J. Dionne Jr., “Obama's Bush Doctrine”.
[25] David E. Sanger, “Obama Embraces 'Just war' Belief.”
[26] David Ignatius, “Testing Obama's Doctrine; Lofty Ideals and Afghan Reality,” The Washington Post, 8 Oct 2009, A29.
Michael Gerson, “Death of a Doctrine; Obama Discovers Engagement's Limits,” The Washington Post, 29 July 2009, A17.
[27] Scott Wilson, “Shared Interests Define Obama's World; In Engaging Adversaries, The President Sometimes Unsettles Allies,” The Washington Post, 2 Nov 2009.
Doyle McManus, “The Obama Doctrine Takes Shape,” Guelph Mercury (Ontario, Canada), 15 Dec 2009, A11.
[28] Talk of the Nation, “Brzezinski Assesses Obama's Foreign,” National Public Radio (NPR), 14 Dec 2009.
[29] Barack Obama, “Remarks by the President at the Acceptance of the Nobel Peace Prize,” 10 Dec 2009, http://www.whitehouse.gov/the-press-office/remarks-president-acceptance-nobel-peace-prize.
[30] Michael Gerson, “Death of a Doctrine.”
[31] Jim Inhofe, “Obama's 'You're on Your Own' Foreign Policy,” The Washington Examiner, 23 Sept 2009.
Frank J. Gaffney Jr., “The Obama Doctrine; Capitulation Sugarcoated With Smart Words,” The Washington Times, 23 Sept 2009, A19.
[32] John Pomfret, “U.S. Hopes to Strengthen Ties.”
Timothy Garton Ash, “Obama's Beijing balancing act.”
[33] Frank J. Gaffney Jr., “The Obama Doctrine.”
Elliott Abrams, “All Process, No Peace.”
[34] Scott Wilson, “Shared Interests Define Obama's World.
[35] David Ignatius, “Testing Obama's Doctrine.”
[36] Leon Hadar, “Symbolic Bow to a New Geo-Political Balance.”
[37] Talk of the Nation, “Brzezinski Assesses Obama's Foreign.”
Doyle McManus, “Reality and a Team of Rivals.”
[38] Talk of the Nation, “Brzezinski Assesses Obama's Foreign.”
[39] Michael Crowley, “The Decider.”
[40] Michael Crowley, “The Decider.”
[41] Michael O'Hanlon, “Four Global Crisis Spots; American Decisions Shape Security,” The Washington Times, 5 Jan 2010.
Talk of the Nation, “Brzezinski Assesses Obama's Foreign.”
Andrew Sullivan, “America Wakes up.”
[42] Talk of the Nation, “Brzezinski Assesses Obama's Foreign.”
[43] Matt Miller, “Obama Wants to Move the Center Left: The President’s Liberal Critics Miss the Bigger Picture,” The Wall Street Journal, 24 Feb 2009.
[44] Amy Teibel, “US Envoy Starts Mideast Tour Amid Obama Pessimism,” The Associated Press, 22 Jan 2010.
[45] E.J. Dionne, “Obama's Centre-Left Two-Step.”
[46] Leon Hadar, “Symbolic Bow to a New Geo-Political Balance.”
[47] David E. Sanger, “Obama Embraces 'Just war' Belief.”
Doyle McManus, “The Obama Doctrine Takes Shape.”
[48] E.J. Dionne, “Obama's Centre-Left Two-Step.”

Friday, October 09, 2009

هل يستحق أوباما نوبل السلام؟
بقلم: علاء بيومي
يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره
www.alaabayoumi.com

نص المقال

نعم يستحق الرئيس الأميركي باراك أوباما نوبل السلام، يستحقها ليس فقط تعاطفا معه ولكن أيضا إشفاقا عليه! فالتغيير الذي أحدثه في سياسة أميركا خلال أقل من عام كبير حتى ولو كان على مستوى الخطاب فقط، فما أحدثه هو تغيير هائل لرئيس صغير السن لم تنقض على ولايته لأكبر دول العالم سوى تسعة أشهر

من لا يرى هذا التغيير عليه أنه يقارن أوباما بالرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش أو بمنافسه في الانتخابات الرئاسية الأميركية جون ماكين أو حتى بهيلاري كلينتون

صحيح أن أوباما غير سياسة أميركا لأن الظروف حوله تغيرت بعد الأزمة الإقتصادية الدولية التي بدأت في أميركا نفسها وبعد هزيمة أميركا في العراق وفشلها في أفغانستان وتنامي تحدي إيران، وأن جون ماكين كان سيضطر لتغيير سياسة أميركا لو فاز في الرئاسة الأميركية في نوفمبر الماضي

ولكن الأسباب السابقة لم تكن لتدفع شخص مثل جون ماكين أو هيلاري كلينتون لتغيير سياسة أميركا بالشكل الذي أحدثه أوباما

ماكين كان يدعو لتحالف دولي ضد الديكتاتوريات وللتشدد ضد إيران وسوريا وروسيا وربما الصين، ماكين لم يكن ليخاطب العالم الإسلامي كما خاطبه أوباما، ولم يكن ليغير صورة أميركا كما فعل الرئيس الشاب ولم يكن ليركز على سلام الشرق الأوسط ما فعل باراك

أوباما غير سياسة أميركا لأنه شخص مختلف لم ينشأ داخل المؤسسة السياسية الأميركية التقليدية ولا ينتمي للخلفية العرقية والثقافية التي تنتمي له غالبية النخبة السياسية الأميركية

أوباما غير سياسة أميركا لأنه انتهز ضيق غالبية الأميركيين بما يحدث ورأى في نفسه ووكاريزميته القدرة على التغيير

أوباما رأى أن الأميركيين وكثير من شعوب العالم أمنوا به وأن الفرصة مواتية للبناء على تلك الثقة

المشكلة أن التحدي الأكبر الذي يواجهه أوباما هو تحدي داخل واشنطن نفسها، وهذا سبب الإشفاق عليه

فالواضح أن النخبة السياسية المحيطة بأوباما لا تؤمن بالتغيير بالشكل الذي يؤمن به ولا بنفس المقدار ولا بنفس الدرجة، وهذا سبب الإشفاق على أوباما

ومن لا يرى ذلك فعليه أن يقرأ مقال نشرته صحيفة هارتس الإسرائيلية اليوم (9 أكتوبر 2009) عن ضيق بعض النخب الديمقراطية الأميركية بالضغط الذي يتعرض له أوباما داخل واشنطن من قبل إسرائيل بسبب موقفه من عمليه السلام

فإسرائيل تريد أن تعلم الرئيس الشاب درسا قاسيا في تكلفة الضغط عليها حتى لو كان بالخطاب فقط من خلال العمل داخل مؤسسته ذاتها وبلدته (واشنطن)، وبالطبع الإسرائيليون يعتمدون في ذلك على حلفائهم هناك، وكأنهم يريدون أن يقولوا لأوباما نحن نعرف واشنطن أكثر منك ونسيطر عليها كما لا تتصور، وفي ضغطنا عليك تحدذير لك ولأي رئيس قادم قد يحذو حذوك

وبالطبع تعرف إسرائيل أنها يمكنها العثور على العديد من الحلفاء داخل واشنطن، فالنظام السياسي الأميركي لم يستطع انتاج أوباما أخر، أو حتى عدة مستشارين أو وزراء يمكن أن يستعين بهم أوباما في الدفع بسياسة التغيير التي ينشدها

أعرف أن سياسات أوباما تجاه العالم العربي والإسلامي لم ولن ترتق لطموحات الشعوب العربية والإسلامية، ولكنهم يدركون أنه لن يوجد رئيس أميركي في المستقبل المنظور قادر على تحقيق ما يريدونه، فهم عاجزون عن تحقيق ذلك في بلدانهم ذاتها، وهذا وحده سبب كافي كي لا ننتظر كل شيء من أوباما

في النهاية لا نعرف إذا كان تقدير العالم لأوباما سوف يدعمه لممارسة مزيد من الضغط على إسرائيل أو على النخب السياسية الأميركية المحيطة به أو لتنفيذ مزيد من التغييرات الداخلية والخارجية، ولكنها نعلم أنها رسالة تأييد من كثيرن حول العالم له

مبروك لأوباما على جائزة يستحقها تقديرا له وإشفاقا عليه ودعما له

--
علاء بيومي – مؤلف كتاب "صعود باراك أوباما ومستقبل السياسة الخارجية الأميركية الصادر عن مركز الجزيرة للدراسات، نوفمبر 2008،
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/779484D1-B435-44A5-85FB-635C2CE7FA26.htm

Tuesday, October 06, 2009

لماذا يحارب أوباما وحده!؟
بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره
www.alaabayoumi.com

نص المقال

استوقفني مقال لأستاذ قانون أميركي يدعى ستانلي فيش نشرته جريدة إنترناشيونال هيلارد تربيون في نهاية الشهر الماضي يتعجب فيه من إستراتيجية الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما السياسية والإعلامية والتي يظهر فيها وكأنه يحارب وحده لتطبيق سياسات إدارته الحالية

فالرجل أفرط في وضع مصداقيته على المحك في أكثر من قضية سياسية صعبة ومهلكة (سياسيا) إذا صح التعبير

فعلى سبيل المثال تدخل أوباما في قضية الشرق الأوسط ورفع صوته عاليا مطالبا بوقف كامل عن بناء المستوطنات الإسرائيلية واستمر في ترديد الطلب نفسه ومن خلفه بعض كبار مساعديه لعدة أشهر حتى تراجع مؤخرا، وبدا وكأن أوباما نفسه - أي الرئيس الأميركي - هو من تعرض للخسارة والفشل في إقناع الإسرائيليين وليس مبعوثه الخاص للشرق الأوسط جورج ميتشل على سبيل المثال

وعلى المنوال نفسه تصدر أوباما لقضايا مثل إصلاح النظامين المالي والاقتصادي الأميركي بعد الأزمة الأخيرة، وتصدى لقضية إصلاح النظام الصحي، وهي القضية التي فشل فيها من قبل بيل كلينتون وزوجته هيلاري عندما كانا يحتلان البيت الأبيض في التسعينيات، ولا أعلم أن كان لدى الأمريكيين أملا في إيجاد حل لهذه المشكلة في الأمل المنظور

وتصدى أوباما لإستراتيجية حرب أفغانستان، وظهر مؤخرا على الإعلام الأمريكي وخلال أحد أيام الأحد للدفاع عن سياسته الخاصة بإصلاح النظام الصحي في جميع شبكات التلفزيون الأميركية الكبرى تقريبا فيما عدا فوكس نيوز اليمينية مما جعل البعض يتعجب من إفراط أوباما في الظهور الإعلامي والتساؤل حول جدوى هذا الإفراط في عرض الرئيس مما قد يجعله سلعة تغرق الأسواق يمل المشاهد منها ومن ثم يضعف الطلب عليه وييقل من قيمته

وأخيرا ذهب أوباما إلى كوبنهاجن الأسبوع الماضي لدعم ملف شيكاغو لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية (2016) على الرغم من الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها أميركا ومدينة شيكاغو في الوقت الراهن، وقلة الميزانية التي رصدتها المدينة للإنفاق على الألعاب الأولمبية في ظل أزمتها الاقتصادية، وعاد خالي الوفاض لدرجة أن كبير مستشاريه دايفيد أكسلرود - وهو الرجل المسئول عن صناعة صورة أوباما - خرج إلى الإعلام ليؤكد أن خسارة شيكاغو في سباق استضافة المونديال لا تعد فشلا لأوباما أو لزوجته أو رفضا لهما

وبالطبع يدرك أكسلرود أن وسائل الإعلام اليمينية في أميركا لن ترحم أوباما ولن تتسامح مع عودته الفاشلة من كوبنهاجن كما لم تتسامح مع أي من سياساته من قبل، فسوف تصور فشل كوبنهاجن كفشل لأوباما نفسه وكعلامة على رئيس أفرط في استخدام - أو في تصور - قدراته الشخصية وكاريزميته وقدرته على إقناع الآخرين، وفي اعتقاده بأن خطابه البراق قادر على حل مشكلات واقعية عويصة ناتجة عن مشكلات اقتصادية واسعة كمشاكل شياغو أو مشكلات سياسية وتاريخية معقدة ومركبة كمشكلة الشرق الأوسط، وهي اتهامات تعمق اتهام قديم لأوباما بالسذاجة وبالمثالية وبالخطاب البراق الذي لا يدرك الواقع ولا يتعامل معه

فحتى دينيس روس مستشار أوباما لشئون الشرق الأوسط – والرجل الذي قال عنه أوباما أنه يستمد نصائحه الخاص بالشرق الأوسط منه - يدور كتابه الأخير (والذي مازلنا نقرأ في بداياته) حول خطر مثالية الليبراليين الأميركيين وتصورهم بأنه الصراع العربي الإسرائيلي هو جوهر مشاكل الشرق الأوسط وأن حله ممكن سريعا وسوف يقود لحل مشاكل المنطقة وأن الانفتاح على نظم كسوريا أو كإيران كافي وحده لتغيير سلوكها

بمعني أخر يبدو أن هناك أصوات متعالية من داخل الحزبين الليبرالي والجمهوري تقول لأوباما أنك مثالي أكثر من اللازم وساذج وعليك التحلي بقدر من الواقعية والخباثة إذا صح التعبير

المثير هنا - كما يشير ستانلي فيش – هو أن أوباما لا يفتقد للمساعدين الكبار، بل على العكس، أوباما أحاط نفسه بعدد من أشهر السياسيين الأميركيين، فلديه هيلاري كلينتون وجوزيف بايدن في قضايا السياسة الخارجية ولديه مستشارين كبار في المجال الاقتصادي من ورثة عهد كلينتون ومن ألمع خبراء وأساتذة الاقتصاد في أميركا، والكونجرس الأميركي عامر بالقيادات الديمقراطية المسيطرة عليه حاليا والتي قادت الديمقراطيين خلال انتخابات 2006، ولكن ورغم كل ذلك يبدو أوباما وكأنه وضع نفسه منفردا في فوهة البندقية يطلق نفسه تكرار في كل قضية كبرى تتبناها إدارته، أو يطلقه الديمقراطيون في كل قضية إذا شاءوا، وكأنه الرصاصة الأولى أو الوحيدة للديمقراطيين

وهو أمر يثير التساؤل، ويدفع المرء إلى أعادة تنظيم أفكاره حول أوباما وشخصيته وأسلوبه في الحكم والذي يتعارض بوضوح مع شخصية الرئيس السابق له - جورج دبليو بوش – والذي توارى دائما خلف مساعديه الكبار مثل ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وحتى كونداليزا رايس

ولتفسير تلك المفارقة يجب الإشارة إلى أن أوباما فاز بأغلبية واضحة في انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة والتي جرت في ظروف استثنائية وتاريخية، ظروف انهيار عسكري واقتصادي واضح لأمريكا، وقد أجمع الخبراء الأميركيون على أن انتصار أوباما الكاسح عن منافسه القوي للغاية جون ماكين هو مؤشر واضح من قبل الأميركيين بأنهم يثقون في أوباما ويريدونه أن يقود ويحكم

ثانيا: رأى البعض أن أميركا على مفترق طرق هام، فالبلد يمر بأزمة، وصفها البعض بأنه أزمة كبرى لليبرالية الأميركية

فالليبرالية في أميركا في تراجع منذ أواخر الستينيات، واليمين في تصاعد ومعه ازدادت الفجوة بين الفقراء والأثرياء، وتردت البنية التحتية الأميركية، وتراجعت الخدمات الحكومية وعجزت أميركا عن تبني برامج الإصلاح الاقتصادي والصحي وتبنت سياسات خارجية عسكرية مكلفة للغاية، لذا رأى البعض أن الانهيارات الأخيرة والتي تبلورت بوضوح خلال انتخابات 2008 والتي خاضتها أميركا في ظل أزمة اقتصادية عالمية بدأت داخل أمريكا نفسها، وفي ظل خسائر حربية على جبهتين هما أفغانستان والعراق، تعني أن اللحظة مواتية أمام أوباما لإحياء الليبرالية الأميركية من خلال سياسات "عهد جديد" سياسات تعيد لليبرالية الأميركية روحها، سياسات تكبح جماع من عسكروا الرأسمالية الأميركية وأطالوا أنيابها في الداخل والخارج، وتعيد بناء ما هدمته سياسات اليمين على المستويين الأميركي والدولي

ثالثا: يبدو هنا أن أوباما حاول فعلا طرح بعض الأفكار الجريئة على صعيد بناء علاقة جديدة مع العالم الإسلامي وإصلاح النظام الاقتصادي الأميركي وإصلاح نظام الرعاية الصحية الأميركي وتحويل عجلة الحرب الأميركي من العراق إلى أفغانستان

ولكن ورغم كل ما سبق لم يقنع أوباما المتشائمين بالتخلي عن تشاؤمهم فقد رأى البعض منذ البداية، ومن خلال قراءة أسماء مساعدي أوباما أن غالبيتهم من الوجوه القديمة التي لم تعرف يوما بمهادنتها أو بانتمائها لتيار الحمائم على غرار هيلاري كلينتون وكبير موظفي البيت الأبيض في عهد أوباما رام إيمانويل

كما حذر البعض - من أمثال بول كروجمان أستاذ الاقتصاد الأميركي المرموق والفائز بجائزة نوبل 2008 - أوباما من أن النظام الأميركي نفسه لن يسمح له بالتغيير، وكان ذلك في معرض حديث كروجمان عن سياسات إصلاح النظام الصحي، حيث تعجب كروجمان في مقال نشر له مؤخرا من أن معارضي إصلاحات أوباما ينحدرون من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ورأى الرجل أن المفارقة السياسية السابقة لا يفسرها إلا سطوة اللوبيات والتي وضعت أعضاء الكونجرس تحت سيطرتها وطوعتهم لخدمة مصالحها، وبهذا بدت حملات أوباما السياسية البطولية وكأنها درب من دروب الانتحار السياسي، فالرجل يحارب وحده، ومساعديه وأبناء حزبه يتوارون خلفه لسبب غير مفهوم، فهل طغى عليهم بكاريزميته المشهودة؟ أم أنهم تركوه ليحارب ويموت سياسيا وحده؟ والجميع يدرك أن النجاح فيما يصنعه صعب إن لم يكن مستحيلا

ولعل إشفاق البعض على أوباما وهو ما دفع الرئيس جيمي كارتر مؤخرا إلى اتهام بعض معارضي أوباما بالعنصرية وبأنهم يعرضون أوباما ليس لسياساته، ولكن لأنهم لن يقبلوا طواعية بالانصياع خلف قيادة رجل أبيض

هناك أيضا حديث لم ينته بعد عن تراجع نفوذ أميركا وسلطتها حول العالم وقدرتها الاقتصادية داخليا فالبلد يمتلك أكبر عجز تجاري في العالم ويستدين من الصين بكميات مهولة ويعاني من مستويات بطالة تاريخية ومستقبل اقتصادي غامض، كما أن الجيش الأميركي وهو مصدر القوة السياسية الأميركية يعاني من المهانة العسكرية يوميا في العراق والتي فشل فيها وفي أفغانستان والتي يفشل فيها حتى الآن، وبهذا تبدو دعامتا الإستراتيجية الأميركية الرئيسيتان (الجيش والاقتصادي) في تردي غير مسبوق، وتدهور دفع بعض كبار مراكز الدراسات الإستراتيجية الأميركية إلى الحديث عن دخولنا بالفعل عالم ما بعد القطبية الأحادية

وهكذا تبدو أميركا المرهقة بالأعباء الاقتصادية والعسكرية غير قادرة على فرض أجدتها الداخلية أو الخارجية

أضف إلى ذلك أن دراسة أوباما نفسه ومواقفه خلال حملته الانتخابية توضح منذ البداية أنه ليس بالمثالية التي يتصورها البعض فيه، فالرجل قنط من العراق ويريد تركها في أسرع وقت دون تعويضه عن ما ارتكب في حقه من جرائم، كما أن لا ينفتح على الآخرين إلا بحساب وبمعايير مزدوجة تفرق بين الدول والجماعات وبين العلمانيين والمتدينين، كما أنه طوى ملف الديمقراطية ودعم أميركا لها خلف ظهره، وفضل التعامل مع النظم الديكاتورية توافقا مع مصالح أميركا، هذا ناهيك عن مساعديه وفشله في العثور على وجوه جديدة تمثل التغيير الذي يتحدث عنه، هذا يعني أن الفكرية الأوباماوية حملت منذ ولادتها بذور متناقضة وبعض أسباب فشلها

هذا يعني أننا أمام مشروع أوباومي للتغيير شارف على معرفة حدوده، وأن الشهور الثلاثة المقبلة سوف تكون مفصلية، فسوف نعرف مدى تقبل الكونجرس الأميركي والمعارضة الجمهورية لخطط الإصلاح الصحي والاقتصادي وحرب أفغانستان، ومدى قدرة الاقتصاد على التعافي وقدرة أوباما على فرض أجندته في القضايا السابقة

وفي اعتقادي أن كلام كروجمان صحيح وأن النظام السياسي الأميركي نفسه لن يسمح لأوباما بالتغيير وأن سرعان ما سيدرك أوباما حدوده وهي نتيجة غير سارة لكثير ممن تمنوا التغيير، كما أخشى من أن مساعدي أوباما الديمقراطيين المحنكين سياسيا يدركون هذا من البداية وأنهم تركوه يحارب وحده مدركين أن مصيره الفشل والذي يقد يعفيهم أنفسهم من تحمل مسئولية طالما ظهر أوباما في المقدمة يحارب وحده

Friday, April 24, 2009

إدارة أوباما والإستراتيجية الأميركية: الأيام المائة الأولى

عرض بقلم علاء بيومي

يمكن نشر المقال الحالي مع الإشارة إلى مصدره

www.alaabayoumi.com

نص العرض

يتوصل التقرير الحالي الصادر عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن لعدد من النتائج الهامة بخصوص بصمة إدارة أوباما على الإستراتيجية الأميركية خلال أيامها المائة الأولى في السلطة، حيث يرى التقرير أن مهمة استعادة مكانة أميركا الاقتصادية الدولية سوف تطغى على ولاية أوباما الأولى، وأن التركيز على أفغانستان وباكستان هو أكبر تغيير أدخله أوباما على الإستراتيجية الأميركية في الوقت الراهن، وأن إستراتيجية أوباما في العراق تعاني من غموض ونقص واضحين خاصة في حالة تدهور الوضع الأمني هناك

وفي البداية يؤكد مؤلف التقرير أنطوني كوردسمان أنه لا يوجد رئيس أميركي قادر على تغيير إستراتيجية أميركا خلال مائة يوم لأسباب عديدة، فالرئيس يدخل الحكم بدون فريق عمل ويحتاج لشهور لبناء فريق الأمن القومي الخاص به، كما أنه يدخل الحكم في ظل ميزانية أقرت في العام السابق لتوليه الحكم، والميزانية هي من تتحكم في واقع السياسات على الأرض، كما أنه يواجه مشاكل دولية يعود بعضها لأكثر من نصف قرن على غرار أزمة الشرق الأوسط في حالة إدارة أوباما

لذا فإن أقصى ما يمكن أن يحققه الرئيس - خلال أيامه المائة الأولي بالبيت الأبيض - هو أن يعيد التفكير في أهداف ومبادئ الإستراتيجية الأميركية، ومحاولة إعادة تقييم تلك الأهداف، وفي هذا السياق يتوصل كوردسمان إلى النتائج الهامة التالية

أولا: أن حل الأزمة الاقتصادية داخليا واستعادة مكانة أميركا الاقتصادية الدولية - والتي تعد ركيزة هامة من ركائز إستراتيجية أميركا ونفوذها حول العام - سوف "تسيطر على ولاية أوباما الأولى" خاصة وأن علاج الأزمة الاقتصادية لن يكون عملية سهلة وسوف يتطلب "تجارب" أو محاولات عديدة قد يكتب لها النجاح أو الفشل

ثانيا: تحرك أوباما سريعا وبشكل يحسب له في توجيه اهتمام أميركا نحو الحرب في أفغانستان وباكستان وتغيير بعض أدوات الإستراتيجية هناك مثل المطالبة بزيادة الجنود الأميركيين، وتقديم مزيد من المساعدات لباكستان، والدعوة لدبلوماسية إقليمية نشطة لحل المشكلة الأفغانية تضم الدول المحيطة بما فيها إيران

ثالثا: على عكس أفغانستان، تعاني إستراتيجية أوباما تجاه العراق من عجز واضح، فلم يعلن أوباما عن إستراتيجية جديدة للحرب، ولم يناقش إستراتيجية الإدارة في حالة انزلاق العراق نحو مزيد من التوتر الطائفي أو العرقي مع انسحاب القوات، هذا في الوقت الذي أبدى فيه أوباما مرونة كبيرة في إتباع نصائح قادة القوات الأميركية بالعراق فيما يتعلق بوتيرة الانسحاب

رابعا: بصفة عامة نجح أوباما في التحرك سريعا لمواجهة التدهور الخطير في صورة أميركا حول العالم خلال عهد الرئيس جورج دبليو بوش، حيث نجح أوباما في تصوير إدارته على إنها أكثر استعدادا للحوار والإنصات والتعاون الدولي

خامسا: لم يحصل أوباما على دعم كبير من دول حلف الناتو من أجل مساعدته في حرب أفغانستان، ولكنه أعاد توجيه أهداف الناتو نحو الدفاع عن أمن أعضائه بدلا من التركيز بشكل أساسي على التدخل في حربي العراق وأفغانستان

سادسا: أعلن أوباما نيته المضي قدما في جهود نزع أسلحة الدمار الشامل من خلال التعاون مع روسيا بهذا الخصوص

سابعا: فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي أعلن أوباما عن نيته التركيز على إيجاد حل للصراع خلال ولايته الأولى ورفضه تسويف القضية لنهاية ولايته الثانية كحال الرؤساء الأميركيين السابقين، كما أعلن حرصه على دفع جهود السلام بين سوريا وإسرائيل ودعم مبادرة السلام العربية

ثامنا: توقف أوباما عن استخدام مصطلح "الحرب العالمية على الإرهاب" احتراما لمشاعر العالم الإسلامي، حيث رأى البعض أن المصطلح موجه ضد الإسلام والعرب في جوهره، وفي هذا السياق حرص أوباما على إبراز حرصه على التعاون مع الحكومة التركية كنموذج لدولة مسلمة تقودها حكومة إسلامية

تاسعا: بخصوص إيران، أعلنت إدارة أوباما معارضتها لشن إسرائيل ضربة جوية ضد منشئات إيران النووية، في الوقت الذي أكدت فيه الإدارة معارضتها الشديدة لاستمرار إيران في برامج التسلح النووي وفي دعم حركات كحزب الله وحماس

أخيرا: وبخصوص الجيش الأميركي طالبت إدارة أوباما بأموال إضافية خلال العام الحالي مقدرها 75.5 بليون دولار توجه بالأساس لدعم حربي أفغانستان والعراق خلال عام 2009، وذلك على الرغم من الأزمة الاقتصادية، ويفسر ذلك أن ميزانية عام 2009 والتي أقرت في عهد الرئيس بوش لم تتضمن مصاريف الحربين، وذلك كعادة إدارة بوش والتي كانت تبقي تكاليف تمويل الحرب خارج الميزانية وتمولها من خلال مخصصات مالية إضافية تطلب تباعا

لذا حرصت إدارة أوباما على أن تقر مصاريف الحربين في الميزانية الجديدة، حيث طالبت الإدارة بميزانية دفاع قدرها 663 بليون دولار في عام 2010 تخصص 130 بليون دولار منها لحربي أفغانستان والعراق في محاولة من قبل إدارة أوباما للتحكم في تكاليف الحربين من البداية وتخفيضها

كما أكدت إدارة أوباما عزمها تطوير الجيش الأميركي في اتجاه دعم قدراته في مجال حروب العصابات والحرب داخل المدن مما يستدعي الاهتمام بالقوات البرية وعدم التركيز فقط على القوات الجوية الأميركية كما كان الحال في الماضي، وكذلك التخلي عن برامج الأسلحة عالية التكنولوجيا والتكاليف (الطائرات والصواريخ) لصالح برامج الأسلحة الأقل تكنولوجيا وتكلفة والتي يحتاجها الجيش في الفترة الحالية (مثل أنظمة الاستخبارات الحربية والعربات المصفحة التي تسير عن بعد)، وهو تحول هام وضخم سوف يستغرق سنوات وخطط عديدة ودقيقة لتنفيذه

كما توقع التقرير أن يساهم تولي هيلاري كلينتون لوزارة الخارجية الأميركية في زيادة ميزانية الخارجية الأميركية وفي تنشيط دور الدبلوماسية في الإستراتيجية الأميركية بشكل عام

وفي النهاية أكد التقرير على أن إعلان النوايا وحده لا يكفي، وأن الأهم هو الميزانيات والخطط المفصلة والخطوات الحقيقية التي سوف تتخذها إدارة أوباما للتعامل مع القضايا الإستراتيجية التي تواجهها، وأن حصيلة الأيام المائة الأولي لأوباما في الحكم هي مجموعة من البدايات والمفاهيم والنوايا التي قد يحتاج بعضها لسنوات لتحقيقه وإن كان هذا لا يقلل من أهمية رصدها – كما حدث في التقرير الحالي – والبحث عن تبعاتها وتطوراتها في تقارير مستقبلية

----

للإطلاع على النص الكامل للتقرير يرجى زيارة

http://www.csis.org/component/option,com_csis_pubs/task,view/id,5411/

Wednesday, March 11, 2009

من هم الليبراليون الجدد؟ ولماذا يسيطرون على إدارة أوباما؟
مقال بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره
www.alaabayoumi.com

نص المقال

"الليبراليون الجدد" هم الذراع اليميني للحزب الديمقراطي الأميركي، والذي يسيطر بالأساس على نخب الحزب وعلى قواعده الجماهيرية البيضاء المنتمية للبطقات الفقيرة والمتوسطة، ويميل أيدلوجيا نحو الحد من برامج الرعاية والدعم الحكومية على مستوى السياسة الداخلية ونحو دعم سياسة خارجية تدخلية على الساحة الخارجية

جذور "الليبراليين الجدد" داخل الحزب الديمقراطي الأميركي قديمة للغاية، ولكن تبلورهم الحديث يعود لنهاية الستينيات كرد فعل على صعود قوى "اليسار الجديد"، وهي الجناح اليساري والأكثر ثورية داخل الحزب الديمقراطي، والذي سيطر على قواعد الحزب الديمقراطي الجماهيرية بشكل طاغي منذ منتصف الستينيات وخاصة وسط المهاجرين والأقليات والنساء والشباب والمثقفين، في حين بقى كبار السن والمحافظين أخلاقيا والبيض من أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة أقرب ليمين الحزب الديمقراطي أو "الليبراليين الجدد

ونظرا لسيطرة "اليساريين الجدد" المتزايدة على الحزب الديمقراطي منذ عام 1964 انعزل جناح الحزب اليميني في تيار معارض بدأ يتبلور تدريجيا، ودخل في صراع مستمر مع "اليساريين الجدد" منذ عام 1968، وهو صراع كلف الحزب الديمقراطي خسارة سطوته على السياسة الأميركية

صراع "الليبراليين الجدد" مع "اليساريين الجدد" أضعف الحزب الديمقراطي كثيرا وكلفه انتخابات تلو الأخرى وساهم في صعود ريجان وقوى اليمين المسيحي السياسية، ومع استمرار الهزائم انشق عن "الليبراليين الجدد" بعض الليبراليين الذين استحال عليهم التعايش مع الحزب الديمقراطي في ظل سيطرة ونفوذ "اليساريين الجدد" عليه، وقد عرف هؤلاء الديمقراطيون التاركون للحزب الديمقراطي في أواخر السبعينيات "بالمحافظين الجدد"، وهو التيار الذي انضم لإدارة ريجان في بداية الثمانينات وبات مسيطرا على السياسة الخارجية لإدارة الرئيس جورج دبليو بوش وقادها إلى حرب العراق

عموما فضل "الليبراليون الجدد" البقاء داخل الحزب الديمقراطي وجذبه بإستمرار نحو اليمين مدفوعين بشعورهم العميق بالانهزام أمام قوي اليمين الأميركي المتدينة منها والعلمانية والتي باتت متعاظمة النفوذ

وقد دارت أفكار "الليبراليين الجدد" حول التخلي عن برامج الحكومة الكبيرة والبرامج الموجهة لمساعدة الفقراء وحول الاهتمام بمصالح رجال الأعمال والطبقات البيضاء المتوسطة، وكذلك حول تبني سياسة خارجية أكثر إحتراما للقوة العسكرية الأميركية والجيش الأميركي ولمصالح أميركا الدولية ولأهمية تبني سياسة خارجية تدخلية وصقورية إذا لزم الأمر

وجاء صعود بيل كلينتون في أواخر الثمانينات نتاجا لحركة "الليبراليين الجدد" وتجسيدا لها حيث إلتف حوله بعض شباب الحزب الذين أيدوا أجندة "الليبراليين الجدد" وبدأوا في تطبيقها تدريجيا بعد فوز كلينتون بالرئاسة الأميركية في 1992 مما أحدث صراعات عميقة بين نخب الحزب الديمقراطي الملتفة حول كلينتون وبين جذوره الملتفة شعوريا حول أفكار "اليساريين الجدد

رئاسة كلينتون جاءت تطبيقا لأفكار "الليبراليين الجدد" وتطويرا لها وأحدثت تطورا لا رجعة فيه على الحزب الديمقراطي وعلى أجندته السياسية لصالح "الليبراليين الجدد" إذا تخلى الديمقراطيون تدريجيا عن دعم البرامج الحكومية الكبيرة الموجهة نحو مصالح الطبقات الفقيرة والأقليات، وأصبحوا حزبا حريصا على موازنة الميزانية العامة والحد من عجز الميزانية وعلى مكافحة الجريمة وضمان مصالح الطبقة المتوسطة، كما تخلوا تدريجيا عن نزعتهم الإنعزالية على ساحة السياسة الخارجية وأصبحوا حزبا معنيا ببناء النظام العالمي الجديد بشكل يضمن استمرار نفوذ أميركا وهيمنتها

ومع هزيمة آل جور أمام جورج دبليو بوش في انتخابات عام 2000 عاد الديمقراطيون إلى المعارضة بعد أن سيطر "الليبراليون الجدد" بشكل متزايد وواضح على النخب السياسية للحزب الديمقراطي، والتي دعمت حرب العراق ولم تبدي أمامها مقاومة تذكر

وجاءت أخطاء بوش في العراق وحول العالم لتؤكد للأميركيين خطأ "المحافظين الجدد" و"الليبراليين الجدد" على حد سواء ولتعطي اليسار الجديد روحا جديدة ظهرت في انتخابات عام 2006 النصفية التي اكتسحها الديمقراطيون

وفي أوائل انتخابات 2008 انقسم الديمقراطيين بين مؤيدي هيلاري كلينتون مرشحة نخب الحزب الديمقراطي و"الليبراليين الجدد" ووريثة "الكلينتونية" الشرعية وبين مؤيدي باراك أوباما والذي تبنى أجندة "الليبراليين الجدد" على ساحة السياسة الداخلية ومال لأجندة "اليساريين الجدد" على ساحة السياسة الخارجية بسبب معارضته لحرب العراق وتفضيله للحوار مع دول مثل إيران وسوريا، وهي مواقف أزعجت "الليبراليين الجدد" بشدة ولكنهم استسلموا في النهاية لإرادة قواعد الحزب الديمقراطي الجماهيرية الأكثر يسارية والتي تميل بوضوح منذ 2006 على الأقل نحو "اليسار الجديد" وأجندته والتي رأت في أوباما ممثلا لها على ساحة السياسة الخارجية وتتويجا لطموح الأفارقة الأميركيين وحركة الحقوق المدنية الأميركية على الساحة الداخلية

لذا رفض "اليساريون الجدد" اختيار هيلاري كنائبة لأوباما ولم يرحبوا كثيرا بإختيار جوزيف بايدن كنائب لأوباما لأن بايدن بدوره من "الليبراليين الجدد" ولا يمثل التغيير المنشود بأي حال من الأحوال، ومن المؤكد أن "اليساريين الجدد" يشعرون بقدر كبير من الإحباط حاليا بعدما أحاط أوباما نفسه بشخصيات مثل هيلاري كلينتون والتي باتت وزيرة للخارجية الأميركية على الرغم من أن قواعد الحزب الديمقراطي اليسارية لفظت هيلاري وفضلت أوباما عليها للسبب نفسه، وهو سياستها الخارجية الصقورية

كما اختار أوباما شخصا مثل رام إيمانويل المعروف بشراسته السياسة وبصراعات مع يسار الحزب الديمقراطي ورموزه ككبير لموظفي البيت الأبيض

وتبدو اختيارات أوباما لمساعديه على ساحة السياسة الخارجية والداخلية وكأنها خضوعا تدريجيا ومستمرا "لليبراليين الجدد" وأجندتهم، ولما لا وهم أصحاب سيطرة كبيرة على الحزب ونخبه منذ عهد بيل كلينتون على أقل تقدير، ويجب هنا الإشارة إلى أن "المحافظين الجدد" ظلوا أقلية أو تيار محدود جدا داخل الحزب الجمهوري لا يمتلك قواعد جماهيرية تذكر، أما "الليبراليين الجدد" فيمتلكون نصف قواعد الحزب الديمقراطي الجماهيرية تقريبا

هذا يعني أننا في حاجة لدراسة "الليبراليين الجدد" وممثليهم في إدارة أوباما وحقيقة مواقفهم تجاه العالم العربي أكثر من التعويل على مواقف أوباما نفسه، خاصة أن مواقف أوباما تبدو غامضة في كثير من الأحيان لقلة ما يتوافر عنه من معلومات قد توضح مواقفه السياسية الحقيقة

وهذا يؤكد صواب الموقف الحذر الذي تبناه كثير من العرب تجاه أوباما والانتخابات الأميركية، حيث رأى هؤلاء أن السياسة الأميركية لا يصنعها أفراد إنما تصنعها مؤسسات ونخب وجماعات مصالح كبيرة ومتشعبة، ونحن هنا نرى أن "الليبراليين الجدد" هم نموذج لذلك وتطبيقا لصحة هذه النظرية، فمواقفهم السياسية لا تختلف أحيانا عن مواقف "المحافظين الجدد"، ونفوذهم داخل الحزب الديمقراطي قوي ومتشعب

هذا يعني أنه من الخطأ القفز إلى الأمام بالتركيز على شخصية أوباما، وأنه من الأفضل أخذ خطوة للخلف لدراسة الجماعات التي تسيطر على أجندة الحزب الديمقراطي الأميركي الحاكم