Saturday, July 28, 2012

قراءة في مؤتمر الجبهة الوطنية بمصر ومضامينه السياسية الهامة


مؤتمر هام لا يجب أن يمر مرور الكرام لأسباب عديدة، فالجبهة تضم عدد من أفضل الشخصيات المستقلة وذات المصداقية في مصر حاليا، وبعضهم محسوب على التيار الديني ويحظى باحترام كبير من قبل حزب الرئيس مرسي وجماعته، ومن ثم يستحيل على الجماعة وأنصارها أن يرفضوا ما جاء في المؤتمر أو يصوروه على أنه معارضة مغرضة أو معادية للرئيس.


ثانيا: الجبهة لعبت دورا هاما في حشد الرأي العام لمرسي في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة، وتوفر شيء تفتقر إليه مصر كثيرا منذ الثورة، وهو إطار جامع من الشخصيات والقيادات الوطنية المحترمة والتي تمتلك رؤية وتأثير على الرأي العام وتريد العمل مع الأطراف السياسية المختلفة وتوحيدها وبناء شراكة وطنية واعية توفر على المصريين حالة التخبط والانقسام التي عانوها منذ الثورة.


وقد ذكر أعضاء اللجنة في مؤتمرهم الصحفي اليوم وبدرجة عالية من الرقي والبلاغة السياسية أنهم انتظروا شهرا كاملا لمتابعة مواقف الرئيس قبل عقد مؤتمرهم هذا، وأنهم سوف يستمرون في دعم الرئيس طالما اتبع أجندة الثورة المصرية، وأن مؤتمرهم هذا ليس محاولة لنقده أو للهجوم أو الخروج السياسي عليه، ولكنه محاولة لنصحه وتقديم المشورة، وأنهم حاولوا مرارا الاتصال بالرئيس وطلب اللقاء معه خلال الشهر الماضي بلا جدوى، وأنهم رأوا ضرورة عقد مؤتمر اليوم احتراما للوعود التي قطعوها على أنفسهم لتمثيل مصالح الناس.

ثالثا: لابد وأن نعود لظروف تشكل الجبهة لكي ندرك قيمتها، فقد تشكلت في فترة انقسام سياسي وأيدلوجي كبير في مصر، مازالت تبعاته مستمرة، وهي فترة عاني فيها الرئيس وحزبه وجماعته من ضغوط سياسية هائلة لأسباب مختلفة من بينها أخطاء سياسية ارتكبوها في الماضي واعترفوا بها ووعدوا بإصلاحها.


وبعد الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية بمصر كانت البلد في وضع شديد الانقسام، وكانت هناك حالة رفض قوية لمرشحي الرئاسة في مصر المتأهلين للجولة الثانية، وهما أحمد شفيق باعتباره ممثلا للنظام السابق، ومحمد مرسي باعتباره ممثلا للإخوان المسلمين بما ارتكبته الجماعة من أخطاء سياسية منذ الثورة وخاصة في حق شباب الثورا، لذا بحث كلا المرشحين عن دعم سياسي من خارج حزبه لحسم الانتخابات لصالحه.


وكان هنا دور الجبهة والشخصيات غير الإخوانية التي دعمت الرئيس، لأنها قدمت للرئيس شيء غالي جدا كان يستحيل عليه توفيره داخل حزبه أو جماعته، وهي صورة رئيس يلقى دعم فئات واسعة من شعبه، ويعبر عن أغلبية سياسية وجماهيرية وأيدلوجية وثورية وليس انتخابية فقط.

وهنا يجب الإشارة إلى أن نقد الجبهة الوطنية اليوم - والذي سنتحدث عنه تباعا بالتفصيل - يعيدنا لتلك النقطة الصعبة وربما الأصعب في مسيرة الإخوان السياسية منذ الثورة وتحديدا للفترة المحيطة بالجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، حيث أثيرت أسئلة كثيرة لدى المواطن المصري حول جماعة الإخوان المسلمين ومدى قدرتها على العمل الجماعي والانفتاح على الآخرين وفصل الحزب عن الجماعة واعتبار معيار الكفاءة لا الولاء في عملها.

وحديث الجبهة الوطنية اليوم يكاد يفتح الملفات أو الجراح السابقة جميعا ويجدد نزيفها، لدرجة أن أحدى أعضاء الجبهة والمتحدثات في مؤتمر اليوم، وهي الأستاذة سكينة فؤاد ذكرت في كلمتها أن حديث أعضاء الجبهة اليوم وشكاويهم في المؤتمر لم تتغير منذ يوم 22 يونيو وهو يوم لقاء الجبهة مع د. مرسي وإعلان تشكيلها ومصارحته بمخاوفهم ومطالبهم.

رابعا: عمقت تساؤلات أعضاء الجبهة عدد كبير من أهم مخاوف المصريين بخصوص حكومة مرسي، فالجبهة قالت في ملخص مؤتمرها الصحفي أنها لم تستشار من مرسي منذ فوزه ولا تعرف كيف يدير البلاد ولا كيف يختار مساعديه ولا كيف سيتم التعامل مع مشاكل البلاد العاجلة وأزماتها!؟ وإذا كان هذا حال الجبهة الوطنية وهم حلفاء لمرسي ومقربين منه، فما بالك بالمواطن العادي!؟


حيث أشار الدكتور محمد سعيد إدريس – على سبيل المثال – إلى السياسة الخارجية المصرية، وقال – في ما معناه – أن لا أحد يعرف كيف تدار علاقة مصر مع إسرائيل، وما إذا كان الرئيس مرسي هو المسئول عنها أم المجلس العسكري، ولماذا لا يتم إدارة ملف السياسة الخارجية المصرية بشيء من الشفافية ولماذا لا يتم إشراك خبراء السياسة الخارجية المصرية في الأمر!؟ ولماذا لا يتم الاستعانة بالخبرات المصرية المختلفة في إدارة الأزمات التي تمر بها البلاد!؟ ولماذا لم يشكل مرسي حتى الآن لجان لإدارة الأزمات المختلفة كما اتفق مع القوى الوطنية!؟


أما إسلام لطفي فقد حذر مرسي من الدولة العميقة وكيف أنه سوف يعجز عن التعامل معها بمفرده مشيرا إلى قضية الإفراج عن المعتقلين، حيث أشار لطفي إلى التحدي الذي واجهه وغيره من ممثلي المنظمات الأهلية المعنية بالإفراج عن المعتقلين عند التعامل مع أجهزة الشرطة وكيف أن بعض مسئولي الأمن مازالوا يتعاملون بنفس عقلية وأساليب نظام مبارك، مؤكدا على أن مرسي وجماعته وحدهما لن يتمكنا من رقابة ومواجهة بيروقراطية الدولة العميقة.


أما الدكتورة هبة رءوف عزت فقد عبرت عن مخاوفها من أسلوب اختيار مرسي لمساعديه وحكومته مشيرة إلى خوفها من سيطرة مبدأ المحاصصة السياسية من خلال توزيع الوزارات على الأحزاب المقربة من الإخوان وحلفائهم وتراجع مبدأ الكفاءة، كما ذكرت أن اختيار د. هشام قنديل لرئاسة الوزراء لا يرتقي للشروط التي وضعتها الجبهة الوطنية في اختيار المرشحين.

وفي النهاية وحتى لا نطيل على القارئ ألقت الجبهة ومؤتمرها الهام بشكوك عميقة حول أسلوب صناعة مرسي لقراره السياسي ومن يستشير ومدى طغيان تيار سياسي بعينه على مكتب الرئيس وخاصة جماعته السياسية، وإذا كان مرسي يرفض لقاء الجبهة الوطنية ولا استشارتهم فمن يلتقي ومن يستشير!؟ وكيف سيتمكن من بناء التوافق الوطني وتوحيد المصريين ومواجهة الضغوط الهائلة من العسكر وحلفائهم والفلول والدولة العميقة!؟

كل هذا مع التزام أعضاء الجبهة الوطنية بدرجة عالية من الخطاب السياسي الراقي، والتأكيد على رغبتهم في توحيد البلاد والعمل مع الجميع وإنجاح أهداف الثورة ودعم الرئيس.

وعلى الرغم من أن الظروف تغيرت وأن الرئيس وحزبه قد أصبحا في الحكم ويمتلكان الشرعية القانونية، وأن الجبهة الوطنية قد لا تمتلك دعم انتخابي واضح، وانتقادنا الشخصي لها لصمتها على مدى شهر كامل، إلا إننا نعتقد أن مؤتمرها جاء في توقيت جيد وأن محتواه كان هام للغاية، وأن الرئيس وحزبه وجماعته سوف يخسرون كثيرا لو تجاهلوه، وأنه يمثل نقطة هامة في تطور الخطاب السياسي الناقد لمرسي في الفترة الحالية لابد من التوقف عندها وفهمها جيدا قبل الانتقال إلى نقطة أخرى، والله أعلم.

علاء بيومي - 28 يونيو 2012 

No comments: