Wednesday, November 12, 2008

تحية وداع مستحقة إلى أخر إمبراطور أميركي ... جون ماكين
بقلم علاء بيومي – مؤلف كتاب جون ماكين والشرق الأوسط والولاية الثالثة للمحافظين الجدد – للإطلاع على النص الكامل للكتاب اضغط هنا

يمكن نشر المقال الراهن مع الإشارة إلى مصدره

نص المقال

ما فعله جون ماكين في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة (2008) كان إمبراطوريا بحق لا يستحق منا إلا كل احترام وتقدير، فقد انبرى الرجل للدفاع عن الحزب الجمهوري في ظروف صعبة للغاية على الرغم من عداء الجمهوريين الطويل له، وهو أمر لا يقوم به إلا شخصيات قليلة شجاعة، وهي سمة من السمات الإيجابية العديدة التي يتمتع بها ماكين

لذا في اعتقادي أن ماكين لم يكن ليستحق الهزيمة الكبيرة التي مني بها على أيدي باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، وهذا لا يعني أن ماكين لم يكن يستحق الهزيمة، فقد استحقها باقتدار بعد أن غير كثيرا من وجهته السياسية منذ أواخر عام 2004، وتبني كثيرا من مواقف بوش والجمهوريين التي عارضها في الماضي، لذا كانت وجاءت هزيمة ماكين مستحقة، ولكن الهزيمة الكبيرة التي تعرض لها تعد ظلما لرجل مثله

وهذا مرة أخرى لا يعني أننا مساندين لماكين وأو للجمهوريين أو لمواقف ماكين السياسية، ولكنني ومن باب احترام الأخر رأيت أنه من الواجب تقديم تحية وداع مستحقة لأخر إمبراطور أميركي منتظر

فجون ماكين كما ذكرت في
مقال سابق يتمتع بخالص كثيرة تضعه باقتدار ضمن سلالة سياسية هي أقرب من سلالة الأباطرة الكبار الذين ينظرون إلى أنفسهم كأناس يصنعون تاريخ شعوبهم والعالم


أوباما كذلك ينظر لنفسه كشخص يصنع تاريخ أميركا والعالم، ولكن الفارق بين أوباما وماكين، هو أن ماكين يمتلك تاريخا هائلا، وشخصية قوية تتميز بخالص شرسة صعبة المراس تبدو كخالص المحاربين خاصة إذا ما قارناها بأوباما الأستاذ الجامعي الحالم قليل الخبرة السياسية

فماكين ثائر غاضب تعرض للأسر والتعذيب لسنوات، ينحدر من أسرة من كبار قادة البحرية الأميركية، كما أنه طيار سابق وسياسي قدير ملأ ساحات أميركا بالصخب والصراعات السياسية والتصريحات النارية على مدى أكثر من عقدين من الزمان

كما أنه بحق أخر إمبراطور أميركي، فهو وريث الجمهوريين برغبتهم في أعادة بناء العالم، ووريث مشروع العظمة الوطنية الذي تبناه المحافظين الجدد منذ منتصف التسعينيات، ووريث الريجانية، ووريث الروح الأميركية في قمة عنفوانها ورغبتها في مفاجئة الجميع وتغيير مواقفهم بين عشية وضحاها من خلال قلب قواعد اللعبة السياسية رأسا على عقب

خسارة ماكين هي خسارة كبيرة لمن يعشقون متابعة ذلك النوع من الساسة بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معهم، فالتقدير واجب حتى مع الخصوم

كما أن ماكين خسر وخسرت معه الإمبراطورية الأميركية ذاتها، فقد خاض انتخابات صعبة هل بمثابة استفتاء على روح الإمبراطورية الأميركية ومدى قدرتها على الاستمرار، وهي جريحة تعاني من نزيف اقتصادي حاد في الداخل وخسائر عسكرية كبيرة في الخارج ومشاكل أخرى عديدة

وما يزيد الأمر صعوبة على النفس هو أن ماكين كان يمكن أن يجنب نفسه الخسارة الهائلة التي تعرض لها والتي توقعها وحذر منها الكثيرون، فقد حذر عدد كبير من الخبراء السياسيين الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء من أن الحزب الجمهوري مقبل على خسارة فادحة في انتخابات 2008 بسبب سياسات بوش وقادة الحزب الجمهوري الذي ارتموا في أحضان قوى اليمين المسيحي، والذين عارضهم ماكين لسنوات

ولكن ماكين تحلى بصفات فرسان العصور الوسطي وقرر المضي قدما في طريقة ورشح نفسه في الانتخابات متبنيا أجندة تدعم حرب العراق وزيادة القوات الأميركية هناك في أوائل عام 2007، وفي وقت وصلت فيه معارضة حرب العراق إلى أدنى مستوياتها وتخلى فيه عتاة الجمهوريين عن دعمها

ولكن الإمبراطور ماكين سار في طريقه رافضا التراجع ولو لحظة، فدعم إستراتيجية زيادة القوات حتى صعدت أسهمها وصعد معها، ووجد نفسه في الانتخابات التمهيدية يواجه منافسين هم أقل منه خبرة وحكمة بكثير، ولو فاز أحدهم بترشيح الجمهوريين لتعرض لهزيمة أكبر من التي تعرض لها ماكين بدرجات، ولألتهمه أوباما والديمقراطيون بسهولة، أو لربما تغير التاريخ والتهمته هيلاري كلينتون

فأحد أسباب اختيار الديمقراطيين لأوباما هو فوز ماكين بترشيح الجمهوريين له في الانتخابات التمهيدية، وذلك لأن الديمقراطيين أدركوا أن ماكين سياسي غير عادي صعب المراس وأنه يحتاج لسياسي من نوع جديد قادر على قلب الطاولة رأسا على عقب وعلى إعادة تعريف قواعد اللعبة السياسية، لذا دفعوا بأوباما لمواجهة، وفضلوا أوباما على هيلاري كلينتون، وربما لو فاز شخص أخر غير ماكين في انتخابات الجمهوريين التمهيدية لتردد الديمقراطيون كثيرا في ترشيح أوباما، ولهذا يمكن القول أن صعود الإمبراطور ماكين خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة ساهم بشكل قوي في صعود الرئيس الأميركي الـ 44 باراك أوباما

عموما خاض الإمبراطور المجروح حربا كان غني عنها فتاريخه مليء بالمواقف السياسية الكبيرة، وهو جزء لن ينسى من تاريخ أميركا السياسي، فهو واحد من الأميركيين القلائل الذين يمكن وصفهم اليوم بالأبطال القوميين، ولكنه وعلى طريقة الكبار انبرى للدفاع الجمهوريين بعدما تخلوا عنه في عام 2000 وفضلوا عليه بوش قليل الخبرة والحيلة، وانبرى لتوحيد صفوفهم الممزقة، وفي شن حرب صعبة المراس على الديمقراطيين، حرب مليئة بالكر والفر بشكل قد لا يتقنه - وسط الجمهوريين - سوى ماكين

ولكن يبدو أن الموجات كانت عالية، وأن الصفوف كانت ممزقة والأسلحة قديمة عتيقة والجعبة خاوية أكثر مما توقع الإمبراطور ماكين، لذا هزمه جيشه وتخلى عنه مرة ثانية وأخيرة، فقد هزمه الجمهوريون في عام 2000 حين فضلوا بوش عليه، وهزموه في 2008 حينما دفعوه للأمام للتضحية به في خضم بحر هائج غاضب لا يتنبأ إلا بتحطيم من يقف أمامه

ولكن الإمبراطور أبى إلا يحارب حتى النهاية، واختار نائبته سارة بالين لإرضاء الجمهوريين من ناحية وليثبت للجميع أنه قادر كعادته على مفاجئة الجميع وزلزلة الأرض من تحت أقدام جنوده وخصومه على حد سواء

ولكن القدر لم يمهل الإمبراطور الأخير فرصة أخرى، فحكم عليه بأخر وأقسى هزائمه، لذا لا يسعنا سوى أن نقدم تحية وداع وتقدير مستحقة لأخر إمبراطور أميركي (جون ماكين) على الرغم من اختلافنا معه

-----

مزيد من المقالات عن جون ماكين

النص الكامل لكتاب جون ماكين والشرق الأوسط والولاية الثالثة للمحافظين الجدد

عرض مفصل لكتاب جون ماكين والشرق الأوسط والولاية الثالثة للمحافظين الجدد

التخويف من العرب والمسلمين في الانتخابات الرئاسية الأميركية الحالية


الإمبراطور الأميركي الأخير


حلقة برنامج "كتاب ألفته" عن كتاب جون ماكين والشرق الأوسط


فروق بين أوباما وماكين أظهرها لقاؤهما الانتخابي الأول


العراق بين قنوط أوباما وصقورية ماكين


ماكين في مواجهة دروس البروتستانت التبشيريين القاسية


من لا يحب جون ماكين؟

No comments: