Saturday, August 25, 2012


حكاية قرض صندوق النقد الدولي

انسوا إن مرسي إخوان وإن الإخوان كانوا يوما في مجلس الشعب وتعالوا نتذكر الحكاية من أولها.

كان في 2008 أزمة اقتصادية عالمية بدأت في أميركا أدت لانكماش الاقتصاد العالمي وتراجع الاستثمارات الأجنبية عبر العالم ومصر تأثرت كبقية العالم، ففي عام 2006 دخل مصر استثمارات دولية بلغت 11.5 مليار دولار تراجعت في عام 2008 إلى 6.3 مليار دولار فقط، أي إلى النصف تقريبا. 

في 2010 بدأت أوربا تتأثر بوضوح من نفس الأزمة التي بدأت في أميركا، ومصر مرتبطة بجزء من صادراتها بأوربا، وأصبحت دول الخليج مصدر أساسي للاستثمارات والتمويل في دول المنطقة بسبب عوائدها النفطية، وبدأ التطلع للصين واستثماراتها يزداد بحكم إنها صاحبة أكبر استثمارات خارجية وفوائض مالية بين الدول النامية.

في 2011 حصل في مصر ثورة وفراغ أمني ومظاهرات فئوية أدت لتعطل الاقتصاد وهروب رؤوس أموال وتراجع الاستثمارات وتراجع عائدات السياحة.

الحمد لله اقتصادنا الحقيقي كان قوي بما فيه الكفاية وبنوكنا الخاصة بها ودائع كثيرة غير مقرضة للقطاع الخاص وبنكنا المركزي كان عنده احتياطي حوالي 30 مليار دولار.

لكن كان عندما أزمة سيولة لأكثر من سبب، لكوننا نستورد سلع أساسية مثل الطاقة والغذاء لا نستطيع الاستغناء عنها، ولا نصدر بما فيه الكفاية، ولأن أكثر من نصف موازنة الحكومة يذهب لتسديد ديون قديمة وللدعم،  فنحن دولة مديونة أساسا، فالدين الداخلي 193 مليار دولار أو أكثر من ترليون جنية، والدين الخارجي حوالي 34 مليار دولار، ونحن نعيش على الاقتراض في حدود معينة بشكل مستمر منذ عقود ولم نخترع الاقتراض لسداد عجز الموازنة بعد الثورة لا سمح الله حتى لا يظن البعض الظنون.

لذا في ظل تراجع الاستثمارات والإنتاج والسياحة كان يجب توفير سيولة نقدية من الداخل والخارج حتى لا تحصل أزمة سيولة، يعني نجد نفسنا عاجزين عن ضخ أموال كافية في الاقتصاد فيحدث كساد وهذا تأثيره أسوأ بكثير من تأثير الأوضاع الحالية وسيؤدي لفقدان ناس كثيرة وظائفها وانهيار شركات قائمة.

لذا بدأنا في توفير أموال من خلال الأساليب التالية:

أولا اقترضنا من الداخل كثيرا وقمنا بتخفيض سقف الاحتياطي النقدي الذي يجب أن تحتفظ به البنوك الداخلية أكثر من مرة منذ الثورة وهذا العام، وبعنا سندات كثيرة جدا بعشرات المليارات من الجنيهات المصرية، وبعنا الكثير منها هذا الشهر وحده بعد أن وصل عجز الموازنة لأرقام قياسية، وفي العادة نبيع الديون الداخلية بفوائد عالية تصل إلى 16%. 

ثانيا: طلبنا مساعدة الدول في صورة قروض ومساعدات، بعض دول أقرضتنا وبعضها أودعت لدينا أموال لدعم الميزانية والاحتياطي الأجنبي مثل السعودية وقطر، ودول رفضت مثل الإمارات، ودول وعدت مثل أميركا وأوربا.

ثالثا: لجئنا للمؤسسات الدولية لأن ما سبق لا يكفي والاحتياطي وصل لمعدلات يصعب التراجع عنها (14.5 مليار دولار) ولدينا فجوة تمويلية يجب تغطيتها تقدر بالمليارات (9-23 مليار دولار وفقا لبعض التقديرات)، وبدأ العالم يتحدث عن تراجع قيمة الجنيه المصري أمام الدولار وصعوبة الحفاظ عليها كما هي.

البنك الدولي قدم لنا قرض صغير (200 مليون دولار) يذهب لمجالات تنموية مثل إيجاد فرص عمل.

صندوق النقد هو الأهم لأن قرضه كبير (كان 3.2 مليار، وطلبنا مؤخرا زيادته إلى 4.8 مليار) وفوائده صغيرة جدا حوالي 1.1% في حين إننا ندفع 12-16% للقروض الداخلية قصيرة المدى، كما أن الصندوق لديه خبراء يعطوك مع القرض تقريبا شاهدة ثقة وضمان تقول أنك لن تهدره وإنك تسير على خطة اقتصاد سليمة، وتعرف ما تفعل، وهي ضرورية حتى تثق فيك بنوك دولية ومؤسسات ودول كثيرة.

وخلال العام الماضي نشرت صحف ودوريات اقتصادية وسياسية دولية مختلفة تقارير عن وضع مصر الاقتصادي وعن تراجع مكانتها الائتمانية وعن خوف الشركات المصدرة لمصر وخوف المقرضين ورفعهم شروط التأمين على السلع المصدرة لمصر.

وعن اهتمام الجهات الدولية بقرض صندوق الدولي وما سيصاحبه من دراسة لوضع الاقتصاد المصري وقدرة مصر على السداد كعلامة على صحة الاقتصاد المصري وقدرته على الاقتراض والسداد.

على الجانب الأخر، هناك من يقول أن الإخوان رفضوا القرض أيام الجنزوري ووافقوا عليه أيام مرسي، ربما، ولكن هناك من يقول أن الصندوق يفضل إقراض حكومة منتخبة من الشعب ولا يفضل إقراض دول تعاني من انقسام السلطة ولا يعرف المجتمع الدولي من سيسدد لها. 

هناك أيضا من يقول أن الاقتراض خطأ، وهذا صحيح، ولكن لدينا دين أكثر من 1.4 ترليون جنيه من الديون بين داخلي وخارجي، وحجم الموازنة في مصر السنوية كلها حوالي 600 مليار جنيه، والسؤال هو كيف سنسدد هذه الديون مرة واحدة!؟ وهل هناك من سيقرضنا قرضنا حسنا بحوالي 1400 مليار جنيه دفعة واحدة، خاصة وأن مصر لجأت بالفعل للدول العربية والأجنبية وكل ما وصلها حتى الآن هو حوالي 5-6 مليار دولار من القروض والمساعدات. 

وإذا كانت الإجابة بلا، فيبدو إننا سنقترض، وقد لجئنا للداخل ويقرضنا بفائدة 12-16%، والخارج بعضه ساعدنا وبعضه رفض ولن نستطيع مثلا إرغام من رفض، وأميركا نفسها تحتاج من يقرضها، وطلبنا منها مساعدات إضافية بنصف مليار دولار بالإضافة إلى المساعدات السنوية (1.5 مليار) ومازلنا ننتظر ردها، وأوربا مشغولة في أزمة اليونان والبرتغال وأسبانيا وإيطاليا، ومشغولة بإقراضهم.

والاستثمارات تحتاج وقت لكي تصل ويظهر مفعولها على الاقتصاد، ومعدل الاحتياطي وصل لمداه وقد لا يغطي 3-4 شهور، والجنيه بدأ في التراجع يوم 15 يونيو تقريبا أي في وسط الانتخابات الرئاسية، وكثير من الخبراء الدوليين توقعوا أزمة اقتصادية في مصر في شهر يوليو بسبب بعض الديون مستحقة السداد، حيث قمنا بسداد مليار دولار مرة واحدة، وقامت بعض مؤسسات الائتمان الدولية بتخفيض ثقتها في اقتصاد مصر، ومازال البعض يتوقع تخفيض سعر الجنيه أمام الدولار هذا العام ليصل إلى 6.5 جنيه مقابل الدولار وربما أكثر، ونتمنى آلا يحدث ذلك. 

والحمد لله لم نتعرض لأزمة حتى الآن، ومن المتوقع أن تعود أخبار قرض صندوق النقد الدولي بعائد جيد على الاقتصاد المصري، ومرسي ذاهب للصين في نهاية الشهر لجذب استثمارات وهناك وفد سعودي سيزور مصر هذا الشهر للاستثمار، ونتمنى الاهتمام بالسياحة هذا الموسم لعلها تعود بعائد سريع وإن كانت الأخبار الخاصة بالعمليات العسكرية الجارية في سيناء لها تبعات سلبية على شعور السائح بالأمان وإمكانية زيارة هذه المنطقة. 

هناك أيضا من يحاول القيام بمبادرات شعبية لجمع تبرعات أو ودائع لمساعدة الحكومة، وهو جهد مشكور ورائع يجب تشجيعه، فالاتفاق على تفاصيل القرض سوف يستغرق شهرين وربما أكثر، ومصر في حاجة لسيولة أكثر من القرض بكثير، وربما ضعفه، وإذا استطعنا توفير مليار دولار خلال الشهرين القادمين من خلال الجهود الشعبية فهذا إنجاز، وسوف يساعد كثيرا، لذا فليعمل كل في مجاله لمساعدة البلد.


وهناك أيضا من يشتكي من شروط صندوق النقد وقد أكدت الحكومة المصرية سعيها للتوصل إلى شروط مناسبة للقرض، والرقابة السياسية لابد أن تساعد على ذلك.

كما يقول بعض الخبراء الاقتصاديين مثل وزير المالية السابق الدكتور حازم الببلاوي في كتابه الأخير "أربعة أشهر في قفص الحكومة" أن صندوق النقد تعلم من مواقفه وأخطائه التي ارتكبها في الماضي في التعامل مع الدول النامية وأنه "أضطر إلى تعديل مواقفه، مع الأخذ في الاعتبار الجوانب الاجتماعية والسياسية".

ويضيف قائلا: "هناك بعض ما يبرر التخوف من التعامل مع الصندوق، وإن كان هذا التخوف مبالغا فيه، ويتعلق بماض الصندوق أكثر مما يشير إلى سياسته الحالية." 

هذه حكاية قرض صندوق النقد الدولي كما تابعتها منذ الثورة من مصادر مختلفة مصر وأجنبية سعيا لرؤية الحقيقة من أكثر من جانب والمقارنة، ونترك لكم الحكم، والله أعلم.

علاء بيومي

No comments: