Wednesday, December 29, 2010


روسيا المشوقة كما يراها عاطف عبد الحميد
قراءة في كتاب استعادة روسيا مكانة القطب الدولي: أزمة الفترة الانتقالية


بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره:

www.alaabayoumi.com

نص المقال:

دراسة ممتعة للغاية ومحظوظة بأسلوب مؤلفها د. عاطف معتمد عبد الحميد أستاذ الجغرافيا بجامعة القاهرة.

د. عبد الحميد يكتب بلغة سلسة للغاية، وبتمكن ملفت للنظر، وبأسلوب مسلي يشعرك بالتعاطف مع روسيا ومع قصتها، والتي يحكيها الكتاب بتشويق في أقل من 130 صفحة.

صغر حجم الكتاب وأسلوب مؤلفه السهل يشعرك بأن الدراسة - الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات في عام 2009 - مقدمة مفيدة وجذابة لكل قارئ مهتم بالتعرف على روسيا ومعاناتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ومساعيها للعودة إلى مكانتها الدولية الكبيرة مجددا.

الدراسة تشعرك بالتعاطف مع روسيا ليس بسبب دعم المؤلف لها أو مديحه لسياساتها أو تعاطفه مع بوتين في الشيشان، ولكن لأن المؤلف نجح باقتدار في تقديم حكاية روسيا بأسلوب سهل ومن خلال مقولات جذابة تجذب اهتمامك وتدفعك – كما في الروايات – للرغبة في معرفة المزيد.

طائر له رأسان

د. عبد الحميد يكتب من خلال عبارات فارقة ومحورية وجذابة مثل القول بأن روسيا طائر له رأسان، رأس ينظر شرقا وأخر يتوجه غربا، لذا يشعر أهل الشرق بأن روسيا أوربية، ويشعر أهل أوربا بأن روسيا شرقية، ولكن روسيا في حاجة – كما يرى المؤلف - إلى رأس ثالث ينظر نحو الجنوب أي نحو الشعوب التي تتطلع إلى دعم روسيا.

ولكن هذا الرأس يتطلب روسيا أكثر ديمقراطية وأقل إمبريالية وأكثر قدرة على استخدام القوة الناعمة.

فروسيا حتى الآن لم تنجح في اختبار الديمقراطية، كما أن سياساتها إمبريالية توسعية خاصة في فنائها الخلفي حيث دول شرق أوربا ووسط أسيا التي عانت كثيرا من التسلط الروسي.

كما أن روسيا دولة تحركها مصالحها البرجماتية في أغلب الأحيان خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ونهاية الأيدلوجية كدافع للسياسة الروسية.

كما أن العالم لا يفهم اللغة أو الثقافة الروسية، لذا تعاني روسيا في الانتشار مقارنة بأميركا الإمبراطورية المحترفة كما يسميها المؤلف.

فروسيا إمبراطورية قيصرية توسعية ولكنها ليست محترفة، فهي لا تمتلك ثقافة أميركا السهلة ولا مراكز أبحاثها ووسائل إعلامها التي تروج لأعداء جدد وتؤجج صراعات محدودة من أجل بيع مزيد من الأسلحة الأميركية المتطورة.

أما روسيا فإمبراطورية قيصرية قديمة غير محترفة مازالت تستخدم الأساليب التوسعية والإمبراطورية الصرفة كحظر الغاز وبيع الأسلحة للدول الفقيرة وخاصة في أسيا وبلدان العالم الثالث والتركيز على أسلحة دفاعية وجوية قديمة، في حين دخلت أميركا عصر بيع أسلحة "الحرب على الإرهاب" منذ عام 2001.

هذا يعني أن توجه روسيا نحو الجنوب أمامه عقبات كغياب الديمقراطية والأيدلوجية والقوة الناعمة والأسلحة المتطورة.

منطقة وسط لا حسم

الشرق الأوسط بالنسبة لروسيا منطقة حلول وسط لا حلول جذرية، كما يقول المؤلف.

لذا عانت سياسات روسيا في الشرق الأوسط وسوف تعاني من عدم الحسم، فمنطقة الحسم الروسي هي وسط أسيا وشرق أوربا، وهي منطقة قريبة من روسيا جغرافيا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا وتاريخيا، فبعض دولها كان أرضا سوفيتية حتى عهد قريب، والبعض الأخر مثل تاريخيا الفناء الخلفي للسياسات الروسية بما تعنيه تلك العبارة من دلالات إستراتيجية هامة، فلا إمبراطورية بدون فناء خلفي كما يقول المؤلف.

وبسبب توسع الناتو المستمر منذ التسعينيات في الفناء الخلفي الروسي، وجدت روسيا نفسها في وضع الدفاع لفترة طويلة أمام ضربات حلف الناتو الفتي، وعلى الرغم من محاولاتها الخجولة للقفز على موقفها الدفاعي من خلال سياسات اقتصادية وعسكرية معينة عابرة للحدود، إلا أنها لم تصل لمرحلة الهجوم بعد، وحتى لو وصلت إليها فيكفي روسيا حاليا ولسنوات قادمة محاولة استعادة ما فقدته من نفوذ في فنائها الخلفي قبل التوجه لاستعادة النفوذ المفقود في الشرق الأوسط.

وحتى لو حدث ذلك فالعرب قد انصرفوا عن روسيا منذ توجه السادات غربا كما يشير الكتاب، وروسيا اليوم لديها مصالح اقتصادية كبيرة تريد ترويجها لدى دول الخليج الثرية، ولديها علاقات متشابكة مع الغرب وإسرائيل.

هذا يعني أننا أمام روسيا جديدة، وأن التاريخ لا يعيد نفسها، كما أن التاريخ يقول مرة أخرى – كما يشير د. عبد الحميد باقتدار – إلى أن الشرق الأوسط هو منطقة حلول وسط لروسيا تكتفي فيها بترويج أسلحة دفاعية مع الحرص على عدم الإخلال بميزان القوى لصالح حلفاء روسيا كسوريا وإيران خوفا من إغضاب خصومها الغربيين.

قيصرية توسعية شرقية

الكتاب يقول أيضا أن روسيا قيصرية في الداخل توسعية في الخارج، وأن سياستها الداخلية والخارجية شرقية بامتياز.

فلما حاولت روسيا الديمقراطية بعد عام 1991 تعرضت لحركات انفصال لا حصر له، فعدد كبير من أقاليم الأطراف الروسية يتمتع بثروات ضخمة وقدرات عسكرية كبيرة وهويات تاريخية مستقلة، فروسيا تتمتع بمساحة شاسعة هي الأكبر في العالم ومن السهل تعرضها للتمزق، وعندما عاشت روسيا فترة ضعف للحكومة المركزية بعد 1991 تعرضت لمحاولات انفصال وتمزق خطيرة.

فعلى سبيل المثال، يقول الكتاب أن بعض الصينيين يتوسعون في شرق روسيا حيث مساحات واسعة من الأراضي الروسية المليئة بالثروات والتي لا يتواجد فيها عدد كافي من الروس بسبب بعدها ومساحتها الشاسعة وقلة عدد سكان روسيا وتراجع أعدادهم بسبب الهجرة وتراجع معدلات الإنجاب، وبهذا وجد ملايين الصينيين أنفسهم أمام أرض بلا شعب في حين أنهم شعب بلا أرض فتوسعوا وتمددوا في شرق روسيا بشكل غير قانوني تحت أعين روسيا نفسها العاجزة عن استعمار تلك المساحات الشاسعة.

هذا يعني أن روسيا في حاجة إلى حكومة مركزية قوية بسبب المساحة الشاسعة والتعدد الاثني الكبير.

كما تعرضت روسيا أيضا في ظل ديمقراطية التسعينيات لفساد واسع وخصخصة وبيع لشركات الدولة وصعود لطبقة أثرياء فاسدين تضرر منها المجتمع كله.

حتى الجيش تضرر وشعر الجنود والضباط بمهانة كبيرة، وبات الغرب ينظر لروسيا كدولة قابلة للتفكيك، دولة قد تتعرض أسلحتها النووية للسرقة وللبيع في السوق السوداء.

روسيا بوتين

لذا وجدت روسيا ضالتها في فلاديمر بوتين قيصر روسيا الجديدة الذي اختاره يلتسن المريض رئيسا لوزرائه، ثم صار رئيسا منذ عام 2000، ثم رئيسا للوزراء منذ 2008، ويعتقد الكثيرون أن بوتين هو رئيس روسيا القادم في 2012، وأنه باق حتى 2024، هذا يعني أننا أمام ربع قرن من حكم بوتين لروسيا، وأننا أمام قيصر جديد، أو روسيا قيصرية، أو روسيا بوتين.

بوتين لا يحكم من خلال ديمقراطية حقيقية، فنحن أمام انتخابات شكلية، ومعارضة ضعيفة للغاية وممزقة، وصحفيون يقتلون لدورهم في الكشف عن قضايا فساد، وقادة معارضة يزج بهم في السجون، والبعض يتراجع ويقرر الانضمام لصفوف الحكومة، وتوغل رهيب لأجهزة الاستخبارات في أوساط القادة السياسيين، وغرب غير معني حقيقة بالديمقراطية في روسيا، كما أن روسيا لا تقبل الضغط عليها، وهي تملك سلاح الغاز والطاقة المسلط على رقبة أوربا.

الغاز تضاعفت أسعاره منذ عام 2006، وهذا يعني أن بوتين لم يخلق الفرصة وحده، فالظروف ساعدته.

أسعار الطاقة المرتفعة باستمرار عادت على روسيا بثروات طائلة مكنتها من خفض الديون وزيادة احتياطي العملات الأجنبية وضخ أموالا في صناعة السلاح، وتصدير مزيد من السلاح والنفط مما عاد على روسيا بوتين بمزيد من الثروات.

بوتين استخدم ثروات الغاز كسلاح اقتصادي خارجي، وبدأ في صناعة مزيد من الأسلحة وفي التمدد اقتصاديا وسياسيا في الخارج، حتى أسس علاقات مع فنزويلا في أميركا اللاتينية (فناء أميركا الخلفي)، كما أسس علاقات اقتصادية وسياسية قوية مع الصين في أسيا، وهي علاقات تكاد تلتهم دول وسط أسيا التي تقع في الوسط ولا تمتلك إمكانات روسيا القيصرية ولا إمكانات الصين العملاق الاقتصادي.

ولم يتوان بوتين في التعامل بوحشية مع الشيشان أو مع جورجيا، بعدما ذاقت روسيا مرارة التراجع والانحسار والهزائم لسنوات منذ حرب أفغانستان، وخلال فترة تفكك الاتحاد السوفيتي، وفي حرب الناتو ضد الصرب.

ويساعد بوتين في ذلك كاريزميته وتعامله الجيد مع وسائل الإعلام واستعانة بمستشارين جيدين، وشعب روسي يؤمن بأنه له دور في قيادة العالم، وهي عقيدة هامة تحتاجها أي دولة عظمى.

أسئلة بلا إجابات

هذا لا يعني أن روسيا في صعود حتمي أو أن استعادة القطبية أمر مضمون، فصعود روسيا والذي حولها إلى قوة عظمى من جديد مازالت تثار حوله علامات استفهام كثيرة، أو أسئلة بلا إجابات كما يقول المؤلف.

فاستمرار الصعود الروسي يتطلب مزيد من الديمقراطية والاستقرار الداخلي، ومزيد من استقرار أسعار النفط وازدهار وتنوع الاقتصاد الروسي، كما أن روسيا في حاجة إلى تحديث صناعة أسلحتها وتطويرها وتطوير جيشها، وعليها آلا تنساق وراء استفزازات الناتو والذي يريد زج روسيا في سباق تسلح مهلك، كما ينبغي عليها أيضا أن تبحث عن إيديولوجية جديدة وعن قوة ناعمة تقنع العالم برؤية روسيا ودورها القيادي.

أما بالنسبة للعالم العربي فوقفت روسيا صامت أمام غزو أميركا لأفغانستان وللعراق وأمام حرب إسرائيل على غزة، وهي لا تقدم لدول الشرق الأوسط إلا أسلحة دفاعية، وتشعر أن دعمها لإيران أفضل لها من دعم مسلمي العالم السني لأن شيعة إيران غير معنيين بدعم مسلمي روسيا السنة في الشيشان وفي وسط أسيا.

كما أن روسيا تقدم نفسها مؤخرا كحليف في الحرب على "الإرهاب" وعلى "المسلمين المتشددين"، حليف يريد التعاون ضدهم مع السعودية ودول وسط أسيا وأميركا والغرب وإسرائيل.

هذا يعني أن صعود روسيا ومكانتها كقطب دولي قضية مركبة متشابكة تستحق المراقبة والدراسة والتتبع ولم تصل بعد لمرحلة الحسم.

أما دراسة د. عبد الحميد فقد نجحت في توعية القارئ بعدد من التطورات الهامة التي يمر بها الدب الروسي في مرحلة إعادة بناءه لقدراته، دراسة تنصح القارئ بعدم التسرع في إصدار الأحكام وبالصبر على مراقبة نمو الدب الروسي بتريث لا يخلو من متعة في صياغة وأسلوب الراوي (د. عبد الحميد).

----

معلومات الكتاب:

العنوان: استعادة روسيا مكانة القطب الدولي: أزمة الفترة الانتقالية

المؤلف: عاطف معتمد عبد الحميد

الناشر: مركز دراسات الجزيرة، الدوحة، قطر

تاريخ النشر: الطبعة الأولى 2009

Saturday, December 25, 2010



الكتابة عن تهويد القدس في عصر الفضائيات

قراءة في كتاب تهويد القدس: محاولات التهويد والتصدي لها من واقع النصوص والوثائق والإحصاءات





بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره:
www.alaabayoumi.com

نص المقال:

هل نحن في حاجة لمزيد من الكتب والدراسات والأبحاث عن محاولات إسرائيل هدم القدس؟ أم أن العرب في حاجة إلى شيء أخر؟

سؤال راودني كثيرا خلال قراءتي لكتاب " تهويد القدس: محاولات التهويد والتصدي لها من واقع النصوص والوثائق والإحصاءات" الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في فبراير الماضي.

الكتاب يحتوي على عدد لا بأس به من الحجج الهامة، فهو يقول أن الكنعانيين العرب هم من أسسوا القدس، وأن اليهود دخلوا فلسطين لأول مرة غزاة، وأنهم لم يقيموا إلا لفترة محدودة، وأن الهيكل الذي بناه سليمان (عليه السلام) "انهدم وأحترق"، وأنه لم يسمح لليهود بالإقامة في القدس منذ عام 135 ميلادية وحتى الفتح الإسلامي للمدينة.

ويقول الكتاب ومؤلفه أنور محمد زناتي أن كثير من الدراسات التاريخية أثبتت المقولات السابقة، وهذا يعني أن حجج الصهيونية عن تاريخ القدس باطلة وملفقة.

هذا فيما يتعلق بالتاريخ، أما بالنسبة للعصر الحديث فيقول الكتاب أن عدد الأسر اليهودية في القدس في عام 1948 لم يتعد 90 أسرة، وأن إسرائيل سعت بشكل مكثف لتهويد القدس منذ احتلالها في عام 1967 متبعة في ذلك أساليب عدة.

أولا: الضم السياسي المخالف للقوانين الدولية

فور احتلال القدس، وفي 25 يونيو 1967 أعلنت إسرائيل سريان قوانينها على القدس القديمة، وأقر الكنيست الإسرائيلي الإعلان كمحاولة لإضافة الشرعية عليه، مع أن القدس القديمة محتلة ولا يجوز سريان القوانين الإسرائيلية عليها.

وبالطبع تم حل المجلس المحلي للمدينة وإلغاء القوانين الأردنية والمحاكم النظامية الأردنية، وتم توسيع حدود القدس حتى لا تقتصر على الحدود القديمة والأحياء العربية، وتم ضم المدينة الجديدة تحت القوانين الإسرائيلية.

وفي 30 يوليو 1980 أعلنت إسرائيل ضم القدس إداريا وسياسيا بقرار من الكنيست وأعلنت توحيدها وجعلها عاصمة لإسرائيل تحديا للقرارات الدولية.

كما أقر الكنيست في عام 2007 قرارا يقضي بعدم التنازل عن القدس الشرقية من قبل أي حكومة إسرائيلية إلا بعد الحصول على موافقة ثلثي أعضاء الكنيست.

ثانيا: التحكم في جغرافية القدس من خلال توسيع حدودها

وهي جهود بدأتها إسرائيل في أعقاب حرب عام 1967 مباشرة، وفي العام التالي بدأت إسرائيل بمصادرة أراضي خارج سور المدينة القديمة، وهي أراضي واسعة كانت تعود ملكيتها لحي الشيخ جراح ووادي الجوز، وأقامت عليها حزام مستوطنات محيط بالقدس مثل رامات إشكول وغفعات وهامينار ومعالوت دافني والتلة الفرنسية.

وفي عام 1975 تمت الموافقة على توسيع خريطة القدس، وشمل التوسع 9 مدن و60 قرية عربية أو ما يعادل 30% من مساحة الضفة الغربية كما يقول الكتاب، وقد أقيم في هذا النطاق 15 مستعمرة أخرى تشكل الحزام الاستيطاني الثالث حول القدس.

ثالثا: شق ديمغرافي من خلال تهجير السكان العرب وإحلالهم بيهود

يقول الكتاب أن 23 ألف فلسطيني على الأقل هجروا القدس بسبب حرب 67، هذا بالإضافة إلى من فروا في حرب 1948، وأن إسرائيل تفننت في فرض القوانين التي من شئنها طرد السكان وسحب هوياتهم المقدسية.

فعلى سبيل المثال أقرت إسرائيل في عام 1974 قانونا يقضي بسحب هوية القدس من كل من يقيم خارجها لمدة تتجاوز سبع سنوات بشكل متواصل، هذا إضافة إلى رفض إسرائيل منح هويات الإقامة وجمع الشمل للشباب وأطفال ولدوا خارج القدس.

وفي عام 1995 تبنت إسرائيل سياسة جديدة تهدد أي فلسطيني مقيم في القدس ولا يتمكن من أثبات وثائق إقامته بفقدان حقه للأبد في أن يعيش في المدينة.

هذا في وقت تشجع فيه إسرائيل هجرة اليهود إلى القدس الشرقية حتى وصل عدد سكانها إلى 180 ألف مستوطن في عام 2001، كما يشير الكتاب.

رابعا: الاعتداء على الهوية والمقدسات الإسلامية

وهنا يقول الكتاب - من خلال اقتباسات ومراجع مختلفة - أن حائط البراق - والذي يسميه اليهود حائط المبكى - هو "أشهر الاعتداءات" الإسرائيلية على القدس، وأن الحائط هو الجزء الجنوبي الغربي من جدار الحرم القدسي، وأنه لم يكن في وقت من الأوقات جزءا من الهيكل اليهودي المزعوم.

كما يشير إلى بعثات دولية أكدت في الماضي (1930) "أن للمسلمين وحدهم ملكية الحائط الغربي"، وأن إسرائيل بعد احتلالها القدس في 1967 هدمت حيا بأكمله كان يسمى "حي المغاربة" لكي توسع المساحة أمام الحائط ليتسع للمصلين اليهود.

كما تمنع إسرائيل منذ ذلك الحين ترميم المسجد في حين تستمر في عمليات التنقيب عن الحفريات بجوار وأسفل المسجد مما يؤثر على بنيانه وقدرته على الصمود في غياب جهود الترميم.

خامسا: شق اقتصادي اجتماعي وثقافي من خلال تصفية الاقتصاد العربي بالمدينة وإذابته تدريجيا في الاقتصاد الإسرائيلي، وتعريب أسماء الشوارع والطرقات والأحياء، وفرض مناهج التعليم الإسرائيلية على أبناء القدس وأضعاف المناهج والمدارس العربية.

وفي الخاتمة يحذر المؤلف قائلا أن "قضية القدس أصبحت الآن في خط الدفاع الأخير، أو ربع الساعة الأخيرة، فقد بقى بيد العرب 14%، والكتل الاستيطانية التهويدية تحتل 32%، والباقي 54% تحت سقف وسيف الاستيطان الاستعماري الصهيوني".

هذا بالنسبة لمزايا الكتاب، أما بالنسبة لعيوبه فتتركز على أسلوبه السردي المرهق للغاية على الرغم من استعانة الكتاب بكثير من الخرائط والجداول، ولكن المؤلف وقع في خط السرد مع أن الكتاب قصير للغاية ومقسم لفصلين فقط ولا تتعدى صفحاته 125 صفحة، لذا كان من المفترض أن يكون قراءة سهلة ومسلية.

ولكن شعرنا أن الكاتب مرهق بسبب أسلوبه الذي تنقل بين كثير من الأرقام والتواريخ بدون ناظم أحيانا، فأحيانا تشعر أن الكتاب لا يسير وفقا لتسلسل تاريخي أو منهجي واضح.

عموما الكتاب يحتوي على كثير من المعلومات والأرقام والإحصاءات الهامة، كما يطرح قضية شديدة الأهمية، وهي ضرورة توفير قاعدة من البيانات الكاملة عن القدس ومساعي إسرائيل لتهويدها.

ونحن نتمنى آلا تكون هذه القاعدة في صورة إحصاءات وأرقام جامدة فقط، فنحن نعيش الآن في عصر الانترنت والجرافيكس وجوجل، لذا كنا نتمنى أن تحول الأرقام التي يحتوي عليها الكتاب وغيره من الدراسات المعنية بالدفاع عن القدس إلى موقع إلكتروني مصور يعرض لنا صورة القدس في الماضي وفي 1948 وفي 1967 وعبر العقود المختلفة حتى الآن.

موقع يساعدنا من خلال وسائل العرض الإلكتروني (الجرافيكس والأنيمايشين) على متابعة جهود تهويد القدس عاما بعد عام، ويوما بعد يوم في الفترة الحالية.

فالأرقام والخرائط والإحصاءات ممكن أن تترجم إلى عرض متحرك بالصور يصور لنا وللأجيال القادمة كيف تغيرت القدس ومن يسعى إلى تغيير معالمها الأصيلة ولصالح من.

عموما شكرا للناشر والمؤلف على تناول موضوع هام كتهويد القدس، وكنا نأمل أن يمتلك الكتاب أسلوب أسهل في العرض يساعدنا على تتبع قضية هامة ذات طابع تاريخي وإحصائي وجغرافي يصعب تصويره على صفحات كتاب.

Saturday, December 04, 2010

Difficult days ahead for Egypt

Analysts say the recent elections have closed the already small window for political participation.

By: Alaa Bayoumi, 04 Dec 2010, AlJazeera.net, http://english.aljazeera.net/indepth/features/2010/12/2010124113632736918.html


Egypt's parliament has rarely been a platform for policy-making or serious political dialogue - more often acting as simply a rubber stamp for government policies. But, over the last decade and until the recent parliamentary elections, the presence of the Muslim Brotherhood and other vocal opposition and independent representatives inside parliament at least offered an opportunity to monitor the legislative process and raise issues such as the need for political reform and to tackle corruption.


Now, even that small window of political participation seems closed.


After the first round of parliamentary elections many of Egypt's most influential political analysts and intellectuals have little optimism about the country's political future. They feel that the ruling National Democratic Party (NDP) has gone too far in its bid to monopolise political power by crushing the Muslim Brotherhood and other, much smaller, opposition groups and say the election was marred by complaints of corruption, violence and vote-rigging.


No room for dissent


Abdullah al-Ashaal, a professor of international law and a former diplomat, said three points emerged from the elections: "First: the regime made a political decision to eradicate the Muslim Brotherhood and the opposition. Second: violence was used in a cruel way. Going to the polls was like putting one's self into harm's way. Third, the leaders of the NDP were too arrogant. Their actions and rhetoric were outside of the realm of any law or logic. We had hope in dialogue, but we discovered that we were naïve."


Like many other Egyptian observers, al-Ashaal predicted a NDP crackdown on banned Muslim Brotherhood candidates to prevent a repeat of the 2005 elections, when they won about one-fifth of parliamentary seats. However, he thought the government would leave some seats for them and reward the smaller secular opposition parties who took part in the elections with enough seats to boost secular opposition to the Brotherhood.


Amr Hashem Rabie, the head of the Egyptian studies department at Al-Ahram's center for political and strategic studies, one of Egypt's most influential think-tanks, said: "All expectations were that the NDP had struck a deal with [the secular] parties, such as Al-Wafd and Al-Tajamou and [would] offer them some gifts [seats]. The talk was that the 88 seats occupied by the Brotherhood in 2005 would be distributed [by the NDP] among the other opposition parties."

Al-Ashaal and Rabei were surprised that the NDP won 94 per cent of the 221 seats decided in the first round of voting - overshadowed, as it was, by complaints from the opposition and human rights organisations.


Based on the results of the first round, the opposition - both secular and religious - could win no more than 50 seats - less than 10 per cent of parliament - in the two rounds of voting. As a result, the Muslim Brotherhood and Al-Wafd party, the NDP's two main rivals, withdrew from the elections citing widespread use of coercive and vote-rigging tactics.


"The results have created rifts inside all the political parties and groups that participated in the elections," says George Ishaq, a former spokesperson for the Kefaya movement and a senior member of the National Association for Change, a group affiliated with Mohammed ElBaradei, the former UN nuclear chief, who has boycotted the elections.


Paving the road for succession


Al-Ashaal believes the government's actions can be seen as part of a larger regional plan, supported by the US and Israel, to "politically eradicate" the Muslim Brotherhood and crack down on Islamist groups across the Middle East.


"There is a presidential election coming and there is political succession being prepared for. The regime does not need cosmetics at this moment," he noted.


But, according to Rabie: "Trying to politically eliminate the Brotherhood is stupid ... the government used military courts against the Brotherhood and they could not eliminate them. They included the Brotherhood in previous parliamentary elections but still could not eradicate them politically."


He argues that the regime wanted to achieve "full political monopoly" before the upcoming presidential election, which may see a change of president for the first time in three decades.


Alienated masses


Many analysts believe that the Egyptian regime has been able to crush the opposition in such a manner because it has already succeeded in politically marginalising the Egyptian people over decades of political stagnation and undemocratic rule.


"People are satisfied with the status quo. They accept the ruling party. They are used to political stagnation," says Milad Hanna, a prominent leftist thinker.


"The Egyptian people are not worried about the elections. They don't follow the elections. They don't vote.

"The elections are going on without any serious competition. I don't see any street protests against the NDP. The ruling party has no serious competition and the Muslim Brotherhood cannot win enough votes to scare the NDP. People are not angry and are not revolting."


Tariq al-Beshri, a widely-respected author and retired judge, fears that the Egyptian government has succeeded in weakening all organised political groups inside the country. He says that any sign of political reform was "limited to the media and intellectual elites".

"For change to take place in any society there should be enough political street mobilisation. We don't need more talking. We need to be able to act politically."

But al-Beshri suspects that the Egyptian regime has weakened the various political institutions that could help to mobilise the people. "The labour unions were weakened. The parties were destroyed. The professional unions were disintegrated."


And Rabie argues that the Egyptian civil society organisations that have mushroomed over the last few years are "empty from the inside".

"You see parties and civil society organisations, but with no serious content. You have parties, but they are constrained by the law. You see a parliament, but it has no real authority."


Moving the Egyptian street


Al-Ashaal does not believe that new political movements or new popular leaders such as ElBaradei can achieve much. "The regime will not accept any whisper of opposition, Egypt will suffer a lot," he says.

But al-Beshri is more hopeful. "There are no people without [an] opportunity [for change]. I am sure there are opportunities in the future. But, I cannot predict them at this moment."

He even suspects that an opportunity for change may come from within the ruling party itself, which is reportedly suffering from serious internal divisions. "The ruling party has run in some districts with several candidates competing over the same seat .... It has internal contradictions."


Ishaq is more optimistic and thinks the government crackdown could lead to "a dialogue among the opposition to form a united bloc". He says his National Association for Change has been working hard to reach out to the people and mobilise them. "The Egyptian people have been boycotting politics for 50 years. We should not hope to change Egypt in 10 years."


Still, many observers believe that the Egyptian opposition is weak and divided. And they see the new political groups, such as Kefaya and the National Association for Change, as intellectual and upper class, active only in the cities and unable to reach out to the lower classes or to mobilise the Egyptian street.


What is certain, according to Ishaq, is that: "If the Egyptian street does not move there will not be any change. The coming days will be very difficult ones for Egypt."

Monday, November 29, 2010

Egypt's winners and losers

The election results may not have been surprising, but what will be the long-term repercussions for the key players?

Alaa Bayoumi, 29 Nov 2010, AlJazeera.net, http://english.aljazeera.net/indepth/features/2010/11/2010112912557915300.html

The early results from Egypt's parliamentary elections are hardly surprising. Most observers expected the ruling National Democratic Party (NDP) to keep its two-thirds majority; the banned Muslim Brotherhood to lose its one-fifth strong opposition bloc; and a better but still humble performance from the smaller opposition parties who participated in the vote.

Essam Elerian, a Muslim Brotherhood spokesman, says: "We lost seats and a much deserved representation in the parliament. But we won people's love and support and a media battle that exposed [irregularities in] the elections."

Elerian blames his group's loss on "clear vote-rigging" that amounted to "an obvious election scandal by all measures".

His group and other civil society organisations have complained that the NDP used violence to prevent representatives of the Brotherhood and other opposition candidates from monitoring the vote.

Their presence inside the polling stations offered one of the few guarantees against vote-rigging after the outgoing parliament, which is dominated by the ruling party, introduced a series of changes that minimised the role of judges in monitoring the elections and put the ministry of interior in charge of much of the election process.

'A comforting majority'

Representatives of the NDP acknowledged that some violations took place but insisted that they were minimal. "The general view of the elections before final results are declared emphasise that the elections went [smoothly] in an unexpected way," says Magdy ElDakkak, a member of the NDP's political education committee, adding that: "Some violations took place here and there in some districts, especially in rural areas .... But the elections did not turn into a heated [violent] battle as some rumours predicted."

Where skirmishes did take place, ElDakkak says they were between different groups of supporters and "not between supporters and the security forces".

He says he expects the NDP to achieve a "comforting majority" because of "all its achievements", adding: "What is surprising [is that] the illegal and illegitimate Brotherhood movement has admitted defeat."

He put the defeat of the Brotherhood, which he refuses to call the 'Muslim' Brotherhood, down to the "heavy participation [of] legal parties [in the election]" and suggests the results showed that "Egyptian politics is no longer a dichotomy or dual game between the NDP and the Brotherhood".

"The Brotherhood's efforts to provoke people and clashes have motivated people against them," he says. "We are getting a new elected civil parliament with no religious and divisive forces."

'All Egyptians lost'

But the Muslim Brotherhood has challenged this view.

"All Egyptians lost yesterday, the NDP lost, and the opposition lost," Elerian says. "The NDP could have achieved their victory through [a] better way .... We have a dilemma; a ruling party that wants to rule alone ... the regime wants our elections result to be a zero."

"The big looser is the Egyptian people who will further hate and distance themselves from politics."

Amr Hamzaway, a senior researcher at the Carnegie Endowment for International Peace, believes "all Egyptian political groups have lost in a way or another".

He believes that the Muslim Brotherhood lost their position as the largest opposition group inside parliament, that those opposition parties who participated gained seats but lost popularity by participating in unfair elections, and that those who refused to participate in the elections, such as the National Association for Change, which is affiliated with former UN nuclear chief Mohammed ElBaradei, failed in educating voters and monitoring the elections.

However, he argues that "the biggest loser in yesterday's elections is the NDP".
"The NDP has fully lost its credibility when it comes to its ability and willingness to conduct fair elections ... all NDP promises to the Egyptian people were proven false."

The Brotherhood's dilemma

Hamzaway also feels that the Muslim Brotherhood failed in two key strategic areas. Firstly, it did not solve the dilemma of being a religious group that acts as a political party within a political system that does not recognise it.

And, secondly, it has failed to convince its followers of the importance of political participation, which was reflected in their poor showing on election day.

But Elerian is not convinced that the group's defeat will hinder its political participation or lead to divisions.

"No rifts will take place ... those who opposed our decision to participate in the elections said that they will respect it. We will not look inward as some people wish," he says. "Our religious education encourages us to play an active role in public life."

For its part, ElDakkak says that the NDP believes the vote was the "right start for Egypt's political forces and pluralistic political life".

Tuesday, November 23, 2010

الدراسة الأهم لانتخابات مجلس الشعب المصري
بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره:
www.alaabayoumi.com

نص المقال:

أبحث منذ فترة عن دراسة تساعدني على فهم انتخابات مجلس الشعب المصري المقبلة، دراسة تخرج عن إطار القيل والقال، وتوفر لي الحقائق الأساسية (معلومات وتواريخ وإحصاءات) عما يدور في انتخابات مصر النيابية.

وبعد جهد وجدت ضالتي في دراسة لم تلق حظها من الاهتمام الإعلامي على الرغم مما توفره من إحصاءات يندر وجودها مجتمعة في مكان واحد، ومن فرط إعجابي بالدراسة بت أعتقد أنها قراءة ضرورية لكل معني بانتخابات مجلس الشعب المصري المقرر عقدها يوم الأحد المقبل.

الدراسة التي أقصدها هي تقرير "المشاركة السياسية في الانتخابات النيابية 2005: العوائق والمتطلبات" الصادر عن الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية في عام 2006 للباحث الدكتور سامر سليمان أستاذ الاقتصاد السياسي بالجامعة الأميركية بالقاهرة.

الدراسة صدرت في عام 2006 - والتي لم تلق حقها من الاهتمام الإعلامي – كما يبدو من بحث سريع عنها على شبكة الانترنت، ومع ذلك تعد نموذجا يحتذي في الدراسات التي يحتاجها المشهد السياسي والإعلامي العربي عموما.

مؤلف الدراسة د. سليمان لا يتحدث عبرها إلا من خلال أرقام وإحصاءات جمعها من سجلات رسمية ودولية عن مشاركة المصريين في انتخابات مجلس الشعب المصري منذ عام 1984 - حين عقدت أول انتخابات برلمانية في عهد الرئيس المصري الحالي حسنى مبارك - وحتى انتخابات عام 2005.

هذا يعني أن الدراسة تقارن بين ستة انتخابات برلمانية عقدت على مدى عشرين عاما، وتلخص في محتواها أهم معالم المشاركة في الانتخابات البرلمانية في عهد مبارك.

حجم ما توفره الدراسة من معلومات عن تلك المرحلة مفيد للغاية، ويجعلها منطلقا هاما لفهم ما يدور في انتخابات مجلس الشعب المصري، كما يجعلنا نتمنى أن يتبع د. سليمان أو "جمعية النهوض بالمشاركة" الدراسة الحالية بدراسة جديدة تتضمن نتائج الانتخابات الراهنة في أقرب فرصة.

عموما ما تتضمنه الدراسة مفيد بما يكفي كمفتاح لفهم انتخابات الأحد المقبل، وفيما يلي عرض لأهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة.

أولا: مجلس الشعب المصري بلا سلطات تقريبا، فهو خاضع للسلطة التنفيذية التي تتقدم بمشاريع القوانين وتمررها من خلال أغلبية أعضاء الحزب الوطني في البرلمان.

وهذا يعني - كما يقول التقرير - أن النخبة السياسية المصرية لا توجد في البرلمان، وأن مجلس الشعب المصري ليس ساحة نقاش أو جدل وتفاوض حقيقي حول القوانين أو السياسات، إنما هو في الحقيقة ساحة نقاش عام للتنفيس عن المعارضة ضمن إطار ترتضيه النخبة الحاكمة.

كما أن انتخابات مجلس الشعب ليست إلا ساحة يجدد الحزب الحاكم من خلالها نخبه، فمن يسقط في الانتخابات يتوارى عن الأضواء، والنخب الجديدة تصعد وتفوز في الصراع الانتخابي، كما أنها ساحة أيضا لتحسين صورة النظام بعض الشيء.

ثانيا: غالبية الشعب المصري أو 80 % منه لا يشاركون في الانتخابات، وهذه حقيقة هامة للغاية، فمن يشارك هم حوالي ربع المسجلين في السجلات الانتخابية، والمسجلون في السجلات الانتخابية يمثلون حوالي ثلاثة أرباع من يحق لهم التصويت، وهذا يعني أن ربع من يحق لهم التصويت - حوالي 9 ملايين مصري - غير مسجلين، كما أن غالبية الشعب والمسجلين لا يشاركون.

سبب عدم المشاركة هام للغاية فالشعب يدرك – كما يوضح الكتاب - أن البرلمان ليست ساحة صناعة السياسة، كما أن الشعب يرفض الخوض في الانتخابات بسبب تكلفتها المرتفعة.

فالكتاب يقول أن الانتخابات تحسم بالقوة - قوة المال والعنف الجسدي - فالأثرياء يستخدمون المال والعنف (استئجار الفتوات والبلطجية) للفوز بالانتخابات، هذا إضافة إلى استخدام أجهزة الدولة نفسها و في أحيان كثيرة للعنف لصالح مرشحيها المفضلين، هذا ناهيك عن عمليات التزوير الواسعة التي تشهدها العملية الانتخابية بداية من سجلات الناخبين، وقيد المرشحين، والتصويت يوم الانتخابات.

ولهذا لا يجد المواطن العادي مبررا كافيا للمشاركة في الانتخابات وتحمل تكلفتها الكبيرة خاصة فيما يتعلق بإمكانية تعرضه للعنف من قبل أجهزة الأمن أو "بلطجية" المشرحين، لذا يفضل البقاء في البيت كما فعل ويفعل غالبية الشعب المصري على مدى انتخابات مجلس الشعب خلال عهد مبارك.

ثالثا: من يشاركون في الانتخابات وهم حوالي 20 % من الشعب يشاركون فيها لأنهم مضطرون لذلك، وهم في الغالب الطبقات الأكثر فقرا والأقل تعليما. هؤلاء يضطرون للمشاركة في الانتخابات أملا أو طمعا، فالبعض يحصل على ثمن مباشر لمشاركته (بيع الأصوات) وآخرون يتم حملهم على المشاركة من خلال الوعود أو من خلال حافلات المؤسسات التي يعملون بها.

لذا ترتفع نسب المشاركة في القرى والأحياء الفقيرة ووسط بعض موظفي الحكومة وعمال شركات القطاع الخاص.

وهذا يعني أننا أمام عملية سياسية منقلبة رأسا على عقب، فالمفترض في غالبية الدول أن عاتق المشاركة السياسية يقع على أكتاف الطبقات المتعلمة والوسطى التي تريد المشاركة حماية لانجازاتها ولنظام دولتها وقيمها.

ولكن يبدو في مصر أن المرشحون أثرياء يعبرون عن أقلية في الشعب المصري، والمصوتون فقراء يستخدمهم الأثرياء كمستودع للأصوات يوم الانتخابات.

الكتاب يحتوي على عدد كبير من الإحصائيات عن حجم التصويت في كل محافظة من محافظات مصر، والتي تكشف عن عزوف عام عن التصويت بكل أنحاء الجمهورية، وعن ارتفاع ملحوظ في التصويت بالمحافظات الريفية والمناطق الأكثر فقرا (تصوت بنسبة حوالي 30%)، أما المحافظات الأكثر تنمية كالعاصمة القاهرة فلا يصوت فيها سوى 12% تقريبا من السكان.

رابعا: تتراجع أعداد المصوتين كلما زاد الإشراف القضائي على الانتخابات مما يحد من عمليات التلاعب في كشوف المصوتين، ولكن زيادة الرقابة القضائية تزيد من ظاهرة الرشاوى الانتخابية، فزيادة الإشراف القضائي يقلل من إمكانية تزوير كشوف الناخبين ويدفع بعض أثرياء المرشحين لشراء مزيد من الأصوات التي كان يمكن أن يحصلوا عليها مجانا أو بتكلفة أقل لو توفرت لهم فرصة تزوير أكبر عدد من السجلات في غياب الرقابة القضائية.

خامسا: لم يحدث تغييرا كبيرا في أعداد المرشحين لخوض الانتخابات على مدى عهد مبارك والتي تتراوح حوالي 6-8 مرشحين لكل مائة ألف مواطن.

المهم هنا هو هو تغير طبيعة المرشحين أنفسهم، فأعداد المرشحين المستقلين في تزايد بشكل مستمر، وهذا على حساب مرشحي الأحزاب بما فيها الحزب الوطني، وهذا يعني أن ثقة النخب السياسية والاقتصادية الجديدة في الأحزاب القائمة في تراجع وأنها تفضل خوض الانتخابات مستقلة.

سادسا: تمتلك أجهزة الدولة أساليب كثيرة للتأثير على نتائج الانتخابات قبل أن تبدأ، وذلك من خلال التحكم في آليات هامة مثل تسجيل المرشحين وتقسيم الدوائر الانتخابية، فإذا أرادت الأجهزة الأمنية إسقاط مرشح ما لحساب أخر مفضل لديها قامت برسم دائرته بشكل يفقده مناصريه أو يضمن مؤيدين لمنافسه.

وهذه قضية على أعلى قدر من الأهمية لا يتم التعامل معها كثيرا من قبل وسائل الإعلام، وتستحق الاهتمام في موسم الانتخابات الراهن وفي المستقبل.

الكتاب يقول أيضا أن دوائر الانتخابات لم تقسم في الماضي بشكل متساوي بين المرشحين، وهذا يعني هدم قاعدة التمثيل المتساوي، فمن المفترض أن يمثل أعضاء البرلمان الشعب المصري بشكل متساوي، وذلك عن طريق تقسيم الدوائر الانتخابية لتضمن أعداد متقاربة من المواطنين، وهو ما لم يحدث في مصر في الانتخابات السابقة، فبعض الدوائر تضم 18 ألف ناخب فقط، وبعضها يضمن أكثر من 350 ألف ناخب، مما يعني أن هناك اختلاف في نسبة التمثيل تتراوح بين 1-20 مرة.

سابعا: بما أن الحزب الوطني هو الحزب الحاكم والمسيطر على الدولة والحكومة والبرلمان في آن واحد، فلا مانع من أن تستخدم سياسات الدولة نفسها لخدمة أهداف الحزب، فقبل الانتخابات تبادر الدولة بإعلان عدد لا بأس به من السياسات والعلاوات والمزايا التي تصب في صالح موظفي الدولة والطبقات الفقيرة التي تمثل المستودعات الأساسية لناخبي الحزب الوطني الحاكم.

وهنا يرصد الكتاب بالأرقام ظاهرة على أعلى قدر من الأهمية وهي ظاهرة تراجع قدرة الدولة على التوظيف وتقديم الدعم وتوفير الموارد اللازمة لإرضاء قطاعات واسعة من المواطنين، وذلك في مقابل تزايد قدرات القطاع الخاص، ولهذا صعد نجم رجال الأعمال والمستقلين خلال العقدين الماضيين، فالدولة لم تعد قادرة على شراء الرضا والأصوات كما كان الحال في الماضي، وعمال القطاع العام في تراجع، في حين أن عمال القطاع الخاص في تزايد.

لذا صعدت طبقة رجال الأعمال، واتجه الحزب الوطني نحوهم لضمهم تحت قيادة ما يسمى بمجموعة "الفكر الجديد".

ويقول الكتاب أن مجموعة "الفكر الجديد" داخل الحزب الوطني ضمت مجموعة من المثقفين لتحسين صورة الحزب، وهؤلاء المثقفون لا حول لهم ولا قوة عندما يتعلق الأمر بالمشاركة السياسية أو الترشيح للبرلمان، أو خوض الانتخابات، فهم لا يمتلكون المال أو أدوات العنف اللازمة لخوض تلك الانتخابات، ويقتصر دورهم على التنظير والإعلام وتحسين الصورة.

أما المجموعة الثانية فهم رجال الأعمال، والذين يمتلكون المال لشراء الأصوات والأتباع والبلطجية إذا لزم الأمر، لذا بات الحزب في توجهه الجديد وكأنه حزب رجال الأعمال الذين يتزايد تمثليهم في البرلمان والحكومة بشكل مضطرد.

ثامنا: أحزاب المعارضة كالوفد والتجمع وغيرهم في تراجع مستمر وتلاقي الهزيمة بعد الأخرى، وذلك لأسباب داخلية مثل غياب الديمقراطية الداخلية، وأسباب خارجية مثل قبضة الدولة الشديدة على الانتخابات والحياة السياسية بشكل عام.

تاسعا: الأخوان هم الأقدر سياسيا حاليا على منافسة الحزب الحاكم، بل يبدون أحيانا أكثر نظاما وانضباطا من الحزب الوطني، فالأخوان – كما ترصد الدراسة - يخوضون الانتخابات موحدون، والسياسة المصرية لا تعرف حتى الآن ظاهرة "مرشح الأخوان المستقل"، في حين يعاني الحزب الوطني بشكل متزايد كل موسم انتخابات من منافسة مئات المرشحين المستقلين المنشقين عن الحزب.

كما أن الأخوان الأكثر قدرة على الوصول إلى الطبقة الوسطى على عكس الحزب الوطني، وهم الفئة الغائبة في الانتخابات المصرية، والفئة الأهم، ويقول الكتاب أن مرشحي الأخوان ينتمون في غالبيتهم للطبقة الوسطى، وأنهم ينجحون في حشدها وفي حشد الناخبات أيضا، وهذا يرجع إلى إستراتيجية الإخوان منذ الثمانينات وهي إستراتيجية انتخابية بامتياز حرصت على التواصل مع الناخبين من خلال مشاريع خدمية مباشرة.

وتقول الدراسة أن الإخوان لا يدفعون برجال أعمالهم إلى الانتخابات، ويفضلون خوضها بمرشحين يمثلون الطبقة الوسطى كأساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين خاصة من تدربوا منهم على العمل النقابي، وهذا لا يعني أن الإخوان لا يمتلكون مناصرين في طبقة رجال الأعمال والأثرياء، فهم يعتمدون في حملاتهم على إمكانات مادية كبيرة، ولكن من الواضح أن الإخوان لم يدفعون بأثريائهم إلى مقدمة العمل السياسي.

وتشير الدراسة إلى أن الأخوان لم يحشدوا دعم غالبية الشعب المصري، فالغالبية العظمى تقاطع الانتخابات، وما حصل عليه الإخوان في انتخابات عام 2005 لا يتعدى 1.9 مليون صوت بعد الضغوط الكثيرة التي تعرضوا إليها خاصة في المرحلة الثانية والثالثة من التصويت، وهذا يعني أن الصراع على غالبية الناخبين المصريين مازال مفتوحا على مصراعيه.

عاشرا: المصريون الأقباط يشعرون بالتهميش وبقدر كبير من الإحباط، فهم مستبعدون تقريبا عن البرلمان منذ عام 1957 والذي شهد أول انتخابات برلمانية في عهد ثورة يوليو، والتي قضت على الأحزاب الليبرالية كالوفد التي كانت قادرة على ضم الأقباط والصعود بهم إلى قبة البرلمان في إطار من التسامح الديني.

أما الحزب الوطني فلا يبدو معنيا بالدفع بعدد أكبر من الناخبين الأقباط بين صفوفه، فهو مشغول بالسلطة بالأساس وبالدفع بمرشحين قادرين على الفوز في الانتخابات كما يشير الكتاب ضمنا، كما يرفض الحزب الوطني إجراء الانتخابات وفقا لنظام القائمة النسبية، والذي يمكن أن يسمح بتمثيل متزايد للفئات المهمشة كالنساء والأقباط.

في المقابل تعيش الكنيسة المصرية حالة من التعبئة السياسية الحريصة على تسجيل أكبر عدد من الناخبين الأقباط في السجلات الانتخابية وتشجيعهم على التصويت على أمل إحداث الفارق وتمثيل أنفسهم أو إجبار الآخرين - وخاصة الحزب الوطني - على تمثيلهم.

وهنا يشير التقرير إلى مظاهر عديدة للدعم المباشر من قبل كنائس مصرية ورجال دين مسيحيين لمرشحي الحزب الوطني في انتخابات سابقة، ويقول أن استمرار الكنيسة في جهودها الرامية لتسجيل أكبر عدد من الناخبين الأقباط وحثهم على المشاركة قد يعني قريبا أننا أمام كتلة ناخبين أقباط تبلغ 3-4 ملايين ناخب قادرة على إحداث الفارق في أي انتخابات.

في النهاية لا ننسى أن نؤكد على أهمية الكتاب، وعلى أهمية ما ورد فيه من معلومات وإحصاءات عديدة ومفيدة يستحيل إيفائها حقها من العرض والتحليل في مقال واحد.

كما نأمل أن نكون قد ساهمنا – من خلال مقالنا هذا - في لفت الأنظار إلى الدراسة الهامة وتشجيع أكبر عدد من المعنيين على قراءتها والاستفادة منها في فهم الموسم الحالي من انتخابات مجلس الشعب المصري.

----

للإطلاع على النص الكامل للمقال، يرجى زيارة الموقع التالي:

http://www.mosharka.org/index.php?newsid=172

Monday, November 22, 2010

Has Egypt's ruling party grown fat?

http://english.aljazeera.net/indepth/2010/11/201011211241793913.html

By: Alaa Bayoumi, AlJazeera.net, 22 Nov 2010

Egypt's ruling National Democratic Party (NDP) surprised many observers earlier this month, when it announced that it had chosen approximately 800 of its members to compete for the 508 seats in the lower house of parliament in upcoming legislative elections.

It is a decision that means more than 50 per cent of NDP candidates will be competing against members of their own party.

"The NDP is making history," wrote Waheed Abd El-Majeed in the independent daily newspaper Al-Masry Al-Youm.

"The history of political parties around the world does not know a party that had more than one candidate competing over the same seat in the same election .... What is happening means that the NDP is running against itself."

Disunity

The move may also reflect the NDP's failure to unite competing forces within the party ahead of the crucial vote that could set the political scene for a presidential election next summer.

The NDP, which has been in power since its inception in 1978, is widely seen as a loose political body, lacking in unity and ideological cohesion, which Egyptians join not out of support for its policies or ideological affiliation but because they want to enjoy the benefits that come from being close to the ruling elite.

"The party of the government ... is capable of attracting hundreds of thousands of fake members who join it for selfish interests or political immunity," wrote Amr al-Shobaki in Al-Masry Al-Youm. "This is what happened to the NDP, which opened up to diverse members from all political colours to the extent that it became unable to meet the demands of its thousands of members seeking their own selfish interests.

"Instead of educating them politically and teaching them about the values of civil state, the party did nothing. It left its millions of members in a state of chaos and self-contradiction."

In the last two parliamentary elections hundreds of NDP members suffered humiliating defeats at the hands of former colleagues who had left the party after failing to win its nomination. Choosing to run as independents, they then re-joined the NDP after successfully defeating their former colleagues at the polls.

In the 2005 legislative elections, 166 former NDP members ran and won as independents and then re-joined the party, compared to the 145 NDP candidates who were elected. In the 2000 elections, the gap was wider still - 170 NDP nominated candidates were elected, compared to 218 who ran as independents.

An identity crisis

This phenomenon has left a deep scar on the image of NDP, revealing, according to Abd El-Majeed, that "the party that is supposed to lead the country is incapable of leading itself".

"The NDP is not a party whose members agree on common principles and goals, as we expect from parties around the world," he noted. "In contrast, it is a tool in the hands of its members to achieve their own selfish and personal interests."

It is this image that the party has been trying to fight - through its media and political machines - over the past decade.

"In contrast to other parties, the NDP has not known internal divisions," wrote Ali Eldin Hilal, the head of the NDP's media committee, in his recently published book The Egyptian political system: 1981-2010.

"The presence of the head of the state on the top of the party had a decisive role in ending disputes and preventing them from going beyond (normal) limits. Yet, it is expected that opinion differences among NDP members will increase with the rise in party activism. It is also expected that such difference will be reflected in party discussions and debates. But, they will not lead to splits. This is because of the structural flexibility of the party and its internal political culture, which could contain difference within the core principles of the party."

New guard

The presence of the president at the head of the party may, as Hilal writes, have prevented leadership disputes or significant splits in the party, but it may also be responsible for the failure of the party to develop a strong sense of identity or mission.

As a result - and under the influence of the so-called new guard, including Hilal and Ahmed Ezz, the influential head of the party's organisational committee, and led by the president's son, Gamal Mubarak - the NDP went through a "review process" in 2000.

The new guard wanted to reflect a new, modern image for the NDP. They opened its executive office to more members, created more decision making bodies and instituted periodical elections as a way of selecting its local and national leaders.

According to Hilal, the NDP held elections in 6,662 local units last year and 64 per cent of those elected were new party executives.

Ahead of this year's parliamentary elections, the party's organisational committee organised, for the first time, a three-level process to select party nominees. This selection process included a public vote by the party's 2.5 million members, which was intended to ensure that the will of party members was reflected in the nominations and to end the phenomenon of party defectors running as independents.

To guarantee that only those selected by the party would be able to run, the NDP did not submit its list of candidates to the electoral commission until November 7, the last day of the registration period.

Despite this, when the party announced that it was nominating approximately 800 candidates from the 4,000 initial contenders, it became clear that it would be unable to contain its competing forces.

Many of those excluded protested. Some said they would cancel their party memberships, while others announced that they would support the opposition in the upcoming vote.

Elections without politics

Some analysts have branded the NDP's decision to field candidates against each other as the latest manifestation of the identity crisis of an "obese" party that is incapable of controlling its membership. But others have noted that the party is only fielding more than one candidate in less important districts where there is no senior NDP candidate or serious opposition contender running.

Yasser Hassan, a senior member of al-Wafd party, Egypt's main liberal opposition party, told the London-based Al-Sharq Al-Awsat newspaper that the party is running with more than one candidate in some districts to "avoid the failures of the 2005 parliament elections when party candidates won only 33 per cent of the parliament seats. In contrast, independent, opposition and Muslim Brotherhood candidates won 67 per cent of the seats. Then, the party was forced to include the independents".

Hassan does not believe this policy will damage the party's campaign. "The leaders of the ruling party support their candidates in two stages. First, they announce several candidates running for the same seat. At a later stage and shortly before election day the party will choose one candidate from all the contenders and support him based on his popularity inside his district."

Safwat al-Sahrif, the general secretary of the NDP, has also justified the decision, telling the party's newspaper Al-Watani Al-Youm: "The party introduced more than one candidate in some districts ... to give the voters the opportunity to express their will in choosing their representative."

An anonymous senior NDP leader told the London-based al-Hayat newspaper that "having several candidates run for the same seat is a way to gain voters' support through offering them more than one choice to select from .... We also thought that we should avoid more internal divisions and the need to pressure winning independent candidates to join the party after the elections in order to secure [a] ... majority".

But, the heated debate over the NDP's election strategy may only have served to further alienate Egyptians and to deepen their mistrust of the political process.

"Citizens, in any election around the world, listen to party programmes and compare ... the approaches and performances of the candidates. But, in Egypt you could only hear about the protests organised by candidates against the electoral commission, which has refused their candidacy. You could only hear about the NDP's internal election process and those the party refused to nominate," laments al-Shobaki.

"You could see bullies not voters ... An election without voters will only mean more chaos, violence and vote rigging .... It is sad to see elections without politics."

Saturday, November 13, 2010


خطايا الإسلاميين في حكم السودان
قراءة في كتاب: مراجعات الحركة الإسلامية السودانية: عشرون عاما في السلطة .. المسيرة، التجرية، المستقبل







عرض بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره:
www.alaabayoumi.com

نص العرض:

كتاب "مراجعات الحركة الإسلامية السودانية" لو تحول إلى فيلم لفاز بأحد جوائز أوسكار ككتاب صغير مميز عن الحركات الإسلامية في العالم العربي لعام 2010، فالكتاب كتبه إسلاميون سودانيون عن الإسلاميين في السودان ونشره إسلاميون، ومع ذلك يحتوي على نقد لاذع للإسلاميين لو كتبه علمانيون لاتهموا بالتربص بالحركات الإسلامية في السودان وعبر العالم العربي.

الكتاب يقول أن ثورة الإنقاذ الإسلامية في السودان (1989) هي الثورة الإسلامية الأولي في العام الإسلامي السني، وأنها توفر لها من المقومات الشكلية الكثير، فقد جاءت إلى الحكم بانقلاب عسكري يقوده إسلاميون من خلف الستار على رأسهم شيخ كاريزمي (حسن الترابي) يحرك قيادات الجيش التي استولت على الحكم نيابة عن الشيخ كعرائس مسرح في سرية واقتدار، وذلك بعد أن قضى الترابي ورفاقه عقود في قيادة الحركة الإسلامية على المستوى الطلابي والشعبي وفي صفوف المعارضة.

وسرعان ما أنقلب السحر على الساحر لينقسم الإسلاميون السودانيون على أنفسهم ويزجوا بعضهم في السجون، وتبقي الحركة بعد أكثر من عشرين عاما في الحكم في حالة حيرة وأزمة هوية عميقة يتساءل أبنائها حول ما إذا كانوا حركة إسلامية حقيقية تؤمن بقيم الإسلام وتسعى إلى تطبيقها بعيدا عن شغف الدنيا، أم أنهم كغيرهم تاهوا في السلطة فأفقدتهم إسلاميتهم فصاروا في مرتبه ربما أقل من الساسة العلمانيين.

هذه المقدمة الدراماتيكية هي أحد الخلاصات التي يمكن أن تخرج منها من قراءة الكتاب، والذي يتميز بسهولة أسلوبه وصغر حجمه، فهو عبارة عن عدد من المقالات القصيرة والمتوسطة الحجم التي نشرت على موقع إسلام أون لاين بالأساس في فترات متقاربة حول عام 2008، وتم جمعها في كتاب بمناسبة مرور 20 عاما على حكم الإسلاميين في السودان.

عيوب منهجية

ويعيب الكتاب منهجه القائم على تجميع مقالات صحفية أو بحثية قصيرة ونشرها في كتاب واحد، وهو منهج يبدو منتشرا في بعض الكتب العربية بدون سبب علمي واضح، فمقال الصحافة يظل دائما مقالا مختصرا مقتضبا يثير من الأسئلة أكثر ما يقدم من الإجابات، بل أنه أحيانا يؤدي إلى خلط الأمور على القارئ لتركيزه على قضايا بعينها وتضخيمه لها كطبيعة أي مقال صحفي.

لذا نشعر في نهاية الكتاب أن منهجه القائم على المقالات الصحفية أضره وأنه تركنا في حيرة من أمرنا حول ما إذا كان ينبغي علينا تصديق كل ما جاء فيه والاطمئنان إليه، وسبب حيرتنا هو أن الكتاب لم يغط بعمق مختلف الجوانب المتعلقة بالحركة الإسلامية في السودان فهو لا يتضمن تأريخا واضحا لجذورها أو لإنجازاتها في الحكم أو للبيئة الداخلية التي عملت فيها أو الدولية التي تحركت في ظلها.

فالكتاب يتناول جميع النقاط السابقة في مقالاته الصحفية المختصرة تناولا سريعا يشعرك بأنك مررت عليها مرور الكرام دون التعمق في أي منها كالمسافر في قطار سريع، بعكس ما تنتظر عادة من الكتب التي تسير بك ببطء وتمكن وعمق، لهذا يمكن النظر إلي الكتاب كمقدمه عن حصاد الحركة الإسلامية في السودان دون أن يكون نقدا منهجيا شاملا لتجربتها.

عموما الكتاب مكتوب بأقلام إسلاميين سودانيين مما يعطيه مصداقية خاصة، كما أنه يؤكد عدد من المخاوف السائدة عن الإسلاميين في أوساط الإعلام العربي، ويأتي على رأسها ضعفهم المؤسسي وسطحية فكرهم السياسي وأزمة الهويات المتصارعة التي يعانون منها.

ثورة الإنقاذ

الكتاب يقول أن الحركة الإسلامية في السودان هي خليط من الإخوان المسلمين والحركات الصوفية والسلفيين والحركات الدينية التقليدية، وأن وجودهم التنظيمي والحركي في السودان يعود للأربعينيات كردة فعل على حالة التغريب التي سيطرت على الحياة العامة السودانية، والتي أتت بأحزاب شيوعية إلى الحكم في بلد عربي مسلم، وأن وجودهم ظهر في الجامعات والمساجد ومؤسسات المجتمع، واستمروا في حالة تفاعل – تتراوح بين المعارضة والصدام والمشاركة - مع الحكومات السودانية المتعاقبة حتى قرروا الثورة العسكرية عليها في عام 1989، ونجحوا.

الكتاب يقول أن الإسلاميين في السودان لم يسعوا إلى انقلاب عسكري بالضرورة، ولكنهم اضطروا إليه بعد أن أيقنوا - خلال تجربتهم السياسية الطويلة - أن أفضل وسيلة لحمايتهم حركتهم هي التوغل داخل مؤسسات الحكم وعلى رأسها الجيش، ولم أحسوا بقرب الانقلاب عليهم وزجهم في السجون كما حدث سابقا – قاموا بالثورة وأطاحوا بحكومة الصادق المهدي في 1989 واستولوا على الحكم.

الثورة قادها على السطح عسكريون يقودهم الرئيس السوداني الحالي عمر البشر، وشيوخ من خلف الستار يقودهم حسن الترابي (القائد التاريخي للحركة الإسلامية السودانية).

حسن الترابي ظل خلف الستار يحرك البشير وأصحابه لفترة حتى لا يكتشف العالم الطبيعة الإسلامية للثورة خوفا من الإطاحة بها في مهدها، وحتى يتمكن الإسلاميون أولا من "تمكين أنفسهم" في السلطة ومؤسسات الحكم والتخلص من المعارضين لهم ومن يمثلون خطرا على قيمهم ودولتهم.

مشيخة بلا شورى أو مؤسسات

وهنا تظهر مشاكل عديدة تمحورت حول شخصية الترابي وأسلوب إدارته للثورة، فالكتاب يقول أن الترابي رجل يشعر بثقة مفرطة في النفس وفي إمكاناته وفي قدرته على قيادة الآخرين، فقد قاد الثورة من خلف الستار "كشيخ" لها وليس كحاكم مسائل يعمل بشفافية.

كلمة شيخ هنا تستخدم – كما ورد في بعض أجزاء الكتاب - بمعناها النمطي السلبي، والذي يعني أن الترابي – كما يقول الكتاب – رأي في نفسه شيخ الثورة الملهم غير المسائل، والذي يحق له أن يفعل ما يشاء بدون نقاش أحيانا، وأن يسلط على أتباعه غضبه العلني ونقده اللاذع أحيانا بلا رابط، وقد فعل ذلك من منطلق أخلاقي وإيمان بأنه على حق.

وهذا بالطبع يجسد أكبر المخاوف من تسلم الإسلاميين للسلطة في أي بلد كما يشاع عنهم في وسائل الإعلام العربية على أيدي كتاب علمانيين في أغلب الأحيان.

ولكننا هنا أمام كتاب كتبه إسلاميون سودانيون بالأساس، فالكتاب يقول أن الترابي أدار الثورة بدون شفافية وجمع خيوط اللعبة المعقدة والمتناقضة في يديه فلما تعرض لحادث اعتداء في كندا عام 1992 - غاب الترابي بسببه عن الساحة السياسية لفترة – ظهرت على السطح أسرار عديدة وخيوط متضاربة كثيرة كان الترابي وحده الذي يمسك بأطرافها مما خلق حالة من التشاحن والصدمة والتضارب والصدام بين أتباعه. (أنظر المقال الخامس: الحركة الإسلامية السودانية مرونة البدايات، بقلم د. مصطفى إدريس بشير)

هذا يعني أننا أمام قائد لم يسعى لبناء مؤسسات واضحة للحكم، ولا لإرساء تقاليد ديمقراطية أو شورى إسلامية شفافة، بل على النقيض فعل كما يفعل غيره وأمسك بخطوط اللعبة في يديه وحده في سرية تامة.

حركة استيلاء على السلطة

الخطيئة الثانية للإسلاميين في السودان وتجربتهم السياسية – والتي تطل عبر صفحات الكتاب – هي ضعف فهمهم للسياسة.

فالكتاب يكاد يصور الحركة الإسلامية بأنها "حركة استيلاء على السلطة" مثلها مثل عدد كبير من الحركات السياسية العربية السلطوية، ونعني بذلك أن الحركة سعت بالأساس للاستيلاء على السلطة ظنا منها بأنها أحق بالسلطة من غيرها، وأنها أقدر على إدارة دفة الحكم من معارضيها.

وهنا انطلق الإسلاميون في السودان مرة أخرى من شعور أخلاقي متعالي يجعلهم يشعرون بأنهم أفضل من غيرهم، وأنهم لو وصلوا للسلطة لحققوا الحكم الرشيد دون فهم حقيقي لمعنى السلطة أو لمعني الحكم الرشيد.

فالكتاب يتحاور ويستكتب أكثر من مؤلف يصفهم بأنهم مفكرون إسلاميون سودانيون، ويجمع هؤلاء على أن الحركة الإسلامية السودانية بقيادة الترابي لم تملك فكرا سياسيا واضحا أو عميقا، بل أنها حاربت الفكر السياسي خاصة والفكر الإنساني عامة.

فالحركة – كما يؤكد الكتاب – كانت تنظر للفكر السياسي كنوع من السفسطة التي لا طائل منها، والتي لن تؤدي إلا إلى الانقسام والفرقة بين أتباعها، ورأت في المقابل أن من الأفضل لها التركيز على التربية الدينية لكوادرها وعلى التنظيم الحركي لهم.

بمعني أخرى فرضت الحركة الإتباع على أبنائها، ولم تعطهم الفرصة لفهم ما يجري أو للمشاركة في عملية شورى حقيقة، وكيف يمكن ممارسة الشورى والحركة يقودها شيخ ملهم يضع نفسه فوق الجميع، فالشورى تكون بالأساس بين أفراد متساويين في الحقوق والواجبات والمعلومات أيضا.

وهنا يقول الكتاب أن الحركة رفضت الفكر السياسي وقمعته، لذا عندما وصلت للسلطة وجدت نفسها في حالة بدائية فكرية سياسية، فالحركة أمنت دوما بأفكار إسلامية عامة مستقاة من النموذج الإسلامي التاريخي (عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين)، وهو عهد بعيد عنا بقرون، كما أن المفاهيم الإسلامية الأصيلة لا تطبق نفسها بنفسها في الوقت الحاضر.

لذا وجد الإسلاميون أنفسهم في حالة ارتباك أمام مؤسسات الدولة العديدة التي لم يدرسوها في أدبياتهم البسيطة، وأمام المعاهدات والمؤسسات الدولية المعقدة، وأمام أزمات السودان المتفاقمة.

ويقول الكتاب أن الحركة نجحت في نشر مظاهر التدين في الحياة العامة السودانية، ونجحت في إدارة بعض جوانب الاقتصاد السوداني، وفي حشد السودانيين للقتال ضد تمرد الجنوبيين، ولكنه يبدو أنها فشلت في نواحي سياسية أخرى عديدة.

فقد فشلت في بناء مؤسسات سياسية ديمقراطية وفي إرساء التقاليد الديمقراطية بين أبناءها ووسط صفوفها وأنتهي بها الحال إلى الانقسام والصدام مع بعضها بعضا والشعور المؤلم بالفشل.

وهنا يقول الكتاب أن هناك فارق بين التدين والسياسة، فالمتدين المخلص ليس بالضرورة سياسيا ناجحا أو طبيبا ماهرا أو عالم فضاء نابغا، فمن أراد العمل في السياسة أو الطب أو الهندسة فعليه تعلم السياسة أو الطب أو الهندسة، فالتقوى وحدها لا تكفي.

ونظرا لأن الحركة الإسلامية في السودان افتقرت إلى فهم سياسي عميق، فأنها تحولت للأسف إلى حركة للاستيلاء على السلطة سعت فور الاستيلاء عليها للتخلص من المعارضين لها بغض النظر عن كفاءتهم وسرعان ما حاربت بعضها بعضا. (أنظر المقال الحادي عشر: الحركة الإسلامية السودانية برجماتية أكثر منها نظرية، حوار مع د. محمد وقيع الله)

أزمة هوية وشعور بالغربة

وهذا يقودنا إلى عرض أخر وخطير من أعراض أزمة الحركة الإسلامية في السودان، وهو أزمة الهوية التي تمر بها الحركة الإسلامية السودانية في الفترة الحالية، والتي تبدو أزمة كلاسيكية تطل برأسها في الكتابات العربية عن الإسلاميين.

فالكتاب يؤكد عبر صفحاته وبشكل ملفت للنظر لشعور الإسلاميين بالإحباط واليأس والانكفاء على الذات والندم، فهم يشعرون أنهم خانوا مبادئهم، وأنهم لم يعودوا أتقياء ورعين إسلاميين كما كانوا في الماضي، وأنه كان الأفضل لهم البعد عن السياسة والسياسيين والحكم والسلطة الملوثة والتي لا طائل من ورائها، وكأن لسان حلهم يقول أن لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين.

وهنا تشير بعض مقالات الكتاب (أنظر على سبيل المقال مقال د. غازي صلاح الدين: دعوة لإحياء العمل الإسلامي الوطني) إلى أن المشكلة تكمن في الضعف الفكري للحركة والذي لم يعد أبنائها للتعامل مع الواقع، وجعلهم ينظرون إليه من خلال مفاهيم سطحية براقة مستمدة بعدم فهم من التاريخ الإسلامي الأصيل، فالمفاهيم الإسلامية الأصلية انقطعت عنا تاريخيا بقرون ومع ذلك استعارتها الحركة الإسلامية في السودان في أدبياتها كما هي، ولما وصل الإسلاميون السودانيون إلى الحكم في نهاية الثمانينيات لم يجدوا تلك المفاهيم أمامهم ولا وجود المؤسسات والظروف والمؤسسات التي تسمح لهم بتطبيق تلك المفاهيم ووجدوا على العكس السلطة والمال والسياسة والمصالح فغرق بعضهم في المادية، وشعر بعضهم بغربة شديدة وانقسام على الذات.

وهنا ينصح غازي صلاح الدين وغيره من المؤلفين بالكتاب بضرورة فهم السياسية وتجديد الفهم الديني والبناء على ما قدمه الآخرون، فليس كل ما أنتجه الآخرون من نظم سياسية عربية ومؤسسات دولية أجنبية غير إسلامي، فكثير منه مفيد مما يتطلب فهمه والبناء عليه وليس رفضه وتصور إمكانية البناء الجديد الخالص من كل شوائب، وأن العبرة هي ببناء المؤسسات وتقاليد الحكم الرشيد، والعبرة أيضا بالصبر على العمل العام ومفهمه وتطبيق المبادئ الإسلامية دون العزلة أو الانعزال.

بقى لنا في النهاية أن نؤكد على طبيعة الكتاب الصحفية والتي لم تسمح لنا بفهم تجربة الإسلامية في السودان فهما علميا شاملا، كما أنها لم تقارن بينهم وبين أوضاح نظم الحكم العربية الأخرى، ولكن يبقى الكتاب مقدمه مفيدة وسلسلة عن تجربة الإسلاميين السودانيين في الحكم وأخطائهم كما يراها الإسلاميون أنفسهم.

-----

معلومات الكتاب:

العنوان: مراجعات الحركة الإسلامية السودانية: عشرون عاما في السلطة .. المسيرة، التجرية، المستقبل

إعداد: وليد الطيب

تقديم: د. حسن مكي

الناشر: مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الأولى 2010

Tuesday, September 14, 2010


قصة الحوثيين في اليمن: دروس في الدهاء السياسي العربي المعاصر وتبعاته المأساوية






بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره:

www.alaabayoumi.com

نص المقال:

قصة المواجهة بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي في اليمن تبدو بعيدة جغرافيا ومعرفيا عن كثير من المتابعين، فهي غامضة إلى حد كبير ويصعب فهما بسهولة خاصة لو اعتمدنا فقط على التغطية الإعلامية اليومية للصراع الممتد منذ عام 2004.

ولكن التعرف عليها يفتح إمامك عالم سياسي في غاية الإثارة والتشويق والمأساوية في آن واحد، حتى تشعر أنك أمام رواية سياسية كتبت بعناية، أو فيلم خيال سياسي دراماتيكي إلى أقصى حد، وربما تشعر بأنك تتعرف على صراع يدار بدهاء كبير وخطير على غرار كتابات ميكيافيلي عن العصور الوسطى، أو كتابات أصحاب التوجهات الواقعية والبراجماتية في السياسة الدولية.

لذا كلما تعرفت على الصراع وجوانبه المختلفة كلما شعرت بأنك أمام قضية سياسية دسمة للغاية تتعلم منها دروس في الدهاء السياسي، ولكنك تخشى أيضا من تبعاتها الخطيرة على أبناء الشعب اليمني وعلى العقل السياسي العربي بشكل عام.

هذه هي الخلاصة الأساسية والأهم التي خرجنا بها من قراءة كتاب "الحوثيون في اليمن: سلاح الطائفة وولاءات السياسة"، الصادر عن مركز المسبار للدراسات - ومقره دبي - في شهر يناير الماضي (318 صفحة).

فالكتاب يبحر بك عن قصد أو غير قصد في عالم من المتعة المعرفية السياسية والدروس السياسية المستفادة، وأقول عن "قصد أو غير قصد" لأن الكتاب يعاني من عيوب منهجية واضحة، كما أن سبب نجاح الكتاب الرئيسي يرتبط – من وجهة نظري – بقصة الحوثيين أنفسهم، وقصة صراعهم مع الدولة اليمنية والقصة السياسية لليمن بشكل عام إذا صح التعبير.

وحتى لا نبخس الكتاب حقه، يجب القول أنه لولا الكتاب لما تمكنا من فهم صراع الحوثيين مع الدولة اليمنية كما نفهمه حاليا، ولولاه لما تمتعنا بالتعرف على الصراع على الرغم من مأساويته التي تزيد من تعاطفنا مع ضحاياه الأبرياء من أبناء الشعب اليمني.

مشكلة الكتاب أنه لا يمتلك منهجا بحثيا واضحا، فهو عبارة عن تجميع لعدة أبحاث (11 بحثا) كتبت عن الحوثيين في اليمن وصراعهم مع الدولة اليمنية منذ فترة، وربما يعود أحدث فصول الكتاب إلى عام 2008، لذلك لا يتحدث الكتاب عن الحرب الأخيرة (السادسة) بين الحوثيين واليمن التي نشبت في صيف عام 2009، وتوقفت في أوائل العام الحالي.

ونظرا لأن الكتاب هو عبارة عن أبحاث مجمعة - لم تكتب وفقا لمنهج شامل جامع - يعاني الكتاب من بعض الفجوات، ولا يجيب على جميع الأسئلة المطروحة بخصوص قضية الحوثي.

لكن، وعلى الرغم مما سبق، يقدم الكتاب معلومات عديدة عن القضية ويبحر بالقارئ بعيدا عن الكتابات الإخبارية السائدة عن حرب صعدة في وسائل الإعلام العربية والأجنبية على حد سواء، وهي أخبار تكتفي برصد بعض الأحداث اليومية المدعومة بقدر من التحليل وقليل من الأفكار عن سياق الصراع.

أما متعة الكتاب الحالي فهي محليته، فهو يكاد يبحر بك وبأيادي مؤلفيه العرب في بحر واسع من المحلية اليمنية والتاريخ اليمني والطوائف الدينية والسياسات اليمنية المختلفة إلى حد كبير يميزه عن الكتابات العربية والأجنبية.

فعلى سبيل المثال تتناول بعض فصول الكتاب الحركات الشيعية في اليمن والزيدية وعلاقتها بالشيعة الإثنى عشرية، والإسماعيلية والسلفية والقاعدة وعلاقتهم بالدولة اليمنية وبالسعودية وإيران وأميركا وقضايا أخرى عديدة، بشكل يشعرك بأنك خرجت من عالم المتابعات الصحفية اليومية وغصت في مادة دسمة عن الدهاء السياسي العربي بكل ما يحتويه هذا الدهاء من إثارة وخيال وتبعات مؤلمة ومأساوية في آن واحد.

الحرب كأسلوب حياة

الحكمة الأساسية التي قد تخرج بها من قراء الكتاب هي أن العقل السياسي اليمني المعاصر - وربما التاريخي أيضا - يتمتع بقدر كبير للغاية من الدهاء، والذي يدفعك إلى احترامه والقلق عليه والاقتراب منه بحرص.

فالكتاب يقول لك أن جميع أطراف الصراع السياسي الدائر في اليمن حاليا - من قاعدة وحوثيين وحكومة ونظام وإخوان وسلفية ... ألخ - هم أصدقاء الأمس أعداء اليوم وحلفاء المستقبل إذا تطلب الأمر.

فأنت أمام جماعات سياسية تتمتع بقدر كبير من الدهاء والبراجماتية والواقعية، والسبب في ذلك تاريخي وجغرافي قديم قدم اليمين، فاليمن دولة إطراف ودولة تضاريس جغرافية وعرة وصعبة، مما جعل أهلها أشداء رجال قبائل وحرب إذا تطلب الأمر، فالكتاب يشعرك بأن الحرب تكاد تكون أسلوب حياة لبعض القبائل والجماعات السياسية اليمنية، والتي فرض عليها واقعها الجغرافي الصعب أن تجد في استمرار الحروب والانحياز إلى فئة ضد أخرى وسيلة للعيش توفير الدعم والسلاح والموارد والعائد الوفير والحليف الحامي.

وللأسف تقول فصول الكتاب أن الكثير من الفاعلين السياسيين الحاليين باليمن وقعوا فريسة أسلوب التفكير السابق في فترة أو أخرى.

دولة الزيدية في اليمن

الحوثيون هم أحفاد الزيدية في اليمن، والزيدية هي طائفة شيعية تعود في تسميتها إلى أحد أحفاد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وهو زيد بن علي (رضي الله عنهما)، والزيدية تناصر أهل البيت وتجد فيهم أئمة تتبعهم دينيا وسياسيا، لذا بنت الزيدية في اليمن دولا شيعية تحت رعاية الأئمة المنحدرين من نسل علي بن أبي طالب (رضى الله عنه) والسيدة فاطمة (رضى الله عنها) بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقد حكمت الزيدية أجزاء كبيرة من شمال اليمين لأكثر من ألف سنة ولو عانوا من بعض فترات التقطع.

عموما انتهت دولة الزيدية أو الأئمة الزيديين في شمال اليمين في عام 1962 عندما ثار اليمنيون أو الضباط الأحرار اليمنيون ضد دولة الأئمة وأنهوا حكمها، وأقاموا دولة علمانية بلا أحزاب دينية بدلا من دولة الزيدية الإمامية.

وقامت الثورة بدعم كبير من هاشميين كبار وأئمة زيديين ضد حكم الأئمة، والذي ابتعد كثيرا عن قواعد المذهب الزيدي، وقد سبق وأن قمع الأئمة ثورة أخرى اندلعت في عام 1948 ضدهم، وهي ثورة لعب فيها كبار الزيديين دورا أكثر وضوحا بعد ما وصل حال دولة الإمامة الزيدية في اليمين إلى انحدار غير مسبوق.

ويرى كثير من المحليين أن الزيدية هم أقرب فرق الشيعة إلى أهل السنة وأكثرهم انفتاحا وتسامحا، وإنهم عرفوا أئمة زيديين مثل الإمام الشوكاني طوروا فكرا وسطا احتفل به السنة والشيعة معا.

ويرى آخرون – وفقا للكتاب – أن الزيدية مبدأ خليط صعب التعريف يصعب على أبنائه أنفسهم تعريفه، حتى أن بعضهم يشعر أن الزيدية ليست منهجا دينيا مستقلا واضح المعالم.

ويرى أخرون يرصدهم الكتاب أن بعض الزيدية ابتعدوا عن أهل السنة ومالوا إلى الشيعة الإثنى عشرية السائدين في إيران، والذي يمتلكون مواقف سلبية من السنة عموما ومن صحابة الرسول (صلى الله عليه وسلم) الكبار (عمر وأبو بكر رضى الله عليهم) على وجه الخصوص، حيث يرى الشيعة الإثنى عشرية أن عمر وأبو بكر اغتصبوا الخلافة من علي (رضي الله عنه وعنهم جميعا).

عموما – وحتى لا نخوض كثيرا في قضايا دينية ليس محل نقاشها هذا المقال – مال الزيدية إلى الانفتاح على السنة ورفضوا سب الأئمة ومعاداة السنة بخلاف بعض الطوائف الشيعية الأكثر انغلاقا.

أزمة الزيدية

ولكن الكتاب يعود ويوضح تدريجيا - وعلى فصول متفرقة - أن معاناة الزيدية زادت في اليمن منذ الاستقلال وأن بعضهم اشتاقوا إلى دولة الإمامة لأسباب مختلفة، حيث يوضح الكتاب خاصة في فصله التاسع "موقف الزيدية من السلفية في اليمن" أن الدولة اليمنية العلمانية انفتحت منذ ثورة عام 1962 على تيارات إسلامية مختلفة وسمحت لها بالتوسع على حساب الزيديين.

ففي الستينيات انفتحت اليمن الشمالية (حيث سيطرت دولة الإمامة الزيدية سابقا) على فكر الإخوان المسلمين القادم من مصر، وهو فكر حمله الطلاب اليمنيون الذين درسوا في مصر في الخمسينيات والستينيات وعادوا به إلى اليمين ناشرين فكر الثورة والاشتراكية وأفكار الإخوان، وذلك وقت أن كانت مصر مصدر إشعاع فكري وسياسي وثقافي عبر العالم العربي.

ولما تراجعت مصر بعد هزيمة 1967 صعدت السعودية بعد الثورة النفطية وهجرة العمالية اليمنية إلى السعودية وفترة الحرب الباردة واعتماد أميركا على السعودية في نشر المد الإسلامي (السلفي) وتقديم مساعدات إلى دول عربية كاليمن لجذبها بعيدا عن الاشتراكية ومصر والإتحاد السوفيتي.

وتدريجيا دخلت اليمن مرحلة المد الديني السفلي، وبهذا أصبح الزيديون اليمنيون في مواجهة خطرين كبيرين، أولهما خطر الأخوان المسلمون بقدرتهم الكبيرة على التنظيم الجماهيري والسياسي في آن واحد (يمثلهم حزب الإصلاح حاليا)، وخطر السلفيين بمواردهم المالية الضخمة وحماسهم الديني وتركيزهم على العمل الجماهيري على الرغم من بعدهم عن العمل السياسي وعن إنشاء أحزاب سياسية تمثلهم.

وبالطبع شعر الزيديون بالغيرة والمنافسة على الرغم من أنهم تحالفوا مع السعودية – أو تحالف بعضهم معها – كما يقول الكتاب – ضد الثورة اليمنية وضد مصر في الستينيات، وذلك بعد أن حاربوا السعودية في الثلاثينيات عندما واجهت الدولة السعودية دولة الأئمة في اليمن في حرب انتهت بهزيمة الإمام مما أضعفه في عيون اليمنيين بشكل لم يتمكن من تجازوه.

هذا يعني أن بعض الزيديين حاربوا السعودية في الثلاثينيات، وبعضهم تعاونوا معها في الستينيات، وبعضهم عارضها في فترة المد السلفي في السبعينيات.

ظهور الحوثية كتيار

ولعل نمط العلاقة المتقبلة أو المصلحية الواضحة في علاقة الزيديين بالسعودية لا يعد استثناءا، فقد سيطر النمط نفسه – كما يوضح الكتاب وكما سنشرح فيما بعد – على علاقة الحوثيين الزيديين مع الدولة اليمنية منذ التسعينيات.

فالكتاب يوضح أن ثورة جماعة الحوثي وخروجهم على الدولة اليمنية ومواجهتهم معها يعود في بعض أسبابه إلى ضيق الزيديين من التمدد الإخواني والسلفي على حساب الزيدية في شمال اليمن وخاصة في صعدة مركز دولتهم التاريخي.

كما يعود أيضا إلى خسارتهم دولتهم الدينية والتاريخية وإلى طبيعة الجغرافيا اليمنية القاسية التي تعطي فرقاء اليمين استقلالها ملفتا للنظر.

جذور الحوثيين الفكرية تعود إلى العلامة الزيدي بدر الدين الحوثي، وهو والد حسين بن بدر الدين الحوثي قائد المواجهة المسلحة الحوثية الأولى مع الدولة اليمين في عام 2004.

وتشير فصول الكتاب المختلفة إلى أن بدر الدين الحوثي هو أحد أكبر علماء الزيدية، وإلى أنه مال بوضوح نحو الشيعة الإمامية الإثنى عشرية الناقدة لأهل السنة على حساب الشيعة الزيدية المنفتحة على أهل السنة.

هذا يعني أن الحوثية تيار خرج عن انفتاح الزيدية التاريخي على أهل السنة وبات أكثر نقد لهم ولأفكارهم الدينية ولممارساتهم وللصحابة، وهنا يقول الكتاب أن ميل الحوثية إلى الإمامية الإثنية عشرية يعبر عن تيار متزايد وسط شيعة اليمن منذ الثورة الإيرانية، وقد يعود ذلك إلى توجه شيعة اليمن إلى المد الثوري الإيراني لدعمهم سياسيا وفكريا على الأقل في مواجهة النفوذ السعودي النفطي السلفي المتزايد في بلادهم.

بمعني أخر وجد الزيديون والحوثيون في التقرب من الثورة الإيرانية حلا جزئيا لمواجهة التمدد الإخواني والسلفي في اليمن، لذا انعكس هذا التوجه على فكر بدر الدين الحوثي وقطاع من الزيدية في اليمن والتي بدأت تحتفل بأفكار ومناسبات دينية دينية شيعية إمامية إثنى عشرية لم تكن سائدة في اليمن في الماضي.

أما قائدة ثورة الحوثيين السياسية فهو حسين أحد أبناء بدر الدين الحوثي، والذي يبدو أنه تأثر بأفكار والده مع رغبته في خوض غمار العمل السياسي والتنظيم السياسي للزيدية في اليمن.

الحوثي بين الحزب والحركات الدينية

وهنا يبدأ فصل تراجيدي ومأساوي جديد من فصول قصة الحوثية في اليمن، فالكتاب يشير إلى أن التيار الزيدي الشاعر بالتهميش وتراجع النفوذ في اليمن أراد إعادة اكتشاف نفسه بعد الوحدة اليمنية في عام 1990 حيث عاشت اليمن فترة انفتاح سياسي قصيرة شهدت ولادة عدد كبير من الأحزاب السياسية الجديدة، من بينها ثلاثة أحزاب ذات توجهات وطبيعة شيعية على الأقل، وذلك على الرغم من علمانية الدستور اليمني.

وهنا يشير الفصل الثالث من الكتاب "الحركات السياسية الشيعية في اليمن" إلى أن الأحزاب الثلاثة – الحق وحركة التوحيد والإصلاح واتحاد القوى الشعبية - عانت من التمزق الداخلي والانقسامات المدفوعة من قبل الخارج (النظام اليمني)، ومن ضعف التأثير والفاعلية بشكل عام.

ويبدو أن النظام السياسي اليمني لم يمنح تلك الأحزاب - ولا التعددية السياسية اليمنية بشكل عام - فرصة للنمو الطبيعي، وكان يمكن أن تمثل تلك الأحزاب فرصة للتنفيس السياسي عن القوى الشيعية في اليمن في ظل أطار قانوني شرعي.

عموما ضاعت الفرصة، وتراجعت مكانة الأحزاب السياسية الشيعية بل أن بعضها تحالف (أو اتهم بالتحالف) مع الجنوب في حرب الانفصال عام 1994، وهكذا تستمر التحالفات المتقلبة والبراجماتية.

أما علاقة الحوثيين بذلك، فهي أن حسين بدر الدين الحوثي قائد حركة الحوثيين السياسية والمتأثر بأفكار أبيه الدينية كان عضوا فاعلا في حزب الحق ذي التوجه الشيعي، وهو أحد أهم الأحزاب الشيعية التي أشرنا إليها سابقا، والتي أسست بعد الوحدة في عام 1990.

وفي أول انتخابات نيابية (2003) فاز حسين بمقعد عن محافظة صعدة معقل الزيدية التاريخي، وبالطبع فشلت تجربة حزب الحق السياسية كما فشلت تجربة التعددية السياسية في اليمن، وأنتقل حسين من قيادة الحزب إلى قيادة حركة دينية سياسية واجتماعية شيعية أخرى، وهي حركة "الشباب المؤمن" الدينية الزيدية والتي نشطت بشكل ملحوظ في النصف الثاني من التسعينيات.

وبهذا ارتد حسين من قيادة حزب يعمل على خوض الانتخابات وممارسة اللعبة السياسية إلى حركة دينية شيعية، وذلك على طريقه نحو تشكيل الحركة الحوثية التي قادت الصدام مع الدولة اليمنية في عام 2004.

الشباب المؤمن والقاعدة

حركة الشباب المؤمن قد تعود جذورها الفكرية إلى نهاية السبعينيات وهي فترة المواجهة بين المد الإخواني والأصولي والإيراني في اليمن، إذا يبدو أن الجماعات الدينية المختلفة في اليمن بدأت في تشكيل مدارس ونوادي دينية لشبابها لنشر الفكر الديني وتوعية الأجيال الجديدة.

ولكن ظهور حركة الشباب المؤمن كحركة ناشطة تأخر إلى النصف الثاني من التسعينيات، وقد انضم إليها بعض قيادات وأعضاء حزب الحق ذي التوجه الشيعي، والتي تركت الحزب بعد تشرذمه، وكان على رأس تلك القيادات حسين الحوثي.

ويقال أن الحركة لاقت رواجا كبيرا وبدأت في نشر نواديها التعليمية والدينية في صعدة وفي مناطق النفوذ الزيدي في شمال اليمن، ويقال أن الحركة لاقت دعما كبيرا من النظام اليمني ذاته لسببين على الأقل، أولهما أن الحركة قدمت نفسها كحركة إصلاح ديني وتحديث فكري في أوساط المذهب الزيدي تريد تحديث وعصرنه فكر أصحابه ضمن سياق الدولة المدنية.

أما السبب الثاني فهو أن الدولة أرادت التحالف معهم في مواجهة تنامي نفوذ الإخوان والسلفيين الذين لعبوا دورا كبيرا في دعم الدولة في مواجهة الجنوب خلال حرب الانفصال في عام 1994.

وهكذا تستمر سلسة التحالفات الميكيافيلية، والتي تبدوا وكأنها سياسة يمنية أصيلة وراسخة تتعبها مختلف القوى اليمنية حكومية كانت أو معارضة.

كما أننا نقف هنا أيضا على باب كبير وهام من أبواب الصراع السياسي الدائر الآن في اليمن، حيث يشير الكتاب إلى أن الدولة اليمنية دعمت الشباب اليمني الذي شارك في حرب أفغانستان ضد الإتحاد السوفيتي وذلك بدعم أميركي وسعودي ظاهر.

ولما انتهت الحرب عاد المقاتلون اليمنيون إلى البلاد حيث تم استقبالهم والاحتفال بهم، وتوقع هؤلاء بأن يتم مكافئتهم من قبل الدولة ومعاملتهم معاملة الأبطال وربما ضمهم إلى الجيش اليمني ذاته.

وهنا يشير الكتاب في فصله العاشر "تنظيم القاعدة في اليمن .. من الهامش إلى المتن" إلى أن العائدين من أفغانستان لعبوا دورا هاما في دعم قوات الحكومة اليمنية في حرب الانفصال عام 1994، وأنه تمت مكافئة بعضهم بضمهم إلى قوات الجيش اليمني.

ويبدو أن سياسة "فرق تسد" التي تتبعها الحكومة اليمنية – كما يشير الكتاب ومقالات صحفية مختلفة – اقتضت أن تدعم الحكومة اليمنية الحركات الزيدية – كحركة الشباب المؤمن – ضد الحركات السلفية والإخوانية التي تحالفت معها خلال حرب الانفصال سعيا ربما لتحقيق توازن سياسي بين تلك الحركات أو إلى إضعاف خصوم النظام بشكل عام.

المواجهة العسكرية

وبمرور الوقت قوت شوكة حركة الشباب المؤمن وشوكة حسين الحوثي داخل الحركة، والذي سعى إلى السيطرة على الحركة وعلى قياداتها ودروسها الدينية، ويبدو أن الحركة شهدت مزيد من الصدامات الداخلية والانقسامات في نهاية التسعينيات مع تزايد نفوذ حسين الحوثي والذي تبنى أفكار والده الداعمة للتوجهات الاثنى عشرية.

قوة الحوثي وأتباعه كانت مؤشر على بداية صدامه مع الدولة خاصة بعد 11-9، حيث أرادات الدولة تخفيف الضغوط الدولية المفروضة عليها من فيل أميركا وحلفائها عن طريق مواجهة الحركات الدينية بشكل عام ومن بينها حركة الحوثي.

ورد حسين الحوثي بالتصعيد بعدما شعر بقوة تياره الذي دعمته الحكومة في السابقة، وبعدما شعر بقوة أتباعه بين شباب وشيوخ الزيدية على حد سواء، لذا رفع حسين شعاره المثير والتصادمي، وهو "الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام"، وبدأ في نشر الشعار وتلقينه لأتباعه ونشره في صعدة وفي المساجد التابعة للحركة وللزيدية.

الشعار بالطبع أحرج الدولة اليمنية في وقت كانت تبحث فيه عن سبل تخفيف الضغوط الدولية المفروضة عليها بعد 11-9، ويقال أن الشعار كان في حد ذاته أحد أسباب الإسراع بالمواجهة مع الحوثيين، هذا بالطبع بالإضافة إلى تنامي قوة الحوثيين وإحراجهم للدولة.

ويقال أن أنصار الحوثي أحرجوا الرئيس خلال زيارته لصعدة في عام 2003 بعد عودته برا من رحلة إلى الحج حيث وقفوا بمسجد زاره، ورددوا شعارهم غير مبالين بالرئيس ووجوده بالمسجد.

وبالطبع عجل كل ذلك بالمواجهة العسكرية حيث أرسلت الحكومة حملة عسكرية للقبض على حسين الحوثي في عام 2004 انتهت بمواجهة عسكرية كبرى لم تتوقعها الدولة، وقد أسفرت المواجهة عن مقتل حسين الحوثي وعن اشتعال حرب واسعة بين الحوثيين (أخوة حسين الحوثي وأتباعه ومناصريهم) والدولة دامت حتى الآن تقريبا على الرغم من فترات التوقف وجهود الوساطة الدولية وتدخل أطراف دولية كالسعودية التي تدخلت عسكريا في الحرب الأخيرة (2009-2010).

وبالطبع تمددت الحرب خارج صعدة، وأوقعت آلاف الضحايا، وشردت عشرات وربما مئات الآلاف من المدنيين، ويقال أن الحوثيين وجدوا دعما من قبل القبائل الزيدية وربما من قبل أطراف شيعية دولية كبرى كإيران التي تريد نشر القلاقل على حدود السعودية.

ويقال أيضا أن الدولة اليمنية أخطئت في الأسلوب الذي أدارت به الحرب وأنها تعاني من انقسام داخلي بخصوص مواجهة الحوثيين، أو أنها عاجزة عن الحسم لأسباب مختلفة.

ضعف الدولة

عموما، قصدنا من عرضنا الحالي تقديم صورة عامة لأزمة الحوثيين في اليمن، أو حكاية قصتهم كما أشرنا في عنوان المقال، على أمل نقل صورة محايدة بقدر الإمكان للقارئ اعتماد على المصادر التي بين أيدينا دون تحيز لفئة، وعلى أمل تشجيع أنفسنا والقراء على فهم بعض جوانب الصراع الهام وجمع مزيد من الحقائق والمعلومات عنه.

وفي الخاتمة يمكننا القول - اعتمادا على ما بين أيدينا من معلومات - أن حركة الحوثي هي حركة دينية وسياسية شيعية تعبر في جزءا منها عن شعور بعض الزيديين بالإحباط والتهميش في اليمن السياسي المعاصر، وتعبر في أجزاء كثيرا منها عن أخطاء الدولة في التعامل مع القوى السياسية باليمن، وعن عجز تلك القوى على بناء مجتمع مدني يحترم سلطة القانون.

أما أهم الدروس والقصص المستفادة فهو ذلك الدهاء التي يتعامل به الفرقاء اليمنيون، فهم في تحالفات مستمرة مع أعداء الأمس قبل الانقلاب عليهم غدا.

ولكنه دهاء مأساوي يذكرنا بقصص العصور الوسطى حيث غابت الدولة وعاشت الشعوب ممزقة بين قبائل وعشائر ومدن متصارعة وفي حروب دائمة لا تعرف الاستقرار، ولهذا يبدو أن أزمة اليمن الأساسية هو في ضعف مؤسسات الدولة وسلطة القانون وهو ضعف تغذيه مختلف القوى السياسية اليمنية ويدفع ثمنه الباهظ الشعب اليمني من حاضره ومستقبله.

Wednesday, September 01, 2010

نصائح أميركية لأوباما بالتخلي تدريجيا عن حكومة الصومال والتعايش مع سيطرة الإسلاميين

بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره:

www.alaabayoumi.com

نص المقال:

على غرار الحوار الأميركي مع حركة طالبان في أفغانستان، دعت دراسة صادرة عن مركز أبحاث أميركي مرموق - وهو "مجلس العلاقات الخارجية" - إدارة أوباما بالتخلي عن سياسة دعم الحكومة الانتقالية بالصومال والقبول تدريجيا بسيطرة الإسلاميين حتى يتثنى بناء حكم وطني صومالي حقيقي.

ورأت الدراسة أن سياسة دعم الحكومة الفيدرالية الانتقالية بالصومال والتي اتبعتها إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش منذ عام 2004 أتت بنتائج عكسية لأنها أوجدت سلطة "فوقية" مكلفة ماديا وعسكريا وعاجزة عن فرض سيطرتها على أراضي الصومال ومعتمدة على الدعم الخارجي.

اعتماد الحكومة الانتقالية على الدعم الخارجي ساهم – كما ترى الدراسة – في تعميق رفض الصوماليين لها، وفي توحيدهم ضدها، حيث نشطت المحاكم الإسلامية ضد الحكومة في 2006، وزادت حركة الشباب قوة بعد غزو إثيوبيا للصومال، كما تعاونت حركة الشباب مع القاعدة تدريجيا مع تزايد الدعم الأجنبي للحكومة الصومالية.

وتقول الدراسة أن السياسة الأميركية الراهنة والتي أسست في عام 2004 على اعتبار أن الصومال ساحة من ساحات "الحرب على الإرهاب" لم تدرك أن الصوماليين تمكنوا منذ سقوط حكومتهم الوطنية في عام 1991 من بناء نظم حكم محلية "عشائرية" حققت درجة من الاستقرار الداخلي، كما أن الصومال شهدت نوعا من التطور الاقتصادي القائم على نشاط رجال الأعمال المحليين.

وتقول الدراسة أن طبيعة التدين الصومالي التقليدي تنأى بالصوماليين بعيدا عن التشدد والتطرف الديني، وأن العشائر الصومالية بطبيعتها ترفض التدخل الأجنبي، لذلك اعتقدت الاستخبارات الأميركية حتى أوائل عام 2007 أن الصومال بعيدة عن أيادي القاعدة ونفوذها.

ولكن يبدو أن التدخل الأجنبي المستمر في الصومال ساعد على زيادة الرفض الشعبي للحكومة وعلى توحيد صفوف المعارضة ضدها، وعلى فتح الباب أمام قوى خارجية كالقاعدة للتدخل في الشأن الصومالي.

وتقول الدراسة أن أميركا أخطأت في عدم التمييز بين القيادات الوطنية للصوماليين والقيادات الإسلامية، وعدم فهم طبيعة الانقسامات الداخلية بين الإسلاميين، فقيادات "الحزب الإسلامي" على سبيل المثال تبدو أكثر "قومية" وأقل "إسلامية" وأقل انفتاحا على القاعدة من قيادات حركة "الشباب المجاهدين"، كما أن الحزب وحركة الشباب سبق وأن تصارعا على السيطرة على بعض المدن الصومالية الهامة.

وتقول الدراسة أن أميركا والمجتمع الدولي غير مستعدان لدعم الحكومة الصومالية عسكريا بالشكل الكافي، فالحكومة الصومالية – حتى تحت قيادة رئيسها الحالي الشيخ شريف وهو الرئيس السابق للمحاكم الإسلامية – عجزت عن تجنيد مزيد من القوات المحلية وعن بناء مزيد من الدعم المحلي والعشائري، كما عجزت عن فرض سيطرتها خارج القصر الرئاسي بالصومال والذي تحميه قوات السلام الأفريقية.

وتقول الدراسة أن ضعف الحكومة الصومالية حول قوات حفظ السلام الإفريقية من قوات "محايدة" إلى طرف في الصراع وزاد من رفض الصوماليين لها خاصة مع سقوط مزيد من الضحايا المدنيين في الصدامات العسكرية بين قوات حفظ السلام والحركات المسلحة الإسلامية.

وترى الدراسة أن الحكومة الصومالية في حاجة إلى أكثر من 20 ألف جندي لهزيمة الشباب، وأنها بحاجة إلى أكثر من 100 ألف جندي لتوحيد الصومال وإعادة الاستقرار لها على المدى البعيد.

وبالطبع لن تتمكن أميركا التي تخوض ثلاثة حروب خارجية – في العراق وأفغانستان وباكستان – من تزويد الصومال بتلك القوات، هذا بالإضافة إلى عدم وجود تقبل سياسي أميركي داخلي لهذه الفكرة أصلا وعن عدم توافر الدعم الدولي لها.

لذا ترى الدراسة أن تقديم مزيد من الدعم الدولي للحكومة الصومالية هو إهدار للوقت والموارد في رهان على حصان خاسر، ولن يؤدي إلا إلى تعميق المشاعر الداخلية المعادية للتدخل الأجنبي وتوحيد قوى الإسلاميين وتعبئة العشائر الصومالية ضد التدخل الأجنبي وخلف قيادة مقاتلي حركة الشباب.

كما أن منظمات الإغاثة الدولية تتعاون بالفعل مع حركة الشباب ضمن جهودها لتقديم المساعدات الإنسانية للصوماليين.

لذا تنصح الدراسة إدارة أوباما بتبني سياسية "الانفصال البناء"، وهي سياسة تقوم على المساعدة في بناء المجتمع الصومالي من أسفل إلى أعلى – أي من القاعدة سيرا نحو قمة الهرم السياسي "الحكومة الوطنية" - على المدى البعيد.

فالدراسة لا تتوقع أن يعرف الصومال حكومة وطنية موحدة خلال العقد المقبل، وتقول أن التاريخ يشهد بذلك، وأن الصوماليين أنفسهم منقسمون حول طبيعة الحكم الوطني الذي يرتضونه، هذا بالإضافة إلى تحدي ضم الكيانات شبه المستقلة – أرض الصومال وبونتلاند – إلى الإتحاد الفيدرالي الجديد.

كما ترى أن التسرع في بناء مؤسسات سياسية يدعو إلى الفساد، فالمجتمع العشائري الصومالي ليس في حاجة إلى مؤسسات سياسية – مثل المجالس المحلية والبرلمانات – في الوقت الراهن، خاصة وأن الكيانات السابقة تنفق أموالا طائلة على الرواتب والسيارات والمباني، وأنه من الأفضل توجيه تلك الأموال كدعم إنساني مباشر لتنمية الصومال.

لذا ترى الدراسة أن على أميركا الاستعداد لفترة ما بعد سقوط الحكومة الانتقالية وانسحاب القوات الدولية، فترة تسيطر فيها حركة الشباب على مقديشيو والصومال.

فحركة الشباب مسيطرة بالفعل على أغلب "الصومال الجنوبي"، كما أن منظمات المساعدات الإنسانية تتعاون بالفعل مع حركة الشباب في تقديم الدعم الإنساني للصوماليين في أماكن مختلفة من البلاد، كما أن الحكومة لا يتوقع لها أن تزداد قوة في المستقبل المنظور.

وتقول الدراسة أن على أميركا منع أثيوبيا من غزو الصومال في حالة سيطرة الشباب على مقديشيو، وأن عليها فتح حوار مباشر مع قادة الإسلاميين في الصومال في أقرب فرصة دون المرور دون وساطة الحكومة الانتقالية إذا اقتضى الأمر، فالشباب في وضع قوي يؤهلهم للتفاوض مباشرة مع الأميركيين والمجتمع الدولي دون المرور عبر بوابة الحكومة الانتقالية الضعيفة.

كما ينبغي على أميركا التمييز بين قيادات الإسلاميين في الصومال، ورفع بعض القيادات ذات التوجهات الأيدلوجية الوطنية مثل حسن طاهر عويس زعيم الحزب الإسلامي عن قوائم الإرهاب، وفتح الباب أمامهم لاتخاذ مواقف أكثر اعتدالا.

كما تقول الدراسة أن على أميركا الاحتفاظ بسياسة استهداف قادة القاعدة الموجودين في الصومال عسكريا على أن تتجنب أميركا وقوع ضحايا من المدنيين، كما ينبغي على أميركا التعايش مع الإسلاميين الصوماليين طالما تخلو عن القاعدة وحصروا نشاطهم ضمن حدود الصومال، وأوقفوا نشاطهم الدولي في إيواء ودعم الجماعات الإسلامية المسلحة.

بمعني أخرى ترى الدراسة أن الصراع في الصومال محلي وأن التدخل الأجنبي المتزايد في شئون الصومال منذ عام 2004 وسعى أميركا لفرض حكومة سياسية على الصومال بالقوة منذ ذلك الحين أدى إلى تدويل الصراع، ودعوة القاعدة إليه، وتحويله إلى صراع عابر للحدود الصومالية.

لذا تدعو الدراسة أميركا بتجنب عسكرة وتدويل الصراع بأكبر قدر ممكن على أمل أن يعود الصراع تدريجيا إلى طبيعته المحلية العشائرية الرافضة للتدخل الأجنبي سواء من قبل أميركا وحلفائها أو من قبل القاعدة.

بقى لنا أن نشير إلى أن الدراسة المختصرة (35 صفحة) صادرة في مارس الماضي عن مجلس العلاقات الخارجية الأميركية وهو أحد أشهر مركز الأبحاث الأميركية وعنه تصدر مجلة "شئون خارجية" المعروفة، والدراسة من تأليف بروانين بروتن وهي باحثة بالمركز، وسبق لها العمل بعدة مؤسسات وبرامج دولية معنية بالصومال، وقد صدرت الدراسة تحت عنوان "الصومال: منهج جديد".

والنهاية لا يبقى لنا سوى الانتظار لنرى حجم تأثير مثل تلك الدراسات على السياسة الأميركية في المستقبل المنظور وفي ظل التراجع المستمر في قدرة الحكومة الصومالية على الدفاع عن نفسها أمام تقدم الإسلاميين.

Thursday, August 19, 2010

مسجد نيويورك والموجة الجديدة للعداء للإسلام في أميركا

مقال بقلم: علاء بيومي

يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى مصدره

www.alaabayoumi.com

نص المقال

في اعتقادي أن قضية مسجد نيويورك وما يثار حولها من جدل في الآونة الأخيرة هي مؤشر على موجة جديدة وخطيرة من موجات العداء للإسلام – أو الإسلاموفوبيا – في أميركا، موجة ظن المتابعون - قبل سنوات قليلة - أنها بعيدة عن شواطئ القارة الأميركية

الظاهرة التي أتحدث عنها هي صعود اليمين الراديكالي الجديد في الولايات المتحدة - والذي بات واضحا خلال العامين الأخيرين – مما هوى بحركة العداء للإسلام في أميركا حاليا إلى مستويات غير مسبوقة تثير القلق

فمن كان يتصور قبل عامين أو ثلاثة أن تشهد المدن الأميركية مظاهرات تعج بالمتظاهرين المطالبين بوقف بناء مسجد وترفع شعارات تهاجم الإسلام ذاته وتطالب بخروجه من أميركا تحت أعين الإعلام الأميركي، بل ويخرج سياسيون كبار لدعم تلك المظاهرات ومطالبها ونشرها في ولايات مختلفة

وذلك حتى باتت قضية مسجد نيويورك – والذي يسعى بعض المسلمين الأميركيين لتأسيسه بالقرب من موقع أحداث 11-9 – قضية سياسية وطنية أميركية بامتياز استدعت تدخل الرئيس الأميركي، والذي دعم حق المسلمين الأميركيين في البناء المسجد، مما عرضه لهجوم واسع من الجمهوريين وعلى أعلى مستوي، قبل أن يتراجع باراك أوباما في اليوم التالي عن تصريحاته نسبيا، ويعلن انتقاده لفكرة بناء المسجد ذاتها كفكرة "غير حكيمة"

أكثر من ذلك باتت قضية مسجد نيويورك قضية انتخابية بامتياز حيث أعلن سياسيون جمهوريون في ولايات مختلفة عن معارضتهم لبناء مسجد نيويورك، مع أن قضية المسجد كان من المفترض أن تكون قضية محلية خاصة بولاية نيويورك ذاتها، ولا تمت بصلة لسياسي مرشح في ولاية جنوبية

كما أن مؤسس المسجد – الإمام فيصل عبد الرؤوف – سبق وإن احتفلت به وسائل الإعلام الأميركية لسنوات وقدمته على أنه مسلم "معتدل"، نظر لتوجهاته "الصوفية"، في مقابل التوجهات الإخوانية والسلفية وبعض التوجهات الإسلامية الحركية الأخرى التي عادة ما ينتقدها الإعلام الأميركي باعتبارها توجهات "متشددة"

كما بدأنا أيضا نسمع عن حملات إعلانية تحرض على "ترك الإسلام" وعن كنيسة أميركية تريد "حرق القرآن" في ذكرى 11-9، وعن تنامي متزايد لمنظمات معادية لوجود الإسلام في أميركا بشكل أساسي، وذلك على غرار منظمتي "أوقفوا أسلمة أميركا" و"ترحك من أجل أميركا"، وعن صلات تنظيمية تربط سياسيين أوربيين متطرفين – ينتمون لليمين الأوربي الراديكالي الجديد – كالسياسي الهولندي جريت ويلدرز - والمنظمات الأميركية سابقة الذكر

أكثر من ذلك خرج سياسيون أمريكيين كبار على غرار نوت جينجريتش – قائد ثورة الجمهوريين في عام 1994 والطامح للتنافس على مقعد الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة (2012) - وسارة بيلين – نائبة جون ماكين في انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة (2008) – لتأجيج الجدل الدائر حول مسجد نيويورك على الرغم مما ينطوي عليه من إساءة للإسلام

تطور حركة العداء للإسلام في أميركا

من يعتقدون أن التطورات الأخيرة عادية أو غير جديدة، وأن أنها مجرد ردة فعل لبناء مسجد بالقرب من موقع 11-9، أو أنها مجرد سوء فهم للإسلام والمسلمين، عليهم أن يعودوا بالذاكرة إلى الوراء بعض السنوات أو تحديدا لقبل أحداث 11-9

فمن خلال متابعتنا لظاهرة العداء للإسلام في أميركا على مدى أكثر من عقد، نعتقد أن تلك الظاهرة تنمو بمعدلات سريعة ومفاجئة – وربما صادمة

معدلات كان يصعب التنبؤ به في الماضي، مما يجعلنا نشعر بقلق جديد تجاه المستقبل

فقبل 11-9 لم تكن هناك "حركة" معادية للإسلام، ولم تكن هناك "إسلاموفوبيا"، فمستوى العداء للإسلام في تلك الفترة كان يدور حول مفاهيم وظواهر مختلفة تماما

كان الحديث في أوساط المنظمات المسلمة الأميركية المعنية والإعلام والأكاديميين عن بعض "الخبراء المتشددين" المعنيين بقضايا "الإرهاب" على غرار ستيفين إمرسون ودانيال بايبس والمرتبطين بأجندات خارجية واضحة، هذا بالإضافة إلى الحديث عن "صدام الحضارات" و"الخطر الأخضر" و"اندماج المسلمين الأميركيين" وربما "الإستشراق"

كان الأمر مختلفا تماما، ففي عقد التسعينيات كانت أميركا في زهو انتصارها في الحرب الباردة والقطبية الأحادية وثورة التكنولوجيا، كانت أميركا قوية لا تخشى أحدا

وعندما وقعت أحداث الهجوم على برج التجارة العالمي في 1993 وأوكلاهوما في 1995، توجه البعض للهجوم على الإسلام والمسلمين، وعكف البعض كإمرسون وبايبس على مهاجمة مسلمي أميركا ومنظماتهم ومحاولة ربطهم بقضايا السياسة الخارجية الأميركية كصراع الشرق الأوسط

ولكن ظل الجو العام هادئا و"تحت السيطرة"، وظل الإسلام والمسلمون في أميركا ظاهرة هادئة بعيدة عن دائرة الضوء، ظاهرة يقترب منها الخطاب السياسي الأميركي العام ببطء وتأني

فبعض المنظمات الحكومية والمدنية فتحت أبوابها أمام المسلمين وبعضها أغلقتها، لكن لم تكن قضية "وجود الإسلام والمسلمين في أميركا" قضية رأي عام أميركي، فوجودها الرئيسي كان بدوائر محدودة مهتمة ومدفوعة بأجندة خاصة سلبية أو إيجابية

قضية رأي عام

بعد 11-9 تغيرت الأمور كثيرا فقد تحولت قضية "العلاقة بين الإسلام وأميركا" إلى قضية "رأي عام أميركية" باقتدار

كما تبلور في الجدل الواسع الذي دائر بعد 11-9 تحت عنوان "لماذا يكرهوننا؟"، فهجمات 11-9 - والتي مثلت الهجوم الأكبر على الأراضي الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية - دفعت الأميركيين إلى التساؤل عن أسبابه

وبالطبع لم يكن المسلمون داخل أميركا أو خارجها مستعدين أو حتى مؤهلين بشكل كافي للارتقاء إلى مستوى الحدث أو للإجابة على هذا السؤال إجابة صحيحة وواسعة وحاسمة داخل أميركا وبلغة يفهمها الأميركيون

وحتى الآن يمكن القول أن المسلمين لم يجيبوا على السؤال السابق، فكل ما نشاهده هي محاولات محدودة – حتى لو كانت كبيرة نسبيا – لتوعية الأميركيين بموقف الإسلام والمسلمين من أحدث 11-9

بمعنى أخر فتحت أحداث 11-9 الباب على مصراعيه لكل من لديه أجندة معادية للإسلام والمسلمين لكي يروجها مستغلا جهل الأميركيين بالإسلام، وتهور قادتهم السياسيين (كما ظهر في حربي أفغانستان والعراق)، وضعف قدرة المسلمين على الرد والتعامل مع الرأي العام الأميركي

إرهاصات الإسلاموفوبيا الأميركية

في ذلك الوقت بدأت إرهاصات ظاهرة العداء للإسلام والمسلمين في الظهور، وبدأت البيئة الأميركية تتشكل لاستقبال تلك الظاهرة ورعايتها

على المستوى السياسي شنت الإدارة الأميركية حربين خارجيتين على أفغانستان والعراق مما ضمن استمرار المواجهة الدامية بين أميركا ودول عربية ومسلمة لسنوات مقبلة

كما شن بوش ووزيره عدله جون أشكروفت سلسلة حملات للتضييق على منظمات إغاثة مسلمة أميركية وبعض منظمات المسلمين الأميركيين، مما أسس لظاهرة "الخوف من الإسلام الداخلي" أو "الطابور الخامس" كما يحلو للبعض تسميتها

على المستوى الأكاديمي نشر برنارد لويس مقاله "لماذا يكرهوننا" ليؤسس لموجة أبحاث أكاديمية تنشر فكرة أن الخلاف بين أميركا والعالم الإسلامي قيمي ذا جذور بعيد وراسخة

كما انتعشت صناعة "خبراء الإرهاب" وباتت كتابات إمرسون وبايبس وغيرهم تدرس وتنشر على أوسع نطاق، وبالطبع تم ذلك برعاية المحافظين الجدد وبعض قيادات المسيحيين الصهاينة المقربين لبوش

مرحلة الإسلام الفاشي

في مرحلة تالية بدأت تحالف نخبوي يتشكل في واشنطن ويساهم في نشر ثقافة الخوف من الإسلام على أوسع نطاق دون أن يروج لها علانية ودون أن يتحول إلى حركة سياسية واضحة المعالم في الشارع الأميركي

هذا التحالف تكون من بعض كتاب المحافظين الجدد المشغولين بتبرير الحروب القائمة والمزيد منها، والمسيحيين الصهاينة المنتقدين للإسلام والداعين لسياسة أكثر تشددا في الشرق الأوسط، وخبراء الإرهاب الذي توغلوا وتوغلت كتاباتهم في المؤسسات الأمنية والسياسية الأميركية، وبعض قادة الحزب الجمهوري المنتمين للجناح الأكثر يمينية من الحزب

لذا طلت بعض التصريحات المسيئة للإسلام في خطابات الإدارة الأميركية مثل مصطلح "الإسلام الفاشي" و"الإسلام الراديكالي"

وكان ذلك إذانا بتوغل أفكار قطاع متشدد من "خبراء الإرهاب" و"المحافظين الجدد" والباحثين اليمنيين في الخطاب الرسمي للدولة

الجدل حول إسلام أوباما

يمكن القول أن أخطاء الإدارة الأميركية في العراق وداخل أميركا والتي صعدت على السطح بقوة - خلال الفترة من 2005 وحتى 2007 - غطت على خطاب الفريق السابق خلال الفترة ذاتها، حيث تراجعت الإدارة الأميركية للدفاع عن نفسها وتراجع معها أصوات اليمين الأميركي الأكثر راديكالية

ولكن خلال حملة انتخابات 2008 صعدت ظاهرة العداء للإسلام بقوة وتحولت لأول مرة لقضية رأي عام أميركي، وذلك من خلال الهجوم على جذور أوباما الإسلامية بسبب أبوه المسلم ونشأته في بلد مسلم (إندونيسيا)

حيث جعل تحالف الإسلاموفوبيا من خلفية أوباما الإسلامية هدفا لحملاته، والتي تعرضت للإسلام وجعلت منه "تهمة" تتطلب التنصل منها، كما تمكنت ظاهرة الإسلاموفوبيا ومفاهيمها من الدخول في الخطاب السياسي الأميركي على أعلى مستوى دون اعتذار أو تخفي

وبهذا أصبحنا أمام أزمة حقيقية جديدة تتمثل في تراجع ما يسميه الأميركيون بظاهرة "المقبول سياسيا"، وهي ظاهرة تحدد ما هو مقبول أو غير مقبول على مستوى الخطاب السياسي الأميركي

فنقد الإسلام بعد 11-9 كان يمثل ظاهرة "غير مقبولة" سياسيا لأنها تعرض صاحبها لنقد شديد من قبل السياسيين والإعلام ومنظمات المجتمع المدني في أميركا

لذا عندما اعترض أحد القساوسة المقربين لبوش على وصفه الإسلام بأنه "دين سلام" بعد 11-9، كان من السهل انتقاد القس وتصريحاته لأنه الخطاب السياسي الأميركي في تلك الفترة كان يرى أن وصف الإسلام وهو دين بهذه الطريقة هو "أمر غير مقبول سياسيا"

ويجب هنا الإشارة إلى أن تشكيل ما هو "مقبول" أو "غير مقبول" في الخطاب السياسي في دولة كبيرة كأميركا هو أمر في غاية الصعوبة يتطلب سنوات وربما عقود من العمل السياسي والإعلامي المنظم وعلى كافة المستويات

فالتغير في الخطاب السياسي الأميركي تجاه الأفارقة الأميركيين – على سبيل المثال – احتاج لقرون لكي تحسن

اليمين الراديكالي الجديد

كان من المفترض أن يساهم فوز أوباما بالرئاسة الأميركية في تراجع ظاهرة الإسلاموفوبيا داخل أميركا بسبب تصريحات أوباما الإيجابية في حق الإسلام كدين وفي حق الشعوب الإسلامية

ولكن يبدو أن خطاب الإسلاموفوبيا ونخبه والقوى السياسية الداعمة له وجدت حليفا جديدا دفع بالإسلاموفوبيا إلى أفاق بعيدة أو هوة ساحقة كان يصعب تخليها من قبل

فقد حظرت منظمات حقوقية مختلفة من صعود جماعات "كراهية تعد أكثر تطرفا من يمين الحزب الجمهوري

الجماعات السابقة تضاعفت خلال العقد الأخير وانتشرت بقوة في العامين الأخيرين بسبب الأزمة الاقتصادية الطاحنة بأميركا ومعدلات البطالة المرتفعة (حوالي 10%)، وهزائم أميركا في حروبها الخارجية، وتصاعد المنافسة الدولية لأميركا من الصين، وتراجع المكانة الأميركية في العام بشكل عام، وهي عوامل انعكست على ثقة الأميركيين في أنفسهم

ويبدو أن الأزمات السابقة أخلت بتوازن أميركا والمواطن الأميركي، لذا وقع بعضهم فريسة "لجماعات الكراهية" والتي تتشابه كثيرا مع ما "جماعات اليمين الراديكالي الأوربية"

الجماعات الأوربية انتشرت بوضوح في أوربا في أوائل العقد الحالي، وهي أحزاب تمثل امتداد للأحزاب العنصرية والفاشية والنازية الأوربية التي انتشرت في فترة ما بين الحربين العالميتين

الجماعات الأوربية الجديدة تبنت شعارات يمينية وطنية متطرفة معادية للأجانب، ولكنها رفعت في نفس الوقت شعارات الديمقراطية وحرية الرأي وحقها في تمثيل نفسها

بمعني أخر طالبت أحزاب اليمين الراديكالي الأوربي الجديد بحقها في النزول إلى الشارع وتمثيل أنفسها والعمل على السطح وخوض الانتخابات وفقا لمبادئ الديمقراطية

فلم ترفض الأحزاب الجديدة الديمقراطية أو تحاول الانقلاب عليها بل طالبت الديمقراطية الأوربية بأن تضمن لها حقها في العمل على السطح وتنظيم المظاهرات وتعبئة الناخبين لأجنداتها المتطرفة

أميركا ليست كفرنسا

الأميركيون كانوا ينظرون إلى تلك الجماعات على أنها بعيدة عن شواطئ أميركا، لذا عندما فرضت فرنسا قوانين تحد من حق مسلمات فرنسا في ارتداء الحجاب في المدارس العامة في عام 2004 كان رد الفعل الأميركي الرسمي والعام بالتندر والسخرية

بل عقد الأميركيون مئات المقارنات في وسائل الإعلام، وأرسلوا مسلمون أميركيون إلى أوربا ليشرحوا لمسلمي أوربا والعالم كيف أن أميركا لا تقبل بهذا التمييز ولا تعرف علمانية كعلمانية فرنسا ولا جماعات معادية للأجانب والمسلمين مثل فرنسا وبعض دول أوربا

الأميركيون كانوا يرون أن علمانيتهم ليست معادية للدين، وأن الحقوق والحريات المدنية والدينية مكفولة بالدستور، وأن البيئة الأميركية لا ترحب بالأحزاب اليمينية الراديكالية، وأن النظام الحزبي الأميركي لا يعرف سوى حزبين رئيسيين هما الحزب الجمهوري والديمقراطي، وأن إمكانية ظهور أحزاب يمينية راديكالية صغيرة على غرار ما يحدث في أوربا هو أمر مستبعد إن لم يكن من رابع المستحيلات

في المقابل رأي البعض أن ظروف الحزب الجمهوري الأميركي باتت متشددة بشكل يثير للقلق، وأن صعود الحزب الجمهوري خلال العقود الثلاثة الأخيرة جاء على حساب تنازله عن الوسطية والتحرك نحو مزيد من اليمينية والشعوبية والعداء للدولة

حفلات الشاي الأميركية

خلال عام 2009 عرفت أميركا ظاهرة ما عرف بحركة "حفلة الشاي" الأميركية، وهي حركة يمينية تقع سياسيا على يمين الحزب الجمهوري بسبب أفكارها الراديكالية والتي تكاد ترفض الحكومة وسياسياتها بشكل كامل

وهي حركة جماهيرية عرفت من خلال مظاهراتها وخلال قربها من سياسيين يمينيين - مثل سارة بالين - ومن خلال رفضها لمختلف سياسات الرئيس أوباما، وقد رأى البعض أن الحركة باتت تثمل الامتداد الراديكالي الأكثر شهرة لليمين الأميركي

ما نراه حاليا، هو أن جماعات "كحفلات الشاي" الأميركي والتي تلعب دوارا متزايدا في أوساط اليمين الأميركي وفي أزمة مسجد نيويورك، وأن بعض الجماعات المعادية للإسلام مثل "أوقفوا أسلمة أميركا" و"الحملات الإعلانية المسيئة للإسلام، هي جميعها مظاهر لدور اليمين الأميركي الراديكالي الجديد والذي كان يخشى من ظهوره في أميركا

ظهور تلك الحركات يعني أن ظاهرة الإسلاموفوبيا تحولت إلى "حركة جماهيرية" لها وجود على الساحة السياسة الأميركية، وتخطت حواجز ظاهرة "المقبول سياسيا" والتي تحطمت خلال حملة انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة

هذا يعني أن ظاهرة الإسلاموفوبيا أو "العداء للإسلام" تطورت خلال السنوات التسعة الأخيرة بسرعة كبيرة، حيث تحولت من كتابات وتصريحات إعلامية يطلقها بعض "خبراء الإرهاب المتشددين" قبل 11-9، إلى بعض المصطلحات في خطاب الإدارة الأميركية وكتابات الأكاديميين بعد 11-9، ثم إلى قضية سياسية في حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، ثم إلى حركة سياسة جماهيرية في الوقت الراهن

نظرة قلقة نحو المستقبل

تبلور الإسلاموفوبيا بهذا الشكل وفي فترة وجيزة نسبيا – لا تتعدى 9 سنوات - يعني أننا أمام "حيوان سياسي" ينمو بسرعة مقلقة، وإننا قد نشاهد قريبا تطورات أخرى أكثر خطورة لظاهرة الإسلاموفوبيا في أميركا

فدخول مرشحي اليمين الراديكالي للمؤسسات السياسية الأميركية الكبرى مثل الكونجرس وربما البيت الأبيض قد يساعد على تحول أفكارهم إلى سياسات معادية للإسلام والمسلمين في أميركا وخارجها عن طريق سن قوانين وتشريعات معادية للأقلية المسلمة الأميركية أو للمهاجرين المسلمين إلى الولايات المتحدة، ناهيك عن تبعاتها على السياسة الخارجية الأميركية

وهنا يشير البعض أن موجة التشريعات السلبية الخاصة بالمهاجرين غير الشرعيين في ولايات مثل أريزونا قد لا تكون سوى مقدمة لحركات جديدة تستهدف الأجانب والمهاجرين، حملات بدأت بالأميركيين من أصل لاتيني وقد تضم المسلمين والمهاجرين من بلدان مسلمة في وقت قريب

كما نخشى أن تستفحل الظاهرة خلال حملة الانتخابات الأميركية المقبلة في نهاية العام الحالي، بأن تتحول ظاهرة بناء المساجد – على سبيل المثال – أو أي مظهر إسلامي أخر – إلى قضية سياسية يتنافس عليها المرشحون

وبهذا قد نسمع قريبا عن مرشح مع بناء مسجد وأخر ضده، أو عن مرشح مع بناء مدرسة إسلامية وأخر ضده، أو مرشح يسئ للإسلام وأخر ضده

نمو الإسلاموفوبيا بهذه السرعة يستدعي التدخل بكافة الوسائل لمواجهتها، وربما يكون أضعف الإيمان حاليا هو دراسة تلك الظاهرة وجذورها وعلاقاتها البينية

فنحن نعتقد أن دراسة العلاقات التي تربط بين الفاعلين الرئيسين في ظاهرة العداء للإسلام سوف يساعدنا على الأقل في فهم كيفية نمو هذه الجماعات بسرعة، وكيف تدعم بعضها بعضا، وكيف تتعاون مع نظيرتها الأوربية

أما العمل على الأرض الأميركية لمواجهة تلك الظاهرة فسوف يحتاج لمؤسسات وجهد منظم وأموال طائلة نخشى من عدم توافرها بسهولة مما قد ينذر بمستقبل أكثر تشاؤما