Monday, October 30, 2006

مهمة الديمقراطيين الصعبة في الانتخابات الأميركية الراهنة


بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 28 أكتوبر 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

يخطئ من يعتقد أن مهمة الحزب الديمقراطي في الانتخابات الفيدرالية الأميركية المقرر عقدها السابع من نوفمبر 2006 هي مهمة سهلة، فتدني شعبية الإدارة الأميركية والجمهوريين في الفترة الحالية لا تمثل في حد ذاتها ضمانة كافية لفوز الديمقراطيين بالانتخابات خاصة إذا علمنا أن التحدي الانتخابي الحقيقي الذي يواجهه الديمقراطيون حاليا هو تحدي قديم تعود جذوره لأكثر من ثلاثة عقود

تآكل قواعد الديمقراطيين الجماهيرية

تحدي الديمقراطيين الحقيقي نابع من تآكل قواعدهم الجماهيرية الانتخابية والتي كانت تعتمد تقليديا على أربع كتل انتخابية رئيسية، وهي المثقفون الليبراليون والعمال والكاثوليك والأفارقة الأمريكيين، وقد ساهمت تغيرات ديمغرافية وأخرى سياسية عديدة اجتاحت المجتمع الأمريكي منذ أوائل السبعينات في إضعاف تحالف الديمقراطيين مع كتلتين من الكتل الأربعة وهما العمال والكاثوليك

التطور التكنولوجي وانتقال أمريكا من اقتصاد التصنيع إلى اقتصاد الخدمات ثم إلى اقتصاد المعلومات أضعف من ثقل الجماعات العمالية وتحالفاتها ونقاباتها، كما شعر العمال البيض بمرور الوقت أن النخب الليبرالية الحاكمة لا تختلف كثيرا عن نظيرتها الجمهورية في نخبويتها وفي حرصها على اجتذاب الأثرياء والتعبير عن قضاياهم على حساب أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة، كما شعرت الفئات ذاتها بأن خطاب النخب السياسية الليبرالية خطاب معقد متعالي يهتم بقضايا – مثل البيئة والحقوق المدنية وحقوق الإنسان - بعيدة عن اهتمامات المواطن الأمريكي العادي

كما شعر بعض البيض من أبناء الطبقتين الفقيرة والمتوسطة بأن اهتمام الليبراليين المتزايد بالحقوق المدنية جاء على حسابهم، ودفعهم إلى تقديم تنازلات متتالية في الوقت الذي يخضعون لظروف البطالة والاقتصاد الأمريكي المتحول

وفي ظل هذه الضغوط مال مزيد من البيض من أبناء الطبقتين الفقيرة والمتوسطة لأجندة الجمهوريين المحافظة أخلاقيا واجتماعيا والتي ألقت يعبئ البطالة والمعاناة الاقتصادية على المهاجرين والأقليات وعلى المنافسة الدولية المتزايدة

أما الكاثوليك وغيرهم من النخب الليبرالية المحافظة أخلاقيا فقد قلت مساندتها التقليدية للحزب الديمقراطي تدريجيا بسبب ميل الديمقراطيين المتزايد لترويج أجندة اليسار الجديد على المستوى الأخلاقي، وهي أجندة أفرطت – من وجهة نظر الديمقراطيين المحافظين – في تحدي أخلاق المجتمعات الغربية التقليدية من خلال مساندة قضايا كحقوق الإجهاض والشواذ

الأسباب السابقة دفعت العمال والليبراليين المتدينين للابتعاد تدريجيا عن الحزب الديمقراطي ولهجرة المدن الكبرى والشمالية الشرقية حيث تتركز النخب الليبرالية بأجندتها الليبرالية والانتقال للعيش في الأرياف والمناطق النائية والجنوبية والتي مازالت محافظة على بعض الأخلاق الغربية التقليدية، وهناك وقعت تلك الفئات فريسة لمشاعر الاغتراب عن الحزب الديمقراطي ولأجندة الحزب الجمهوري والتي مالت للتدين ولرفض ثورة الحقوق المدنية وللوم المهاجرين والأجانب على المعاناة الاقتصادية المتزايدة للطبقة الأمريكية المتوسطة

وبهذا اقتصرت قواعد الديمقراطيين الانتخابية على تحالف نحيف يضم النخب الليبرالية المثقفة والأفارقة الأمريكيين وبقايا الجماعات العمالية والليبرالية المحافظة، لذا وضع الديمقراطيين أمالا متزايدة على الأقليات وإمكانية انضمامهم للحزب وتعويضه عن الناخبين البيض الذين فقدهم الخاصة خاصة وأن الديمقراطيين يشتهرون بمواقفهم المساندة للفقراء وللمهاجرين وللأقليات وأن أمريكا تفتح أبوابها سنويا حاليا لحولي 1.2 مليون مهاجر

ولكن نمو الأقليات وزيادة مشاركتهم السياسية أمر يحتاج لفترة زمنية طويلة، كما أن الحزب الجمهوري دخل بقوة مجال التنافس على اجتذاب الأقليات، وذلك لأنه يمتلك زمام وبريق السلطة حاليا ويحاول الاستفادة من هذه السلطة في ضم مزيد من القوى والجماعات إليه

نمو خيمة الجمهوريين

ومن الواضح أن الجمهوريين استفادوا من التحولات الكبرى السابقة في بناء قواعدهم الانتخابية حيث فتحوا أبوابهم أمام البيض الذين شعروا بالاغتراب عن أجندة الحزب الديمقراطي لأسباب مختلفة، كما استفادوا من الصحوة الدينية المتزايدة بالمجتمع الأميركي منذ السبعينات، والتي جاءت – في جزء منها – ردا على تطرف أجندة الليبراليين العلمانية، ورفع الجمهوريون شعارات الأخلاق التقليدية المحافظة، والخوف من الأجانب، ورفض ثورة الحقوق المدنية، كما وثق الجمهوريون تحالفاتهم الجديدة عن طريق تقوية صلاتهم بأثرياء الجنوب المعنيين بخفض الضرائب وبالنخب المثقفة المحافظة التي تميل للعزلة وللحد من نمو الحكومة الفيدرالية وبالمحافظين الجدد المعنيين بالسياسية الخارجية بالأساس

كما استفاد الجمهوريون خلال السنوات الأخيرة من زيادة اهتمام الأميركيين بقضايا الأمن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهي قضايا قوت مشاعر الأميركيين المنادية بالعزلة وغلق الباب أمام الأجانب والمحافظة على التقدم الأمريكي على بقية بلدان العالم في المجالات المختلفة بما في ذلك المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية

كما سعى الجمهوريون – بنجاح في أحيان كثيرة – لتصوير النخب الديمقراطية على أنها نخب ناعمة غير قادرة على حماية الشعب الأميركي وفرض الإرادة الأمريكية على العالم خاصة وأن الديمقراطيين – كما يصورهم الجمهوريين – يفرطون في نقد الذات والتراث الغربي والسياسات الأميركية وكأنهم باتوا مشغولين بنقد أميركا وسياستها أكثر من انشغالهم بمقاومة أعداء الولايات المتحدة

انقسام الديمقراطيين بخصوص الحل

في مواجه التحدي السابق وجد الديمقراطيون أنفسهم منذ الثمانينات أمام خيارين أولهما التوجه نحو اليمين لاجتذاب القوى الجماهيرية اليمينية متزايدة النفوذ كالمتدينين، وذلك من خلال اهتمام الديمقراطيين المتزايد بالحديث عن الدين والقيم التقليدية والأسرة وعدم الإفراط في الحديث عن قضايا الإجهاض وحقوق الشواذ والحقوق المدنية ومعارضة النزعة العسكرية الأميركية

حيث يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الديمقراطيين لن يتمكنوا من الوصول للسلطة الفيدرالية إلا إذا استطاعوا أن يجتذبوا نسب أكبر من الناخبين المتدينين ( كالناخبين الإنجليكيين الذين وصلت أعدادهم في انتخابات عام 2004 إلى 28 مليون ناخب، والناخبين الكاثوليك المتدينين الذين بلغ عددهم في الانتخابات ذاتها 9 مليون ناخب

في المقابل يرى آخرون أن تحرك الحزب الديمقراطي نحو اليمين لن يعود عليه إلا بالخسارة، فسوف يفقد الحزب طبيعته الليبرالية العلمانية، كما أن الديمقراطيين لن يتمكنوا من إرضاء الناخبين اليمينيين المتدينين في القضايا الأخلاقية وسيظهرون في النهاية بصورة المنافق والذي يسعى للتلون الكاذب من أجل أغراض سياسية انتخابية

وفي المقابل يرى هؤلاء أن الحزب الديمقراطي يحتاج لإستراتيجية جديدة تقوم على تنشيط قواعد الحزب الديمقراطي الانتخابية في الولايات وفي المدن المحلية من أجل الوصول إلى الطبقات الفقيرة والمتوسطة وتوعيتها بأجندة الديمقراطيين الحقيقية المعنية بقضايا كالاقتصاد والتعليم والصحة والضمان الاجتماعي والحريات المدينة

مشكلة التوجه الثاني هي أنه بعيد المدى ومكلف يحتاج لرؤية وقيادة جديدة ومثابرة على فترة طويلة من الزمن، وأنه قد لا يسعف الديمقراطيين في الانتخابات المقبلة أو في السنوات القليلة التالية لها

وحتى الآن لا يبدو أن الديمقراطيين قد توصلوا لحل نهائي يجمعون عليه لعلاج هذا الانقسام المحوري، فالمعروف أن الرئيس الأميركي الديمقراطي السابق بيل كلينتون هو من المؤيدين لتوجه الحزب الديمقراطي نحو اليمين والوسط من أجل اجتذاب الناخبين المعتدلين من أبناء تلك التوجهات، وقد نجحت إستراتيجية كلينتون في منحه الرئاسة الأميركية لفترتين متتاليتين في التسعينات، ولكنها لم تسعف الديمقراطيين – خلال الفترة ذاتها - في الفوز بأغلبية مقاعد الكونجرس والتي استمروا في خسارة المزيد منها منذ عام 1994

ومن المعروف أيضا أن هاورد دين رئيس اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي هو من أنصار المذهب الثاني، وأن دين – عندما رشح نفسه في انتخابات عام 2004 الرئاسية – تبنى أجندة يسارية معادية لحرب العراق بوضوح، كما رفع دين شعار أنه ينتمي "للجناح الديمقراطي من الحزب الديمقراطي" في إشارة إلى عدم مهادنته مع قوى اليمين والوسط وإلى انتماءه القوي لأجندة يسارية ليبرالية، ويقول البعض أن فشل دين في الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأمريكية السابقة كان بسبب عدم رضا قادة الحزب الديمقراطي أنفسهم عنه، حيث شعر هؤلاء بأن خطاب دين يساري متشدد، وفضلوا عليه شخص مثل السيناتور جون كيري والذي صوت لحرب العراق ولكنها عارض أسلوب الإدارة في إدارة الحرب

حيث رأت نخب الحزب الديمقراطي أن خطاب كيري أكثر اعتدالا وتوسطا، خاصة وأن كيري أكد في خطابه الانتخابي على "القيم" وأهميتها في حياته وتصرفاته السياسية، ولكن حديث كيري عن القيم لم يسعفه وفشل في الحصول على تأييد الشعب الأميركي بما في ذلك الناخبين المعنيين بقضايا القيم والأخلاق والذين فضلوا جورج دبليو بوش عليه بفارق كبير، في المقابل نجح الجمهوريين في تصوير كيري على أنه قائد متردد وأنه مجرد صدى لموقف الجمهوريين القوي بخصوص قضايا الأمن والأخلاق

خطة دين والعراق في مواجهة الكنائس وتحالفات اليمين

في فبراير 2005 انتخب الديمقراطيون هاورد دين لرئاسة اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي، ومنذ انتخابه - والذي جاء في جزء منه ردا على فشل جون كيري مرشح النخب الديمقراطية المسيطرة في انتخابات 2004 الرئاسية - عمل دين على وضع خطة إستراتيجية لتنشيط قواعد الحزب عبر مختلف الولايات الأميركية، وهي خطة ينتقدها بعض الديمقراطيين لأنها تعطي اهتماما متساويا للولايات الأميركية المختلفة، ولا تركز بشكل كافي على الدوائر الانتخابية التي يتنافس فيها الديمقراطيون مع جمهوريين ضعفاء قابلين للهزيمة، كما يرى البعض أن خطة دين إيجابية على المدى البعيد ولكنها قد لا تسعف الديمقراطيين على المدى القريب

ويخشى هؤلاء من أنه خطة دين وتفرق الديمقراطيين وعدم إتحادهم خلف قيادات مركزية - كما هو الحال لدى الجمهوريين - قد لا يساعدهم على الفوز بالأغلبية في الانتخابات المقبلة حيث ينبغي على الديمقراطيين لكي يحققوا ذلك أن يحافظوا على جميع مقاعدهم الحالية بمجلس الشيوخ والنواب مع الفوز بستة عشر مقعدا إضافيا بمجلس النواب وبستة مقاعد إضافية بمجلس الشيوخ

في المقابل يتمتع الجمهوريون بقيادة مركزية واضحة تتمثل في البيت الأبيض ومن خلفه قيادات الجمهوريين بالكونجرس، كما يتمتعون بقواعد جماهيرية قوية تتمثل في جماهير الكنائس اليمينية، كما يتمتعون بإعلام يميني قوي وبمساندة أثرياء الحزب وأقلام المحافظين الجدد وقدرتهم غير المحدودة على الجدل

ولكن الجمهوريين أضعفوا أنفسهم بسبب أخطائهم السياسية وعلى رأسها العراق، وبسبب قلة ما أنجزوه على الساحة الداخلية خلال سنوات سيطرتهم على الكونجرس بمجلسيه وعلى البيت الأبيض معا، وبسبب خطاب بعض قادتهم المتطرف والذي أخاف الأقليات والجماهير الليبرالية المعتدلة، وبسبب تفرق عدد من أكبر قادتهم من حول الرئيس وإدارته، حيث يخشى هؤلاء من أن استمرار ارتباطهم بسفينة الإدارة الأميركية المحملة بالأعباء والأخطاء سوف يضعف من موقفهم في انتخابات عام 2008 الرئاسية

أخطاء الجمهوريين ومشاكلهم العديدة دفعت البعض للقول بأن الديمقراطيين سوف يفوزون بالانتخابات المقبلة بشكل لا محالة فيه حتى ولو دخلوا الانتخابية بأجندة تقتصر ما ارتكبه الجمهوريون من أخطاء، ولكن الرؤية السابقة يعيبها إغفال حقيقية هامة وهي أن الديمقراطيين يحتاجون بشكل قاطع لقواعد انتخابية تضمن لهم هذا الفوز، وأن قواعد الديمقراطيين الانتخابية تعاني منذ فترة ليست قصيرة، وهذا يعني أن مهمة الديمقراطيين في الانتخابات المقبلة لن تكون بالسهولة التي يتصورها البعض

-----

مقالات ذات صلة

عدم المساواة والديمقراطية الأمريكية

ملامح الجيل الأميركي الحاكم

حكم أميركا: تاريخ الثروة والقوة في دولة ديمقراطية

بعيدا عن المركز: الثورة الجمهورية وتآكل الديمقراطية الأمريكية

Saturday, October 21, 2006

صعود الإسلاموفوبيا بالمجتمعات الغربية: قراءة في أهم المظاهر والأسباب
مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 12 أكتوبر 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

المراجعة السريعة لتكرار ظهور مصطلح الإسلاموفوبيا في بعض أشهر الجرائد الغربية يكشف عن الزيادة المضطرة في استخدامه خلال السنوات الخمس الأخيرة بشكل عام وفي العام الحالي بشكل خاص

استخدام وسائل الإعلام الغربية لمصطلح الإسلاموفوبيا يرتبط في العادة بعدة ظواهر مثل وقوع أو إحباط أحداث إرهابية تستهدف المجتمعات الغربية مما يثير تساؤل الغربيين حول وجود توجهات معادية للغرب وسط الأقليات المسلمة بالبلدان الغربية، وحول توجهات المجتمعات الغربية ذاتها تجاه الإسلام والمسلمين

ويرتبط ظهور المصطلح في آونة أخرى بالجدل الدائر داخل المجتمعات الغربية ذاتها حول طبيعة تلك المجتمعات وهوياتها ومواقف النخب السياسية الغربية من تلك القضايا، وما إذا كانت مشاريع النخب الغربية اليسارية المنادية بالتعددية والانفتاح الثقافي على المهاجرين والأقليات هي مشاريع مفيدة للغرب أم إنها أضرت به كما يرى أصحاب التوجهات اليمينية المنادون بالعودة إلى التراث الثقافي التقليدي للغرب
كما ارتبط استخدام المصطلح بردود أفعال العالم الإسلامي تجاه بعض الإساءات التي تعرض لها الإسلام من قبل شخصيات ومؤسسات غربية مختلفة كما حدث ردا على الرسومات الدانمركية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم في أوائل العالم الحالي وردا على تصريحات بابا الفاتيكان في حق الإسلام مؤخرا

ظاهرة الإسلاموفوبيا

شيوع مصطلح الإسلاموفوبيا هو في حقيقته انعكاس لتنامي ظاهرة يبحث لها الغرب عن تسمية، وقد يختلف البعض حول دقة المصطلح، ولكن هناك شعور متزايد بالظاهرة نفسها

ظاهرة الإسلاموفوبيا ترتبط بتنامي المشاعر السلبية تجاه الإسلام والمسلمين في المجتمعات الغربية وتشكيل هذه المشاعر أسسا لانطلاق سلوكيات غربية مجحفة بحقوق الأطراف المسلمة

ظاهرة الإسلاموفوبيا على المستوى الفكري ترتبط بنظرة اختزالية للإسلام كدين وكثقافة حيث تصور الإسلام كمجموعة محدودة وجامدة من العقائد التي تحض على العنف والرجعية والنظرة السلبية للآخر وترفض العقلانية والمنطق وحقوق الإنسان، وهي معتقدات يؤكد المصابون بالإسلاموفوبيا أنها إنعاس مباشر لرسالة الإسلام نفسها كما تظهر في القرآن الكريم وفي سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم

وينظر المصابون بالإسلاموفوبيا للمسلمين على أنهم مجموعة واحدة تؤمن بتشدد بالفهم الاختزالي السابق للإسلام، ومنخرطون في حركة سياسية عالمية لفرض هذه الرؤية على الآخرين في حرب حضارية لا تتوقف

وانطلاقا من الرؤى السابقة يرى المصابون بالإسلاموفوبيا أن العداء للإسلام والمسلمين والتحيز ضدهم أمر طبيعي ورد فعل تلقائي على طبيعة المسلمين الشريرة، لذا يساندون التمييز ضد المسلمين وحشد قوى الغرب في حرب ضد الإسلام وأتباعه

وبالطبع تمثل المعتقدات السابقة أساسا لتصرفات تمييزية ضد المسلمين، وقد تأخذ هذه التصرفات صورة المطالبة بسياسات تحد من حقوق وحريات مسلمي الغرب المدنية، أو تخضعهم لمراقبة متزايدة من قبل السلطات الأمنية، وقد تأخذ صورة انتشار لمشاعر سلبية تجاه المسلمين داخل المجتمعات الغربية كرفض العيش بجوار جيران مسلمين ورفض بناء المساجد والمؤسسات المسلمة، وقد تنفجر أحيانا في صورة أحداث عنف وتمييز وجرائم كراهية ضد المسلمين، وهي أحداث توثقها بعض المنظمات المسلمة ومنظمات الحقوق المدنية الغربية

قراءات مختلفة لأسباب الصعود

هناك قراءات مختلفة لأسباب صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا خلال الآونة الأخيرة، فهناك قراءة ثقافية ترى أن صعود الإسلاموفوبيا هو انعكاس لمشاعر سلبية عميقة مدفونة في وعي المواطن الغربي ضد الإسلام والمسلمين، وتعبير عن تحيز تاريخي وثقافي ضد الإسلام كدين وضد المسلمين حضارة

هناك قراءة ثانية ترى أن ظاهرة الإسلاموفوبيا هي نتاج لبعض الأحداث الدولية التي أثرت بقوة على العلاقات بين العالم الإسلامي والمجتمعات الغربية خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأس هذه الأحداث هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 الإرهابية وما تبعها من هجمات إرهابية - رفع مرتكبوها شعارات إسلامية – ضربت مجتمعات غربية مختلفة مثل أسبانيا وبريطانيا

هذا إضافة إلى بعض المشكلات الثقافية الدولية التي أثرت سلبا على العلاقات الإسلامية – الغربية مثل أزمة الرسوم الدانمركية، وأزمة تصريحات البابا بنديكت السادس عشر، وأزمة الحجاب بفرنسا، وتصريحات بعض القيادات الغربية الدينية والسياسية المسيئة للمسلمين

القراءة الثالثة – وليست الأخيرة – المطروحة في هذا المجال هي قراءة سياسية اقتصادية ترى أن صعود الإسلاموفوبيا خلال السنوات الأخيرة هو انعكاس لبعض التغيرات المجتمعية الكبرى التي لحقت بالمجتمعات الغربية والإسلامية خلال العقود الأخيرة، وعلى رأس هذه التحولات تراجع قوى اليسار الغربي التقليدية والتي سادت خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وصعود وقوى اليمين الثقافي والديني في الغرب والعالم الإسلامي خلال الفترة ذاتها

يعيب القراءة الثقافية لظاهرة الإسلاموفوبيا طبيعتها القدرية، والتي تكاد تفترض أن الخلاف الثقافي بين المسلمين وأبناء المجتمعات الغربي هو خلاف حتمي، وتكاد تعفي المسلمين من مسئولية فهم المجتمعات الغربية وتفاصيل ما يدور بهذه المجتمعات وسبل توعيتها بصورة الإسلام الصحيحة خاصة في ظل تنامي أعداد المسلمين بالدول الغربية، وانفتاح أعداد متزايدة من أبناء تلك المجتمعات على فهم الإسلام والمسلمين، وتنامي قوى العولمة والاتصالات بما يسهل عملية التواصل مع الآخر وتوعيته

ويعيب القراءة الثانية أنها قد تقتصر على الأحداث المادية وتصورها منزوعة عن سياقها وكأنها ولدت لحظيا وليست نتاجا لتراكمات حدثت عبر عقود

لذا تمثل القراءة الثالثة أسلوبا أكثر ديناميكية لفهم أسباب صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا في المجتمعات الغربية خلال العقود الأربعة الأخيرة، وهي قراءة ترى أن للمسلمين والعرب دورا يمكن أن يلعبوه للتأثير على مسار تلك الظاهرة الخطيرة

نحو قراءة ديناميكية للظاهرة

القراءة الثالثة لأسباب صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا تعود بنا إلى أوائل النصف الثاني من القرن العشرين وهي فترة وصلت فيها التيارات اليسارية إلى قمة سيطرتها على المجتمعات الغربية وراحت تنشر أجندتها الناقدة للتراث الغربي التقليدي باعتباره تراثا منغلقا على الذات، وراحت في المقابل تطالب بالانفتاح على الأخر الديني والعرقي والوطني من خلال أفكار وبرامج سياسية ترحب بهذا الأخر في المجتمعات الغربية ذاتها وتضمن له حقوقا ومزايا مختلفة

السيطرة الثقافية لليسار الغربي كانت انعكاسا للسيطرة السياسية لشرائح يسارية بات ينظر لها اليوم على أنها قوى تقليدية متراجعة النفوذ، وعلى رأس تلك القوى الحركات العمالية والمؤسسات النقابية والسياسية المعبرة عنها، هذا إضافة إلى طبيعة السياسات الدولية خلال تلك المرحلة ووجود الإتحاد السوفيتي كدولة عظمى تمثل التيار اليساري وتنشر أفكاره وسياساته عبر العالم بما في ذلك العديد من بلدان العالم الثالث

سيطرة اليسار داخل المجتمعات الغربية وعلى المستوى الدولي والتي تبلورت بنهاية الحرب العالمية الأولى ووصلت إلى قمتها في ستينات القرن العشرين لم تدم طويلا، فمنذ بداية السبعينات شهدت المجتمعات الغربية والساحة الدولية العديد من المتغيرات الكبرى التي أضعفت اليسار وبرامجه

فعلى المستوى الاقتصادي بدأت المجتمعات الغربية في التحول من الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد الخدمات ثم إلى اقتصاد المعلومات كما زاد التنافس الاقتصادي الدولي بين الدول الغربية بعضها بعضا من ناحية، وبين الدول الغربية وبعض القوى الدولية الصاعدة - كبعض بلدان آسيا - من ناحية أخرى

تغير أنماط الإنتاج وزيادة مستوى المنافسة الدولية أثر على المجتمعات الغربية من الداخل حيث أفقد اليسار الغربي تدريجيا الثقل السياسي للعمال كشريحة انتخابية وفكرية، كما عمق من بعض المشكلات الاقتصادية التي ضربت تلك المجتمعات كالبطالة وركود الحراك الاجتماعي وتراجع حجم الطبقة الوسطى

في المقابل تحركت الأحزاب اليمينية الغربية لتحدي قوي اليسار على مستويين، أولهما مخاطبة مخاوف الفئات التي تأثرت سلبيا بالتغيرات الاقتصادية السابقة، وثانيهما نقد أجندة اليسار الناقدة للتراث الغربي التقليدي وتصوير هذه الأجندة على أنها علامة على عدم ولاء اليسار الغربي لمجتمعاته، وعلى تسامح اليسار مع الأقليات والأجانب الذين سرقوا من الغربيين وظائفهم

في المقابل شهدت الساحة الدولية تغيرات كبرى ساهمت في تراجع اليسار الغربي، وعلى رأس هذه التحولات سقوط الإتحاد السوفيتي وفشله كنموذج سياسي واقتصادي، وتعرض القوى اليسارية عبر العالم لتحديات اقتصادية وسياسية مختلفة ومن بينها هزيمة قوى اليسار بالشرق الأوسط مما ساعد بدوره في صعود قوى اليمين بالمنطقة

في ظل هذه البيئة وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتي رأتها بعض قوى اليمين الغربية المتطرفة كفرصة لترويج نظرية طرحتها منذ سقوط الإتحاد السوفيتي ترى أن الغرب في حاجة لعدو جديد يتوحد ضده، وأن الإسلام مرشح للعب هذا الدور أكثر من أي وقت مضى خاصة وأن الإسلام دين أجنبي وأن للمسلمين وجود متنامي بالمجتمعات الغربية مما يجعلهم هدفا سهلا للعنصرية الجديدة

دور اليمين الإسلامي

القراءة السابقة لأسباب صعود وانتشار الإسلاموفوبيا بالمجتمعات الغربية مؤخرا ترى أن للمسلمين دورا يمكن أن يلعبوه في مواجهة تلك الظاهرة، وعلى رأس هذا الدور التحالف – على المدى البعيد - مع قوى اليسار الغربي لإحياء الأجندة اليسارية القائمة على نشر قيم العدالة الاجتماعية واحترام حقوق الآخرين والأقليات

ويكون ذلك عن طريق فهم طبيعة هذه الأجندة وما تعنيه على المستويات المتخلفة والتوفيق الإيجابي غير التلفيقي بين عناصر تلك الأجندة والفكر الإسلامي على مختلف المستويات بما في ذلك المستويات الفكرية والأخلاقية، والواضح هنا أن قوى اليمين الإسلامية هي أقرب من قوى اليسار الغربية في أجندتها السياسية والاقتصادية مقارنة بقوي اليمين، وأن هناك بعض الخلافات الثقافية المتعلقة بقضايا الأسرة والعلاقات الاجتماعية التي تشكل نقاط تعارض بين اليمين الإسلامي واليسار الغربي، وأن علاج هذا التعارض يتطلب مزيد من الفهم من قبل الجانبين

أما على المديين القريب والمتوسط فيمكن للعالم الإسلامي لعب دورا في مكافحة الإسلاموفوبيا على مستويين أساسيين، أولهما تبني بعض البرامج العلمية المنظمة لتوعية المواطن الغربي على نطاق واسع ومدى طويل نسبيا بصورة الإسلام والمسلمين الصحيحة، والواضح هنا أن العالم الإسلامي مازال يفتقر بوضوح لتلك البرامج بعد مرور خمس سنوات على أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001

المهمة الثانية هو التعاون مع الأقليات المسلمة بالدول الغربية في تأهيل وتدريب أكبر عدد من السفراء المدنيين القادرين على تقديم صورة الإسلام الصحيحة للمواطن الغربي بشكل يومي ومحلي ومؤسسي منظم، فبدون عدد كافي من هؤلاء السفراء وبدون اضطلاعهم بدورهم المنتظر في التواصل مع نظرائهم الغربيين على أرض المجتمعات الغربية ذاتها تكاد تكون مواجهة الإسلاموفوبيا أمرا بعيد المنال إن لم يكن مستحيلا

-----

مقالات ذات صلة

الإستشراق الأسود: الأصول والإشكاليات

النخب الغربية وإعاقة اندماج مسلمي الغرب

صورة الإسلام في أميركا بعد خمس سنوات على 11/9

مسلمو وعرب أميركا بين تبعات 11/9 والثورة اليمينية المضادة

سبل مكافحة الإسلاموفوبيا في البيئة الأمريكية

Tuesday, October 17, 2006

حالة إنكار
عرض بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، 15 أكتوبر 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص العرض

عرض كتاب "حالة إنكار: بوش في حرب: الجزء الثالث" للصحفي الأمريكي الشهير بوب ودوارد الصادر في أواخر شهر سبتمبر الماضي مهمة بالغة الصعوبة لعدة أسباب على رأسها كون الكتاب يتكون من قرابة 500 صفحة من القطع الكبير، ونظرا للشهرة الكبيرة التي حصل عليها الكتاب منذ صدوره، ولطبيعة منهج الكتاب والتي تعتمد على إجراء عدد كبير من المقابلات الصحفية مع بعض أهم المسئولين عن صناعة القرار بالولايات المتحدة، ومحاولة كتابة سيناريو يحكي موقف هؤلاء المسئولين من أهم القرارات التي اتخذتها إدارة الرئيس جورج دبليو بوش بخصوص إدارة حرب العراق وخاصة في الفترة التالية لسقوط النظام العراقي، وهي الفترة التي يركز عليها الجزء الأكبر من الكتاب

الأسباب السابقة مجتمعة قد تدفع القارئ لمحاولة الخروج باستنتاجات متسرعة عن محتوى الكتاب قبل الانتهاء من قراءته أو على الأقل من قراءة غالبيته فصوله، والتي يبلغ عددها 45 فصلا، خاصة ومع زيادة الطلب على الكتاب وعرضه من دوائر الإعلام والسياسة الأمريكية والدولية، وقد تحرم هذه القراءة المتسرعة الباحث أو القارئ من الوقوف على أهم مضامين الكتاب ومزاياه وكذلك عيوبه

هدف الكتاب

يغطي الكتاب مساحة واسعة من الزمن تمتد من أواخر عام 1997 حين بدأ جورج دبليو بوش في التفكير في ترشيح نفسه لرئاسة الولايات المتحدة، وتصل إلى يونيو 2006 وقد دخلت إدارة الرئيس جورج بوش دوامة أخطاء حرب العراق حيث بدا لها أن إستراتيجيتها تجاه العراق مليئة بالعيوب والأخطاء ومع ذلك يصر كبار مسئوليها على عدم الاعتراف بتلك الأخطاء منخرطين في "حالة إنكار" غير منطقية انطلاقا من أهداف دعائية سياسية، ومن هنا جاء عنوان الكتاب

والملاحظ هنا أن الكتاب لا يغطي الفترة السابقة الطويلة على قدر متساوي، فهدف الكتاب الأساسي هو تسليط الضوء على الطريقة التي تم بها التخطيط لإدارة عراق ما بعد صدام حسين مع العودة للخلف بشكل كافي لمحاولة تسليط الضوء على جذور الأسباب التي منعت أمريكا من التخطيط السليم، لذلك يمر الكتاب بشكل خاطف على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وعلى حرب أفغانستان، وعلى قرار شن الحرب والتخطيط لشن العمليات العسكرية، فهدف الكتاب الرئيسي هو دراسة كيف فكرت الإدارة في مستقبل العراق بعض سقوط صدام حسين، وفي كيفية إدارة العراق، وفي مستقبل الوجود الأميركي هناك، وفي طبيعة عراق ما بعد صدام

داء اسمه رامسفيلد

الكتاب مليء بكم هائل من التصريحات والأحاديث التي دارت بين عشرات المسئولين الأميركيين حول عراق ما بعد صدام حسين والتخطيط الأمريكي لتلك الفترة بما في ذلك أحاديث دارت بين أكبر المسئولين الأميركيين على الإطلاق، حيث أجرى مؤلف الكتاب بوب ودوارد لقاءات مباشرة مع بعض هؤلاء المسئولين وعلى رأسهم وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، ومع آندرو كارد والذي عمل ككبير موظفي البيت الأبيض خلال إدارة بوش الأولى وفي جزء من إدارة بوش الثانية، وجاي جارنر وهو أول مسئول أمريكي عن إعادة بناء عراق ما بعد صدام

وسط كل هذه الأحاديث والتفاصيل يحاول ودورد رسم صورة دقيقة بقدر المكان لأصل الداء دون تسميته مباشرة كما تفعل كتب التحليلات السياسية، حيث يسترسل بوب ودورد في التفاصيل والمقابلات والأحداث والتي تقدر بالمئات تاركا الخلاصة للقارئ

وفي أحيان كثيرة يشعر القارئ أن الداء الذي أصاب السياسة الأميركية تجاه عراق ما بعد صدام هو داء واحد واضح اسمه "دونالد رامسفيلد"، والذي يخصه ودوارد بالجانب الأكبر من النقد والأخطاء وكأنه يمثل الحجرة العثرة الرئيسية في طريق أمريكا بالعراق

فمنذ فصول الكتاب الأولى يوضح ودوارد للقارئ أن رامسفيلد عندما تولي مهمة وزير الدفاع رفض الدور السياسي المتزايد الذي يلعبه قادة الجيش، وخاصة رئيس الأركان المشتركة للجيش الأميركي، حيث حاول رامسفيلد الحد من سلطة قادة الجيش وعلى قدرتهم على احتكار المعلومات بعيدا عنه، وعلى قدرتهم على التواصل مع الرئيس ومجلس الأمن القومي دون المرور عبره، حيث يصور ودوارد رامسفيلد كعجوز عنيد يتدخل في كل شيء، ويريد أن يمتلك السلطة المطلقة في كل ما يتعلق بأمور الجيش والعمليات العسكرية الأميركية، ويرفض سلطة الكونجرس والخارجية الأميركية ومجلس الأمن القومي

لذا اختار رامسفيلد رئيس أركان قابل للسيطرة عليه، وهو ريتشارد مايرز، ورفض تعيين رئيس أركان أخر كفئ لأنه أصر على استقلاليته، وعندما بدأت أمريكا في التخطيط لشن الحرب على العراق أصر رامسفيلد أن يكون التخطيط للعمليات العسكرية ولفترة ما بعد سقوط النظام تحت مسئولية وزارة الدفاع، ورفض إشراك أي وزارة أخرى بما في ذلك وزارة الخارجية حتى أنها أصر أحيانا على عدم الاستعانة بخبراء من تلك الوزارات، وأصر على فصل بعض أفضل الخبراء في الفريق الذي جمعه جاي جارنر - والذي كان أول من أوكل إليهم رامسفيلد مهمة التخطيط لعراق ما بعد صدام - لأنهم كانوا من وزارة الخارجية

كما يقول ودوارد أن رامسفيلد لم يكن لديه وقت ليمنحه لجاي جارنر للتخطيط لفترة ما بعد صدام لأن رامسفيلد كان مشغولا بالتخطيط للعمليات العسكرية مع الجنرال تومي فرانكس، ومع ذلك أصر رامسفيلد على أن يكون مسئولا مسئولية مباشرة عن جارنر، ورفض أن يكون فرانكس مسئولا عن جارنر أو العكس، فرامسفيلد - كما يصوره الكتاب - رجلا يريد أن يمتلك جميع الخيوط في يديه

وعندما بدا لرامسفيلد أن جارنر يعارضه ويحاول التفكير بقدر من الاستقلالية في أوضاع العراق لم يتردد رامسفيلد في فصله، وسعى لإرسال مبعوث ثاني وهو جيري برايمر، وعندما عارض برايمر رامسفيلد وثبتت عدم كفاءته انقلب عليه رامسفيلد، وبهذا دخلت أمريكا العراق بدون تخطيط كافي لفترة ما بعد الحرب، واستمرت مشكلات العراق تتفاقم بدون حلول في ظل انشغال رامسفيلد وإصراره على هدف واحد وهو سرعة سحب القوات وتقليل وجودهم في العراق بأي ثمن

المشكلة أكبر من رامسفيلد

التدقيق في مضمون الكتاب وقراءة أكبر عدد من فصوله تعطي انطباعا بأن المشكلة أكبر بكثير من رامسفيلد، حيث يرسم ودورد على صفحات متفرقة من كتابه صورة متكررة ومقلقة لأسلوب صنع القرار بإدارة جورج دبليو بوش، فهو يصور بوش بشكل منتظم على أنه رئيس لا يمتلك الخبرة الكافية، ويفوض صلاحيات كبيرة لوزرائه، حيث يشير ودوارد بشكل متكرر إلى أن المسئولين عن عراق ما بعد صدام - مثل جاي جارنر - صدموا عندما التقوا بوش لأنه ببساطه لم يسألهم عن شيء، فهو في العادة يستمع لهم ويبتسم ويساندهم ويسألهم أسئلة شخصية بسيطة لا تمت لموضوع النقاش بصلة، ثم يمضي دون أن يسألهم في التفاصيل الحقيقة أو يشجعهم على الحديث في القضايا الهامة المثيرة للجدل

كما يتحدث ودورد عن سلوك غريب يشبه سلوك الطاعة أأأو الخوف أو الولاء أو الهيبة في مجلس الرئيس، والذي ينتاب كثير من مساعدي بوش عند الحديث معه ويمنعهم من مناقشة القضايا الكبرى والخلافية، وهو سلوك يشعر القارئ بأن ثقافة النظام السياسي في أمريكا لا تشجع النقاش الحر كما هو مفترض، فعندما أنهى رامسفيلد وتشيني خدمة جاي جارنر، وعاد الأخير إلى واشنطن، وطلب بوش اللقاء معه، لم يخبر جارنر بوش إلا بكل ما هو جميل عن العراق على الرغم من معرفة جارنر بالعكس

كما أن كولن باول وزير الخارجية القوي ذهب إلى الأمم المتحدة لإقناع العالم بوجود أسلحة دمار شامل بالعراق بناء على استخبارات ضعيفة جدا، وجورج تاننت - مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية - كان على علم بمبالغة بوش وتشيني في استخدام قضية أسلحة الدمار الشامل لتبرير الحرب على العراق وفكر في الاستقالة، ولكنه تراجع خوفا من أن يوصف بأنه تخلى عن المسئولية وبلده على أبواب الحرب

ودائما ما تسمع كبار المسئولين في الإدارة - بما في ذلك دونالد رامسفيلد نفسه - يقولون أن "القرار قادم من أعلى"، وأنهم لا يستطيعون تغيير القرار حتى مع شعورهم بأنه قرار غير سليم، فصناعة القرار هي نهاية النقاش والنقاش محدود، والهدف هو تنفيذ القرار حتى لو كان غير صحيحا، وعندما تحدث الأخطاء وهي عديدة يجب التكتم عليها، أما أكبر المتكتمين على الأخطاء فهو الرئيس بوش نفسه، والذي يصر على التفاؤل والحديث الإيجابي دائما حتى أمام كبار مساعديه، وكأنه يدير حملة انتخابية طوال الوقت

الحلقة المتبقية والهامة في دائرة صنع القرار بإدارة بوش تخص نائب الرئيس ديك تشيني، والذي يشارك صامتا في اجتماعات بوش الهامة، فلا يسأل ولا يشارك ما دام بوش يتحدث، وفي العادة ما يتحدث بوش عن أشياء سطحية، وبعد الاجتماع يستدعي تشيني الخبراء ويسألهم الأسئلة الدقيقة والصعبة التي كان من المفترض أن يسألها بوش، ويطلب منهم أن يساعدوه على البرهنة على نظريات عديدة يؤمن بها بناء على مصادر غير معروفة مثل نظرية أن صدام على علاقة بالقاعدة، وأن صدام هرب أسلحة الدمار الشامل خارج العراق

أما كونداليزا رايس فيصفها ودوارد بقدر كبير من العقلانية وعدم القدرة على التأثير في نفس الوقت، فهي تبدو في اجتماعات إدارة بوش الأولى بلا حول ولا قوة، فالرئيس لا يسأل الأسئلة الصعبة، ومجلس الرئيس مشحون بالتوتر والصراع بين مصارعين سياسيين أقوياء على وزن باول من ناحية وتحالف تشيني رامسفيلد من ناحية أخرى

ما سكت عنه ودوارد

عيوب كتاب "حالة إنكار: بوش في حرب: الجزء الثالث" لا تتعلق بمحتواه بقدر ما تتعلق بما سكت عنه، حيث يدور الكتاب في غالبيته العظمى حول تصريحات كبار مسئولي إدارة بوش وهم بالعشرات وخلفيات هؤلاء، ولكن الخلفيات التي يذكرها ودورد عادة ما تكون مختصرة، كما أن التصريحات لا تشرح الأسباب البعيدة للسياسات، فهي تشعرك بأنها أخطاء قادمة من أعلى (رامسفيلد ومساعدة دوجلاس فايث وتشيني ومساعدة سكوتر ليبي)، ولكنها لا تذكر لك لماذا يفكر هؤلاء بهذه الطريقة؟ وما هي انتماءاتهم الأيدلوجية؟ وما هي طبيعة علاقاتهم مع جماعات شغلت الرأي العام الأمريكي والدولي بسبب تأثيرها الكبير المزعوم على إدارة الرئيس بوش مثل المحافظين الجدد والإنجليكيين ولوبي إسرائيل وشركات النفط والشركات الأمريكية الكبرى

صمت ودوارد شبه التام عن أدوار تلك الجماعات يشعرك أحيانا بأنه يصور الإدارة الأمريكية والمسئولين فيها كعرائس بمسرح وجد من عدم وقائم في فراغ، والغريب هنا أن أكبر دور يمنحه ودوارد في هذه المسرحية لشخصية لا تنتمي لإدارة بوش كان من نصيب السفير السعودي السابق لدى واشنطن الأمير بندر بن سلطان، حيث يعود ودوارد بشكل متكرر لعلاقة بندر القوية بإدارة بوش بشكل مثير للتساؤل في ظل صمت ودوارد شبه التام عن علاقة إدارة بوش بشخصيات دولية وأمريكية أخرى عديدة

-----

مقالات ذات صلة

Saturday, October 14, 2006

الإستشراق الأسود: الأصول والإشكاليات


مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
جريدة الحياة، 14 أكتوبر 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

ارتبط الإستشراق في ذهن القارئ العربي بالعنصرية الأوربية والغربية البيضاء ومساعيها لتبرير سيطرتها على الشرق من خلال وضعه في قوالب فكرية تضفي العقلانية على هذه السيطرة وتصور الطرف الشرقي على أن طرف يستحق السيطرة عليه ويبحث عنها ويرحب بها

في المقابل تتناول هذه المقالة نوعا مختلفا من الإستشراق - يندر الحديث عنه في الأوساط الأكاديمية العربية أو الغربية - وهو الإستشراق القادم من بعض فئات الأفارقة الأمريكيين بالولايات المتحدة الأمريكية، والمعروف اصطلاحا باسم "الاستشراق الأسود" لتمييزه عن الإستشراق السائد والنابع من الحضارة الغربية البيضاء

هناك علامات استفهام عديدة ومثيرة ترتبط بهذه الفئة من الإستشراق خاصة لكون "الإستشراق الأسود" صادر عن أبناء مجموعة بشرية (الأفارقة الأمريكيين) عانت تاريخيا من الاضطهاد والعبودية على أيدي مناصري المستشرقين البيض، كما يحضرنا سؤال أخر يتعلق بأسباب صعود هذه الظاهرة في الفترة الحالية؟ والأسباب التي دفعت بعض الأقلام الأفريقية الأمريكية للانضمام إلى الحملة المضادة للإسلام والمسلمين في الوقت الراهن، ومغزى هذا كله

ميلاد الإستشراق الأسود

على مزروعي أستاذ الدراسات الأفريقية ذو الشهرة الدولية والمقيم حاليا بالولايات المتحدة استخدم مصطلح "الإستشراق الأسود" في مقال نشر له في ربيع عام 2000 بدورية تعرف باسم الأستاذ الأسود The Black Scholar في حديثه عن سلسلة حلقات تلفزيونية تسجيلية عن إفريقيا للأكاديمي الأفريقي الأمريكي المعروف هنري لويس جاتس جونيور أستاذ الدراسات الأفريقية الأمريكية بجامعة هارفرد وهي أكبر الجامعات الأمريكية على الإطلاق

مزروعي رأي أن حلقات جايتس والتي صدرت بعنوان "عجائب العالم الأفريقي" تضمنت مغالطات فكرية عديدة ولوم غير مبرر للعرب وللأفارقة على حساب التساهل مع أطراف أخرى بما في ذلك الدول الغربية والولايات المتحدة ودور هذه الأطراف في الصعوبات التي تواجهها الشعوب الأفريقية بصفة عامة والأفارقة الأمريكيين بصفة خاصة في الوقت الحالي

حيث رأي مزروعي أن حلقات جايتس تميزت بالانتقائية، وامتلأت بغلطات في الترجمة، وبالغت في تصوير دور العرب والأفارقة في تجارة العبيد ومحاولة إعفاء الغرب من مسئوليته بهذا الخصوص، كما أقحمت إسرائيل بشكل غير مفهوم في السلسلة الوثائقية، كما نظرت نظرة سطحية عامة للشعوب الأفريقية تصورها على أنها شعوب شريرة باعت أبنائها في المهجر (الأفريقيين الأمريكيين)

كل هذه الملاحظات دفعت مزروعي إلى التساؤل حول ما إذا كانت سلسلة جايتس التلفزيونية هي بمثابة لحظة "ميلاد الاستشراق الأسود

وما يجعلنا نفتح هذه القضية مرة أخرى وبعد مرور ست سنوات على صدور مقال علي مزروعي هو محتوى كتاب "الإسلام والأمريكي الأسود: نظرة نحو الإحياء الثالث" لأستاذ الدراسات العربية والإسلامية بجامعة مشيجان شرمان جاكسون والمشهور في الأوساط المسلمة الأمريكية باسم "عبد الحكيم جاكسون

الكتاب المعني بصفة عامة بحاضر ومستقبل الإسلام في الولايات المتحدة ودور الأفارقة أو السود الأمريكيين – كما يسميهم جاكسون – بهذا الخصوص خصص فصلا كاملا – وهو الفصل الثالث – للحديث عن خطر الإستشراق الأسود في مساهمة علمية متميزة لعلها تكون بداية للدراسة الجادة لظاهرة الإستشراق الأسود، دفعتنا لكتابة هذا المقال

هدفه وأسباب ظهوره

يقول شرمان جاكسون أن "الاستشراق الأسود يسعى إلى تصوير العالم العربي/ الإسلامي على أنه سابق ومقلد للغرب في تاريخ اللاحق (الغرب) المعادي للسواد"

بمعني أخر يسعى الإستشراق الأسود لتصوير الإسلام والمجتمعات المسلمة والعربية على أنهم معادون للسود عداءا سابقا على عداء العنصرية البيضاء للسود، كما يرى مناصرو هذا الاتجاه أن الإسلام والمسلمين في أمريكا – خاصة الأفارقة الأمريكيين المسلمين – هم ورثة لهذا العداء الإسلامي الدفين (المفترض من قبلهم) ضد السود، وبهذا يقطع هؤلاء الطريق على انتشار الإسلام في أمريكا بصفة عامة وفي أوساط الأفارقة الأمريكيين بصفة خاصة

وفي محاولة لتفسير أسباب نشأة وصعود الإستشراق الأسود، يشير جاكسون إلى ثلاثة أسباب، أولها ديني يرتبط بانتشار الإسلام في أمريكا والذي ينظر إليه من قبل بعض الجماعات الدينية الأفريقية الأمريكية غير المسلمة على أن مكسب للإسلام وخسارة لها

السبب الثاني ثقافي يرتبط بالصراع بين الأفارقة الأمريكيين المسلمين وغير المسلمين على إصلاح وتطوير الثقافة الأفريقية الأمريكية، وقدرة الأفارقة الأمريكيين المسلمين على إدخال مفاهيم ثقافية جديدة على الثقافة الأفريقية الأمريكية بشكل يقلق منافسيهم

السبب الثالث هو انتشار شعور في أوساط الأفارقة الأمريكيين بأن الإسلام الأمريكي لم يخاطب قضاياهم بدرجة كبيرة وذلك نتيجة لعدم توجيه المسلمين الأمريكيين – وخاصة المهاجرين منهم – لقدر كافي من الاهتمام بقضايا الأفارقة الأمريكيين، وخاصة قضايا مكافحة العنصرية وتنمية المجتمعات الأفريقية الأمريكية المحلية وعلاج مشاكلها، هذا إضافة إلى عدم تمكين الأفارقة الأمريكيين المسلمين من البروز كسلطات دينية ذات نفوذ واسع في أوساط المسلمين الأمريكيين مما زاد الشعور في أوساط الأفارقة الأمريكيين بصفة عامة بأن الإسلام الأمريكي لا يخاطب قضاياهم

وهنا يتبني شرمان جاكسون نظرة متميزة لأسباب صعود الإستشراق الأسود حيث يرى أن المسلمين أنفسهم ساهموا في صعوده بعدم تركيزهم بشكل كافي على مخاطبة قضايا الأفارقة الأمريكية، وذلك بالطبع دون أن يعفي المستشرقين الأفارقة الأمريكيين من مسئوليتهم في صعود ظاهرة "الاستشراق الأسود" الثقافية السلبية الخطيرة

كما يؤكد شرمان جاكسون على طبيعة الإستشراق الأسود السلبية وكيف أنه لا يرتبط بمشروع استعمار كالمشروع الذي ارتبط به الإستشراق الغربي التاريخي، كما يشير إلى أن الاستشراق الغربي ساعد على ظهور الاستشراق الأسود لأنه مهد أمامه البيئة الفكرية المناسبة والتي ساعدت على تصوير الإسلام والمسلمين والعرب بصورة سلبية بالمجتمع الأمريكي

ولكنه يقول أن الأفارقة الأمريكيين كانوا ينظرون تاريخيا نظرة إيجابية للمسلمين والعرب بحكم أن بلاد الشرق عانت من الاستعمار كما عاني الأفارقة الأمريكيين من العبودية، ولكن هذه النظرة الإيجابية بدأت تتراجع منذ منتصف عقد الستينات والذي شهد زيادة معدلات هجرة المسلمين والعرب إلى الولايات المتحدة، حيث بدأ بعض الأفارقة الأمريكيين في تصوير المسلمين والعرب على أنهم شركاء مع الغرب في نظام العبودية بهدف تحدي انتشار أفكار المسلمين السود في الأوساط الأفريقية الأمريكية

تعريفه ومصادره/ أنواعه

يقول شرمان جاكسون إن نقد المسلمين نقدا موضوعيا ليس عيبا أو أمرا ممنوعا، ولكن مشكلة الإستشراق تكمن في أنه "تخيل، وتحيز، وإيديولوجية" ضد الإسلام والمسلمين، إذ يتعامل الإستشراق الأسود مع الإسلام والحضارة الإسلامية تعاملا انتقائيا يهدف إلى تصوير الإسلام على أنه "خطر مساوي إن لم يكن أكبر" من العنصرية البيضاء، وذلك من خلال تقديم قراءة غير موضوعية للإسلام وللحضارة الإسلامية تدعي بأن الحضارة الإسلامية سبقت الحضارة الغربية في استعباد الأفارقة، بل أن الإسلام هو الذي قام بتصدير العنصرية ضد السود إلى الغرب

ويقسم جاكسون مصادر أو أنواع الإستشراق الأسود إلى ثلاثة فئات (قومي، وأكاديمي، وديني)

بالنسبة للإستشراق القومي، يقول جاكسون أنه يرتبط بالحركات الوطنية الأفريقية المنتشرة في أوساط الأفارقة الأمريكية وهي حركات فكرية تتسم بتمركزها حول الذات الأفريقية وبمحاولتها النظر للعالم بعيون أفريقية ونقد السود المتأثرين بالثقافة الغربية

ويقول جاكسون أن بعض كتابات هذا التيار كما تمثلها كتابات موليفي كينتي أسانتي تدعي أن الروح الأفريقية تعارض الإسلام بطبيعتها، وأن العرب هم سبب انهيار الحضارة الأفريقية، كما تدعي أن العرب سيطروا على الإسلام بشكل عنصري وأن الإسلام يتساوى مع العنصرية البيضاء

ويقول جاكسون أن الأفكار السابقة تتجاهل كون العربية هوية مفتوحة لاعتمادها على اللسان في مقابل الهوية الغربية وهي هوية مغلقة قائمة على العرق، كما أنها تتجاهل أن الخضوع للإسلام خضوع إرادي تطوعي في مقابل الخضوع للعنصرية البيضاء القسري، كما تتجاهل سيطرة أعراق غير عربية على الإسلام وعلى رأسها الأتراك، وتتجاهل حفاظ العرب على الحضارة الأفريقية كما هو الحال بمصر

النوع الثاني هو الإستشراق الأكاديمي، ويمثله كما يرى جاكسون الأكاديمي هنري لويس جايتس جونيور، كما ظهر في سلسلة الحلقات التلفزيونية التي أنتجها بعنوان "عجائب عالم إفريقيا" والتي أشرنا إلى نقد على مزروعي لها في بداية المقال

ويقول جاكسون أن جايتس يسعى في حلقاته إلى إعادة صياغة صورة إفريقيا لدى الأفارقة الأمريكيين، إذ يدعي أن العرب هدموا حضارة النوبة عند بناء جمال عبد الناصر للسد العالي، كما يهاجم جيتس الأفارقة المسلمين لأنهم لا يقدمون هويتهم الأفريقية على هويتهم المسلمة، حيث يرى جيتس أنه الواجب على الأفارقة تقديم هويتهم العرقية على هوياتهم الأخرى (كالهويات الدينية والوطنية)، وهنا يستغرب جاكسون من عدم تعرض جيتس لعلاقة الأديان الأخرى بالاستعمار والإستشراق الأبيض

النوع الثالث ديني يحاول تصوير العنصرية على أنها مشكلة مسلمة أفريقية قبل أن تكون مسلمة أو مسيحية أمريكية مدعيا أن العنصرية وجدت وسط المسلمين الأفارقة أولا، ويضرب جاكسون مثالا بكتابات ريتشارد برنت تيرنر، ويقول أن تيرنر يحاول تصوير الإسلام على أنه تهديد للعلاقة بين الأعراق في أمريكا، كما يتجاهل مشكلة العنصرية في أمريكا وينظر للإسلام على أنه هو المشكلة، وبذلك يتجاهل تيرنر – كما يرى جاكسون – دور الإسلام الإيجابي في دعم المقاومة الأفريقية للعنصرية البيضاء في أمريكا

الخاتمة

ختاما يجب التأكيد على هدف هذا المقال الرامي إلى إبراز نوع مغاير من الإستشراق يندر الحديث في الكتابات العربية، وذلك على أمل أن يمثل المقال حافزا للتعمق في دراسة الإستشراق الأسود وغيره من الظواهر والحركات الفكرية وغير الفكرية المؤثرة على صورة الإسلام والمسلمين في أمريكا، كما نود إبراز بعض الخلاصات الفكرية التي من شأنها المساعدة على تحقيق هدف المقال، وهي

ضرورة التفرقة بين الإستشراق الأسود كحركة فكرية معادية للمسلمين وجماهير الأفارقة الأمريكيين بالولايات المتحدة، وهي أقلية أمريكية تحتوي على جماعات ومنظمات عديدة مساندة لقضايا المسلمين والعرب بالولايات المتحدة، فالوعي بالإستشراق الأسود لا يعني اتخاذ موقف سلبي تجاه الأفارقة الأمريكيين والذين ينحدر منهم ثلث المسلمين في أمريكا على الأقل

علاج الإستشراق الأسود يكون بالتعمق في دراسته وفهمه وفهم دوافعه والرد عليه فكريا وأكاديميا

يرى شرمان جاكسون أن إهمال المسلمين والعرب خاصة المهاجرين منهم للولايات المتحدة لقضايا الأفارقة الأمريكيين ولكفاحهم ضد العنصرية البيضاء يعد أحد العوامل المحفزة للإستشراق الأسود بصفة خاصة وأحد العوامل المعيقة لانتشار الإسلام وسط الأفارقة الأمريكيين بصفة عامة وهي قضية هامة يجب تداركها وعلاجها

هناك حاجة – يبرزها كتاب جاكسون – إلى مراجعة التراث الفكري الإسلامي المعاصر فيما يتعلق- خاصة الأفارقة الأمريكيين – وذلك للتأكد من خلو هذا التراث من أي تركات سلبية تاريخية وأخرى حديثة قد يكون الاستعمار قد تركها على الفكر العربي والإسلامي المعاصر

------

مقالات ذات صلة

صورة الإسلام في أميركا بعد خمس سنوات على 11/9

سبل مكافحة الإسلاموفوبيا في البيئة الأمريكية

تفسير جديد لأسباب إنتشار الإسلام بين الأفارقة الأمريكيين

Monday, October 09, 2006

عدم المساواة والديمقراطية الأمريكية

مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر: الرياض، 9 أكتوبر 2006

نص المقال

يرى عدد متزايد من الكتابات الأمريكية المعنية بتفسير العوامل المؤثرة على صناعة القرار السياسي بالولايات المتحدة أن الخطر الأكبر على سياسة ومصالح أمريكا خلال الفترة الحالية لا يتعلق بسيطرة جماعة أو أقلية ما - - كالمحافظين الجدد أو الإنجليكيين أو لوبي إسرائيل - على مقاليد الحكم بالولايات المتحدة بقدر ما يتعلق - بما يسميه البعض - بالفجوة المتزايدة بين الفقراء والأغنياء في أمريكا

وتشير دراسات مختلفة إلى أن الفجوة السابقة في تزايد منذ سبعينات القرن العشرين، وأنها باتت تمثل الخطر الأكبر على السياسة والمصالح الأمريكية بحكم أنها تضع مقاليد صناعة القرار بالولايات المتحدة في يد نخب تميل تدريجيا لعدم الحراك وللانفصال عن اهتمامات ومصالح المواطن الأمريكي العادي وأجندة الطبقات الفقيرة، والتي باتت أكثر عزلة وعزوفا عن المشاركة السياسية الأمر الذي يغذي بدوره الفجوة المتنامية بين الفقراء والأغنياء بأمريكا

وفي هذا السياق رأينا أن نتعرض - في هذا المقال - لنتائج تقرير عالي الأهمية صدر في عام 2004 عن لجنة عمل تابعة للجمعية الأمريكية للعلوم السياسية، وهي أرقى جمعيات أساتذة العلوم السياسية بالولايات المتحدة، حيث أنشأت الجمعية في عام 2001 لجنة عمل مستقلة مكونة من مجموعة مرموقة من أساتذة العلوم السياسية بالولايات المتحدة لدراسة "عدم المساواة والديمقراطية الأمريكية"، وقد خرجت اللجنة المستقلة بتقرير في عام 2004 يسعى لتقييم حالة الديمقراطية الأمريكية في أوائل القرن العشرين وأهم التحديات التي تواجهها

ولعل صدور التقرير عن الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية يعطيه أهمية أكاديمية عالية كما يميزه - إلى حد ما - بقدر من الحياد والموضوعية، ومن هنا تنبع أهمية التقرير إضافة إلى نتائجه الخطيرة، والتي نلخصها فيما يلي

- يقول التقرير أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء في أمريكا أعلى منها في غالبية الدول المتقدمة، وأن الدول الغربية سعت لتقليص الفجوة بين الفقراء والأغنياء منذ الحرب العالمية الأولى وحتى نهاية عقد الستينات، ثم بدأت الفجوة بين الفقراء والأغنياء تزيد من جديد - خاصة في أمريكا - منذ بداية السبعينات

- يذكر التقرير أن الشعب الأمريكي أكثر قبولا بعدم المساواة بسبب إيمانه القوي بالثقافة الرأسمالية والتي تنادي بوجود فوارق طبيعية بين الأفراد تقود إلى تفاوت في الثروات، ولكن الشعب الأمريكي يرفض أن عدم المساواة الناجمة عن التمييز وعدم المساواة في الفرص الاقتصادية والسياسية

- الفجوة المتزايدة بين الفقراء والأغنياء في أمريكا تنعكس بشكل واضح على مظاهر المشاركة السياسية وعلى رأسها التصويت في الانتخابات، حيث تقتصر نسبة المشاركة في انتخابات الكونجرس على ثلث الناخبين المسجلين في قوائم الاقتراع الأمريكية، وهي نسبة ترتفع في انتخابات الرئاسة الأمريكية لنصف الناخبين المسجلين فقط

- أغنياء أمريكا ليسوا أكثر نشاطا من فقرائها في مجال التصويت فقط فهم أكثر منهم مشاركة في العمل بالحملات الانتخابية والتبرع المالي لها والاتصال بالسياسيين وتنظيم المظاهرات وعضوية مجالس إدارة الهيئات المحلية وعضوية المنظمات السياسية

- أتت 95% من التبرعات السياسية في عام 2000 من الأسر التي يبلغ دخلها أكثر من 100 ألف دولار أمريكي سنويا، ولا تمثل هذه الأسر سوى 12% فقط من الأسر الأمريكية

- ويقول التقرير أن الفجوة في مستويات المشاركة السياسية بين الأغنياء والفقراء في ازدياد من الستينات، وهي فجوة يصعب علاجها من خلال انتشار أدوات الاتصال الحديثة كالإنترنت، والذي أصبح أداة في يد الأثرياء النشطين سياسيا لكي يزدادوا نشاطا ونفوذا مقارنة بالفقراء غير النشطين

- تراجعت عضوية إتحادات العمال إلى 9% فقط من إجمالي القوى العاملة بأمريكا، وفي المقابل انتشرت جماعات المصالح التي تمثل الأغنياء بشكل رهيب، وحتى جماعات المصالح التي تمثل القضايا العامة كالبيئة تزداد عزلة عن قضايا الجماهير العادية كلما ازدادت انخراطا ونفوذا سياسيا

- الأحزاب السياسية الكبرى بأمريكا تركز في نشاطها السياسي والانتخابي على الوصول إلى الأثرياء والحصول على دعمهم ولا تشغل نفسها كثيرا بالوصول إلى الفقراء وتنشيطهم

- نتيجة لما سبق لا يسمع المسئولون الأمريكيون أصوات المهاجرين والأقليات والفقراء لأنهم محاطين بالأثرياء الذي يدعموهم ويمتلكون جماعات مصالح عالية الصوت

- لكي يحصل السياسيون الأمريكيون على مزيد من الدعم من النخب الثرية باتوا يركزون في سياستهم على تزويد المناطق الثرية بمزيد من الخدمات والمزايا، حتى أن إعادة رسم الدوائر الانتخابية باتت تتم بشكل أكثر تكرار لضمان حصول أعضاء حزب الأغلبية على دوائر أكثر ثراءا وأكثر مساندة لهم، وبهذا أصبح السياسيون هم من يختارون الناخبين وليس العكس - كما يشير التقرير

- سياسات الحكومة الأمريكية قد لا تصب مباشرة في مصالح الأثرياء بقدر ما تحجم عن رعاية برامج ومصالح وأجندة الفقراء مثل قضايا التعليم والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي وهي قضايا لا نشغل النخب الثرية لذا تهملها الحكومة مما يزيد من شعور الفقراء بالعزلة وعدم الرغبة في المشاركة السياسية

نتيجة لما سبق يرى مؤلفو التقرير أن ميراث "ثورة الحقوق" التي اجتاحت أمريكا في الستينات باتت محل تهديد كبير خاصة مع تراجع دخول ومستويات مشاركة السود والفقراء بشكل مضطرد من السبعينات

وهنا يقول مؤلفو التقرير "حكومتنا باتت أقل ديمقراطية، تستجيب بالأساس للمنعمين، ولم تعد أداة قوية لتصحيح العيوب أو لحماية الأغلبية

ويقول مؤلفو التقرير أن مواجهة الأخطار التي تواجهها الديمقراطية الأمريكية في الوقت الراهن يتطلب دور أكبر من الإعلام الأمريكي في التعامل بجدية مع الحياة السياسة ومع المخاطر التي تتعرض لها الديمقراطية الأمريكية

كما تتطلب رعاية برامج سياسية مواجهة نحو الفقراء حتى يشعروا بأن المشاركة السياسية مفيدة لهم ويتخلوا تدريجيا عن عزلتهم، كما تحتاج لدور أكبر لمنظمات المجتمع المدني عبر الولايات المتحدة ودور أفضل للأحزاب الأمريكية في تمثيل مصالح مختلف فئات الشعب ودمجهم في العملية السياسية وعدم الاكتفاء الأناني بالتقرب من الأثرياء

أخيرا نتمنى أن نكون قد شرحنا في هذا المقال بعض التحديات التي تواجه النظام السياسي الأمريكي في الفترة الحالية، وهي تحديات تؤثر بقوة على سياسة أمريكا الخارجية والداخلية على حد سواء، وقد تفسر أحيانا لماذا تنتهج أمريكا سياسات خارجية بعيدة إلى مدى بعيد عن مصالح الشعب الأمريكي والمواطن الأمريكي العادي

------

مقالات ذات صلة

ملامح الجيل الأميركي الحاكم

سياسة أميركا لنشر الديمقراطية بالشرق الأوسط: معضلة الإسلاميين

حكم أميركا: تاريخ الثروة والقوة في دولة ديمقراطية

بعيدا عن المركز: الثورة الجمهورية وتآكل الديمقراطية الأمريكية


أمريكا على مفترق الطرق: الديمقراطية، القوة، وميراث المحافظين الجدد

Friday, October 06, 2006

النخب الغربية وإعاقة اندماج مسلمي الغرب


مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
جريدة الحياة، 7 أكتوبر 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

ملف اندماج الأقليات المسلمة بالمجتمعات الغربية ملف مفتوح ذو أهمية متزايدة في الحياة السياسية والعامة بالبلدان الغربية لأسباب مختلفة على رأسها طبيعة السياسات الدولية الراهنة والتركيز المتزايد على الصراع بين دول غربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وبعض الجماعات التي ترفع شعارات إسلامية

هناك أيضا عوامل ترتبط بالنمو المتزايد للأقليات المسلمة بالدول الغربية خلال العقود الأربعة الأخيرة والتي شهدت تصاعدا متزايدا لنفوذ جماعات يمينية علمانية وأخرى دينية بأوربا والولايات المتحدة، وهي جماعات تعادي التراث الليبرالي الذي انتشر بالغرب منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ووصل لمداه وقمة نفوذه في ستينات القرن العشرين

هذه العوامل المختلفة دفعت البعض لمحاولة تسييس قضية اندماج مسلمي الغرب والنظر لها من منظور أمنى سياسي باعتبارها تهديدا لأمن الغرب ولمصالح بعض الأقليات السياسية كالأقليات الموالية لإسرائيل، وباعتبارها تهديدا للنسيج الثقافي والحضاري بالدول الغربية كما تراه أحزاب اليمين الغربي متزايدة النفوذ

وفي ظل هذا التسييس بات من الصعب أن نقف على دراسات موضوعية تحاول أن تدرس الأسباب الحقيقية التي تشجع أو تعيق اندماج مسلمي الغرب

فالمنطقي أن عملية اندماج أي أقلية بمجتمع ما تخضع لظروف مختلفة بعضها نابع من داخل الأقلية ذاتها وبعضها نابع من داخل المجتمع الجديد المستقبل لها

وبسبب الندرة النسبية للدراسات المعنية بخصائص الأقليات المسلمة بالبلدان الغربية وبسبب التسييس المتزايد لهذه القضية في السنوات الخمس الأخيرة على أقل تقدير، والضعف النسبي لأصوات المسلمين الغربيين القادرة على توضيح صورتهم الحقيقية، تحاول أعداد متزايدة من الدراسات الغربية اليمينية تصوير معوقات اندماج الأقليات المسلمة بالمجتمعات الغربية على أساس أنها معوقات قادمة من داخل تلك الأقليات وتعود إلى خصائص الأقليات المسلمة العقائدية والاجتماعية والسياسية

وبالطبع لا ينبغي لأحد إنكار أن الخصائص الداخلية لمسلمي الغرب تؤثر على استعدادهم للاندماج، ولكن في نفس الوقت يجب إدراك حقيقة بديهية تبدو غائبة أحيانا وهي أن الاندماج عملية تعتمد على طرفين وليس طرف واحد، وهما الأقلية الجديدة الساعية للاندماج، والمجتمعات المستقبلة المرحبة بهذا الاندماج

ومن هذا المنطلق ينبغي تخصيص عدد متوازي من الدراسات للوقوف على موقف المجتمعات الغربية من الأقليات المسلمة القادمة، وخاصة موقف النخب السياسية الحاكمة في تلك المجتمعات، فنفوذ هذه النخب يسمح لها بالتأثير على قدرة الأقليات المسلمة على الاندماج بمجتمعاتها الغربية لأسباب عديدة هامة

فالنخب الغربية لديها القدرة على التأثير على موقف المجتمعات الغربية والرأي العام الغربي من الأقليات المسلمة القادمة ومن الإسلام، كما تمتلك القدرة على صياغة السياسات التي من شأنها التعجيل من هذا الاندماج أو إعاقته

ولو أخذنا الحالة الأمريكية كمثال لوجدنا أن مراكز أبحاث العاصمة الأمريكية واشنطن نادرا ما تركز على دور النخب الحاكمة بأمريكا في تشجيع أو إعاقة اندماج مسلمي أمريكا، وقد يعود ذلك لأسباب مختلفة من بينها أن الثقافة السياسية الأمريكية ترفض بشكل عام تقسيم المجتمع إلى نخب أو طبقات وتنظر لهذه المفاهيم على أنها مفاهيم اشتراكية تتناقض مع الثقافة الرأسمالية الليبرالية والتي تنادي بالمساواة في الفرص أمام الجميع

هذا إضافة إلى أن مراكز الأبحاث الأعلى صوتا بواشنطن واقعة تحت تأثير واضح لليمين الأمريكي، فمركز هريتاج فاويندايشين والذي يعد أحد أعرق مراكز الأبحاث اليمينية بواشنطن والولايات المتحدة عادة ما يروج لندوات ومواضيع شديدة الانغلاق من حيث فهمها للإسلام والمسلمين والأقليات المسلمة، على غرار "صراع مع الغرب: المحفزات الدينية وإستراتيجيات الجهاد"، و"ميراث الجهاد: الحرب المقدسة الإسلامية ومصير غير المسلمين"، و"الفاشية والإسلامية والعداء للسامية"، و"الإستراتيجيات الجهادية في الحرب على الإرهاب"

في المقابل هناك أقلية من الدراسات المنصفة التي حاولت الوقوف على حقيقة موقف النخب الغربية من الأقليات المسلمة، ونشير هنا - على سبيل المثال - إلى دراسة صدرت مؤخرا عن مجلة فورين أفاريز "شئون دولية" في عدد سبتمبر/ أكتوبر 2006 من المجلة تحت عنوان "فرنسا ومسلموها"، وهي من تأليف إحدى محررات المجلة، وتدعى ستيفاني جيري

وتركز الدراسة على فرنسا نظرا للعمق التاريخي لوجود الهجرات المسلمة بها وحجم هذه الهجرات والتحديات التي تواجهها، حيث تذكر المؤلفة في بداية الدراسة أن "علماء الاجتماع الفرنسيين يعتقدون أن اندماج المسلمين في المجتمع الفرنسي تقدم بشكل جيد"، وأن غالبية المسلمين الفرنسيين "يتبنون المعايير الثقافية الأوربية ويدعمون القيم الجمهورية الفرنسية"

ولكنها تعود وتأكد أن اندماج المسلمين في فرنسا يواجه تحديات كبيرة على رأسها "عدم الثقة العميقة في الإسلام" من قبل النخب الفكرية الفرنسية، وكون "الركود الاقتصادي (بفرنسا) ضاعف مشكلات" الأقليات والمهاجرين، كما تؤكد المؤلفة أن "المشكلة الأكبر هي أن الجدل حول كيفية تخفيف الصعوبات التي تواجه اندماج مسلمي فرنسا أصبح جدلا متشددا أيدلوجيا بعد أن تم إختطافة من قبل مفكرين وسياسيين منعزلين عن الواقع"، كما تقول أن "العداء للإسلام في فرنسا ... هو ظاهرة فكرية تدفعها النخب وتنبع من أيدلوجيات عنصرية أكثر من (دواعي) عدم الأمن

وبعد سرد هذه الحجج تبدأ المؤلفة في التعامل معها كل على حدى، حيث تذكر أن النخب الفرنسية تعاني من تحيز تاريخي قديم ضد الإسلام، وأن نسبة البطالة في أوساط المهاجرين المسلمين وصلت خلال العقود الثلاثة الأخيرة إلى 30% مقارنة بنسبة 10% في أوساط الشعب الفرنسي، وأن الكساد الاقتصادي أوقف الحراك الاقتصادي والاجتماعي بفرنسا لذا وجد المهاجرون أنفسهم محاصرون في نفس المدن الفقيرة التي عاش فيها العمال الفقراء في الستينات لأن الأوضاع الاقتصادية الراكدة منعتهم من الحراك إلى مدن أفضل

لذا ترى المؤلفة أن موقف المهاجرين المسلمين نحو الاندماج في المجتمع الفرنسي أكثر تأثرا بالظروف الاقتصادية والاجتماعية مقارنة بالعوامل الأيدلوجية الدينية

أما المشكلة الأكبر التي تواجه المهاجرين المسلمين في فرنسا - بعد ما يتعرضون له من تمييز اقتصادي واجتماعي - فهي انغلاق الطبقة السياسية الحاكمة أمامهم وعدم سعيها لدمجهم في الحياة السياسية الفرنسية

حيث تشير ستيفاني جيري إلى أن البرلمان الفرنسي الذي يبلغ عدد مقاعده 908 مقعدا لا يضم سوى نائبين مسلمين فقط انضما إليه في عام 2004، كما أن نسبة المسلمين بين القيادات المحلية المنتخبة بفرنسا لا تتعدى 2.4 %، لذا يؤمن نصف الفرنسيين - وفقا لاستطلاعات حديثة - أن "الطبقة السياسية الفرنسية ليست متنوعة بشكل كافي، وأن هناك حاجة لضم مسلمين إلى البرلمان"

وتقول المؤلفة أن الحكومة الفرنسية لم تقدم "عروضا محددة" لعلاج المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المهاجرون المسلمون، كما تشير إلى أن فشل الأحزاب الكبيرة في التعامل مع قضية دمج المسلمين ترك الساحة خالية للجماعات الفرنسية اليمينية المتشددة، لذا تعبر المؤلفة عن خشيتها من أن استمرار التمييز وصمت النخب السياسية وصعود اليمين المتشدد قد تمثل معا عوامل ضغط تدفع المسلمين الفرنسيين للوقوع فريسة الأيدلوجيات المتطرفة

حديث ستيفاني جيري عن موقف النخب الفرنسية من اندماج مسلمي فرنسا قد يدفعنا لمقارنته مقارنة سريعة بحالة أخرى وهي موقف النخب الأميركية من اندماج مسلمي الولايات المتحدة، وذلك على سبيل المقارنة وإثراء البحث، وهنا يجب الإشارة إلى الملاحظات التالية

أولا: بعض النخب الأميركية باتت تلعب دورا متزايدا في إعاقة اندماج المسلمين بالولايات المتحدة، وعلى رأس هذه النخب بعض قيادات التيار الإنجليكي المتدين النشطة سياسيا، حيث أشارت تقارير صحفية ودراسات مختلفة إلى أن قيادات هذه النخب رفضت وصف الرئيس الأميركي للإسلام بعد أحداث 11/9 بأنه "دين سلام" إلى درجة أن بعض هذه القيادات تطوعت للإساءة للإسلام كدين في أكبر وسائل الإعلام الأميركية لضمان عدم النظر إليه إيجابيا من قبل الشعب الأميركي

ثانيا: هناك خط متواصل من التقارير الصحفية والكتابات التي تحدثت عن دور لوبي إسرائيل في تشويه صورة مسلمي أميركا ومؤسساته وقياداته لدى دوائر صنع القرار والرأي العام بالولايات المتحدة

ثالثا: النخب السياسية الأميركية لم تقم حتى الآن بدورها المنتظر في مواجهة موجة العداء للإسلام المتزايدة بالولايات المتحدة، بل أن بعض هذه النخب تنساق أحيانا وراء دعاوى التمييز ضد المسلمين والعرب لتحقيق أهداف سياسية مختلفة كما حدث في حادثة "شركة موانئ دبي" في أوائل العام الحالي

في المقابل يجب الإشارة إلى وجود نقاط ومساحات إيجابية في مواقف النخب الأميركية تجاه دمج الإسلام والمسلمين كما يظهر في موقف فئات متزايدة من النخب الليبرالية الفكرية والأكاديمية المنصفة، وهو أمر نتمنى أن ينسحب على فئات أوسع بالمجتمع الأميركي والمجتمعات الغربية، وقد يتحقق ذلك نسبيا من خلال المطالبة بمزيد من الدراسات الموضوعية المنصفة التي تحاول دراسة موقف المجتمعات الغربية والأقليات المسلمة من قضية الاندماج على قدم المساواة

----

مقالات ذات صلة

صورة الإسلام في أمريكا بعد خمس سنوات على 11/9

مسلمو وعرب أمريكا بين تبعات 11/9 والثورة اليمينية المضادة

الخطاب المسلم الأمريكي السائد

العرب وتحديات الهوية الوطنية بعد 11/9

سبل مكافحة الإسلاموفوبيا في البيئة الأمريكية