Monday, February 27, 2006

الشيطان في الثقافة الأمريكية
بقلم: علاء بيومي

الناشر: مجلة المعرفة، 28 فبراير 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

من يظن أن الحديث عن نظرة الأمريكيين للشيطان أمر سهل فهو مخطئ؟ فقضية الشيطان مسألة في غاية الصعوبة والتعقيد نظرا لأن الشيطان أشبه بميراث بشري عام تتقاسمه مختلف الحضارات البشرية، فهو قضية أساسية مثل الخير والشر والأخلاق يستحيل غيابها عن حياة البشر

كما أن وجود الشيطان في الثقافات ليس ضروريا فحسب وإنما هو محوري أيضا، فالشيطان يرتبط بظواهر ثقافية كبرى ومعقدة كالدين والثقافة والتاريخ تغذي فهم الشعوب له، كما أنه يتطور عبر الزمن وعبر الاحتكاك مع الثقافات المختلفة

هذا يعني أن نظرة الأمريكيين للشيطان معقدة صعبة الفهم، فليس هناك نظرة واحدة واضحة للشيطان بالمجتمع الأمريكي، وإنما هناك نظريات عديدة ومختلفة ومتصادمة أحيانا

لذا نحذر - في بداية هذا المقال - ضد بعض الكتابات التي تتناول الثقافة الأمريكية من منظور تسطيحي متحيز يختزل النظر إلى الثقافة الأمريكية على أنها شر أو خير كامل، فالتحدي الحقيقي هنا هو أن نفهم خبرة الثقافة الأمريكية في التعامل مع الشيطان كنموذج معقد لثقافة بشرية متقدمة سعت للتعامل مع ظاهرة الشيطان – صعبة المراس - وذلك بهدف أن نتعلم دروسها المستفادة

موت الشيطان

إذا أردنا أن نستشعر بشكل سريع ومباشر صعوبة الجدل الأمريكي حول الشيطان فلابد أن نتناول نظرية "موت الشيطان" والتي تمثل – من وجهة نظري – جوهر الجدل الدائر بالثقافة الأمريكية حاليا حول الشيطان

نظرية "موت الشيطان" ليست نظرية فلسفية فقط بل هي ظاهرة يمكن أن يشعر بها المسلم والعربي المقيم في الولايات المتحدة لعدة سنوات، إذ يمكن بوضوح أن يلاحظ هذا المهاجر أن الأمريكيين لا يتحدثون كثيرا عن الشيطان، صحيح أن هناك أفلام أمريكية عديدة تنتمي إلى سينما الرعب المليئة بالمخلوقات المتوحشة القادمة من الأرض والبحر والسماء، وصحيح أيضا أن الأمريكيين يحتفلون كل عام بعيد "الهلاوين" والذي يخصص لطرد الأرواح الشريرة، ولكن في المقابل هذه الأفلام والعادات لا تخرج عن كونها مظاهر جماهيرية يسخر منها الأمريكيون أو يمارسونها من قبل المرح والتلاهي لا من قبل الإيمان بها أو تصدقيها أو إتباعها

وقد يعود هذا إلى طبيعة المجتمع الأمريكي كمجتمع مفتوح ومليء بالفرص بشكل نسبي، هذا إضافة إلى انتشار العديد من القصص التاريخية عن كفاح المهاجرين ونجاحهم في الاستقرار في أمريكا، وهي ظاهرة تعرف أحيانا بالحلم الأمريكي

ولكن الظواهر السابقة تعكس في جزء منه نظرية "موت الشيطان" وهي نظرية قائمة وذات وجود بالفكر الأمريكي وتغطيها دراسات مختلفة

من قتل الشيطان؟

ترى بعض الدراسات أن الحداثة وعصر التنوير قضيا على الشيطان، وذلك لأن التنوير الأوربي العلماني رفض الإيمان بالغيبيات بشكل عام بما في ذلك الآخرة ووجود الإله ووجود الملائكة أو الشيطان، ومن ثم أصبح الحديث عن الشيطان أمر مرفوض

الحداثة وحدها لا تكفي

إلقاء اللوم على الحداثة في قتل الشيطان ليس كافيا، إذ تشير الدراسات المعنية إلى أن الحداثة والتنوير لهما شركاء عديدين في جريمة قتل الشيطان، وهذا يعني أن الصراع على حياة الشيطان أو موته في أمريكا ليس صراع ديني/علماني محض، فالصراع له أبعاد أخرى هامة

أحد هذه الأبعاد هو الفكر الأمريكي في بعض جوانبه المثالية كما تظهر في كتابات مفكرين مثل رالف والدو إمرسون والذي

كفانا ظلما للشيطان

أما السبب الأهم في انتشار نظرية "موت الشيطان" في الثقافة الأمريكية فيرتبط بما أسماه البعض بالجانب الأسود من ثقافة بعض الجماعات المسيحية الأصولية التي لعبت دورا هاما في بناء أمريكا آلا وهي جماعة البيروتين (الأنقياء)، وهم أحد الجماعات البروتستانتينية التي عرفت بتشددها الديني والتي وصفها الكاتب الأمريكي الراحل أرثر ميللر في إحدى اشهر مسرحياته (المحنة) وكيف أن تشدد هذه الجماعة الديني كان يقود إلى حملات جماهيرية غوغائية للتخلص من أنصار الشيطان الذين يعيشون وسط الأنقياء وهم (أنصار الشيطان) في العادة أناس بسطاء وصموا ظلما بمحالفة الشيطان

بمعني أخر أكثر تبسيطا أن ثقافة العثور الوسطى بالمجتمعات الإنجليزية كانت تؤمن بتجسد الشيطان وتحالفه مع أشخاص بعينهم (السحرة والمشعوذين) وأن التخلص من هؤلاء ضرورة للتخلص من الشيطان، وفي كثير من الأحيان كان يستخدم هذا الاعتقاد للإضرار

لماذا يجب أن نبقي الشيطان حيا؟

مشكلة التعامل مع الشيطان لا تنتهي بالإعلان عن موته، وذلك لأن الشيطان سوف يظل حيا يرزق في الثقافة الجماهيرية وفي ثقافة الجماعات الأمريكية المتدينة، كما أن إعلان موت الشيطان ورفض الحديث عنه سوف يقود إلى فجوة معرفية مضرة، وذلك لأن هناك ظاهرة قائمة لا ينكرها أحد وهي ظاهرة الشر، وإعلان موت الشيطان يضعف من قدرة الأمريكيين على التعامل مع ظاهرة الشر الهامة خاصة وأن الشيطان يمثل أحد أهم رموزها، كما أن نظرية موت الشيطان تضعف من قدرة النخبة الأمريكية المثقفة على التعامل مع ظاهرة الشيطان وإيجاد حل لها، لذا تحذر بعض النظريات من وجود هذه الفجوة بالمجتمع الأمريكي ويطالبون بالبحث عن حلول لها

وهنا يجب الإشارة إلى أن الثقافة الجماهيرية الأمريكية بوضعها الحالي عاجزة عن تقديم هذا الحل بسبب

السياسة الدولية والشيطان

بقى لنا أن نشير إلى دراسة متميزة نشرتها دورية أمريكية معنية بالعلاقات الدولية في عام 2002 عن وجود الشيطان بالخطاب السياسي الأمريكي والدولي وتأثير ذلك على السياسات الدولية مع تطبيق خاص لخطاب وسياسات الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر

المقال تحدث في بدايته عن

للإطلاع على النص الكامل للمقال، يرجى زيارة الموقع التالي

http://www.almarefah.com/article.php?id=1041

Friday, February 17, 2006

تقرير للكونجرس عن طلاب العلوم والهندسة الأجانب بالجامعات الأمريكية
بقلم: علاء بيومي

الناشر: تقرير واشنطن، 18 فبراير 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

أصدر مركز "خدمة أبحاث الكونجرس" في شهر يناير الماضي دراسة متميزة عن تواجد الطلاب الأجانب ببرامج دراسة العلوم والهندسة على مستوى الدراسات العليا بالجامعات الأمريكية وعن الجدل الدائر داخل الولايات المتحدة حول هذه القضية الهامة - خاصة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001

وقبل التفصيل في نتائج التقرير يجب التنويه بأن مركز "خدمة أبحاث الكونجرس" هو مركز أبحاث غير حزبي تابع للكونجرس الأمريكي بدأ عمله في عام 1914، ووظيفته الأساسية هي إمداد أعضاء الكونجرس بالأبحاث العلمية التي يحتاجونها لصناعة قراراتهم بخصوص القوانين والقضايا المطروحة عليهم

ويمكن لأي مراقب محايد لعمل المركز أن يلاحظ ما يتمتع به المركز من قدرة متميزة على إنتاج أبحاث علمية رصينة في قضايا صعبة ومختلفة مع تقديم توصيات بخصوص السياسات الواجب إتباعها من قبل الكونجرس الأمريكي للتعامل مع تلك القضايا، وذلك بموضوعية علمية تعد مثالا يحتذى، وهو أمر عرض الخدمة البحثية العلمية الهامة لانتقادات سياسية مختلفة كان أخرها هجوم بعض مساندي الإدارة الأمريكية على الخدمة بسبب قيامها مؤخرا بإنتاج تقرير انتقد برامج التصنت التي أقرتها الإدارة الأمريكية منذ عام 2002

عرض سريع لموضوع التقرير

مقدمة التقرير تأخذ القارئ سريعا إلى عمق التحدي الذي يواجه صانع القرار الأمريكي بخصوص طلاب الدراسات العليا الأجانب في مجالات العلوم والهندسة بالجامعات الأمريكية، إذ يشير التقرير إلى تزايد الجدل في الدوائر العلمية والسياسية الأمريكية حول تواجد الأجانب المكثف في برامج الدراسات العليا الخاصة بالعلوم والهندسة بعد أن باتوا يمثلون نسب كبيرة بين الطلاب والأساتذة والخريجين المنافسين على الوظائف الأمريكية

ويقول التقرير أن تواجد هؤلاء الطلاب يثير مخاوف مختلفة مثل المنافسة على وظائف الأمريكيين بسوق العمل، وإحداث خلل بسوق العمل الأمريكي بسبب قبول الأجانب لأجور وظروف عمل لا يقبلها الأمريكيون، ولاعتبارات سياسية – زادت بعد 11/9 – بسبب الخوف من ارتباط هؤلاء الطلاب بنظم ديكتاتورية أو جماعات إرهابية قد تستخدم معرفتهم التي حصلوا عليها بالجامعات الأمريكية في مجالات خطيرة ومدمرة كتطوير أسلحة الدمار الشامل

تطور التواجد الأجنبي

ولكي يشرح التقرير خلفية الجدل الحالي يعود إلى الثمانينات حيث يشير إلى أن أمريكا عانت خلال عقد الثمانينات من قلة أعداد العلماء والمهندسين بسوق العمل الأمريكي، الأمر الذي دفع الكونجرس إلى تغيير قوانين الهجرة في عام 1990 بشكل سمح بمضاعفة عدد العلماء الأجانب القادمين إلى أمريكا على تأشيرات عمل مؤقتة، وخاصة التأشيرة التي تسمى (H-1B) والخاصة بأصحاب المهارات النادرة، حيث رفع قانون عام 1990 سقف عدد التأشيرات التي يمكن منحها سنويا من 54 ألف تأشيرة إلى 140 ألف تأشيرة سنويا

وقد ساعد انتعاش الاقتصاد الأمريكي خلال عقد التسعينات على ترحيب أمريكا بالخبراء والطلاب الأجانب في أمريكا، ولكن بداية من عام 2000 صدرت تعديلات عديدة لقوانين الهجرة ترددت بين الترحيب بالخبراء الأجانب وبين إعاقة قدومهم من خلال زيادة تكاليف التأشيرات وتعقيد شروط الحصول عليها، ويقول التقرير أن التعديلات العديدة التي أدخلت على قوانين هجرة الخبراء الأجانب خلال السنوات الخمس الأخيرة تعكس الجدل المحتدم داخل أمريكا حلول ظاهرة تزايد التواجد الأجنبي في مجالات العلوم والهندسة بسوق العمل والجامعات الأمريكية

حجم تواجد الطلاب الأجانب حاليا

يحتوي التقرير على إحصاءات مثيرة حول حجم تواجد الطلاب الأجانب في برامج الدراسات العليا بمجالات العلوم والهندسة بالجامعات الأمريكية خلال الفترة الحالية، حيث يشير إلى أن الطلاب الأجانب حصلوا على 31.6 % من شهادات الدكتوراة التي منحتها الجامعات الأمريكية في مجالات العلوم خلال عام 2003، كما حازوا على 60.3% من شهادات الدكتوراة في مجال الهندسة

ولو نظرنا نظرة أكثر تفصيلا داخل مجالات العلوم والهندسة لوجدنا – كما يوضح التقرير – أن الطلاب الأجانب حصلوا خلال عام 2003 على 41.4 % من شهادات الكتوراة في مجال العلوم الطبيعية، و48.9% في مجال الرياضيات، و50.2% في مجال علوم الكمبيوتر، وهي بدون شك نسب مرتفعة خاصة إذا علمنا أن غالبية هؤلاء الطلاب هم طلاب متواجدين في الولايات المتحدة على تأشيرات مؤقتة، وغير حاصلين على تصريح الإقامة الدائمة (الجرين كارد) والذي يؤهل أصحابه على البقاء بشكل دائم في الولايات المتحدة

وهنا يشير التقرير إلى أن نسبة الطلاب الأجانب الحاصلين على شهادات دكتوراة في مجالات العلوم والهندسة بالجامعات الأمريكية والحاصلين على تصاريح الإقامة الدائمة مقارنة بإجمالي عدد الطلاب الأجانب قد تراجعت من أكثر من 10% في عام 1994 إلى 5% أو أقل في عام 2003

كما يذكر التقرير أن غالبية هؤلاء الطلاب يأتون من دول شرق أسيا (45.5%)، ثم دول غرب أسيا (16.7%)، ثم أوربا (16.1%)، ثم دول أمريكا الشمالية (6.4%)، ثم دول أمريكا اللاتينية (4.6%)، ثم بلدان العالم الأخرى

الحجة والحجة المضادة

من يعارضون هذا التواجد الضخم للطلاب الأجانب يذكرون عدد من الحجج الأساسية، من بينها أن الطلاب الأجانب يحصلون عن نسبة ضخمة من المساعدات التي تقدمها الجامعات الأمريكية لطلاب الدراسات العليا بها، في حين يضطر الطلاب الأمريكيين للاعتماد على مواردهم المادية الخاصة أو للعمل بجوار الدراسة لتحمل تكاليف الدراسة الباهظة بالجامعات الأمريكية، وهو أمر يشكل تحديا كبيرا خاصة لأبناء الأقليات الأمريكية كالأفارقة والأمريكيين اللاتينيين

إذ تشير الإحصاءات أن الجامعات قدمت دعما ماليا رئيسيا لنسبة تصل إلى 78.9% من الطلاب الأجانب ببرامج العلوم الطبيعية في مقابل تقديم دعم مماثل لنسبة 63.5% من الطلاب الأمريكيين الدارسين بنفس البرامج، أما في مجالات الهندسة فقد قدمت الجامعات الأمريكية دعما رئيسيا لنسبة 76.4% من الطلاب الأجانب في مقابل 48.9 % من الطلاب الأمريكيين

هناك أيضا من يرون أن الطلاب الأجانب - على الرغم من المساعدات المالية التي يحصلون عليها من الجامعات والتي يمولها بالأساس دافع الضرائب الأمريكي – يعانون من حاجز اللغة الأمر الذي يعيق قدرتهم على توصيل المعلومة للطلاب الأمريكيين في حالة عملهم كمساعدين للأساتذة في مجالات البحث أو التدريس

السبب الثالث يرتبط بتأثير الطلاب الأجانب على سوق العمل الأمريكية، حيث يرى أصحاب هذه الحجة أن الطلاب الأجانب يقبلون بعد تخرجهم وظائف بمرتبات أقل من المرتبات التي يرضى بها الأمريكيون في الوظيفة ذاتها مما يضعف من قدرة الخريج الأمريكي على التفاوض مع صاحب العمل، كما يؤدي على المدى البعيد إلى تدهور بيئة العمل الأمريكية بسبب تراجع الخدمات التي يقدمها صاحب العمل

أضف إلى ذلك تبعات أحداث الحادي عشر من سبتمبر وخوف الأمريكيين من حصول الطلاب الأجانب على معرفة بمجالات حساسة مثل مجالات تصنيع أسلحة الدمار الشامل الأمر الذي رفع بعض الأصوات المطالبة بمنع الطلاب الأجانب من دراسة مجالات معينة

في مقابل الحجج السابق ينادي تيار مقابل بضرورة الحفاظ على الجامعات الأمريكية وأسواق العمل بالولايات المتحدة مفتوحة أمام الطلاب والخبراء الأجانب لأسباب مختلفة، من بينها عدد كبير من هؤلاء الطلاب يحصلون على مساعدات من حكوماتهم ويعدون مصادر دخل إيجابية هامة للجامعات الأمريكية، كما أن نسبة كبيرة منهم تقبل على البقاء في أمريكا بعد التخرج مما يساعد على إمداد الاقتصاد الأمريكي بما يحتاجه من خبراء خاصة مع تزايد المنافسة الدولية على اجتذاب الخبراء، حيث يشير التقرير إلى أن 56% من الطلاب الحاصلين على الدكتوراة بالجامعات الأمريكية ينتهي بهم الأمر إلى الاستقرار في أمريكا، وهي نسبة ارتفعت في الأعوام الأخيرة بسبب موافقة سلطات الهجرة الأمريكية على عدد كبير من طلبات الإقامة القديمة

هذا إضافة إلى أن الطلاب الأجانب يمثلون نسبة كبيرة من العاملين بمجالات البحث (كمساعدين للأساتذة) بالجامعات الأمريكية، وهي نسبة تصل للنصف تقريبا كما يشير التقرير في إحدى صفحاته

كما يؤكد بعض مساندي هذا الاتجاه على عدم وجود تقارير محددة تبرهن على أن دخول الطلاب والخبراء الأجانب سوق العمل الأمريكية يؤثر سلبيا على الخريج الأمريكي

جدل ما بعد 11/9

يشير التقرير إلى أن نسبة الطلاب الأجانب الدارسين في الولايات المتحدة – على مختلف المستويات - تراجعت بنسبة 2.4% في عام 2004 عن العام السابق له لتصل إلى 572.509 طالبا أجنبيا، وذلك بسبب التأخر في منح تأشيرات دخول الطلاب لأمريكا بعد 11/9 نتيجة لمخاوف سلطات الهجرة، ونتيجة لتراجع الطلاب الأجانب عن الإقبال على للدراسة في أمريكا بسبب بيئة ما بعد 11/9

كما يشير التقرير أيضا إلى المطالب الخاصة بزيادة مراقبة الطلاب الأجانب من قبل سلطات الأمن والهجرة بالولايات المتحدة خلال فترة تواجدهم بالولايات المتحدة، وهي المطالب التي تبلورت في برنامج SEVIS وهو عبارة عن شبكة إلكترونية تربط الجامعات الأمريكية بسلطات الهجرة بغرض تزويد هذه السلطات بمعلومات متجددة عن الطلاب الأجانب بأمريكا، وكان مقررا أن يتم البدء في تشغيل البرنامج في أوائل عام 2003، ولكن البرنامج لم يطبق كاملا حتى الآن بسبب بعض التحديات التكنولوجية وبسبب تكلفته الباهظة للجامعات

سوف يبقى الجدل مستمرا

لا ينتهي التقرير بتوصيات معينة بقدر ما ينتهي بعدد كبير من التحديات والأسئلة الصعبة التي تواجه صانع القرار الأمريكي، إذ ينادي التقرير بضرورة تسهيل عملية حصول الطلاب الأجانب على تأشيرات الدراسة والعمل بأمريكا في الوقت الذي ينبغي على السلطات الأمريكية التأكد بشكل سريع وحاسم من أن الطلاب الجدد لا يمثلون خطرا على أمن أمريكا، كما ينبغي أيضا التنسيق بين الهيئات الأمريكية المختلفة المعنية بهذا الأمر مثل الهجرة والتعليم والأمن الداخلي، وهو تنسيق يبدو ضعيفا في الوقت الراهن، لذا يؤكد التقرير في سطوره الأخيرة على أن الجدل الخاص بقضية الطلاب الأجانب بالولايات المتحدة سوف يبقى مستمرا صعبا ومتحديا على المدى المنظور على الأقل

Monday, February 13, 2006

فشل بناء الأمم الديمقراطية: الإيديولوجيا تقابل التطور
عرض بقلم: علاء بيومي

الناشر: الجزيرة نت، 14 يناير 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص العرض

كتاب "فشل بناء الأمم الديمقراطية: الإيديولوجيا تقابل التطور" صادر عن أحد أشهر دور النشر الغربية وهي مطابع بالجرايف ماكميلان في شهر نوفمبر الماضي، وهو من تأليف أكاديميين أمريكيين هما ألبرت سوميت الأستاذ بجامعة جنوب ألينوي وستيفين بيترسون أستاذ العلوم السياسية بجامعة بنسلفانيا

هدف الكتاب الرئيسي هو نقد سياسة بناء الأمم الديمقراطية التي تتبعها أمريكا في العراق وأفغانستان وتصويرها على أن سياسة غير منطقية لأسباب فكرية وعملية مختلفة


الداروينية الجديدة

على الجانب الفكري ينطلق الكتاب من النظرية الداروينية الجديدة الخاصة بالنشوء والتطور، حيث يؤكد مؤلفا الكتاب - في مقدمته - على أنهما لا يسعيان لإقناع القراء بنظرية الداروينية الجديدة أو حتى شرحها لهم، فهدفهما الأساسي ينحصر في إستخدام الداروينية الجديدة كإطار فلسفي يشرح الطبيعة البشرية ومسار تطور التاريخ

وخلاصة النظرية – والتي يتناولها الكتاب في فصله الثاني - أن الإنسان كأرقى الحيوانات الثدية مازال يمتلك بعض الخصائص الحيوانية، وهي خصائص تحكمها بيولوجية الإنسان بشكل يستحيل التخلص منه، وعلى رأس تلك الخصائص ميل الإنسان للعيش في مجتمعات هيراركية بحكم ندرة الموارد مقارنة بعدد البشر مما يجعل الصراع على السيطرة على الموارد أمر طبيعي خاصة وأن هذا الصراع يؤدي لفرز المجتمعات، إذ ينتصر القوي ليبقى وينهزم الضعيف لينقرض، مما يضمن بقاء سلالة بشرية أقوي وأصلح للبقاء

ويرتبط بالهيراركية خاصية أخرى رئيسية وهي ميل البشر لطاعة أصحاب السلطة، حيث يرى المؤلفان أن الصراع على الموارد داخل المجتمعات يحدث في أغلب الأحيان دون اللجوء للعنف، إذ يكفي التهديد باستخدام القوة لإقناع البشر بطاعة أصحاب السلطة، وبذلك يضمن القوي والضعيف عدم تبديد طاقتيهما في صراعات عنيفة

ومن هذا المنطلق يرى الكتاب أن الطبيعة البشرية ذاتها أميل للعيش في مجتمعات سلطوية، أما المجتمعات الديمقراطية فهي الإستثناء وليست الأصل، وهي تحدث في لحظات نادرة عبر التاريخ تنتصر فيها معتقدات الأفراد (الأفكار) على غرائزهم (البيولوجية)، لذا تعد النظم الديمقراطية أقلية نادرة عبر التاريخ البشري، وسوف تبقى كذالك

تعريف الديمقراطية

يتميز الكتاب بتسلسل منطقي في تنظيم فصوله وأفكاره، كما يتميز أيضا بسهولة هذه الأفكار وعدم ميلها للتعقيد، فالكتاب بمثابة حجة طويلة - وإن كانت سلسة وواضحة - تلخص عدد كبير من الكتابات والأفكار التي تصب في هدف الكتاب الرافض لسياسة بناء الأمم الديمقراطية، وكل فصل يقود تدريجيا ومنطقيا للفصل الذي يليه ومن ثم لهدف الكتاب الرامي لإثبات أن سياسة بناء الأمم الديمقراطية التي تتبعها الإدارة الأمريكية غير منطقية فلسفيا وعمليا
لذا يتعرض الفصل الثالث لتعريف الديمقراطية من خلال مناقشة عدد من التعريفات الشائعة، وهنا نلاحظ أن مؤلفا الكتاب لا يقدمان حججا أو معلومات أو دلائل جديدة بقدر تركيزهما على تلخيص أكبر عدد من الدراسات الموجودة والتي تصب في مصلحة حجتيهما

متطلبات بناء الأمم الديمقراطية

يتناول الكتاب في فصليه الرابع والخامس متطلبات بناء الأمم الديمقراطية، والتي يقسمها المؤلفان إلى فئتين أساسيتين، أولهما فئة الشروط الإجرائية الواجب توافرها في الدولة المستقبلة للديمقراطية والدولة المصدرة لها، أما الفئة الثانية فهي فئة الظروف العامة المؤهلة لدولة ما للتحول إلى الديمقراطية والتي يساعد وجودها في الدولة الهدف على إنجاح مهمة تحويلها إلى الديمقراطية

وفي بداية الفصل الرابع يفرق المؤلفان بين عملية بناء الدولة من ناحية وعملية بناء الأمم الديمقراطية من ناحية أخرى، فعملية بناء الدولة يجب أن تسبق عمليه بناء الديمقراطية بأي دولة، وذلك لأن بناء الدولة يركز على بناء مؤسسات الدولة الضرورية كالجيش والشرطة والمحاكم والبنوك المركزية ووكالات جمع الضرائب والصحة والتعليم وغير ذلك من المؤسسات الضرورية بأي دولة لكي تنعم بقدر مناسب من الأمن والاستقرار حتى ولو كانت تحت حكم ديكتاتوري

أما عملية بناء الأمم الديمقراطية فهي تهدف إلى توحيد أبناء الدولة الهدف حول روابط ثقافية واجتماعية وتاريخية تربطهم كأمة، وذلك كمقدمة لنشر الديمقراطية بتلك الدولة عن طريق استبدال النظام الديكاتوري الحاكم بها بنظام ديمقراطي يتمتع بمقومات الديمقراطية – حكم الأغلبية وحكم القانون

وفي حالة تعطل مؤسسات الدولة بسبب الحروب والصراعات كما هو الحال في العراق حاليا، تمثل عملية بناء الأمم الديمقراطية تحديا بالغ الصعوبة

وفيما يتعلق بالشروط الإجرائية الواجب توافرها في الدولة المستقبلة للديمقراطية فيلخصها المؤلفان في سبعة شروط أساسية، من بينها سرعة عودة النظام والأمن للدولة الهدف بعد إسقاط النظام الديكتاتوري بها، وحياد الدولة المصدرة للديمقراطية وتعاملها بتواضع مع جميع أطراف الصراع الدائر بالدولة الهدف، وإبعاد جميع العناصر المساندة للنظام القديم عن السلطة، ودعم مشاريع البنية التحتية بالدولة الهدف، ووبناء قواعد عمل واضحة لدور الجيش في الحياة المدنية، وتشكيل لجان إستشارية من أبناء الدولة المستقبلة للديمقراطية كنواة للحكومة الجديدة الديمقراطية

أما الدولة المصدرة للديمقراطية – أمريكا – فيجب أن يتوفر فيها تسعة شروط إجرائية رئيسية، من بينها الرغبة في استثمار موارد بشرية وإقتصادية كافية لبناء الديمقراطية في البلد المستهدف، والرغبة في الحفاظ على تواجد عسكري ومدني كافي بالدولة الهدف لفترة كافية للحفاظ على النظام ولضمان التحول السلمي للسلطة، والإلتزام بخفض الضحايا البشرية لصراعات ما بعد تغير النظام المستبد، واحترام ثقافة البلد المستهدف، والعمل على بناء البنية التحتية بذلك البلد، والفهم العميق لأسباب الصراعات التاريخية الإثنية والعرقية والدينية التي قد يعاني منها البلد المستهدف، وفهم ومراعاة مصالح الدول الخارجية والجماعات الداخلية بذلك البلد


الشروط المؤهلة لبناء الأمم الديمقراطية

يرى المؤلفان أن توافر الشروط الإجرائية السابقة في الدولة المستقبلة للديمقراطية والدولة المصدرة لها ليس كافيا لنجاح عملية تحويل الدولة المستهدفة للديمقراطية، إذ يجب أن يتوافر في تلك الدولة عدد من الظروف "المؤهلة" للتحول الديمقراطي

أول هذه الظروف هو وجود نظام حكم قادر على القيام بوظائف الدولة الأساسية بالدولة الهدف، وذلك مثل الحفاظ على الأمن والنظام وحماية البنية التحتية وتقديم الخدمات الرئيسية كالصحة والتعليم

الشرط الثاني هو تمتع الدولة المستقبلة للديمقراطية بمستوى مناسب من الرخاء الاقتصادي، حيث يرى مؤلفا الدراسة أن الشعوب الفقيرة تفضل لقمة العيش على الديمقراطية، كما أن الفقر يفقد الشعوب الأمل في المستقبل والرغبة في التضحية من أجل الديمقراطية

الديمقراطية الأمريكية أولى

في الفصل السادس يؤكد المؤلفان على أن الدول الديمقراطية هي أقلية بين دول العالم، فنسبتها لا تتعدى – وفقا لدراسات مختلفة يرصدها الكتاب – ثلث دول العالم، وهي حجة إضافية من شئنها إثناء أمريكا عن رغبتها في نشر الديمقراطية بالعالم

أما الفصل السابع فهو أحد أكثر فصول الدراسة تميزا إذ يتحدث عن تكاليف بناء الديمقراطية بالنسبة لأمريكا منذ عام 1945، فعلى سبيل المثال يشير الكتاب إلى أن أمريكا أنفقت منذ عام 1947 وحتى عام 1990 أكثر من ترليون دولار أمريكي على مشاريع التنمية الدولية والمساعدات الإنسانية، وهي أموال طائلة كان يمكن إنفاقها لتحسين الظروف المعيشية بأمريكا نفسها

أما بالنسبة للفترة الحالية فيتحدث المؤلفان عن

للإطلاع على النص الكامل للمقال، يرجى زيارة الموقع التالي

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/353EEF94-C0A7-4742-BA75-B89928ED19B2.htm

Wednesday, February 08, 2006

ليو ستراوس وسياسات الإمبراطورية الأمريكية
عرض بقلم: علاء بيومي

الناشر: صحيفة الرياض، 8 فبراير 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص العرض

كتاب "ليو ستراوس وسياسات الإمبراطورية الأمريكية" لأستاذة العلوم السياسية بجامعة بنسلفانيا الأمريكية آن نورتون والصادر عن مطابع جامعة يال الأمريكية في أواخر عام 2004 هو محاولة لتحليل الأفكار الفلسفية التي تربط المحافظين الجدد بشكل عام والتي تربط عدد من أكبر قادتهم الفكريين والسياسيين بشكل خاص

ويضم الكتاب في فصله الأول قائمة بعدد كبير من أسماء هؤلاء القادة وعلى رأسهم هارفي مانسفيلد أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفرد الأمريكية وأحد أشهر المفكرين المعاصرين المتخصصين في فكر الفيلسوف الإيطالي ميكيافيللي، وتلميذه فرانسيس فوكوياما صاحب مقولة "نهاية التاريخ"، وجوزيف كروسبي الأستاذ بجامعة شيكاغو، وإلبرت هولستر زميل ستراوس وأستاذ العلوم العسكرية والاستراتيجية الراحل بمؤسسة راند للأبحاث

هذا إضافة إلى عدد كبير من قادة المحافظين الجدد الأكثر انخراطا في الحياة السياسية وعلى رأسهم ويليام كريستول محرر مجلة ذا ويكلي ستاندارد والمدير السابق لمكتب نائب الرئيس جورج دبليو بوش الأب دان كويل، وجاري شميت والذي ترأس المجلس الاستشاري للمخابرات الأجنبية في عهد الرئيس ريجان، وإبراهام شيلسكي والذي شغل عدة مناصب متعلقة بالأمن القومي في إدارات مختلفة، وبالطبع بول ولفويتز نائب وزير الدفاع الأمريكي في ولاية جورج دبليو بوش الأولى والرئيس الحالي للبنك الدولي، وريتشارد بيرل العضو السابق بمجلس سياسات الدفاع التابع للبنتاجون في ولاية جورج دبليو بوش الأولى

أما الخيط الفكري الذي يربط هؤلاء المفكرين والسياسيين جميعا هو تأثرهم بأفكار ليو ستراوس أستاذ الفلسفة السياسية الراحل بجامعة شيكاغو الأمريكية

ليو سترواس

ولد ليو ستراوس في ألمانيا في عام 1899 وهرب من ألمانيا إلى بريطانيا ومنها إلى أمريكا هروبا من النازية والتي تركت تأثيرا لا يمحى في فكر ستراوس والذي رأي في أمريكا البلد المنقذ للعالم

استقر ستراوس في جامعة شيكاغو وعمل بتدريس مادة الفلسفة السياسية بها، وعارض ستراوس التوجهات الأكاديمية الأمريكية التي نادت بموت الفلسفة وبصعود العلوم السياسية السلوكية القائمة على التجربة والملاحظة العلمية المباشرة، في المقابل رأي ستراوس أن العلوم السياسية التجريبية لن تتمكن من الإجابة على الأسئلة الكبرى التي يمكن للفلسفة وحدها الإجابة عليها

لذا شجع ستراوس طلابه على قراءة الأعمال الفلسفية الكبرى كما ساعدهم على التفكير التحليلي في نصوص الفلاسفة الكبار ومحاولة فهم الجوانب الفكرية الخفية في النصوص والكتابات الكبرى، فقد اهتم ستراوس بقراءة كتابات المفكرين الكبار الذي عاشوا في عصور سيطر عليها قهر الحكام، حيث أمن ستراوس بأن هؤلاء المفكرين أخفوا علومهم ضمن نصوصهم وكتبوها بشكل ضمني خفي يضمن عدم اكتشاف الحكام المستبدين لها ونقلها إلى الأجيال التالية

كما كن ستراوس إعجابا كبير لفلاسفة اليونان وفلاسفة العرب وعلى رأسهم الفارابي وابن رشد، كما اهتم بالفيلسوف اليهودي ابن ميمون، بل أن ستراوس كان يتمنى لو عاش في عصر ابن ميمون وفي عصور ازدهار فلاسفة العرب، فستراوس – كما ترى آن نورتن – كان يؤمن بالتحليل العقلاني وكان ينظر لليهودية كدين يهيمن عليه المنطق، كما كان يؤمن بدور الفلسفة في البحث عن المدينة الفاضلة وهي مدينة يمكن فيها الجمع بين الفلسفة والسياسة، لذا احتفظ ستراوس بإعجاب كبير لتسامح الحضارة الإسلامية وخاصة في الأندلس

كما اهتم ستراوس اهتماما كبيرا بكتابات الفيلسوف كارل شميت الذي كان يؤمن باستقلال الظواهر الاجتماعية عن بعضها بعضا وبامتلاك كل ظاهرة معايير تقييم مستقلة، فقد أمن شميت بأن السياسية تختلف على الأخلاق عنها عن الدين أو الاقتصاد، وأن لكل ظاهرة أهدافها ومعاييرها، فالأخلاق معيارها فعل الخير والبعد عن الشر، والحياة الاقتصادية هدفها تحقيق المكسب والبعد عن الخسارة، أما الحياة السياسية فهدفها كسب الأصدقاء وهزيمة الأعداء

في الوقت ذاته أمن ستراوس بتأثير السياسية وتأثرها على وبمختلف الظواهر، فعندما قامت ثورة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة خلال ستينات القرن العشرين أمن ستراوس بأن للسياسة دور يجب أن تلعبه ولم يؤمن بأن السياسية والدولة منعزلتان عما يحدث في المجتمع كما أعتقد بعض المفكرين الآخرين مثل حنا ارندت زميلة ستراوس ومنافسته في جامعة شيكاغو

عموما أمن ستراوس بوجود دور كبير للسياسة في علاج مشاكل المجتمع وللمفكرين والفلاسفة في توجيه السياسة

أتباع ستراوس

تشير آن نورتن إلى طلاب وأتباع ستراوس على أنهم مجموعة من الطلبة شديدي الذكاء الذين سعوا للجمع بين السياسة والعلم وتربوا في ظروف أكاديمية ومرحلة تاريخية – منتصف الستينات من القرن العشرين - صعبة جعلت منهم مفكرين معقدين إذا صح التعبير

إذا تشير نورتن إلى أن تلامذة وأتباع ستراوس تربوا في بيئة أكاديمية صارمة تؤكد على قيمة العلم والفكر والفلسفة وتحتفي بكتابات المفكرين الكبار وترفض قراءة المفكرين الصغار أو الكتابات السطحية، كما أنها بيئة تقدر العلماء وتصنع مريدين كل همهم إرضاء وإتباع أساتذتهم

وتقول نورتن أن إتباع ستراوس تواجدوا في جامعات بعينها على رأسها جامعتي شيكاغو وهارفرد بأمريكا وجامعة تورنتو بكندا

وترى نورتن أن أتباع ستراوس شعروا باستمرار باضطهاد الأكاديمية الأمريكية لهم بسبب حبهم للفلسفة، كما سعوا هم أنفسهم لاضطهاد الأساتذة المعارضين لهم، كما عانوا باستمرار من عقدة نقص نابعة من خلفياتهم الفقيرة البسيطة التي لا تتناسب مع قدراتهم العقلية العالية

إذا تشير نورتن إلى أن طلاب ستراوس – وعدد كبير منهم من اليهود الفقراء والمتوسطين اقتصاديا – نشئوا في فترة الستينات من القرن العشرين وهي فترة شهدت حراكا سياسيا واجتماعيا كبيرا، وبسبب ذكائهم الكبير استطاعوا النجاح في أكبر الجامعات الأمريكية كجامعة شيكاغو، لذا انشغلوا باستمرار بمحاولة الذوبان في أوساط الطبقات المتوسطة والعليا بالمجتمع الأمريكي بشكل جعلهم في بعض الأحيان – كما ترى المؤلفة – يتناسون معاناة الفئات والأقليات الأقل حظا كالأفارقة الأمريكيين

أكثر من ذلك توجه آن نورتن اتهامات ضمنية لبعض أتباع ستراوس بالانتهازية وبالتضحية بالعلم من أجل المال وخاصة عند حديثها عن زالماي خليلزاد، إذا تقول نورتن أنها عرفت خليلزاد في شبابه عندما كان طالب دراسات عليا أفغاني طموح مهتم بالعلم، وتقول نورتن أنه خليلزاد كان راديكاليا في شبابه مدافعا عن قضية فلسطين يعلق في غرفته صورة كبيرة للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، ولكن نورتن تقول أن حياة خليل زاد تغيرت بعد أن تعرف على الأستاذ إلبرت هولستر وإتباعه، وبعد أن أبدى إعجابه بالثراء الكبير الذي يعيش فيه هولستر مقارنة بأستاذة الجامعات الآخرين، فهولستر – أستاذ الاستراتيجية – كان معروفا بعلاقاته الواسعة وبنفوذه الكبير وبتنقله بين الجامعات ومراكز الأبحاث الأمريكية وعلى رأسها راند، لذا عاش هولستر في مستوى اقتصادي مرتفع، وعندما التقى خليلزاد بهولستر وبطلبته لم تمر فترة كبيرة حتى انتقل خليلزاد للعمل في راند وتغيرت حياته بشكل كبير

أفكار أتباع ستراوس

تتنقل آن نورتن عبر الكتاب وبشكل مفاجئ أحيانا بين أفكار أتباع ستراوس والتي تختلف بدرجة كبيرة – كما ترى نورتن – عن أفكار ستراوس نفسه والذي كان مشغولا باستخدام العلم ونشره لمكافحة الاستبداد، أما أتباع ستراوس – كما تراهم نورتن – فقد تحولوا لأناس مشغولين باحتكار العلم واستخدامه لخدمة السلطة

لذا تركز نورتن عبر الكتاب على بعض الأفكار المركزية في فلسفة أتباع ستراوس، ومن أهم هذه الأفكار فكرة القوانين الطبيعية التي ربطت بشكل كبير بين أتباع ستراوس والتيار المحافظ في الولايات المتحدة، إذ يؤمن بعض أهم طلاب ومريدي ستراوس مثل آلان بلوم وليون كاس بوجود قوانين طبيعية تحرك الكون والمجتمع، وبأن الثقافة الأمريكية في منتصف القرن العشرين وفي الفترة السابقة لثورة الحقوق المدنية كانت أقرب تعبير عن هذه القوانين الطبيعية، وقد تميزت الثقافة الأمريكية في تلك الفترة بإهمال واضح لدور المرأة وبتركيز كبير على دور الرجل وعلى القيم الذكورية، كما ركزت أيضا بالتركيز على المؤسسات الاجتماعية التقليدية كالأسرة ودور الرجل المركزي ودور الأسرة في تعليم النشأ، وتقول آن نورتن أن إيمان أتباع ستراوس بنظرية الحقوق الطبيعية جعلهم يؤمنون بأنهم على صواب دائما وأنهم يعرفون ما هو صواب وسليم للمجتمع الأمريكي لذا ينبغي على بقية المجتمع إتباعهم

الفكرة الثانية هو إيمان أتباع ستراوس بالقائد القوي، وعدم تمسكهم بقواعد الديمقراطية، فأتباع ستراوس يؤمنون بالقائد القوي المستبد القادر على قيادة بلده نحو هدف كبير حتى ولو تم ذلك على حساب الدستور والديمقراطية، وهو يرون مثلهم الأعلى في قادة تاريخيين مثل تشرشل، كما لا يعارضون التعامل مع بعض القادة الديكتاتوريين في العالم ماداموا مساندين لأمريكا

الفكرة الثالثة هي إيمان أتباع ستراوس بدور العلم في خدمة السلطة، فهم يرون أنه ينبغي على الجامعات إنتاج متعلمين قادرين على الخدمة بمؤسسات الدولة، كما أنهم مستعدين لاستخدام العلم كأداة شرسة لتحقيق هدفهم حتى ولو أتى ذلك على حساب الحرية العلمية والأكاديمية، وهنا تشير آن نورتن إلى المشروع الذي أطلقه دانيال بايبس بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لمراقبة ما يقوم بتدريسه أساتذة الجامعات المساندين للقضية الفلسطينية وتشجيع طلابهم للإبلاغ عنهم، إذا ترى نورتن أن مشروع بايبس شيء ليس جديدا على أسلوب تفكير أتباع ستراوس، كما تشير نورتن على تعمد أتباع ستراوس عدم قراءة الكتابات التي لا تعجبهم والكتاب الذين لا يؤيدون أفكارهم مما يعد قمة الانغلاق الفكري والتحزب الايدولوجيا

فكرة رابعة هي مساندة أتباع ستراوس المتطرفة لإسرائيل، إذ ترى نورتن أن أتباع ستراوس يحاولون تسويق إسرائيل للرأي العام ولصناع القرار في أمريكا على أنها النموذج الأمثل لما يجب أن تكون عليه أمريكا، فإسرائيل كما يحاولون تقديمها بلد جمعت بين الديمقراطية والقوة، فإسرائيل لم تنشغل عن القوة بمبادئ الديمقراطية المثالية الزائفة، فهي بلد ذو إيديولوجية وهدف يسعى لتحقيقه بكفاح مستمر

وتنتقد نورتن أتباع ستراوس لتأليبهم الرأي العام الأمريكي ضد العرب وتصويرهم للمسلمين والعرب على أنهم أعداء لأمريكا وتشير لكتابات محافظين جديد مثل دايفيد فروم وريتشارد بيرل على أنها محاولة صريحة لتصوير المسلمين والعرب على أنهم عدو أمريكا الجديد

وهنا تذكر نورتن القارئ الأمريكي بالفروق الواضحة بين أمريكا وإسرائيل، فإسرائيل أنشئت كبلد لشعب واحد وديانة واحدة، أما أمريكا فهي بلد جديد بني لكي يكون وطنا لجميع الشعوب ولجميع الأديان

أخيرا تؤكد آن نورتن على أن أتباع ستراوس ليسوا أتباعا مخلصين لأستاذهم فقد حرفوا رسالته لتحقيق أهدافهم الخاصة

بقى لنا أن نشير إلى أن كتاب نورتن هو واحد من الكتب العديدة التي ظهرت في الفترة الأخيرة للحديث عن ظاهرة المحافظين الجدد التي باتت تشغل الرأي العام الأمريكي والدولي، ويعيب الكتاب عدم إفراده مساحة كافية للحديث عن أفكار ليو ستراوس نفسه مقارنة بالمساحة الكبيرة التي أفردها الكتاب للحديث عن أتباع ستراوس غير المخلصين
هل يبقى اليمين الأمريكي موحدا؟
مقال بقلم: علاء بيومي

الناشر:
مجلة وجهات نظر، يناير 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

اليمين الأمريكي ليس كتلة واحدة صماء، بل هو تحالف يضم عددا كبيرا من القوى والجماعات التي يصعب وربما يستحيل حصرها حصرا دقيقا، لذا تكتفي الكتابات المعنية بهذا الأمر إلى الإشارة إلى أهم التيارات والجماعات المكونة للمعسكر اليميني داخل الولايات المتحدة

من بين أفضل هذه الكتابات كتاب "عودة كلمة اللام: رؤية ليبرالية للقرن الجديد" للمؤلف دوجلاس مايسي أستاذ علم الاجتماع بجامعة برينستون الأمريكية والصادر في مارس الماضي، إذا يحتوى الكتاب – الهادف إلى مساندة التيار الليبرالي بالولايات المتحدة من خلال توصيف أسباب قوة اليمين الأمريكي وسبل تخطيها – على فصل كامل عن بنية اليمين الأمريكي يهدف إلى توعية اليسار بقوة خصمه اليمني

للإطلاع على النص الكامل للمقال، يرجى زيارة:

http://www.weghatnazar.com/article/article_details.asp?id=830&issue_id=53
رمال الإمبراطورية: الحماسة التبشيرية والسياسة الخارجية الأمريكية
عرض بقلم: علاء بيومي

الناشر:
الجزيرة نت، يناير 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص العرض

مؤلف هذا الكتاب هو روبرت مري، الصحفي السابق بجريدة وال ستريت جورنال، وهي أكثر الجرائد اليمينية الأمريكية نفوذا، والرئيس الحالي لوكالة كونجريشينال كوارترلي (فصلية الكونجرس) الإخبارية وهي أهم الوكالات الأمريكية المعنية بتتبع أخبار الكونجرس الأمريكي

كتاب "رمال الإمبراطورية" مكتوب من وجهة نظر أمريكية يمينية تقليدية واضحة، بشكل يجعل الكتاب نموذجا لما يعتري التيار الأمريكي اليميني التقليدي من تناقضات مزعجة في أحيان كثيرة خاصة فيما يتعلق بوجهة نظر أتباع هذا التيار تجاه الأخر غير الأمريكي وغير الغربي بصفة عامة وتجاه المسلمين والعرب بصفة خاصة – كما سنوضح عبر العرض الحالي

هدف الكتاب

يهدف كتاب "رمال الإمبراطورية" بشكل رئيسي إلى تقديم رؤية نقدية للسياسة الخارجية الأمريكية تقوم على فهم الخلفيات الفلسفية والثقافية للسياسات الأمريكية

وفي حقيقة الأمر يقدم الكتاب في الجزء الأول منه – والذي يغطي فصوله الخمسة الأولى – رؤية متميزة للأفكار الفلسفية المحركة للسياسة الأمريكية، والتي يقسمها روبرت مري إلى فكرتين أساسيتين، وهما فكرة "دائرية الحضارة"، وفكرة "التقدم"

فكرة "التقدم" أو النظرة التقدمية للتاريخ – والتي يتناولها المؤلف في الفصل الأول من الكتاب – هي فكرة حديثة كما يرى المؤلف تعود للفكر الأوربي الحديث وخاصة لمفكري الثورة الفرنسية، ويرى المؤلف أن أصحاب فكرة التقدم مالوا في غالب الأمر للنزعات المثالية والإنسانية، حيث أمنوا بقدرة العلوم والتكنولوجيا الحديثة على تغيير طبيعة وظروف الإنسان بشكل يدفع التاريخ إلى التطور الإيجابي بشكل مضطرد، كما أمنوا بقدرة الحكومات والهندسة الاجتماعية - إذا صح التعبير - على تغيير طبيعة الأفراد والمجتمعات إلى الأحسن، لذا مالوا إلى النظر إلى التاريخ البشرى على أنه يسير بشكل تصاعدي نحو الأمام تحت قيادة الحضارة الأوربية الغربية

أما فكرة "دائرية الحضارة" فيمثلها حديثا مفكرون مثل المفكر الألماني أوسلاند سبلنجر والمفكر البريطاني أرنولد تويني، ولكلاهما نظريات حول تطور الحضارات ومسار التاريخ البشري، وهما يميلان إلى النظر إلى التاريخ البشري على أنه يتكون من مجموعة من الحضارات التي صعدت ثم هبطت بفعل عوامل داخلية وخارجية أدت لتردي هذه الحضارات، ومن ثم فهم يرون أن مصير جميع الحضارات مهما بلغت قوتها هو الانهيار، ويرى روبرت ميرى أن فكرة "دائرية الحضارة" أقرب إلى الفكر الغربي في العصور القديمة والوسطى والذي مال إلى النظر إلى الطبيعة البشرية على أنها طبيعة تحتوي على الشر ولا يمكن أن تتخلص منه، وأن الشر موجود في كل العصور ولا يمكن التخلص منه بالتقدم المادي أو الثقافي، وبذلك رفضوا رؤية "فكرة التقدم" المثالية للتاريخ وللطبيعة البشرية

أفكار محركة للسياسة الخارجية الأمريكية

يرى روبرت مري أن للفكرتين السابقتين تبعات فكرية خطيرة على السياسة الخارجية لأي دولة بما في ذلك الولايات المتحدة، حيث يرى مري أن إيمان صناع السياسة بالولايات المتحدة بفكرة التقدم لابد وأن يدفعهم في اتجاه المغامرات السياسة الخارجية غير المحسوبة، وذلك لأن الإيمان بفكرة التقدم من شأنه أن يشعر الساسة الأمريكيين بأن الغرب سوف ينتصر في النهاية، وبأن الغرب قادر على تغيير الشعوب الأخرى وإعادة صناعتها على صورته

ولو أمن الساسة الأمريكيون بفكرة "دائرية الحضارة" لاختلف سلوكهم السياسي، ولكان من الأولى بهم التركيز على شئونهم الداخلية، وتقوية صفهم الداخلي، وحماية حضارتهم من قوى الإنحطاط والإنهيار والتي هي مصير كل الحضارات، ولتجنبوا المغامرات السياسية الخارجية والتي من شأنها إهدار قوة أمريكا الداخلية وتأليب العالم ضدها

وهنا يرى المؤلف أن الفترة التالية لنهاية الحرب الباردة شهدت جدلا فكريا واضحا على الساحة الفكرية السياسية الأمريكية بين مناصري الفكرتين السابقين، حيث يشير مري إلى بعض العلامات الفارقة بهذا الجدل

انتصار نهاية التاريخ على صراع الحضارات

ويستعرض روبرت مري – خلال الفصول من السادس وحتى الثامن من الكتاب – بشكل لا يخلو من تميز - تطور الجدل الفكري حول السياسة الخارجية الأمريكية بعد نهاية الحرب الباردة وعلاقة هذه الجدل ببعض التيارات الفكرية المؤثرة على السياسة الخارجية الأمريكية خلال القرن العشرين، وكيف قاد هذا الجدل لانتصار مناصري "نهاية التاريخ" على مناصري "صدام الحضارات"

إذ يرى أن انتصار أمريكا في الحرب الباردة أعطى القوميين الأمريكيين مزيد من الثقة في أنفسهم، وبدأ رؤساء أمريكا مثل جورج بوش الأب في الحديث عن النظام العالمي الجديد، كما أعطت حرب تحرير الكويت - والتي خاضتها أمريكا بناء على حسابات برجماتية بالأساس – مزيد من الثقة لتيار نهاية التاريخ وسيادة أمريكا العالمية، ويقول مري أن هذه النزعة التدخلية لم تقتصر على القوميين بل أصابت الليبراليين أيضا والذين طالبوا بتدخل أمريكا في حل المشاكل الدولية على أسس إنسانية كما حدث في البوسنة والصومال، وهنا يرى مرى أن هذه التطورات قادت أمريكا بشكل تدريجي للقبول بالنزعة الإمبريالية للمحافظين الجدد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتي توجت بغزو أمريكا للعراق، وهو غزو يرفضه روبرت مري بشدة حيث يرى أنه بمثابة إحياء لصدام الحضارات

النزعة الإمبراطورية المثالية

يرى مري أن صعود المحافظين الجدد هو بمثابة انتصار لفكرة نهاية التاريخ المثالية على فكرة صدام الحضارات الواقعية، كما يرى مري أن هذا الانتصار كارثيا خاصة وأنه يقود أمريكا في إتجاه إمبريالي بدعاوي مثالية، فالمحافظون الجدد يريدون أن تسود أمريكا العالم لتعيد تشكيله ونشر الديمقراطية فيه، وخاصة في بلدان الشرق الأوسط وإعادة تشكيلها على صورة الديمقراطية الغربية، ويرى روبرت مري أن هذه الأفكار كارثية لأن الإمبريالية الأمريكية سوف تألب العالم والقوى الكبرى على أمريكا، كما أنها سوف تستنزف موارد أمريكا وتصرفها عن الاهتمام بقضايا الداخل، كما أن نزعة المحافظين الجدد المثالية لإعادة صياغة العالم على صورة الديمقراطية الغربية هي نزعة مصيرها الفشل، لأن العالم – كما يراه مري – من منظور صدام الحضارات – سوف يظل مقسما مختلفا ولن يذوب أبدا في حضارة واحدة


أمريكا في حرب حضارية مع العالم الإسلامي

مشكلة الكتاب – والتي دعتنا إلى الحديث عن تناقضاته المزعجة في مقدمة هذا العرض - هو أنه لم يكتفي عند هذا الحد، بل تعداه لتوصيف الوضع الدولي الراهن من منظور "صدام الحضارات" الذي يؤمن به المؤلف بشكل لا يخلو من نظرة سلبية نحو الإسلام والعالم الإسلامي وخاصة الثقافة العربية الإسلامية

إيمان مرى بأن العالم مقسم إلى حضارات مختلفة متصادمة جعله ينظر نظرة سلبية مليئة بالصور النمطية للإسلام وللثقافة العربية الإسلامية سعيا منه لإثبات أن الثقافة العربية الإسلامية مختلفة عن الثقافة الأمريكية بشكل سلبي لا علاج له، لذا يعد الفصل العاشر من الكتاب – والذي خصصه المؤلف للحديث عن الثقافة العربية الإسلامية بغرض بيان اختلافها الكبير والأبدي عن الثقافة الغربية – فصلا مليئا بالصور النمطية السلبية عن المسلمين والعرب إلى الحد الذي دفع المؤلف إلى القول – مستعينا ببعض الدراسات المتحيزة ضد المسلمين والعرب – بأن النساء العربيات يرضعن بناتهن لعام أو عامين بينما يرضعن أولادهن لثلاثة سنوات، كعلامة على مركزية قضايا الشرف والجنس في الثقافة العربية الإسلامية وعلى أن هذه الثقافة قائمة على التمييز ضد المرأة

كما يقول المؤلف أن "الحداثة تمثل تحدي أكبر للعالم الإسلامي أكثر مما تمثله لأي حضارة أخرى"، وأن الثقافة العربية الإسلامية قائمة على "الحساسيات القبلية، وقوة الشعور بالعار ... ودونية المرأة .. والعداء للآخرين"

كما يتحدث الكتاب في فصوله المختلفة عن أن أمريكا موجودة بالفعل في حرب حضارية مع العالم الإسلامي مستخدما - في بعض الأحيان - عبارات قوية فجة تخلط بين الإسلام كدين والعالم الإسلامي ككيان جغرافي ومجتمعات تمثل هذا الدين، إذ يقول المؤلف في أحد صفحات الكتاب (رقم 230) "نحن (الأمريكيون) حقا في حرب مع الإسلام"، كما يقول أن مع اشتعال الحرب الحضارية بين العالم الإسلامي والغرب سوف يرغم المسلمون عبر العالم على "الإختيار بين ثقافتهم والغرب"، وأن "أقلية سوف تختار الغرب" (ص 234)، وبهذا يضع مري الثقافة الإسلامية في صدام حتمي لا مفر منه مع الثقافة الغربية بدون الحديث عن فرص للتعايش من منظور تعددي يقوم على الإعتراف بالتنوع والسعي لبناء جسور الحوار والتعاون

أما الفصل الثالث عشر والأخير من الكتاب فهو مليء بالأفكار المزعجة عن تصور المؤلف للسياسة الخارجية الأمريكية المفترضة انطلاقا من رؤيته لصدام الحضارات، إذ يدعو مري أمريكا لمزيد من التقارب مع الدول الأوربية لتقوية الصف الغربي في حرب الحضارات، وأن تتحالف أمريكا مع روسيا على أن تحرس الأخيرة حدود الحضارة الغربية الشرقية مع دول أسيا الوسطي المسلمة، وأن تتحالف أمريكا علانية أو سرا مع الحكومات المسلمة الديكتاتورية مادامت هذه الدول راغبة في التحالف مع أمريكا ضد الجماعات الإرهابية، بل يصل الحد بالمؤلف لأن يقول أن "كلما كثر السكان المسلمين (داخل أمريكا) كلما تعاظم التهديد الداخلي"، وأن يقترح الحد من نمو المسلمين في أمريكا

وفي الخاتمة يجب التأكيد على الأزمة التي يعاني منها الفكر المحافظ التقليدي – كما يمثله روبرت مري – ففي الوقت الذي يرفض فيه هذا الفكر النزعة الإمبريالية مفضلا الإنكفاء على الذات، ينخرط هذا الفكر بشكل مؤسف في موقف شديدة العدائية تجاه الأخر العربي والمسلم

للإطلاع على النص الكامل للمقال، يرجى زيارة
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/194D6165-F873-4658-89A9-A406830668C9.htm

Saturday, February 04, 2006

ليست المرة الأولى ... فما العمل؟
بقلم: علاء بيومي

الناشر: جريدة الشرق الأوسط، 2 فبراير 2006

نص المقال

سخرية المذيع الأمريكي بيل هاندل من مصرع مئات الحجاج المسلمين خلال مؤسم الحج المنصرف ليست الأولى من نوعها

ففي الثالث عشر من يناير وزع مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) - وهو أكبر المنظمات المسلمة الأمريكية المعنية بالدفاع عن صورة الإسلام في وسائل الإعلام الأمريكية – ضمن رسائله الإخبارية الإلكترونية مقتطفات من تعليقات نشرت على موقع يعرف باسم جهاد واتش (مراقبة الجهاد) جاء في أحدها ما يلي: "لدي فكرة عظيمة، لماذا لا يحتفل المسلمون بالحج كل عام، بهذا الأسلوب يمكننا أن نرسل المزيد منهم لمقابلة ربهم (الله)"

ومن لا يعرف موقع "جهاد واتش" فيكفي الإشارة إلى ما كتبه هايج فيتزجيرالد نائب رئيس إدارة الموقع على الموقع ذاته في أحد المرات

إذ كتب يقول: "العديد من المؤمنين بمعتقدات مختلفة غريبة أو جديدة على الغرب تمكنوا من أن يندمجوا بنجاح، وأن يصبحوا جيرانا طيبين ومواطنين صالحين مخلصين ... جماعة واحدة فقط، نظام معتقدات واحد فقط، يميز نفسه بظهوره عاجزا عن إيجاد مكان لنفسه (بالغرب)، وهؤلاء هم المسلمون، والإسلام، لو عرف أحدنا حقا ما يحتوي عليه الإسلام ... كيف يمكن بعد ذلك لأي إنسان سوي أن يبقى مسلما؟"

أما بيل هاندل - وهو مذيع بإحدى أشهر إذاعات جنوب كاليفورنيا وتدعى KFI – فقد قدم برنامجا ساخرا في الثاني عشر من يناير سخر فيه من مصرع الحجاج المسلمين خلال رمي الجمرات بموسم الحج الماضي

حيث لم يكتف هاندل بالسخرية من الموت وفقدان أرواح مئات الأبرياء وهم يتعبدون - وهي حادثة هائلة مهيبة لا يمكن أن يتعامل معها أصحاب النفوس السليمة إلا بكل إحترام وحذر - بغض النظر عن خلفية من لقوا مصرعهم - بل إنه تطاول على الإسلام ووصفه بأنه "دين غريب"، كما حاول الإيحاء لمستمعيه بفكرة أن المسلمين معادون للسامية

لذا حث مجلس كير – في بيان أصدره – المسلمين و"أصحاب الضمائر" على الإتصال بالإذاعة المذكورة ومطالبتها بالإعتذار على تصريحات هاندل المسيئة وغير المسئولة ومحاسبته

حيث أشار المجلس إلى أن المذيع نفسه سبق وأن اتهم المسلمين – في شهر مارس 2004 - بممارسة الجنس مع حيواناتهم وبتجنب الاستحمام وبالإنشغال المرضي بقتل اليهود (يبدو أن هاندل نفسه مشغول بشكل مرضي بفكرة أن المسلمين يعادون اليهود)

المؤسف هنا أن تصريحات هاندل ليست الأولى من نوعها من حيث الإساءة للإسلام من قبل وسائل الإعلام الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، أو حتى خلال الشهر الماضي

ففي السادس عشر من يناير نشرت صحيفة واشنطن تايمز مقالا لكاتبة تدعى سوزان فيلدس والتي وصفت تكاثر المسلمين وزيارة معدل إنجابهم بأنه نوع من "الشغب الجماهيري" ضد الغرب

وفي الأول من يناير إتهم كاتب مسيحي يدعى هال ليندسي القرآن والحديث "بتعليم العنف"، وذلك خلال برنامج أذاعته قناة فوكس الأمريكية اليمنية

الإهانات السابقة وغيرها من الإساءات التي يتعرض لها الإسلام وأهم رموزه ببعض وسائل الإعلام الأمريكي والأوربية تدفعنا إلى أن نسأل أنفسنا سؤالين هامين، وهما: ما هي أسباب تلك الإساءات؟ وكيف نتعامل معها؟

بالنسبة لأسباب تلك الحملات المغرضة فهي عديدة ومختلفة، وإن كان يمكن تلخيصها في أربعة عوامل رئيسية، العامل الأول هو الجهل، فمختلف الإستطلاعات التي أجريت حول رؤية الأمريكيين للإسلام تدل على أن غالبية الشعب الأمريكي (الثلثين تقريبا) ليس لديها معرفة كافية بالإسلام، وهو ما يجعل هذه الجماهير فريسة سهلة في يد الدعاية المعادية للإسلام بأمريكا والغرب

السبب الثاني هو التحيز التاريخي المدفون بالثقافة الغربية تجاه الأخر الأجنبي بصفة عامة والعربي والمسلم بصفة خاصة، ومن أبرز من فضحوا هذا التحيز البروفيسور العربي الأمريكي الراحل إدوارد سعيد، وذلك من خلال كتاباته عن الإستشراق، حيث رأى سعيد أن تعامل مفكري الغربي مع الأخر الشرقي – بما في ذلك المسلمين والعرب – إنصب في خدمة مؤسسات الإستعمار والإمبريالية الغربية بشكل يساعد هذه المؤسسات على فهم الأخر الشرقي وإخضاعه

وعلى الرغم من إنتهاء العصر الإستعماري إلا أن النظرة الإستشراقية مازالت قائمة وتحكم العديد من السياسات والمواقف الأمريكية تجاه العالمين العربي والإسلامي، وذلك كما يشير كتاب "الإستشراق الأمريكي: أمريكا والشرق الأوسط منذ عام 1945" الصادر في عام 2002 للأكاديمي الأمريكي دوجلاس ليتل

يأتي بعد ذلك دور بعض النخب الأمريكية ذات الأجندات المعادية للمسلمين والعرب بشكل خاص وعلى رأسها بعض قيادات اليمين الأمريكي المتدين والجماعات المتطرفة في مساندتها لإسرائيل

وهنا يجب الإشارة إلى دور تلك الجماعات في تشويه صورة المسلمين والعرب بأمريكا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث كشفت تقارير صحفية أمريكية مختلفة الدور الذي قامت به منظمات مساندة لإسرائيل – من وراء الستار – لتزويد وسائل الإعلام الأمريكية بمعلومات مغلوطة وسلبية عن الإسلام والمسلمين في أمريكا

أما قادة اليمين الديني المتطرف – من أمثال بات روبرتسون وفرانكلين جرام وجيري فالويل – فهم لم يدخروا وسعا لإعلان عدائهم للإسلام بشكل صريح وواضح وفي مناسبات مختلفة، بل أنهم هاجموا الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش لوصفه للإسلام بأنه دين سلام، كما أكد دايفيد فروم كاتب خطابات بوش السابق في أحد كتبه

العوامل السابقة على الرغم من محوريتها لا تعفي المسلمين والعرب أنفسهم من مسئوليتهم عما تتعرض له صورة الإسلام والمسلمين في أمريكا والغرب من تشويه

فهناك جماعات أقلية تسيء للإسلام بإرتكابها أفعال شنيعه – كخطف وقتل الأبرياء – باسم الإسلام

أما الأغلبية المسلمة المتسامحة فمازال صوتها الوسطي غير مسموع لدى المواطن الغربي والأمريكي، وهو ما يدفعنا إلى محاولة الإجابة على السؤال المحوري الثاني بهذا المقال، وهو ما العمل؟

وهنا يجب الإشارة إلى أن المسلمين في أمريكا وخارجها لم يقفوا مكتوفي الأيدي خلال السنوات الأخيرة أمام الحملات المسيئة لدينهم

فهناك مبادرات إيجابية وناجحة عديدة اتخذتها هيئات وشخصيات قيادية مسلمة من شتى أنحاء العالم للدفاع عن صورة الإسلام بالولايات المتحدة والغرب، وقد اتخذت هذه المبادرات صور مختلفة مثل حملات الاتصال بالهيئات الإعلامية المسيئة، وحملات تزويد الأمريكيين بالقرآن الكريم وبكتب موضوعية عن الإسلام، والتبرع لتطوير برامج دراسات إسلامية بأكبر الجامعات الأمريكية، واتخاذ مواقف دبلوماسية رافضة للإساءة للإسلام والمسلمين

ولكن ما يدعو للتأمل في الفترة الحالية هو أن المسلمين بشتى أنحاء العالم وصلوا لمرحلة جديدة من الوعي بخطورة وانتشار ظاهرة العداء للإسلام والمسلمين (الإسلاموفوبيا) بالغرب، كما ظهر في الاهتمام الخاص الذي منحته منظمة المؤتمر الإسلامي - في قمتها الأخيرة بمكة المكرمة - لهذه الظاهرة، كما ظهر أيضا في رد فعل العالم الإسلامي الرسمية والشعبية تجاه إساءة بعض الصحف الأوربية لشخصية الرسول الكريم (ص)

هذه التطورات تدفعنا لاقتراح نوع مختلف - وإن كان غير جديد - للتعامل مع ظاهرة الإسلاموفوبيا، آلا وهو العمل من خلال خطط علاقات عامة - منظمة وعلمية وذات أهداف محددة يسهل قياسها - لتطوير صورة الإسلام بالغرب على أن تبدأ هذه الخطط باستهداف مجتمعات أو فئات معينة داخل أمريكا والغرب يسهل كسب تعاطفها أو تحتاج أكثر من غيرها لفهم صورة الإسلام الصحيحة

المهم هنا أن تتحول الجهود والمبادرات الفردية المتفرقة إلى خطط دعاية وعلاقات عامة منظمة للدفاع عن صورة ديننا الحنيف، فالتحدي الذي نواجهه يحتاج لاستجابة عملية ومدروسة

Wednesday, February 01, 2006

خطاب حالة الإتحاد أظهر شعور بوش بتبعات سياساته
بقلم: علاء بيومي

الناشر: صحيفة الرياض، 2 فبراير 2006، حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

نص المقال

شعور الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بتبعات سياساته السلبي على الرأي العام الأمريكي بصفة عامة وعلى أبناء حزبه الجمهوري بصفة خاصة كان واضحا جليا خلال "خطاب حالة الإتحاد" الذي ألقاه بوش في الحادي والثلاثين من يناير المنصرف

بوش - الذي اعتاد التحدي ورفض التراجع أو الاعتراف بإخطائه - بدأ خطابه بالحديث عن تواضعه للوقوف أمام مجلسي الكونجرس وبدعوته لتخطي الخلافات الحزبية والعمل مع المعارضة بمنهج يسوده الإحترام المتبادل والنوايا طيبة

أما الفكرة الأكثر تكرار بالخطاب فكانت خوف بوش من إنتشار شعور العزلة وسط الأمريكيين

وبالطبع بوش كان يعني إنتشار العزلة وسط الجمهوريين بالأساس وخاصة التقليديين منهم والذي عارضوا إمبريالية المحافظين الجدد، فالعزلة لا تمثل تحديا أمام أصحاب التوجهات الليبرالية بالولايات المتحدة، فالليبراليون الأمريكيون لا يميلون العزلة، فهم يفضلون المشاركة في السياسات الدولية من خلال المؤسسات والقواعد الدولية والقانونية القائمة

أما اليمين الأمريكي فهو يميل للعزلة بشكل تقليدي، وهو ينظر للسياسة الخارجية من منظور واقعي برجماتي بشكل أساسي، لذا رفض اليمين التقليدي سياسات نشر الديمقراطية التي تبناها المحافظون الجدد، كما أنه بات يشعر بقوة وبرفض واضحين لتبعات حرب العراق المكلفة على أمريكا، ولعل كتاب "رمال الإمبراطورية" (2005) لروبرت ميري – رئيس مركز أبحاث كونجريشنال كوارترلي واسع النفوذ بواشنطن – دليلا واضحا على ذلك

أكثر من ذلك كشف خطاب بوش أن اليمين التقليدي بات يشعر بالعزلة لأسباب أخرى مركبة ومعقدة، من بينها المشاكل التي يتعرض لها الإقتصاد الأمريكي والتي أدت إلى فقدان الأمريكيين للعديد من الوظائف والشركات التي كانت تعد بمثابة أعمدة تقليدية للإقتصاد الأمريكي، الأمر الذي أشعر اليمين الأمريكي بالخوف من المنافسة الدولية والمهاجرين كما أشار بوش في خطابه

شعور بوش بمعاناة اليمين التقليدي وقطاعات أخرى واسعة من الشعب الأمريكي جعلته يركز في حديثه على بعض رموز الوحدة الوطنية والثقافة القومية الأمريكية، مثل الحديث عن الجيش الأمريكي كرمز للوحدة والتضحية والولاء والقيم الأمريكية، وكذلك الحديث عن "تحول صامت" يحدث داخل المجتمع الأمريكي نحو احترام القيم الإجتماعية والثقافية التقليدية

هذا إضافة إلى تجنب بوش تقديم حلولا واضحة وصارمة لبعض المشاكل التي تواجهها إدارته، فعندما تحدث عن نشر الديمقراطية ببعض بلدان الشرق الأوسط إكتفي بوش بالحديث عن أهداف عامة دون الحديث عن سياسات بعينها يمكن من خلالها تنفيذ تلك الأهداف، نفس الشيء تكرر عند حديث بوش عن إيران إذا إكتفي بمطالبة العالم بعدم السماح لإيران بإمتلاك أسلحة نووية

أما المثال الصارخ على هذا الصعيد فهو اقتراح بوش تشكيل لجنة من الحزبين لدراسة إصلاح نظام الضمان الإجتماعي الأمريكي، والمعروف أن نظام المعاشات الأمريكي يواجه تحديات ضخمة تجعله مهددا بالإفلاس، وأن بوش تعهد بإصلاحه في خطاب حالة الإتحاد العام الماضي، ولكنه فشل في تحقيق شيئا خلال عام 2005 في واحدة من أكبر هزائم بوش السياسية الداخلية خلال العام الماضي، لذا فضل بوش هذا العام عدم التحدي، وآثر التقدم بإقتراح تشكيل لجنة لدراسة الأمر

المثير هنا أن بوش أشار إلى عام 2006 عله أنه عام "حاسم"، وبالطبع لن يتمكن بوش خلال العام الحالي من حسم أي من التحديات الداخلية أو الخارجية الكبرى التي تواجه إدارته، فهو لن يتمكن من حل مشكلة العراق أو نشر الديمقراطية بالشرق الأوسط أو تطوير وسائل جديدة للطاقة أو إصلاح نظام التعليم الأمريكي خلال إحدى عشر شهرا

ولكن العام الحالي سوف يظل بالفعل عاما حاسما لبوش، ففي نوفمبر المقبل سوف يدخل الحزب الجمهوري أحد أهم التحديات السياسية التي واجهها خلال السنوات الستة الأخيرة، وبوش يدرك أن فشل أو تراجع حزبه في إنتخابات نوفمبر 2006 الفيدرالية سوف يكون له تبعاته الحاسمة على ولايته الثانية

أخيرا بقى لنا أن نشير إلى بعض الأفكار التي وردت في كتاب "الفرصة: لحظة أمريكا المواتية لتغيير مسار التاريخ" لريتشارد هاس والذي عمل كمدير لتخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية خلال عهد وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول

هاس تحدث في كتاهب عن حاجة أمريكا في هذه اللحظة التاريخة الفارقة في عمر السياسات الدولية لرؤية سياسة شاملة وعميقة قادرة على صياغة فترة المخاض التي يعيشها النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة وحتى الآن بشكل يضمن الإستقرار العالمي تحت قيادة أمريكية

وقد رأينا تأكيد بوش خلال خطابه على أهمية القيادة الأمريكية للعالم، ولكن خطابه - كما هو حال خطاباته السابقة - خلا من تلك الرؤية وظل منحصرا في عدد محدود من القضايا والأهداف والسياسات التي لا ترقى إلى المستوى الذي تحدث عنه ريتشارد هاس في كتابه كما أكد هاس نفسه في نقده للسياسة الخارجية الأمريكية خلال عهد الرئيس الأمريكي الحالي